العِبهَر.
العِبهَر.
جزء 2 من 2
وضع القراءة:

[1] باحثةٌ عن الحب!

يناير، من عام ألفين وثلاثةٍ وعشرين ميلاديًّا.
ماذا لو انطفأت الشاشات فجأة، وانقطع ذلك الخيط الخفي الذي يشدني إلى العالم؟ ماذا لو هوى الإنترنت كما تهوي شجرةٌ يابسةٌ في ليلةٍ عاصفة؟ أيبقى لي اسمٌ إذا صمتت المنصات، وخمدت الإشعارات، وانفضَّ الناس عن صوري؟ من أكون حينئذٍ؟ ومن سأغدو إذا لم يبقَ أحدٌ يحدق في وجهي؟
سؤالٌ لم يزل منذ أعوامٍ يعشش في أعماق صدري، ويستيقظ كل صباحٍ قبلي. كلما وقفتُ بإزاء المرآة ازددتُ عن نفسي تيهًا؛ أرى الملامح رأي العين، ولا أرى صاحبتها. أحفظ تفاصيل الوجه كما تُحفظ الطرق المؤدية إلى البيوت، غير أنني أجهل البيت الذي تؤدي إليه.
من أكون؟ أأنا طيفٌ عابرٌ في هذا الكون؟ أم جرمٌ تائهٌ في مجرةٍ لا تعرف اسمه؟ أم ظلٌّ ألقته الشمس ثم مضت؟ أم صورةٌ صاغتها عيون الناس، ونحتها تصفيقهم، حتى نسيتُ الهيئة التي خُلقتُ عليها؟
وقفتُ أمام المرآة للمرة العاشرة منذ أشرقت الشمس.
كانت تقف قبالتي شابةٌ في العشرين من عمرها؛ شعرها الأسود منسدلٌ في استقامةٍ تكاد تنافي طبيعته، وعيناها سوداوان تحدهما أهدابٌ كثيفةٌ أثقلتها طبقات المساحيق، وبشرتها الحنطية قد سوَّتها مستحضرات التجميل حتى غدت أقرب إلى لوحةٍ مصقولةٍ منها إلى بشرة إنسان، بينما استقرَّ على وجنتيها احمرارٌ مصطنعٌ لا يمتُّ إلى الحياة بصلة. أما جسدها، فكان نحيلًا ممشوقًا، صاغته الحمية القاسية، وأرهقته ساعات الرياضة الطويلة.
تأملتُها مليًّا...ثم لم أعرفها.
في تلك اللحظة، انشقَّ سكون الغرفة على صرير الباب، واقتحمت أمي، المكان بنظرةٍ سريعةٍ طافت بي من رأسي إلى أخمص قدمي، ثم قالت في حدَّةٍ لا تخلو من الضجر:
«لقد تأخرتِ عن العمل. أسرعي، قبل أن يكون التأخر سببًا في طردك.»
لم تنتظر جوابًا. أغلقت الباب وراءها بعنفٍ، فارتجَّت الغرفة، وبقي صدى صوتها يتردد في أركانها كأنه جزءٌ من أثاث المنزل.
تنهدتُ في وجوم، وسويتُ سترتي الرسمية الرمادية، وعدلتُ ياقة قميصي الأبيض، ثم انتعلتُ حذائي الأسود ذا الكعب المرتفع؛ ذلك الذي يمنح ظهري استقامةً توحي بالثقة، ولو خلا قلبي منها. رتبتُ خصلات شعري بعناية، والتقطتُ حقيبتي الجلدية الصغيرة، ثم غادرتُ الغرفة.
لم ألتفت إلى مائدة الإفطار. لم يكن الأمر إهمالًا، بل انصياعًا لنظامٍ غذائيٍّ صارمٍ لا يسمح لي بتجاوز ساعةٍ واحدةٍ من مواعيده، حتى لو كان المقابل وجبةً يشتاق إليها الجسد.
