الفصل الاول
على إحدى قنوات التلفاز، يُذاع تقريرٌ مدمج يرتصد جرائم حقيقية بُشعة قد ارتكبت حديثاً.
كانت تجلس المذيعة "ريهام" وملامح وجهها تطق كم الغضب والدماء تغلي في عروقها، بينما تقول أحداث حلقة اليوم بلهجة حادة ومختصرة:
— كيف يكون هناك أمان في المجتمع وهو لم يُخلق بعد داخل قالب بيوتنا؟ كيف تنتظرون الأمان والتحرر في هذا المجتمع المأزوم؟!
ابتلعت ريقها بصعوبة، ونظرت إلى آلة التصوير بجمود ثم تابعت:
— اليوم، عُرِضت عليّ ثلاث جرائم، كل منها أبشع من الأخرى.. الجريمة الأولى هي الاعتداء على طفلة لم تتجاوز الرابعة من عمرها من خَالِها، مع تعرضها للضرب المبرح من جَدّتها.. ضحية هذا العذاب هي الصغيرة "جنى".
سارعت "ريهام" بمسح دمعة كانت على وشك الهروب من عينها، وقالت بصوت متدرج في الحزن:
— أما القضية الثانية، فهي جريمة قتل "آيات".. التي قُتلت على يد زوجها وحماتها وعشيقة زوجها، بعد الاعتداء عليها بالضرب المبرح أمام ابنتها التي لم يتجاوز عمرها السبعة أشهر!
هزت "ريهام" قدمها بتوتر وغضب شديد، وقد احمرّ أنفها من حبس العبرات، ثم أردفت:
— والقضية الثالثة والأخيرة لهذه الحلقة —والتي لربما تستغرق منا ثلاث حلقات— هي جريمة قتل ابنة لأمها وشقيقها الصغير، بمساعدة عشيقها! "آية" التي قررت إنهاء حياة والدتها التي شقت في تربيتها.. سنذهب إلى فاصل إعلاني ونعود لنكمل لكم قصتهم.
وقبل أن تُقطع الصورة للفاصل الإعلاني، سقطت قطرات من الدماء من أنف "ريهام"؛ دليلاً على حجم الضغط النفسي العصيب الذي تعرضت له خلال التقديم.
عادت المذيعة "ريهام" بعد الفاصل الإعلاني، وقالت بابتسامة حزينة باهتة:
— وعدنا لكم من جديد.. دعونا نرى معكم أصل هذه الجرائم، وكيف بدأت.
في مكان آخر..
— قلت لك ابتعد عني! لقد أصبحتُ نافرةً من الحياة معك.. تفهّم الأمر يا "مهران"، أنا وأنت لا يمكن أن نستمر.
تدلى كِتفا الرجل الكفيف الذي شارف على الأربعين من عمره، وقال بقلة حيلة وانكسار:
— وماذا عن الفتيات؟
ضحكت "ميلان" بسخرية وقالت:
— بالتأكيد لن أترك الأطفال لك، وأنت تعلم السبب جيداً.
هز رأسه والدموع تأبى أن تنزل من عينيه؛ وبالفعل تم الانفصال في مدة قصيرة للغاية.
رحلت "ميلان" وأخذت ابنتيها اللتين تتراوح أعمارهما ما بين الثلاث والأربع سنوات.
أما الأب الكفيف، فلم يحاول التمسك بطفلتيه؛ لأنه يعلم تمام العلم أنه لن يستطيع رعايتهما، وهو بلا عائلة تسانده، فتكيّف مع الوحدة من جديد.
ذهبت "ميلان" إلى بيت أهلها لتعيش مع والدتها وأشقائها الثلاثة الصبيان: الأول في الثلاثين من عمره، والثاني في الثاني والعشرين، والثالث في السادس عشر.
وبعد شهر من الاستقرار في منزل الجدة، كانت "جنى" تركض نحو أمها "ميلان" وتسألها:
— أمي، ألم تري شقيقتي "أريج"؟
ابتسمت لها الأم وقبّلت خدها قائلة:
— لا يا ابنتي، لم أرَها.
