العِبهَر.
العِبهَر.
جزء 3 من 3
وضع القراءة:

[2] الثمن...فِراق بيني وبينكِ!

ما أشدَّ غَرابةَ الإنسانِ!
يَسَعُه أن يُتقِن تمثيلَ الفرحِ ساعةً كاملةً أمام آلاف العيون،
ثمَّ يَعجِز عن إقناعِ قلبِه بابتسامةٍ واحدةٍ حِين يخلُو إلَى نَفسِه!
لم يبقَ بيني وبينَ ساعةِ البثِّ إلا برهةٌ من الزَّمن، قصِيرةٌ فِي حِسابِ العقاربِ، طويلةٌ في حِسابِ القلبِ؛ إذ كانت الدقائق تتهادَى إليَّ بما تحملُ مِن أعباءِ التَّصنُّعِ، كأنها لا تمضي إلَّا لتَزُجَّ بي في مسرحٍ آخر، أرتدي فيهِ وجهًا ليس وجهِي، وأهبُ النَّاس ابتسِامةً لم تُولَد على شَفتَي!
الأستُوديو اِستحال خليةَ نحلٍ لا تَسكُن، تتقاطعُ فيها الخطوات، وتتزاحمُ الأصوات، وتتداخلُ الأوامر، حتَّى لَيُخالُ للرَّائي أنَّ لِكلِّ زاويةٍ قلبًا يخفقُ على عجلٍ، وأنًّ كلَّ فردٍ فيه مِن حولي يَعدُو خلف لحظةٍ يخشى أن تُفلِتَ مِن بين يديه!
الأصواتُ صمَّت أذني، هذا يَصرُخ، وذاك يَركُض لِيُحضِر الأسلاك، وتِلكَ تُعدِّل الستائِر والمفرُوشات، ومسئولةُ الإتيكيت تُملِي عليَّ تعليماتٍ حول طريقةِ جلوسي، وشكلِ ابتسامتي، ووضعية رأسي ويدَي. تنهاني عن تشبيكِ ساقيَّ وأصابعِ يدَي حتَّى لا أظهرَ غيرَ واثقةٍ، تأمرُنِي بضبطِ صوتي حتَّى تبرُز قوةُ موقفِي وثِقتي.
جلستُ على الكُرسيِّ فِي موقعِ التَّصوير، بدأتُ أقومُ باختبارِ الوضعياتِ التي سأقُومُ بِها تحت إشرافِ المسئولةِ أثناءَ قولِ المخرجِ:
«انتبهي، الكاميرا الثَّالثة ستكونُ مُوجَّهةً إلى وجهكِ، ركِّزِي النَّظر إِليها أثناءَ الحدِيث.»
وبعدَ أن ذهبَا وتركانِي، اقتربَت خبيرةُ التَّجميلِ تحملُ أداةً إِسفنجيةً صغِيرةً ثمَّ ربَّتت بِها على وجنتَي نابسةً:
«قليلٌ من اللمعة فقط، الكاميرا تُظهِر الملامحَ باهِتةً.»
لم أعُد أهتمُّ بالتًّبرِيراتِ في الواقعِ، صِرتُ مُقتَنِعةً أنَّ وجهِي لم يَعُد مِلكًا لي، أصبحَ أسِيرًا بينَ يدَي معايير الجمالِ ومُكبَّلًا بسلاسل كلماتِ النَّاس وتعليقاتِهم.
ويا للسُّخرية! عُنوانُ حلقةِ اليومِ كان:
-كيفَ تثِقِين بنفسكِ!
تُقدِّمُه مُذيعةٌ لا تعرِفُ عن الثِّقة سِوى ثلاثِ حُروفٍ!
انتهى البرنامجُ بعد ساعةٍ ونصف، أخيرًا أصبحَ لديَّ المُتَّسع لاستِخدامِ رِئتَي كما أشاءُ، نهضتُ من مَحل جُلوسِي وتحرَّرتُ من مُراقبة الكاميراتِ لي فوجدتُ صديقتِي مياسة في انتِظاري تُناظِرُني بريبةٍ قائلةً بحنَقٍ:
«هل بكِ عِلةٌ ما؟! لِماذا كُنتِ ترتجِفين في الحلقة! لقد أوقَفَ المُخرِج التَّصويرَ عِدَّة مراتٍ بِسببِ ارتجافِكِ الغير مُبَرَّر!»
«أنا مُتعَبةٌ قليلًا!»
قُلتُها بعدما شعرتُ ببعض الدُّوارِ فهمهمت مياسة بتفهُّمٍ ثم قالتْ:
«انتبهِي لصحَّتكِ كي لا يستبدلوكِ، على كلِّ حصلتْ صفحَتُك على ثلاثةِ ملايينَ مشتركٍ، مُبارَك!»
