المشهد
المشهد
جزء 2 من 3
وضع القراءة:

لقاء

***اليوم رمادي آخر كباقي جميع أيامي العادية، لم يحدث تغيير ولم أتوقع حدوث شيء آخر.
***
كان جالسًا، ذو خمسٍ وعشرين عامًا، في مكانه المعتاد، وهو يتأمل جميع المتواجدين في تلك الحديقة البسيطة.
التي تتواجد خلف المصحة التي أصبح له منزلًا بسبب التخلي الذي تعرض له، كان جالسًا بهدوء يناظر جميع من هم أصغر منه سنًا باستغراب، يا ترى ما الذي قد استدعى جلبهم إلى هنا في هذا العمر الصغير؟
كان من عادته الجلوس بدون حراك أو تفاعل مع أحد، حتى تعود له ممرضة لتعيده نحو غرفته.
التي يقضي فيها معظم أوقات النهار والليل معًا، لم يعد يحس بفرق بين أيام وأشهر وسنوات، ولا يعلم منذ متى تم التخلي عنه هنا ولا سبب تواجده أيضًا.
كان المجهول هو كل ما يعيش فيه، لم يكن لديه لا أحلام ولا طموحات، حياة اتخذت لونًا رماديًا، منذ مدة لم يعد يتذكر فيها ألوانًا أخرى.
كان هوايته في اليوم هي تفحص ملامح المتواجدين في تلك الحديقة، إذا كانت مخصصة للمصحة التي ينتمي إليها ومستشفى لمرضى السرطان قريب.
كان بغيته التعرف على الأحاسيس من خلال ملامح بني جنسه من الإنسان، إذ إن آخر جلساته العلاجية كانت تتحدث عن أنواع المشاعر التي يمكن أن يشعر بها الإنسان، وتعجب لتواجد كثير منها.
فلم يرَ في حياته غير لون واحد، وهذا ما جعله جاهلًا لما يحدث في العالم الحقيقي من مشاعر وأحاسيس يحس بها البشر الطبيعيون حسب كلام المعالج.
لذا فكر لو ربما حاول النظر بتمعن أكثر في وجوه المتواجدين، لربما وجد في أحدهم إحساسًا مختلفًا وتعرف على شيء مختلف، إحساس مختلف عن الذي هو فيه.
لكنه لم يقابل غير الوجوه العابسة والشاحبة مثل خاصته، لم يرَ شخصًا طوال جلسته ذا طاقة مغايرة، ظل على هذه المهمة ربما أيامًا عدة أو أسابيع، لكي يرى شخصًا غريبًا أو حتى مختلف الإحساس، إذا لم تتضمن هذه الحديقة غير ذوي الاحتياجات لتلك المشاعر مثله.
أو ربما كان المعالج يحكي له عن عالم آخر غير الذي هو فيه، يستمتع به البشر بالسعادة والفرح، حاول إعادة التفكير في كل ما قاله، ربما يفهم ما هو شعور السعادة أو أن يجد جوابًا لسؤال الذي قد سأله المعالج آخر مرة.
"ما هي أكثر لحظة سعيدة تتذكرها من حياتك،فارس؟"
لكنه لم يحصل على جواب أو حتى احتمال بسيطة، فهو في حياته الرمادية، هذا الشعور بالفرح مجهول الهوية. ظل على تلك الحالة مثل كل يوم، إلى أن أتت ممرضة لتأخذه إلى غرفته، فقط حان وقت رجوعه إلى قفصه.
ربما لست من الأشخاص الذين يستحقون ذاك الشعور، ربما فقط طبقة معينة من البشر لهم حق فيه وأنا لست منهم.
في صباح اليوم التالي، في يوم جديد كان هو الآخر رماديًا، لم أتوقع تغييرًا على كل حال. هذا هو وضعي منذ الأزل، بعد حضور ممرضة لاصطحابي نحو حديقة مجاورة للمصحة، مثل كل يوم، للجلوس في مقعدي ككل يوم، محاولًا التعرف على مشاعر مختلفة عبر تفاصيل الناس وملامحهم، وأنا أرافق الممرضة ببطء.
