يد العون
يد العون
جزء 2 من 2
وضع القراءة:

الفصل الثاني

عادت "أريج" إلى الخلف في خوف شديد، ومسكت بيد شقيقتها الصغيرة "جنى" التي تبولت على نفسها من شدة الرعب.
هناك.. كانت بداية عذاب الأطفال الأبرياء، وهنا بدأ كل شيء.
ركضت "أريج" نحو والدتها تحتمي بها، وفعلت "جنى" المثل بعدما ابتعد الخال.
رأت الأم المياه التي بللت ملابس ابنتها الصغيرة فقالت بحنان:
— ما هذا يا عزيزتي؟ هيا.. هيا حتى أغير لكِ ملابسكِ.
هدأت الطفلة بين يدي والدتها، وبعد أن ألبستها ثياباً جافة، نامت داخل أحضانها وبجانبها شقيقتها "أريج".
مع إشراقة صباح يوم جديد، كانت الجدة "ماجدة" تجلس بجانب ابنتها "ميلان" وتقول لها بلهجة أمل متصنعة:
— ارتدي الثياب التي تناسبكِ، أريدكِ أن تشبهي القمر؛ فالرجل قادم اليوم ليراكِ.
هزت "ميلان" رأسها بقلة حيلة، وسارت مبتعدة عن ابنتيها.
كانت فكرة الزواج بتلك الطريقة أشبه ببيع نسيجةٍ غضة لراعي غنم، لا تمتّ للمودة والرحمة بصلة.
جلست "ميلان" بجانب ذلك الرجل العجوز، فنظر إلى جسدها بتفحص صريح، وكانت الرغبة الحيوانية جليّة في ملامح وجهه. ورغم علم الأم المغزى من تلك النظرات، إلا أنها لم تبدِ أي رد فعل حازم لحماية ابنتها.
تَمّ عقد القِران في اليوم نفسه، وكأنها بضاعة بلا قيمة تُباع وتُشترى.. وأُخذت في الليلة ذاتها إلى منزل ذلك الرجل.
بعد مرور بعض الوقت، كانت الصغيرة "جنى" تبكي حرقةً وشوقاً لوالدتها، فصرخ "عماد" (الخال البالغ من العمر اثنين وعشرين عاماً) بغضب:
— يا أمي! خذي هذه الفتاة من أمامي.. إنها تصرخ بلا توقف!
أخرجت "أريج" إحدى اللعب ووضعتها بين يدي شقيقتها كي تهنأ وتصمت، لكن بكاءها ازداد نحيباً.
جاءت الجدة "ماجدة" وقبضت بظلم وقسوة على شعر تلك الصغيرة، لتتعالى صرخاتها أكثر وأكثر.
كان صوت بكاء "جنى" يتردد بأسى في أرجاء المنزل الضيق المكون من غرفة نوم وغرفة استقبال.
وفي الوقت نفسه، ولكن في مكان آخر غير بعيد.. كانت "ميلان" تبكي بحرقة بينما ينقض عليها ذلك الرجل العجوز محاولاً التعدي عليها بشكل عنيف وقاسٍ، جعل تلك الأنثى المريضة تنزف دماءً دون أن يرحم ضعفها.
في مكان آخر..
قال "خالد" بضحك واستخفاف:
— بالتأكيد تمزح! هل تتحدث عن "آية" ابنة عمي؟!
نظر له "ماهر" وقال بجرأة ومباشرة:
— أريد رقم هاتفها.
كان الطلب جريئاً ومستفزاً للغاية.. ورغم أن شهامة "خالد" ومروءته كانتا تقتضيان أن يثور ويغضب لحرمة بيته، إلا أنه وافق بكل سهولة وأعطاه رقم "آية"!
في السهرة، كانت "آية" تجلس بجانب والدها تشاهد التلفاز مع باقي إخوتها، حين رن هاتفها برقم غريب.
أردفت بحذر:
— من معي؟
أجابها "ماهر" بنبرة واثقة:
— أنا "ماهر" صديق "خالد".. ألستِ أنتِ "آية"؟
تنفست بعمق بعد أن تذكرت ذلك الشاب الذي كان يقف بجانب ابن عمها بالنهار.
شعرت بتوتر شديد ونظرت بنظرة خاطفة نحو والدها، ثم أجابت باضطراب:
— الرقم خاطئ.
تطلع إليها الأب متسائلاً:
— من المتصل؟
ردت "آية" بحذر:
— إنه رقم خاطئ يا أبي.
ثم قامت من جلستها وقالت مستأذنة:
— سأذهب لأنام، أشعر بالأرق.
توجهت "آية" نحو غرفتها، وسترت نفسها على الفراش تاركة مساحة كافية لشقيقتها "يارا" التي تنام بجوارها.
أمسكت هاتفها وطلبت رقم "ماهر".. حين أجاب، خيم الصمت بينهما للحظات، قبل أن تبادر هي بالقول:
— أنا "آية".. من أين جلبّت رقمي؟
عدّل "ماهر" جلسته براحة وقال:
— من "خالد".
جلست فوق الفراش باستغراب وتساءلت:
— كيف يحدث هذا؟!
ضحك "ماهر" بخبث وقال:
— إنه صديقي ويعلم أنني لن أحاول أذيتكِ بأي شكل من الأشكال.
قالت "آية":
— ولكنه لم يخبرني بأنه سيعطي رقمي لأحد!
رد "ماهر" بمكر ليحاصرها لغوياً:
— لو لم تكوني ترغبين في الحديث معي لما اتصلتِ بي الآن.. لقد كذبتِ على عائلتكِ وأغلقتِ المكالمة أمامهم، والان تتحدثين معي دون علمهم!
