العِبهَر.
العِبهَر.
جزء 4 من 4
وضع القراءة:

[3] نِهايةُ المسرحِيَّة!

تململتُ حين تنفَّس الصُّبحُ على صوتِ إشعاراتٍ ترنُّ في عقلي فانتفضتُ كالملسوعِ وأمسكتُ هاتفي بلهفةٍ لأتفقَّد مواقع التَّواصل الاجتماعيِّ. تفجَّر الفخر في وجداني عندما رأيتُ المتابعين وقد ازدادوا، والقلوب والإعجابات تضاعفت، والتَّعليقات لا تُعَد ولا تُحصَى، واستمرَّت أول ساعتين من نهاري في التنقل بين التيك توك، الأنستغرام، يوتيوب، فيسبوك، سناب شات وتويتر وغيرها من تطبيقات التواصل الاجتماعي.
نهضت من فراشِي وفتحتُ خزانة ملابسي وأخرجت كنزةً صوفيةً ضيقةً وسروالًا رسميَّا باللون البنيِّ ليس بضيقٍ وسترةً رسمية من نفس اللون، بدَّلت ملابس النَّوم بسرعةٍ شديدةٍ. هرولتُ إلى طاولة الزينةِ وملأتُ وجهي بالمساحيق، الكثير من اللمعة، رموشٌ اصطناعيةٌ، حمرةٌ ليست حقيقية، أحمر شفاهٍ لا يشبه الطبيعة، اكتملت الصورة، تَبرَة الخاصة بالعالم وصلت!
فتحتُ البثَّ المباشر على تطبيق التِّيك توك وابتسمتُ ببشاشةٍ وثِقةٍ لم آلفها وهتفتُ بنبرةٍ مَرِحةٍ:
«صباح الخير! اليوم ليس لدينا بثٌّ مباشر في المحطة؛ لذلك اتفقت من حبيبتَيكم لؤلؤة ومياسة أن نذهب إلى مقهًى جديدٍ ونشارك تجربتنا معكم، وسأشاركِكُم البثَّ في طريقي إلى هناك بسيَّارتِي.»
خرجتُ من غرفتي أثناء تحدُّثي مع المتابعين ومررت بأبَوَيَّ فلم يُحيِّياني حِرصًا على مثاليَّة البثِّ الذي سينتشر على وسائل التواصل الاجتماعي. لم أتفاجأ!، كان الأمر معتادًا بالنسبة لي فخرجتُ من المنزل وأنا أبتسِمُ للمتابعين وأُحدِّثُهم فقط!
ركبتُ سيَّارتي وقُدتُها وأثناء ذلك كنتُ أتابع التعليقات، فراعَنِي تعليقٌ تقول صاحبته:
«تَبرَة تبدو مختلفةً اليوم!»
انكمشت ملامحُ وجهي وتساءلتُ: أهو تغيير للأفضل أم للأسوء؟ ثمَّ تعليقٌ من شابٍّ لم تتبيَّن ملامحه:
«أجمل مذيعة في الوطن العربي!»
ابتسمتُ بزُهوٍ ولم أُبالِ حقًّا بجنس من يمدحني، وأنَّ من غازلني كان شابًّا لكن سُرعان ما تلاشت بسمتِي وحلَّ موطنها شحوبٌ احتلَّ بشرتِي عندما قرأتُ تعليق فتاةٍ على حديث الشَّاب:
«ألم تلاحظ تجاعيد البَسمةِ والحُزن؟! يجب أن يتم شدُّها!»
حاولتُ تجاهُل تعليقِ الفتاة، لكنَّه حفرَ جرحًا غائرًا في أغوارِ وجدانِي. لم أستطِع البكاء، كان البثُّ قائمًا، ولم أستطع إغلاقه لكي لا يتخلوا عنِّي، لم أستطِع حتى زفر الصُّعداء من أعماق صدري أو ابتلاع الغُصَّة التي تخنق أنفاسي حتى كادت تقتُلُني، لم أستطِع، اصطنعتُ التبسُّم!