خرجتُ من المنزل، واستقبلتني برودة يناير بوجهها الشاحب. ركبتُ سيارتي، وما إن أغلقت الباب حتى التقطت هاتفي، وفتحت صفحتي على تطبيق «تيك توك»، وضغطت زر البث المباشر.
وفي أقل من ثانية، ارتسمت على وجهي ابتسامةٌ ليست لي. قلتُ بصوتٍ مفعمٍ بالحيوية، كأنني أكثر الناس بهجة:
«صباح الخير يا أصدقائي! لقد قررت اليوم أن أتوجه إلى العمل من دون إفطار، محافظةً على لياقتي البدنية. ها أنا في طريقي إلى المحطة... أخبروني، كيف بدأ صباحكم؟»
لم يكن السؤال سوى مفتاحٍ لسيلٍ لا ينتهي من التعليقات. تدفقت القلوب الحمراء على الشاشة، وتعاقبت الإعجابات، وانهالت الكلمات التي كنت أقرأها بصوتٍ مسموع، ثم أجيب عنها بلطفٍ مدروس، وضحكاتٍ موزونة، ومرحٍ أتقنتُ تمثيله كما يتقن الممثل دوره على خشبة المسرح.
وكان ذلك...ملخص حياتي.
يومٌ يعقبه يوم، وأنا أتنقل بين الوجوه كما يتنقل الممثل بين الأقنعة. أبتسم إذا اشتهوا ابتسامتي، وأحزن إذا راق لهم حزني، وأبكي إذا كان البكاء أجدر بجلب تعاطفهم، وأقسُو حين يرون القسوة قوةً.
أما أنا...فلم يكن لي متسعٌ لأكون نفسي.
كنتُ أُفصِّل لكل إنسانٍ شخصيةً تلائم ذوقه، حتى غدوتُ أجهل أيَّ تلك الشخصيات هي أنا.
وصلتُ إلى مبنى محطة التلفاز، ذلك البناء الذي قضيت فيه من عمري أكثر مما قضيت بين جدران منزلي، ومع ذلك لم أستطع يومًا أن أشعر بأنني أنتمي إليه. كنتُ أعمل فيه مذيعةً...لا لأنني أحببت هذه المهنة، بل لأن الآخرين رأوا أنها تليق بي، فأقنعتُ نفسي بأنها قدري.
استقبلتني مديرة أعمالي بابتسامتها الرسمية، وتناولت حقيبتي وهي تقول بنبرةٍ عملية:
«آنسة تَبْرَة، يبدأ برنامجك بعد ساعتين. توجهي أولًا إلى خبيرة التجميل، ثم مرِّي على المخرج لتتسلَّمي تعليمات الحلقة.»
كانت تبتسم...غير أن ابتسامتها، على اصطناعها، بدت أكثر صدقًا من ابتسامتي. كانت تعرف ما تريد، وتسير إليه في يقين، أما أنا، فكنتُ أُقاد إلى حياتي كما تُقاد السفينة التي فقدت دفَّتها.
مضيتُ في الرواق بخطواتٍ وئيدة، حتى اعترضتني مياسة. ألقت عليَّ نظرةً متفحصة، جالت في ملابسي وشعري ووجهي، ثم قالت:
«سترتكِ جميلة، وتليق بموضوع حلقة اليوم. وأحمر الشفاه موفق، لكنني أرى أن تصفيفة شعرك تحتاج إلى بعض التعديل.»
لم تسألني كيف أصبحت. ولم يخطر ببالها أن تسألني إن كنت بخير. كان وجهي وحده يستحق الحديث. أما أنا...فلم أكن موضوعًا جديرًا بالسؤال.
دخلتُ غرفة خبيرة التجميل، فرحبت بي في بشاشة، وأشارت إلى المقعد أمام المرآة. جلستُ في هدوء، وقلت:
«غيري تصفيفة شعري.»
أومأت برأسها، ثم أخذت تفك خصلاتي برفق، وقالت وهي تتأمل انعكاسي في المرآة:
«لو جعلنا ظلال العين أغمق بدرجةٍ واحدة، فستبدو عيناك أكثر عمقًا وجاذبية.»
