الفصل الأول: عتباتُ الغموض.. وحديث الشتاء.
غَيمة.
الحاضر.
كانت السيارة تمخر عباب الشوارع التي بدأت تكتسي بظلال المساء، وأنا أسندتُ رأسي إلى زجاج النافذة البارد،
أراقب انعكاس ملامحي المتعبة على زجاجها المضبب. كنت في طريقنا إلى بيتنا الجديد؛
ذلك المكان الذي لم أعتد زواياه بعد، والذي انتقلنا إليه بحثاً عن بداية جديدة. كان في داخلي مزيج غريب من الترقب والوحشة، فكل شيء حولنا يتغير، حتى الجدران التي سأوي إليها الليلة.
عندما توقفت السيارة، نزلتُ وأنا أحمل حقيبتي الصغيرة، وصعدتُ درجات السلم بقلبٍ يملؤه الفضول والإنهاك. فور أن فتحنا الباب ودخلتُ، دبّت في البيت جلبة غير معتادة ودافئة. كانت رائحة القهوة بالهيل تفوح في الممر، ممتزجة بصوت ضحكات مألوفة جداً لقلبي.
كان قد مرَّ أسبوعٌ كامل منذ أن انتقلت أمي وزوجها محمود إلى هذا المنزل الجديد، بينما بقيتُ أنا في منزلنا القديم. لم يكن الأمر عنادًا ولا رفضًا للانتقال،
بل لأن امتحانات نهاية العام كانت على الأبواب، ولم أرغب في تغيير مدرستي أو تشتيت تركيزي في ذلك الوقت.
بعد انتهاء آخر امتحان،
لم يعد هناك عذرٌ يؤجل انتقالي.
في ذلك الصباح، حملت آخر حقائبي، وأغلقت باب المنزل الذي شهد سنواتٍ طويلة من عمري. لم أشعر بالحزن وأنا أودعه، لكنني لم أشعر بالفرح أيضًا. كان داخلي فراغٌ غريب، كأنني أترك خلفي حياةً كاملة، وأسير نحو أخرى لا أعرف عنها شيئًا.
التفتتْ إليّ أمي فور دخولي، واتسعت ابتسامتها قائلة بتسلية وترحاب:
— "تعالي يا غيمة.. انظري من ينتظركِ هنا! سارة لم تطق صبراً حتى ترتبوا الأغراض، وجاءت لتبارك لكِ بنفسها."
أطلّت سارة من خلف أمي بابتسامتها الحيوية المعتادة، وعيناها تشعان بالذكاء والود. تقدمتْ نحوي سريعاً لتعانقني وهي تقول بلهفة:
— "مبروك البيت الجديد يا غيمة! لم أستطع الانتظار حتى الغد، أردتُ أن أكون أول من يراكِ هنا."
تبادلنا السلام والعبارات الدافئة، ورغم سعادتي الكبيرة بوجودها، إلا أن إرهاق جسدي وروحي من عناء النقل والسفر كان قد بلغ مبلغه. استأذنتُ منها ومن أمي متعللة بحاجتي الشديدة للنوم، وتوجهتُ صوب غرفتي الجديدة.. ملاذي الأوحد
أغلقتُ الباب خلفي، وتنفستُ الصعداء في سكون الغرفة العذب التي لا تزال كركن لأغراضي مكدسة في زواياها. توجهتُ نحو دولاب ملابسي الخشبي لأبدل ثيابي وأضع بعض حاجياتي الأساسية،
وأثناء إزاحة بعض الأغراض في الرف العلوي المظلم الذي بدا وكأن أصحاب البيت السابقين قد نسوا فيه شيئاً، ارتطمت أصابعي بجسم صلب وغريب.
عقدتُ حاجبيّ بوجل، ومددتُ يدي لأخرجه.
كان دفتراً جلدياً أسود اللون، يفوح برائحة غامضة تجمع بين عتاقة الورق المتروك وعبير ياسمين جاف قديم.
لم يكن دفتري بالتأكيد! تحسستُ ملمس جلده الخشن بفضول جارف، وسرت في أطراف أصابعي قشعريرة غريبة كأنني لمستُ تياراً من الأسرار المخبأة.
فتحتُ صفحته الأولى لتتلقف عينيّ خطاً رجولياً قوياً، منسقاً، ومليئاً بالشجن، لكن قبل أن أسترسل في قراءة السطور الأولى، غلبني إنهاك عينيّ من وعثاء الطريق، فوضعت الدفتر برفق بجانب وسادتي، وارتميت على السرير مستسلمة لنوم عميق ومفاجئ.
في غيابة الحلم: طيف اليقظة الأولى
لم تكن عتمة النوم عادية هذه المرة، بل كانت هادئة، دافئة، وتتدفق كالغيم.
فجأة، انقشعت الضبابية لأجد نفسي واقفة في فضاء غير محدود،
وأمامي تماماً يقف شخص مجهول الملامح الدقيقة، لكن حضوره كان طاغياً وهيبته تملأ المكان سلاماً. ل
م أكن خائفة، بل شعرتُ بآلفة غريبة وكأنني أنتظره منذ زمن طويل.
اقترب مني بخطوات هادئة حتى غدا ظله يلامس ظلي، ونظر في أعماق عيني بنظرة حانية، عميقة، وممتلئة بأسئلة حائرة، ثم قال بصوت دافئ ورخيم يسري في الروح:
— "عيناكِ كالشتاء.."
سكت لبرهة، يتأمل ملامحي المرتبكة بذهول عذب.
ثم مال برأسه قليلاً إلى الجانب،
وهمس بنبرة تقطر عذوبة وحيرة:
— "من أين تأتين بكل هذه الوداعة في عينيكِ؟"
اليقظة
امتدت يده كأنه يريد لمس وجنتي، وفي اللحظة التي تكاد أصابعه تلامس بشرتي.. تلاشت التفاصيل فجأة.
فتحتُ عينيّ باتساع وأنا أتنفس بسرعة، ونبضات قلبي تخفق بعنف داخل صدري
. التفتُّ حولي لأجد أشعة الفجر الخفيفة تتسلل من نافذة غرفتي الجديدة، والمكان هادئ تماماً. لم يكن هناك أحد. وضعتُ يدي على قلبي أحاول تهدئته، وقبل أن تتشتت تفاصيل الحلم، التفتُّ بجانبي.. فلامست يدي الغلاف الخشن للدفتر الجلدي الأسود الرابض على الوسادة، ليدق في عقلي سؤال واحد: من يكون ذلك الطيف؟ وهل لهذا الدفتر المتروك في بيتنا الجديد يدٌ فيما رأيت؟.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!