صمتت "آية" بحرج شديد، فأكمل هو مستغلاً الموقف:
— ولكن هذا غير مهم مطلقاً.. أنا اتصلت بكِ لأقول لكِ إنني معجب بكِ.
أمسكت "آية" أطراف شعرها وابتسامة خفيفة تتسلل إلى صوتها:
— وكيف شعرت بالاعجاب نحوي وأنت لم تتحدث معي من قبل، ولم ترَني سوى نظرة خاطفة؟
وضع يده على موضع قلبه وقال بصوت دافئ متصنع:
— لأنكِ الفتاة التي طالما حلمت بها.. بنفس الوجه والملامح، وستكونين بالطباع والشغف ذاته أيضاً.
كانت هذه بداية الحديث بينهما، ولم تكن بداية حسنة أبداً.
حديثها مع ذلك الشاب سيكون له تبعات خطيرة؛ فقد كانت هذه أول خطوة في درجات الانزلاق.. أول تكسير لكلمات العائلة التي تخاف علينا وتحمينا بأرواحها، وكان هذا أول طريق العصيان.
في صباح يوم جديد..
استيقظت "آيات" على صوت طرقات قوية على باب الشقة. فتحت عينَيها بتكاسل وقالت وهي تهز زوجها:
— "أيمن".. استيقظ، الباب يطرق، انظر من بالخارج.
تقلب "أيمن" في نومه وقال بلا مبالاة:
— إنها أمي وأختي.. لا تقلقي، معهما المفتاح.
جلست "آيات" على الفراش بفزع واستغراب وقالت بدهشة:
— ماذا؟!
وكادت تنهض لترتدي ثيابها، إلا أن والدة "أيمن" كانت قد فتحت باب الغرفة ودلفت مع ابنتها، قائلة بجفاء:
— ما كل هذا التأخير؟!
سارعت "آيات" بمسك الشرشف لتداري به جسدها وهي تنظر إليهما بخجل وحيرة، فقالت الأم وهي تتوغل داخل الغرفة:
— ما الذي تحاولين إخفاءه؟
ثم ضحكت ضحكة مستفزة!
بينما اقتربت الأخت الكبرى "يسر" واقتحمت الغرفة متجهة نحو الخزانة لتفتحها، وقالت لـ "آيات" بصلف:
— أعتقد أن كل شيء في هذه الشقة يخصنا نحن أيضاً.. إنه منزلنا، أليس كذلك يا زوجة أخي؟
ارتدت "آيات" روباً خفيفاً فوق قميص نومها وقالت بتوتر واعتراض:
— ماذا تفعلين؟!
استند "أيمن" بظهره إلى الخلف، وجلس على الفراش ليشعل سيجارة بين أصابعه بكل برود وقال:
— ماذا هناك يا حبيبتي؟
أشارت "آيات" بغضب إلى شقيقته:
— انظر إلى أختك التي تفتش في ثيابي وحاجاتي الخاصة!
ابتسم لها "أيمن" ببرود وقال:
— إهدئي يا حبيبتي، لن تأخذ شيئاً منكِ.. إنها فقط تشاهد ما اشتريتِيه.
صرخت بهم "آيات" وقد فاض بها الكيل:
— ما اللعنة التي تحدث هنا؟! ما هذا البرود الذي فيكم جميعاً؟! أصلحي تصرفاتكِ وابتعدي عن ثيابي!
نهض "أيمن" فجأة وقال بنبرة تهديد:
— صوتكِ لا يرتفع!
استمرت "آيات" في صراخها المنقهر:
— ألا ترى ما تفعله أختك؟! إنها تعبث بأغراضي وتقف في منتصف غرفة نومي! هذه ليست أخلاقاً ولا أصولاً!
تطاير الشرار من عينَي "أيمن"، واندفع نحوها بسرعة البرق ممسكاً بشعرها بقبضة يده الجائرة وقال بقسوة:
— أتتحدثين عن أختي بالسوء؟! تباً لعائلتكِ الشمطاء التي لم تحسن تربيتكِ!
قالت الأم بابتسامة تشفٍّ:
— هيا بنا يا "يسر"، لندعه يستطيع تربية زوجته المصون.
صرخت "آيات" من الألم وقالت:
— ابتعد عني! ألا ترى ما تفعلان؟! كيف لهما أن يعبثا بأشيائي بهذه الطريقة؟! كيف يدخلون الغرفة دون استئذان ولا طرق للباب؟!
لطم وجهها بيده وقال بحرقة:
— إنها والدتي صاحبة هذا المنزل! ويجب أن تصغي لكل كلمة تلقيها على مسامعكِ وتطيعيها!
ردت "آيات" بصوت مرتفع وهي تبكي:
— أنا سأذهب إلى منزل والدتي، وأريد ورقة طلاقي أن تصلني هناك!
ترك شعرها وجلس على الفراش يضحك بسخرية، ثم أمسك سيجارته وقال ببرود قاتل:
— إن خرجتِ.. سأشيع بين الناس أنكِ لم تكوني عذراء، وسأفضحكِ في البلدة بأكملها وليس فقط أمام أهلكِ!
ثم أطفأ السيجارة في المنفضة وابتسم بمكر:
— "آيات".. اجلسي واهدي، وارتدي ملابسكِ لأننا سنخرج الآن.. ستعدين الطعام مع والدتي، وتكتفين بمراقبة ما يفعلونه وتفعلين مثلهم تماماً.
كانت الدموع تنهمر من عينيها بقهر وأسى.. وهي التي كانت تظن أنها ستكون مصونة ومكرمة كما أوصى بها وبنساء العالمين!
يتبع
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.