وضع القراءة:

الفصل الثالث: المَنام.

غَيث.
قَبل أربع سنوات.
​لطالما آمنتُ أنني لست كبقية البشر، أو على الأقل، أن روحي معلقة بخيوط واهية بين واقع أعيشه، وعالم آخر يأتيني في المنام. منذ صغري، كنتُ أملك تلك "اللعنة" أو الهبة؛ أحلامي لا تمر عابرة، كل حلمٍ حلمتُ به كان يجد طريقه للتحقق في الواقع بدقة مرعبة، كأن النوم بالنسبة لي هو مرآة للمستقبل.
​لكن، إذا كانت أحلامي تمنحني الحقيقة، فإن واقعي مع أبي كان يمنحني العذاب. منذ أن ولدتُ، وعلاقتنا تشبه خطين متوازيين لا يلتقيان إلا في ساحات الجفاء. لم أذكر يوماً أنه غمرني بدفء الأبوة؛ بل كان ينظر إليّ دائماً بنظرة محملة باللوم والنفور، وكأنني ذنب يمشي على قدمين. كان يحرص في كل مناسبة، وبكل قسوة، أن يذكرني بأن ولادتي كانت "سوء حظ" طرأ على حياته، وأنني الطالع السيئ الذي غيّر مسار أقداره. كبرتُ وأنا أحمل هذا الثقل، حائراً بين كرهه لي، وبين سرٍّ غامض لا أفهمه.
في ليلة عيد ميلادي السابع عشر، لم يكن هناك احتفال ولا شموع، فقط عتمة غرفتي وجفائي المعتاد مع أبي. نمتُ بقلب مثقل، لتأخذني روحي إلى فضاء لم أعهده من قبل.
​وجدتُ نفسي أقف وسط حديقة واسعة ممتدة بلا نهاية، أشجارها شاهقة وخضرتها تبعث على السكينة. ومن بين الضباب، اقتربت مني امرأة تشع طيبة ونوراً. لم أكن أعرف ملامحها، ولم تكن صورتها مطبوعة في ذاكرتي من قبل، لكن قلبي انتفض بداخل صدري وتعرف عليها فوراً.. إنها أمي.
​اقتربتْ مني، ووضعت يدها الدافئة على وجنتي، ومسحت بحنانٍ غسل كل أوجاع السنين من قلبي، ثم همست بصوت عذب:
— "لقد كبرتَ يا غيث.. غدوتَ رجلاً الآن."
​نظرتُ إليها بلهفة الابن الخائف من تلاشي الطيف، وسألتها:
لما ابي يتجنبني مند ولادتي؟
إبتسمت بحزن وقالت بلهفة موجهة:
— "ستعرف الحقيقة كاملة يا بني.. كل ما تبحث عنه مخبأ هناك. اذهب إلى مكتب أبيك، وابحث في الخلف.. ثمة درج سري في ذاك المكتب الخشبي يحمل الإجابة التي ستغير كل شيء."
​الاستيقاظ والقرار
​فتحتُ عينيّ على لاهثاً، وأشعة الشمس تملأ الغرفة. لم تكن تفاصيل الحلم مشوشة كالعادة، بل كانت واضحة وحارة كالجمر في عقلي. وصية أمي ورسالتها كانت صريحة.
​التفتُّ نحو الباب، وعلمتُ أن أبي قد غادر إلى عمله وأن المنزل فارغ تماماً. كانت فرجتي قد حانت. توجهتُ بخطوات حذرة نحو غرفة مكتبه المغلقة دائماً، وفتحت الباب بقلب يرتجف.. حان الوقت لأكتشف السر الذي خبأه أبي، والوعد الذي قطعتُه لأمي في غيابة الحلم.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.