عندما اقتربنا ناحية المقعد الذي كان مخصصًا لي، أو الذي خصصته لنفسي منذ أن سمحوا لي بالخروج من القفص لأول مرة، كانت هناك فتاة تبدو عشرينية نسبة لشكلها، لكن وجهها كان ذا ملامح طفولية. كانت ترتدي ملابس طبية خاصة بالمرضى، مثل التي أرتديها. هل هي جديدة هنا؟
كانت توسع عينيها وتنظر حولها بكل غرابة، كأنها أول مرة ترى هذه الحديقة. كنت لا أزال واقفًا بجانب الممرضة بعد اقترابنا بشكل كافٍ من الفتاة، اتضح لي بعد قطرات دموع حول عينيها، وقد ظهر شحوب وجهها أيضًا، إذاً ربما جديدة هنا.
اقتربت منها الممرضة لأجل التحدث معها، بينما ظللت أنا واقفًا أعطي مسافة بينها وبينها، فلا أحب اقتراب بني جنسي من البشر كثيرًا، أحب ترك مسافة أمان.
"مرحبا، لو سمحتِ هذا مقعد محجوز لمريض لدينا ذو حالة لا تسمح له بالجلوس بقرب من الناس."
"أوه، نعم أنا حقًا آسفة، لم أكن أعلم أن هذا المقعد له، سأذهب الآن."
"شكرًا لكِ على تفهمك، أتمنى لكِ الشفاء."
"آه، نعم، نعم، أعتذر مجددًا."
كانت كثيرة الاعتذار والشرود بطريقة غريبة، ومع ذلك كانت...
تبتسم!
لقد كانت تبتسم ابتسامة غريبة تجاه الممرضة عند كل كلمة.
كان من الواضح أنها جديدة وتم التخلي عنها هي الأخرى ولم تستوعب ربما واقعها هنا.
لكنها مع ذلك لم يتوقفها ذلك عن الابتسام والاعتذار. كان ذلك كافيًا لجذب انتباهي. ذهبت الممرضة لتظل هي جالسة لبضع ثوانٍ، ثم قامت ومسحت دموعها، نظرت ناحيتي بطريقة غريبة ثم ابتسمت مجددًا؟
لم أفهم مغزى تلك الابتسامة، لكنني أحسست أن اليوم الرمادي الذي كان من المفترض أن يكون مثل باقي أيامي، شعرت بشعور غريب يحثني على...
الابتسام ربما.
حاولت رفع طرف شفتي لأُظهر بعض الود، لكن لم تكن ابتسامتي متقنة مثل خاصتها، كانت كأنها من شخص ميت، لم تكن ذات مشاعر قوية مثل خاصتها، لم أُتقن حمل أي إحساس. كانت ابتسامتي فارغة.
لكن خاصتها ظلت مرتسمة في ذهني، وطوال مدة لا أعرفها التي أمضيتها هنا لم أرَ أبدًا ابتسامة مثل هذه. إنها ابتسامة، بالمعنى الحرفي، ابتسامة من الأعماق النقية الطاهرة، لا غرور ولا كبرياء ولا سخرية تحملها فقط ابتسامة لطيفة عريضة قد زينت ملامحها التي كانت للتو حزينة.
هل إسعادها سهل لهذه الدرجة؟
أم
أنها تحاول إيجاد أبسط الأشياء لتبتسم؟
ظللت واقفًا بدون حركة، لقد شُلّت أطرافي بسببها.
أما هي فكانت تبتسم لي بإشراق كأنها تعرف أني لم أرَ مشهدًا مثل هذا من قبل.
ثم بعدها ذهبت وكأنها لم تكن.
لقد كان مشهدًا جميلًا، تمنيت لو طال زمنه، تمنيت لو انطوى الزمان في تلك اللحظة، ولأنني للتو قد
ابتسمت أول ابتسامة لي.
لقد كان هو المشهد الأول الذي أشعرني بشيء في أعماقي الفارغة.
ابتسامتها كانت عادية للغير ... لكنها لفاقد الأمل، كانت طوق نجاة.
4 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.