ابتسمتُ ابتسامةً باهتةً، وشحب لونُ وجهِي، تساءَلتْ: هل سيأتي يوم ويستبدلونني؟ هل سيمَلُّونني؟ هل سيجدون من هي أجملُ مني؟
هَرولتُ بعيدًا، هربت مِن الأستوديو، شعرتُ بأنَّنِي أهربُ مِن أفكارِي، ركبتُ سيَّارتي، وعلى غيرِ العَادةِ لم أفتحِ البث، قُدتُ سيارتي إلى حيثُ قادني قلبي ولِأولِ مرةٍ، حيثُ معهد الفُنون!
نزلتُ من السيارة أمام المعهد وعبرتُ البوَّابة فرأيتُ جُومان صديقتي تجلِس أسفل شَجرةٍ وارفةٍ تَستظِل بِأغصانِها وتحملُ قلمَ رصاصٍ ودفترَ رسمٍ وحولها الأقلامُ مُبَعثَرةٌ. اقتربتٌ مِنها فنظرَت إليَّ باسِمةً ثمَّ قالت بقلقٍ:
«أنتِ بخيرٍ يا تَبرَة؟ تبدِين شاحبةً ومُنطَفِئةً!»
كانت الفتاةَ الوحيدةَ التي ترانِي من بين طبقاتِ التَّجميل الكثيفة، وتُلاحظُ شحوبي رُغم الحُمرةِ المُصطَنَعة التي تحتلُّ وجنَتَي، وبودرة الإضاءة التي يَلتَمِع بها وجهِي، جُومان صديقتي المُنعَزِلة عن ضوضاءِ العالمِ، كيف تستطيع العيشَ دُونها؟
ناوَلتْني زُجاجة المياه خاصَّتها ببسمةٍ لطيفةٍ ثمَّ قالت برِقَّتِها المعهُودة:
«اِشربِي واِهدئِي، لا شيء يدعُو لِلقلقِ!»
أخذتُها مِنها وشكرتُها بِخفُوتٍ وشَرِبتُ القليل منها ثمَّ استندتُ إلى جذع الشَّجرة وأغمضتُ عينَي دونَ حديثٍ لبضع دقائق ثم فتحتُهما فوجدتُ جُومان تُطالِعُني بِحيرةٍ وارتباكٍ وكأنَّها لا تعرِف ماذا تقُول، فقط ناولَتْني دفترها وقلمَها بِارتباكٍ واضحٍ كما اعتادَتْ فأخذتُه وقلبتُ صفحاتِه فظهَرَتْ رسمةٌ لفتاةٍ دونَ ملامحٍ، رسمةٌ رسمتُها ولم أكمِلها، واليوم سأكملُها ولكن بشكلٍ مختلفٍ!
رسمتُ خُيوطًا مُتشابكةً تمرُّ من رأسها، وكلُّ خيطٍ يمرُّ بقناعٍ بهيأةٍ مختلفةٍ، العديدُ من الأقنعةِ بمختلفِ أشكالِها تطُوف بالفتاةِ ثمَّ رسمتُ ملامحَ الفتاةِ أخِيرًا، ملامحُها خائِفةٌ، مذعُورةٌ وشاحِبةٌ، رسمتُ رُوحِي باختِصارٍ!
كانت جُومان جواري تنظرُ إلى ما أَرسمُ بِأسفٍ ولم تُعلِّق بحرفٍ، أظنُّ أنَّ جُومان اِبتعدَت عن ضوضاءِ العالم لِأنها لا تَستَطِيعُ التَّعبيرَ عن كَينُونة صدرِها، صِدقًا لكلٍّ مِنَّا مُشكلةٌ تُؤرُّق مَنامَه!
أعطيتُها دفترها وقلمها ثمَّ حملت حقيبتي ونهضت، فنظرت إليَّ بتساؤل قَلِقٍ:
«إلى أين؟»
«سأُبدِّل ملابسي وأذهب إلى المقهى.»
قلتُها بجمودٍ وكدرٍ فرأيتُ جومان تجمع أغراضها في حقيبتها الكبيرة نسبيًّا ثمَّ نهضت سريعًا رغم تعَجُّبي وقالت بحنانٍ:
«سآتي معكِ، لا ينبغي أن تقضي نهاركِ وحيدة!»
تبسَّمتُ بامتنانٍ فعانقَت ذراعي وسارَت بمحاذاتِي بصمتٍ، تبثُّ طمأنينة صامتةً وهادئةً إلى قلبي حتى فصلتُ ذراعينا لنركب السيَّارة.