وأخيرًا وصلتُ إلى المقهى. كانت سيَّارتَي لؤلؤة ومياسة تصطفَّان في مربض السيَّارات الخاص بالمقهى، فصففتُ سيَّارتِي هناكَ ثمَّ دخلتُ.
وجدتُّهن جالساتٍ حول طاولةٍ كبيرةٍ تخُصُّ الشَّخصياتِ الهامَّة، جلستُ رفقتهُن فوجدتُ لؤلؤة تصوِّر مقاطع الفيديو وتلتقطُ الكثير والكثير من الصُّور، أمَّا مياسة فتبسَّمت لي وقالت مهلِّلةً:
«مباركٌ لكِ نجاح الحلقة، لقد لاقَت رواجًا هائلًا، أتمنى أن تكون القادمة أفضل.»
ارتعشَت بسمتي، وشعرتُ بقشعريرةٍ سرت في أوصالي وعروقي، ونظرتُ جهةَ الأخريات، كنتُ أعرفهن ولكن علاقتي بهن لم تكن وثيقةً، رفيقات شهرةٍ فقط، أو نمثِّل أننا رفيقاتٌ لنحوز الإعجاب والتقدير.
انتبهتُ للبثِّ المفتوح فعرَّفتُ المتابعين على صديقاتِي واستمررتُ في الحديثِ معهم حتى وصلَ الطَّعام.
لن أبالغ إذا قُلتُ أنني أكره معظم الأصنافِ التي وُضِعت أمامي، كان منظرها ساحرًا، لكنني لم أستسغ طعمها يومًا، الشُّهرةُ حتَّمت عليَّ فِعل ذلك، حتَّمت عليَّ أن أمضغ ما أكره وأن أصطنع التلذُّذ به والاستمتاع، ما الضَّير في ذلك؟ لقد اصطنعتُ كلَّ يومٍ أن شهيَّتي بأحسن حالٍ فقط لأجلِ حصد انبهارِ المشاهدين، لأجل أن أسمع جملة: «لم تفقد شهيتها يومًا، كم هي مذهلة!»، إذن ما الضَّير في تصنُّع حبِّ ما آكله رُغم أنني أبتلعه على مضضٍ؟!
تذوقتُ كلَّ صِنفٍ، وعلَّقتُ ببسمةٍ ساحرةٍ على كل مضغةٍ، لكنني لم أكُن سعيدةً، كنتُ أنزفُ من جوفي لسببٍ لا أعلمه! رُبما لأنني - ولأول مرةٍ - لم أسمع ضحكاتِ جُومان الخافتةِ وهمساتها الخجولة!
أخيرًا انتهى البثُّ، وانتهت جلستُنا المزيَّفة بانتهائه، كان الطعام على حسابي؛ لذلك جميعهن غادرن وتركنني أرتشفُ آخرَ قطراتِ قهوتِي المُرةِ كسائرِ أيَّامي، ثم طلبتُ النَّادل الذي جاءني بخطواتٍ هادئةٍ غير متلهفةٍ، لم ترتسم تلك الابتسامةُ على شفتيه، لم أفهم لمَ؟ أليس عمله يُحتِّم عليه الابتسام؟!
ناولتُه حساب ما تناولنا فتحدَّث معي برُقيٍّ خلا من الابتسامة فساورنِي فضولٌ وتساءلتُ بعفويةٍ لم أعهدها:
«ما اسمك؟»
بدا الانزعاجُ على وجهه ممَّا أصابني بالحرج، ولُمتُ نفسي، ما كان عليَّ سؤاله لكنَّه جاوبنِي باقتضابٍ واحترامٍ فرضه عليه الواقع:
«كَنان يا آنسة، تريدين شيئًا آخر؟»
على الأرجح كان تساؤله الأخير غايتُه إسكاتي عن التساؤل فنفيتُ وابتلعتُ لساني بحرجٍ وحملتُ حقيبتِي وهربتُ من ذلك الموقف المحرج، رُبما لن أذهب إلى ذلك المقهى مجددًا طيلةَ حياتي!
