🗝️⦗ اَلْفَصْلُ اَلْخَامِسُ: نُقْطَةُ اَللَّاعَوْدَةِ ⦘🗝️
كانت رائحة الورق القديم في قاعة أرشيف السيدة نجاة تشبه رائحة الموت الصامت. المكان غارق في عتمة خانقة، لا يكسرها سوى الضوء الضئيل المنبعث من المصباح الزيتي الصغير الذي كانت تحمله ريما بيد ترتجف كعصفور بلله المطر.
تنحنحت ريما بهمس متحشرج وهي تلتفت نحو ميرا:
"ميرا.. أرجوكِ، لنخرج من هنا. المكان يضيق بأنفاسي، وإلياس ليس بالرجل الذي يسهل خداعه. إذا كشف أمرنا الليلة، فلن نرى النور مجدداً."
لم تجبها ميرا فوراً. كانت واقفة أمام الصندوق المعدني الكبير الذي نجحت ريما في جلبه بعد أن فتح نديم البوابة الخلفية في الظلام. ملامح ميرا الحادة وعيناها الواسعتان كانتا تشعان بذكاء جنوني وعناد لا يعرف الانكسار. رفعت يدها المتزينة بالخاتم الذهبي، وتلمست قفل الصندوق البارد بكبرياء هادئ.
قالت ميرا بصوت واثق لم يهتز:
"الخوف هو القفص الذي يصنعه إلياس لندجن فيه يا ريما. الحبر لا يكذب، والسطور التي خبأتها السيدة نجاة خلف هذه الجدران هي سلاحنا الوحيد لتعرية هذا القصر. لن أتحرك خطوة واحدة دون أن آخذ الحقيقة كاملة."
بأصابع ثابته، أدخلت ميرا المفتاح القديم في القفل. أصدر المعدن صريراً حاداً تردد صداه في زوايا الغرفة، ليتنفس الصندوق غبار سنوات من الخطايا المدفونة. سحبت ميرا الملف الأول، وكان غلافه الجلدي الأسود يحمل اسماً صدمها حتى مقتل كبريائها: اسم والدتها الراحلة، بجانبه خطوط عريضة مكتوبة بدم جاف يعود لعقود مضت.
فتحت الصفحات، وبدأت عيناها تتنقلان بين السطور. تدريجياً، بدأت ملامح الثقة تتلاشى عن وجهها، وحل محلها ذهول مرعب. السطور كانت واضحة، والحقيقة كانت زلزالاً يضرب هويتها: والدتها لم تكن ضحية عابرة للقصر.. بل كانت العقل الشريك للسيدة نجاة في نسج أقنعة الأرواح المستعارة. وشغف ميرا بالنبش وراء الأسرار لم يكن موهبة بريئة، بل كان امتداداً لجينات ملوثة بالخداع.
وفي أسفل الصفحة، كُتب خط يد مألوف: "أقسمتُ لكِ أن أحمي ابنتكِ من خطايانا، حتى لو كان الثمن أن تكرهني إلى الأبد. - إلياس"
"هل أعجبكِ ما قرأتِ يا ابنة السيدة نجاة؟"
انقطع الحلم، وسقط المصباح الزيتي من يد ريما لينطفئ فوراً، تاركاً الغرفة تحت رحمة الظلام المخملي وسيجارة مشتعلة توهجت فجأة عند زاوية الباب.
خطوات واثقة، ثقيلة، ومنتظمة تقدمت نحو السطح الخشبي للطاولة. ظهر إلياس ببدلته السوداء الفاخرة، يحيط نفسه بدخان سجائره وظلاله المعتادة. عيناه الباردتان كصقيع الشتاء لم تكونا تحملان رغبة في القتل، بل كانتا مليئتين بخيبة أمل قاتلة وقسوة يرتديها كقناع.
تراجعت ريما للخلف وهي تحبس أنفاسها، بينما تجمدت ميرا في مكانها، تضغط بالملف ضد صدرها وكأنها تحمي تاريخها الذي انهار في لحظة.
قال إلياس بصوت منخفض، هادئ، ولكنه يملك هيبة طاغية:
"كنتُ أحرس هذا الجحيم لكي لا تطأه أقدامكِ يا ميرا. كنتُ أتحمل نظرات التحدي والكراهية في عينيكِ، وألعب دور الجلاد فقط لتبقي بعيدة عن قذارة هذا الأرشيف. لكنكِ صممتِ على حرق أصابعكِ.. وحرق اسم والدتكِ."
استجمعت ميرا كبرياءها الجريح، ورفعت رأسها لتواجهه نداً لند رغم الارتجاف الخفي في صوتها:
"أنت.. أنت كنت تحميني؟ أم كنت تحمي نفسك وخطيئتك الأولى التي تتستر عليها السيدة نجاة؟"
ابتسم إلياس ابتسامة باهتة وخالية من السخرية، ونفث دخان سيجارته ليحجب ملامحه جزئياً:
"أنا تلميذ هذا القصر، صُنعتُ من عدم ولا أملك شيئاً لأخسره. لكنكِ أنتِ.. أنتِ التي جئتِ بقلمكِ لتكتبي نهايتي، لم تدركي أن اسمكِ كان السطر الأول في كتاب اللعنة."
وفي تلك اللحظة بالذات، ومن خلف زجاج النافذة المطلة على الممر الخارجي، كان هناك ظل آخر يراقب المشهد بابتسامة دافئة ومخادعة. نديم كان واقفاً في المساحات الرمادية، وعيناه الثاقبتان تلاحظان انهيار كبرياء ميرا وصدمة إلياس. لقد نجحت خطته؛ فميرا الآن تملك الدليل الذي سيدمر هيبة إلياس، وإلياس لم يعد قادراً على السيطرة على النيران.
التفت إلياس نحو الباب، ثم ألقى بنظرة أخيرة على ميرا وقال قبل أن يختفي في ردهات القصر:
"الملف بين يديكِ الآن. انشريه في العالم وعري زيفنا، لكن تذكري.. حين تسقط الأقنعة بالكامل، لن يخرج أحد من هذا القصر بروحه الأصلية."
تُركت ميرا وسط الظلام، تحمل بيدها خنجر الحقيقة الذي غرس في صدر تاريخها، بينما بدأت طبول الخاتمة تدق في أرجاء قصر الأرواح المستعارة.
.
.
نهاية الفصل الخامس...
في قصر الأرواح المستعارة، أصعب أنواع الحقيقة هي تلك التي عندما تبحث عنها لتُدين بها أعداءك، تجد وجهك مرسوماً في مرايا خطاياهم.
ميرا اعتقدت طوال الوقت أنها جاءت بقلمها لتكتب نهاية إلياس وتكشف فساد هذا المكان، ولم تدرك أن اسمها كان السطر الأول في كتاب اللعنة، وأن الوحش الذي كانت تحاربه هو نفسه الحارس الصامت الذي يحترق في الظل ليحميها من ماضي دمها.
.
.
الآن سقطت الأقنعة وتغيرت كل قواعد اللعبة. ميرا تقف أمام الخيار القاتل: هل تحافظ على كبريائها واسم عائلتها وتدفن الحقيقة؟ أم تنشرها وتخسر كل شيء؟
أتمنى أن يكون الفصل الخامس قد لامس قلوبكم وعقولكم، فالقادم لن يكون مجرد مواجهة، بل هو رماد الأقنعة التي لن تعود أبداً كما كانت.
بكل كبرياء وعمق نفسي،
الكاتبة: جوليا.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!