وصلتُ إلى المنزل بعد نصف ساعةٍ من القيادة ثمَّ نزلت من السيارة وخلفي جومان فرمقتُها ثم أرشقتُ بيتي بقلقٍ وزفرتُ زفرةً مُختنِقةً بالصُّعداء وخطوتُ ببطءٍ حتى صعدت درجاتِ السُّلم وفتحت الباب ودعوتُ جُومان للدخول.
عندما دخلت وجدتُ والدَيَّ يجلسان في الاستقبال، أبي يقوم بحساب شيءٍ ما، وأمي تتحدث بتصنُّعٍ مع أحدٍ، فور دخولي أرشقتني بنظرةٍ غاضبةٍ فابتلعتُ لُعابي وأشَرتُ لجومان بأن تدخُل غرفتي إلحاحٍ فأذعنت لي ودخلت. فور دخولِها نبست أمِّي بحدَّةٍ:
«ترافقِين تلك الرَّسامة مجدَّدًا؟ ألم آمركِ بالامتناع عن مرافقتها؟!»
نظرتُ لها بصمتٍ ثمَّ نظرتُ إلى أبي الذي كان ينظر إلى بنظرةٍ غير راضيةٍ وقال بنبرةٍ صارمةٍ:
«مرافقة تلك الفتاة لن تُفيدكِ بشيءٍ على الإطلاق، اﻷفضل أن تُرافقي من تفيدكِ وتُفيد عملكِ ومكانتكِ الإجتماعية!»
تكوَّنت طبقةٌ من الدموعِ في على عدسة عيني فرأيتُهما غير واضحين، لم أستطع قول أنَّها الوحيدةُ التي عرفتُها وألفتُها من بقايا طفولتي، أنها الصَّديقة الوحيدةُ التي تراني، فقط أومأتُ لهما واحتجزتُ أنيني الآنَّ وتوجَّهتُ إلى غُرفتي!
دخلتُ إلى غرفتِي فوجدتُ جومان تنظر جهتي بحماسٍ انطفأ عنما رأي مُقلَتيَّ الداميتين من احتجاز الدموعِ فيهما. كادت تنطق لتتساءل لكنني قُلتُ بصوتٍ جافٍّ:
«غادري!»
نظرَت إليَّ نظرةً خاليةً من الاستيعاب والفهم فقُلتُ بجمودٍ وقسوةٍ:
«أبي وأمي لا يريدانكِ هنا، غادري يا جُومان، غادري منزلي وحياتي إلى الأبد، هذا فِراقُ بيني وبينكِ!»
حدَّقت بي بصدمةٍ، نظرة الخذلان التي ملأت عينيها، والدموع التي ذرفتها وكأنها دماءٌ نازفةٌ من جرحٍ أحدثته خناجري، كم تألَّم قلبي، لكنَّني لا أستطيع، لا أستطيعُ أن أتخلى عن الشهرةِ وحُبِّ النَّاسِ لي ومديحهم الذي يغدقونني به لأجل صديقةٍ صامتةٍ!
تركتُها تذهب، كان ذلك فراق بيني وبينها، لم أودِّعها، بل تركتُها تركُض إلى خارجِ منزلي وحياتي التي رُبَّما لن تنيرها مجدَّدًا!
أُغلِق الباب خلف جُومان في هدوءٍ مُريب، فلم يُحدِث صريرًا، ولم ترتجَّ له الجدران، غير أن شيئًا في داخلي انكسر انكسارًا لم أسمع له صوتًا، وعلمتُ أن أشدَّ الكسور ألمًا ما يقع في الروح؛ إذ لا يُرى، ولا يُجبر، ولا يلتئم كما تلتئم العظام.
ظللتُ أحدق في الباب طويلًا، كأنني أنتظر أن يعود الزمن لحظةً إلى الوراء، فتدفعه يدٌ خفيةٌ لينفتح من جديد، وتطلَّ منه جُومان بابتسامتها الوادعة، كأن شيئًا لم يكن. لكنه بقي موصدًا، وبقيتُ أنا وحدي، تحيط بي غرفتي من كل جانب، ويحيط بي صمتي من كل صوب.
تقدمتُ نحو المرآة، فرأيت وجهي كما يراه الناس؛ متقن الزينة، ساكن الملامح، لا تشوبه دمعة، ولا تفضحه رجفة. لكنني كنت أعلم أن خلف ذلك الوجه خرابًا يتسع شيئًا فشيئًا، وأنني، في سبيل أن يحبني الجميع، بدأت أفقد آخر إنسانٍ أحبني دون شرط.
اليوم اكتشفتُ أن أول ما تقتضيه الأقنعةُ من أثمانٍ هو أن تُبعد عنك الوجوه التي كانت ترى وجهك الحقيقي.
_تَبرَة بنت رُكان.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.