كان عليَّ أن أقابل خاطِبي يزن، وقد تواعدنا أن نتقابل في منتزهٍ ما، فقُدتُ سيَّارتِي إلى المنتزه حتَى أتيتُه وقد كان ينتظرُني عندَ البحيرةِ الاصطناعيَّة فنزلتُ من سيَّارتِي وذهبتُ نحوَه وسلَّمتُ عليه ببهجةٍ و…التقطتُ لنا صورةً معًا ورفعتُها على صفحاتي الخاصَّة!
حينها وجدته ينظرُ إليَّ ثمَّ قال بصوتٍ خلا من المشاعرِ وامتلأ جمودًا:
«بالتأكيد بعد زواجنا ستُقلِّلين من هذا!»
«ماذا تعني؟»
«أعنِي نشرَ كلِّ ما يخصُّ حياتنا!»
جملتُه حلَّت على رأسي حلُول الصَّاعِقة، لم يعترِض يومًا على هذا، ما الذي استجد؟ لماذا هو فاترٌ؟ وغاضب؟! أهو غاضبٌ حقًّا؟! لم يكُن خطئي! هو خطبني هكذا!
«يزن! ماذا تعنِ؟ أجننت؟ لقد خطبتنِي هكذا!»
قُلتُها بحَنَقٍ شديدٍ، كيف تجرَّأ وأهانني بتلك الطَّريقةِ فرمَقني باستنكارٍ وهتفَ بغضبٍ:
«أتودِّين أن تنشري حياتنا أمام العالم؟! لا ينقُص سوى أن تلتقطي الصُّور لغرفةِ النَّومِ مستقبلًا وتنشريها حتى تحوزي الإعجاب!»
شهقتُ مصدومةً، لم أتوقَّع هذا من يزن، يزن الذي دومًا ما كان يحُثُّني على حُسن المظهرِ والتبسُّم لأجل المتابعين؟! لا أصدِّقُ!
نظرتُ إليهِ بقلبٍ تائهٍ ونظرةٍ رُبما مُنكَسِرة فصُدِمتُ بخلعِهِ لخاتمِ خِطبتِنا وقولِه القاسي:
«أعتذرُ، لكنني لا أرغبُ أن تكونَ علاقتي بزوجتي علكةً تلوكها أفواه البشر، لن أُكمِل هذه المسرحيَّة السَّخيفة!»
وضعَ الخاتمَ في يدي ورحل!
أيُّ مزحةٍ سخيفةٍ هذه، هل أنا أحلمُ؟!
هل هذا كان شعور جُومان حين طلبتُ مِنها الابتعادَ عن حياتِي؟!
قُدتُ سيَّارتِي بعُنفٍ حتَّى وصلتُ إلى مَنزِلي وغشاوةٌ مِن الدُّموع على عينَي. تجاهلتُ دعوةَ أمِّي لي على العشاء وركضتُ إلى غُرفتِي، حيثُ مهلكي وجحيمي.
انتفضتُ على صوتِ إشعارٍ نظرتُ إليه فوجدته من جُومان، ترددت، لم أفتحه، أغلقتُ الهاتفَ!
دقائقٌ مرَّت ثمَّ فتحتُه مُتقهقِرةً وقرأتُ رسالتها:
«مرحبًا تَبرَة…
سلامِي إلى قلبِكِ رُغم كلِّ شيءٍ،
لم أعرف لمَ فعلتِ هذا، ولا أهتمُّ!
راسلتُكِ لأننِي نسيتُ دفتر الرَّسم في غرفتِكِ،
على كلِّ…احتفظِي بِها،
ما عُدتُ أريده،
فقط…
أتمنى أن تجدي تلكَ التي تبحثِين عنها وسط الأقنعة،
الوداع يا تَبرَة،
عُدِّيها نهايةَ هذه المَسرحيَّة!»
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.