دلفت الجدة "ماجدة" الغرفة وهي تقول بنبرة حادة:
— هل ستظلين في المنزل هكذا دون عمل أو زواج؟
ابتسمت "ميلان" بهدوء وأجابت:
— لا أحد يريد توظيفي لديه، وأنتِ تعلمين السبب.
(كانت "ميلان" من ذوي الاحتياجات الخاصة، ورغم أن هذا لم يكن ظاهراً بشكل كلي في مظهرها، إلا أن استيعابها الذهني كان محدوداً).
أجابت الأم:
— حسناً، إن كنتِ لا تصلحين للعمل، فيمكنكِ الزواج.. هناك رجل تقدم للزواج منكِ.
تساءلت "ميلان":
— وابنتاي.. هل ستكونان معي؟
جلست الأم بجانبها وقالت بمكر:
— لا، ستكونان معي أنا، وإن أردتِ يمكنكِ رؤيتهما في الوقت الذي تشائين.
وبالفعل، استطاعت الجدة "ماجدة" إقناع ابنتها بالزواج من رجل يكبرها بخمسة وعشرين عاماً، والتخلي عن طفلتيها لتعيشا معها.
زعق "حسام" في الصغيرتين بصوت جهوري:
— ما الذي يحدث هنا؟! لا تلهوَا أمامي! اذهبي أنتِ وشقيقتكِ بعيداً عني!
(كان هذا "حسام" خال الفتيات، يبلغ من العمر ثلاثين عاماً، ولم يتزوج بعد بسبب سوء أحواله المادية).
تراجعت "أريج" إلى الخلف برعب، وتشبثت بها شقيقتها الصغيرة "جنى" التي تبولت على نفسها من شدة الخوف.
في مكان آخر، وتحديداً في محافظة القليوبية..
قالت الأم:
— يا "آية" يا ابنتي، تجهزي وجمّعي إخوتكِ معكِ.. والدكِ ينتظرنا في الأسفل.
قالت "آية" وهي تُغلق أزرار قميص أخيها الصغير:
— حسناً يا أمي، لقد جهزتُ وألبستُ أخي ثيابه.
وقفت الأم أمام باب المنزل وقبل أن تغلقه نادت بصوت عالٍ:
— "يوسف"، "يونس"، "يارا".. هيا يا أطفال!
ثم نظرت إلى "آية" الواقفة بجانبها وسألتها:
— هل نسينا شيئاً؟
هزت "آية" رأسها ونفت:
— لا يا أمي، لم ننسَ شيئاً.
نزلت "آية" درجات السلم وتبعتها بقية العائلة، لتقف أمام والدها الذي أمسك بأيديهم وسار بهم نحو منزل والدته (جدة الأطفال).
كان المسافة بين منزل الأسرة المكونة من ستة أفراد وبين بيت الجدة تبعد أكثر من ساعتين، ولذلك لم تكن الزيارات مستمرة.
عند وصولهم، استقبلتهم الجدة بفرحة عارمة وقالت بابتسامة:
— انظر يا "جلال"، ابنتك أصبحت عروساً جميله!
ضحك الأب "جلال" وقال:
— يا أمي ما زالت صغيرة، إنها في التاسعة عشرة من عمرها فقط!
قالت الأم ضاحكة:
— سيأتي من يخطفها منك، البنات تكبر لكي تتزوج.
أشار لها "جلال" بدعابة:
— لا، ابنتي "آية" ستظل بجانب والدها العزيز.. أليس كذلك يا حبيبتي؟
هزت "آية" رأسها في خجل.. بينما قامت الجدة قائلة:
— سأذهب لتحضير الطعام.
فقامت والدة "آية" معها:
— انتظري، سآتي لتحضيره معكِ.
تفرق الجميع، وقعدت "آية" بجوار شقيقتها "يارا" التي كانت في بداية عامها الثالث عشر.
قالت "يارا" بضحكة شقية:
— انظري إلى جدتكِ، إنها عجوز شمطاء!
ضحكت "آية" ونهرتها بلطف:
— هذا لا يصح يا شقية!
