حياة الرمادية
بانت مشاعر وحدتي.. منذ أن أبصرتها، ذات ملامح باهتة، لكن تزينها ابتسامة مشرقة.. مشهد وردي في حياة رمادية.
منذ ذاك اليوم المنشود، ظلت تلك الفتاة ذات الابتسامة الملائكية، كما يسميها هو، تزوره من حين إلى آخر، تجلس بقربه، تدردش مع محاولة بداية حوار. يظل بينها وبين همهمات أُخر دون نطق بحرف واحد.
كان يحاول أحيانًا بالتدرب في غرفته، خلسةً، في جوف الليل، على كلمات بسيطة يتذكرها لأجل مواكبة حديثها، وأن تشعر باهتمامه بما تقول.
كان جل كلامها عن حياتها قبل المستشفى.. عملها.. عائلتها.. أصدقائها.. وأيضًا حبيبها الذي قد ظلت في أحد الأيام تصف له مشاعرها التي كانت من طرف واحد، موجهةً لحبيب فؤادها دون مبادلة.
كان فارس يظل صامتًا كعادته، دون نظرة ناحيتها عند الحديث عن من لم تستطع هي البوح له بمشاعرها قبل أن تدخل إلى المستشفى.
كانت كثيرة الكلام، لكنه أحب ثرثرتها التي أضافت لحياته صوتًا آخر غير صوت الممرضة والمعالج. كان ذلك تغيرًا جميلًا ومحببًا له، مع أن عجزه عن التعبير معظم الوقت عما في جوفه لها كان أكثر ما يحزنه، ويجعل غممًا سوداء ترافقه في أيام غيابها.
إلا أن عند حضورها، بابتسامتها المشرقة التي تصاحب وجهها الشاحب، كانت كفيلة بجعله حقًا يشعر بمشاعر أخرى غير الفراغ الذي كان يحس به لأشهر، أو سنوات ربما، لا أحد يعلم منذ متى وهو هنا بالضبط.
استيقظت اليوم عازمًا على بداية الحديث معها بدلًا منها. كان لقاؤنا يومذاك متفرقًا بسبب اختفائها، ربما تلك كانت أيام خضوعها للعلاج.
لم تتحدث أبدًا عن سبب كونها هنا، أو عن شحوب وجهها الذي قد راقني، فقد لم يذهب من جمالها حتى نصفه.كنت أنتظر قدوم الممرضة في وقت محدد لأجل الذهاب إلى الحديقة للقائها.
كانت تلك أسعد الأوقات التي حظيت بها طوال مكوثي هنا في المستشفى، مع أني كنت أظن أنه لن يأتي يوم يسعد علي.
جلست على المقعد المخصص لنا من قبل القدر، منذ ذاك اليوم، ذات المحادثة القصيرة والابتسامة المشرقة.
قد مر، ربما على ما أعتقد، شهر أو ثلاثة أسابيع منذ أن تعرفت عليها.منذ أن ابتسمت لي ابتسامةً بوجهها البشوش، مع عينيها الباكيتين.
ظللت أنتظر قدومها، كانت تأتي دائمًا متأخرة، لكنها تأتي في النهاية للجلوس بجانبي من بين دون الناس الذين يتواجدون في الحديقة العامة للمصحة.
-مرحبًا أيها السيد، لا بد أنك كنت تنتظرني منذ زمن.
-م.. مرحبًا.
-جلست بجانبي ككل مرة، وبدأت بالحديث عن عائلتها وأصدقائها في العمل والدراسة.
من حديثها اكتشفت أنها فتاة مثابرة.
كانت تدرس في جامعة مرموقة، بالإضافة إلى أعمالها الإضافية لأجل تخطي قروض الجامعة.
كانت فتاةً ذات حياة لامعة، ما الذي يا ترى جعلها تصل إلى هنا؟ هل يا ترى آذاها حبيبها المزعج الذي صرت أبغضه من كثرة كلامها عنه، أم إرهاقها لنفسها هو السبب؟
أيًا كان ذلك السبب، فهو الذي جعلنا نلتقي ها هنا.
ظلت تنغم بصوتها أحاديث جمّةً عن أصدقائها من العمل، ومساعدتهم لها، ورفقائها في الجامعة الذين كانوا أحسن عون، حتى بدأت الشمس بالمغيب لتقطع سلسلة حكايتها.
مستغربًا صمتها المطول، لأجدها غارقةً في جمال غروب الشمس. ظللت مستمتعًا أنا الآخر بملامحها اللطيفة التي يكسوها تعب ومرض، إلى أن قطعت الصمت بسؤالها:
-أيها السيد.. ما هو لونك المفضل؟
قاومت نفسي لأجل أن أستطيع أن أعطيها جوابًا منمقًا يدل على ذكائي، ربما أتفوق به عن ذاك المسمى حبيبها.
-أنا... ربما الرمادي، لأنه كل ما أستطيع أن أبصره في حياتي، على ما أظن.
-بالنسبة لي، أنا أرى أن الألوان الفاتحة أفضل، ومن بينها أفضل لون بنفسجي، لأنه ذكرني بالغروب وقوس قزح.
-قوس قزح؟
-نعم، يتميز بألوان عدة، لكن يختتم باللون البنفسجي. إنه لون لطالما عهدته لون بهجة وسرور وتهليلات سعيدة.
-يا له من لون سعيد ومبهج.
-نعم، إنه كذلك. إنه لوني المفضل من بين كل الألوان الفاتحة... وأنت، لِمَ تحب الرمادي وتجعله لون حياتك؟
-ربما لأن الرمادي لون ينسب للوسط ما بين الأبيض والأسود، لون محايد، لا سعادة ولا كآبة، فقط الفراغ، كبئر مهجور من قاطنيه.
-تشبيهك لمشاعرك بالبئر المهجور، هل هذا يعني أن البئر لو تمت إعادة ترميمه والاعتناء به سوف يعطي ماءً مجددًا؟
-ربما... من يعلم.
كانت تلك أطول محادثة بين اثنين، محادثة تلامس الفؤاد قبل السمع، محادثة من قلب إلى آخر.
اتجه كل منهما إلى حجرته، بغية الاستراحة، أو ربما التفكير في تلك المحادثة التي قد تكون أطول محادثة صارت بينهما منذ أول لقاء...
أو...
منذ أول ابتسامة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!