وضع القراءة:

الفصل الثاني:السطر الأول.

غيمة.
الحاضر.
استيقظتُ على وقع ضربات متتالية وخفيفة على باب غرفتي، يرافقها صوت أمي الممتزج بنبرة عتاب صائحة :
— "غيمة! استيقظي يا بنيتي.. الساعة تجاوزت العاشرة صباحاً! سارة غادرت منذ وقت قصير بعد أن يئست من استيقاظكِ، والمنزل الجديد يحتاج إلى سواعدنا لنرتب بقية الأغراض!"
​قفزتُ من سريري بفزع وأنا أفرك عينيّ من أثر ذلك النوم العميق. تذكرتُ الحلم فوراً.. شعرتُ ببرودة الشتاء تلامس وجنتي، وكأن صوت ذاك الرجل المجهول الغامض لا يزال يتردد في زوايا الغرفة: "من أين تأتين بكل هذه الوداعة؟". نفضتُ رأسي لأطرد بقايا طيفه الذي لا أعرف حتى اسمه، وأجبتُ أمي مسرعة:
— "قادمة يا أمي.. دقائق معدودات وأكون معكِ!"
​لغز الصباح.. والكلمات العشوائية
​غسلتُ وجهي بالماء البارد لأستعيد تركيزي، وعدتُ إلى غرفتي وبدأتُ بهمة في تفريغ أكياس ملابسي لترتيبها داخل الخزانة الخشبية.
التفتُّ نحو السرير، وتسمرتُ في مكاني بدهشة.. كان الدفتر الجلدي الأسود مستلقياً هناك بوضوح فوق الفراش!​عقدتُ حاجبيّ بوجل، وضعتُ يدي على خصرِي وأنا أحاول التذكر ؛ أنا متأكدة تماماً أنني لم أضعه هنا، بل أذكر جيداً أنني عندما عثرتُ عليه ، تركتُه بالأعلى، فوق الدولاب، ولم ألمسه مجدداً! كيف نزل إلى السرير؟ هل سقط بفعل الرياح؟ أم أن هناك من حركه؟
​سرت قشعريرة خفيفة في جسدي. دفعتني الحيرة والفضول لمد يدي نحوه، وجلستُ على طرف السرير ثم فتحتُ صفحاته بشكل عشوائي، لتتلقف عينيّ عبارات كُتبت بمداد أسود مبعثر وتاريخ يعود لأربع سنوات
كانت الكلمات تقطر وجعاً ووحدة:
​"البيت بارد.. والمقاعد صامتة. الغرف التي كانت تضج بالحياة تبتلعني الآن في عتمتها. أشعر أنني منفيّ في عقر داري، كأنني طيف يمر بالجدران دون أن يراه أحد. الوحدة ليست في غياب البشر، بل في غياب من يفهم شتاتك.. سأترك هذه الكلمات هنا، لعل الجدران تحفظ سري."
ووجدت وردة ياسمين مجففه في الورق.
​أغلقتُ الدفتر فجأة ونبضي يتسارع. هذا الدفتر يحمل قطعة من روح شاب عاش في غرفتي هذه قبلي.. شاب كان يصارع وحدة مخيفة، وشعرت برابط غامض يشدني لكلماته وكأنه يناديني أنا بالذات.
​مرّ بقية اليوم شاقاً في ترتيب أرجاء البيت الجديد، وعندما حلّ الليل، آويتُ إلى فراشي بعد أن وضعتُ الدفتر هذه المرة تحت وسادتي مباشرة لأضمن ألا يتحرك. استسلمتُ للنوم، لكنني لم أعد إلى فضاء الغيم الدافئ.. بل وجدتُ نفسي في مكان مختلف تماماً.
​كنتُ أقف وسط صحراء شاسعة وممتدة تحت جنح الليل. الرمال الذهبية باردة تحت قدميّ، والرياح تصفر بهدوء مثيرةً ذرات الغبار. تطلعْتُ حولي بوحشة، وفجأة، لمحتُ ظله من بعيد.
​كان هو.. الشخص المجهول نفسه من حلم البارحة. لكنه هذه المرة لم يقترب، ولم يهمس لي عن شتاء عينيّ. كان واقفاً على مسافة بعيدة تفصلني عنه كثبان رملية عالية، ينظر إليّ بنظرة محملة بعتبٍ صامت وشجن طويل، وكأنه يناديني دون صوت، أو كأنه يغرق في وحشة الصحراء وينتظر من يمد له يد العون.
​حاولتُ السير نحوه، ومجابهة الرياح الباردة، لكن رمال الصحراء كانت تسحب قدميّ للأسفل، وكلما خطوتُ خطوة.. بدا وكأنه يبتعد أكثر كالسّراب ويتلاشى في عتمة الأفق.
د​فتحتُ عينيّ لاهثة على صوت أنفاسي المتسارعة، والضوء يتسلل من النافذة. اعتدلتُ في جلستي وشقشقة الفجر تملأ المكان. لم يعد الحلم مجرد صدفة؛ ذاك الشخص البعيد في الصحراء، وصاحب الكلمات المبعثرة في الدفتر.. هناك خيط سحري يربطهما بي، وبدأتُ أدرك أن انتقالنا لهذا البيت سيغير حياتي للأبد.
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.