كانت العلاقة بين "آية" و"يارا" قوية جداً؛ إذ كانت "آية" تعاملها كابنتها لا كأختها الصغرى، فالفرق بينهما تسعة أعوام. كانت "آية" هي الأم الثانية في المنزل، ورغم أنها لم تكمل تعليمها بالمدارس، إلا أنها هي من أصرت على أسرتها ليدخلوا "يارا" المدرسة لتكمل تعليمها.
نادت الأم:
— يا "آية"!
ذهبت "آية" إليها، فأعطتها بعض المال وورقة وقالت:
— خذي يا حبيبتي، اذهبي واشتري الطلبات المكتوبة هنا.
(ورغم عدم التحاقها بالمدرسة، استطاعت "آية" بجهدها أن تتعلم القراءة والكتابة).
أخذت "آية" الورقة وتوجهت نحو السوق. وفي الطريق، لمحت ابن عمها فقاطعت سيرها لتقرر إلقاء السلام:
— كيف حالك يا "خالد"؟
رد "خالد" التحية، بينما كان صديقه يراقب "آية" بإعجاب شديد.
وبعد تبادل السلام، تابعت "آية" طريقها نحو السوق، بينما التفت الصديق إلى "خالد" وقال:
— إنها ابنة عمك؟
أجاب "خالد":
— نعم.
قال "ماهر" بإعجاب صريح:
— أرى فيها من الحسن والجمال ما لم أره في امرأة من قبل!
ضحك "خالد" مستغرباً:
— أتسخر؟ هل تتحدث عن "آية" ابنة عمي؟!
نظر له "ماهر" وقال بجرأة ومباشرة:
— أريد رقم هاتفها.
في مكان آخر، كانت الأصوات تتعالى والتغاريد تملأ المكان تعبيراً عن الفرحة بالعروس.
كان اليوم هو حفل زفاف "آيات"، الفتاة التي تبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاماً وتنتمي لأسرة متوسطة الحال.
تزوجت من "أيمن"، الذي تعرّف عليها عن طريق والدها؛ فقد كان يعمل مع والدها في نفس المكان، فرآها وأُعجب بها وتقدم لخطبتها، واليوم يُزفّان معاً.
سألت "آيات" بسعادة وتوتر:
— أمي.. هل الفستان يليق بي؟
دمعت عين الأم وابتدأت تبتسم:
— مبارك لكِ يا عزيزتي، لم أرَ عروساً بجمالكِ أبداً!
عنقتها "آيات" بشدة، فقالت الأم:
— هيا يا ابنتي، الجميع في انتظاركِ.
توجهت "آيات" إلى القاعة، وبعد فترة كانت ترقص بين يدي "أيمن" الذي كان ينظر إليها بابتسامة حالمة ويقول:
— أنتِ جميلة للغاية اليوم..
ضحكت "آيات" بخجل:
— اليوم فقط؟
وضع يده على خصرها وقرّبها منه على نغمات الموسيقى، وقال:
— بل كل يوم.. وهذا بالضبط ما جعلني أتزوجكِ.
نظرت له باستغراب متسائلة:
— هذا فقط؟ تزوجتني لأنني جميلة؟
ضحك "أيمن" وضمها إليه أكثر ودار بها، فضحكت بصوت عالٍ من شدة السعادة، ثم أوقفها أمامه وقال:
— ** ليس هذا فقط، بل كل شيء بكِ.. وأفضل ما رأيته فيكِ أنكِ تحبين طاعتي.**
ابتسمت وقالت:
— من يُحِب يطع.. وأنا قد أحببت.
بعد انتهاء الحفل، تقدم الأب وقبّل ابنته وودّعها وزوجها، وتبعته العائلة.
دلف "أيمن" إلى الغرفة وهو يحمل "آيات" بين يديه وقال:
— أنَرتِ غرفتكِ يا عزيزتي.
لم يكن "أيمن" يملك المال الكافي لشراء منزل مستقِل، فاتفق مع والدها على أن يعيشا في منزل والدته لفترة مؤقتة حتى تتحسن أموره.
هبطت "آيات" من بين يديه وكادت تبتعد خطوات، لكن "أيمن" رفض ذلك، فأمسك بيدها وجذبها نحو ثانية وهو يقول:
— إلى أين أنتِ ذاهبة؟ أريدكِ معي...
يتبع
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!