وافقتُ بلا نقاش. لقد اعتدتُ أن تكون الجاذبية هدفي الأول. كنتُ أريد أن أكون الأجمل، والأكثر حضورًا، والأكثر نجاحًا، لا مكان عندي للمركز الثاني.
رنَّ هاتفي. أضاء اسم خطيبي يَزَن، على الشاشة فأسرعتُ إلى الرد، وما إن سمعت صوته حتى قلت بعفويةٍ افتقدتها منذ زمن:
«اشتقت إليك.»
ضحك برقة، ثم قال:
«وأنا أيضًا. اقترب موعد برنامجك، أليس كذلك؟ انتبهي لكل تفصيلة. ابتسمي كثيرًا، كوني هادئة، واثقة، ولا تنسي، أحب أن أراكِ دائمًا الأجمل أمام الجميع.»
حملت إليَّ إشارات الهاتف خناجره وطعنتني، انتظرت منه كلمة حبٍّ، أو شوقٍ، أو تقديرٍ كل ما حصلت عليه هو أوامر عهدتها وألفتها لكن قلبي لم يستسغها بعد، أهذا الرجل الذي سأقضي معه المتبقي من عمري؟ رجلٌ يكمل النهج الذي انتهجته وأهلي ورفقتي؟ يبدو أنني لا أمتلك الأمل والفرصة لإيجاد تلك الذات والهوية!
ابتلعتُ خيبتي، ووعدته أن أكون كما يتمنى، ثم أنهيت المكالمة. وما إن وضعت الهاتف حتى دخلت لؤلؤة، تتأبط هاتفها، وعلى محياها ابتسامةٌ مشرقة. قالت بحماس:
«تَبْرَة! صورتك التي نشرتها أمس على «إنستغرام» تجاوزت مائة ألف إعجاب، والبث المباشر هذا الصباح حقق أرقامًا مذهلة، والتعليقات كلُّها تُثني على جمالك.»
ابتسمتُ في هدوء. ثم هبط السؤال في أعماقي هبوط الحجر في بئرٍ سحيقة: يشيدون بجمالي...ولكن، هل عرف أحدٌ مني غيره؟ ولو انطفأت هذه الملامح يومًا، أو بهت بريقها، أو اختفت من الشاشات، أيذكرني أحد؟ وأشد من ذلك كله: هل سأعرفني أنا؟
نظرت إلى وجهي بعدما أنهت خبيرة التجميل عملها في ضبط زينتي، نظرت إلى خصلاتي، لماذا ليست مجعدةً كالمعتاد؟ ولماذا أهدابي تبدو مصطنعة؟ ولماذا أمثل هذه الابتسامة؟ ولماذا لا أعيش؟
نظرت إلى لؤلؤة، فرأيتها تنظر إلى هاتفها وتبتسم بشدةٍ تلتقط صورًا لكلينا معًا، تنتقل بين مواقع التواصل الاجتماعي وتنشر صورنا على جميع المواقع فتتفجر التعليقات والقلوب الحمراء، أهذا هو مقياس الناس؟ الحب؟ الشهرة؟ المثالية؟ الهناء الكاذب؟
اليوم أدركتُ أن الإنسان قد يربح العالم بأسره، ثم يخسر نفسه في الزحام.
كلُّ وجهٍ ابتسم لي، إنما ابتسم لصورتي، وكلُّ صوتٍ امتدحني، إنما امتدح ما استطعتُ إظهاره لا ما أخفيته. أما أنا، فما برحتُ أقف خلف تلك الصور، أراقبها كما يراقب الغريب بيتًا كان له يومًا.
وللمرة الأولى، ساورني خوفٌ لم أعرفه من قبل؛ ليس أن يكرهني الناس، بل أن يجيء يومٌ ينصرفون فيه عني، فأكتشف أنني لا أملك شيئًا أعود إليهن ولا أعرف حتى من أكون.
أتراني كنتُ أعيش حقًّا، أم كنتُ مجرد صورةٍ تُحسن التنفس؟
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.