المشهد
المشهد
جزء 5 من 5
وضع القراءة:

نظرة

ما بال محياكِ ذابل العينين... شاحب الوجه... نظرة فارغة تتوجه ناحيتي، فكيف أساعدكِ على تخطي ما تعانين؟
كان الحديث الذي يدور بينهما، حتى لو كان قليلًا وسطحيًا، يجعل يومهما مشرقًا ومبهجًا.
كان فاقد الأمل يتشبث بنورها، وكانت هي خائفة من مستقبل تراه عمودًا يمكن الاستناد عليه في وقت الحاجة.
مع أن معلوماتهما عن بعض كانت فقيرة، بمعنى عدم التعرف على أسماء بعضهما، حتى مع مرور نصف عام وهما يتقابلان، إلا أن ذلك لم يكن حاجزًا بينهما.
كان فارس يخرج كل يوم في انتظارها، بدون ملل أو كلل. أحيانًا تظهر، وأحيانًا لا، حيث يستغل ذلك اليوم في محاولة ابتكار مواضيع جديدة يحادثها هو فيها في مرة مقبلة، أو يسألها.
طول مدته هنا أنساه مواضيع البشر في الخارج، بل جعل عقله يختصر هذه الأراضي الواسعة، ذات المدن والقارات الشاسعة، في غرفة مصحة وحديقتها، غافلًا أن هناك عالمًا كاملًا بالخارج.
عكسها هي التي كانت أدرى وأعلم بما يتواجد في ذلك العالم الذي اعتزله منذ مدة، ليست بطويلة مثل خاصته.
كانت تجيبه على كل تساؤل، حتى لو كان غريبًا أو بديهيًا، لكن فقط لأجل إجراء محادثة بسيطة يجاريان بعضهما في كل شيء، حتى أحاديث وخواطر النفس.
في الأيام الأخيرة، كانت النور الساطع يغيب لآجال عدة، لدرجة القلق.
هل ربما أزعجها مرافقته؟ لكنها، وبعد أسابيع، تعود وتحادثه بكل اعتيادية. كان التعب على محياها ظاهرًا، وهالاتها سوداء تشتد سوادًا يومًا بعد يوم.
كانت تعاني معاناته، حتى لو لم تحادثه عن ذلك، إلا أنه كان يحس ويشعر بكم معاناتها التي تشعر بها.
كان يريد مساعدتها بشدة، لكنها لم تحادثه ولو مرة، بالخطأ، عن حالتها. لم يستطع سؤالها خوفًا من فقدانها، مع أن تواجدها أصبح مؤخرًا منعدمًا.
كان يومًا مثل باقي الأيام، لم تأتِ فتاتي مجددًا. بسبب حالتها، أصبح أخاف فقدانها بسبب المرض. كان ذلك كابوسًا يلاحقني طوال الوقت.
كان يؤرقني رؤيتها في تلك الحالة الدامية روحًا وجسدًا، جسدها متهالك ومتآكل من التعب. كان شعوري الغريب تجاهها، من اهتمام لم أحسه يومًا لذاتي، يجعلني أقاوم شعوري بعدم سؤالها عن مرضها وحالتها الصحية، أو التعرف عليها أكثر، والقيام بخطوة جريئة.
كانت نادرة الخروج، ودائمًا ما تأتي جالسة على كرسي متحرك تدفعه ممرضة. لا تلبث أن تجلس معي صامتة.
تلك الفتاة الثرثارة عن حياتها في الخارج أصبحت باهتة مثل الجميع هنا. قد أخذ هذا المكان الكئيب من لمعان عينيها، وقد كان ذلك أكثر ما أزعجني.
هي ذات روح نقية، لا تستحق كل هذا.
كانت حصصي مع المعالج تصبح أحسن. لم أعِ في البداية، لكن حالتي أصبحت تعطي تطورات، ولو بسيطة، بعدما كانت منعدمة، لكنها موجودة.
أصبحت أتكلم مع الموجودين، ولو بكلمات متقاطعة وقليلة. أصبح وجودي ككيان يفرض رأيه، يغير في مسار حياتي الكثير، كالخروج في أوقات عديدة إلى الحديقة، والتجول فيها بدلًا من الجلوس في ركن واحد.
كنت أؤمل أن أجدها في أحد أركان الحديقة، جالسة على كرسيها، مبتسمة مثلما كانت أول يوم، لكن بريق تلك الابتسامة قد تلاشى مع حضورها، وذلك كان أكثر ما يقلقني.
بينما كنت غارقًا في أفكاري الحزينة تجاهها، وقد تحركت مشاعري بعد سبات طويل الأمد، لن أعلم منذ متى بدأ وانتهى بحضورها، سمعت عجلات كرسيها المتحرك.
إنها هي، أستطيع التعرف على صوت كرسيها من بين الجميع.
التفت إليها. عكس كل مرة كانت تنظر إلي، اليوم كانت تنظر إلى لا شيء، وكان ذلك أكثر ما يخيفني.
فقدت عيناها بريقهما منذ زمن، لكنها كانت لا تزال تحمل بعض الإحساس، ولو كان ضعيفًا، لكنها اليوم كانت فقط فارغة، نظرة لا إحساس فيها ولو بذرة. أفزعني ذلك، فأسرعت ناحيتها، وطلبت من الممرضة أن أتولى أنا الاهتمام بها من هنا، وأن أدفعها في نزهة بدلًا من الجلوس في نفس المكان، ربما ذلك يساعدها.
كنت أريد التكلم، لكن الحروف انفلتت من لساني جميعها دون أن تكون كلمة مفيدة واحدة. ما الذي يمكنني قوله ليساعدها؟
-لا أمل لي من اليوم فصاعدًا.
-لمَ تقولين ذلك؟ لطالما آمنت أن هنالك بصيص أمل ينتظرك في نهاية النفق المظلم.
-خاصتي يمتلك نهاية مسدودة.
-لمَ تقولين ذلك؟
-لم أقل أنا... بل الطبيب المختص بحالتي من قال إن حالتي وصلت إلى آخرها.
-أكد لكِ أن معالجي قال ذلك، لكنني الآن أتحسن، لا تهتمي لكلامه فيحبطكِ.
ضلت صامتت لبرهة كنت اريد بداية الخوار لكنني كالعادة فاشل في دباية حوار معاها
-ما اسمك؟
-أنا... فارس، ذا خمسة وعشرين سنة.
-اسمك جميل... أنا ألين...، ذات اثنتين وعشرين سنة.
-اسمك... فقط لامع وخلاب. مثل روحك
3 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.