زوجوني طفلة
زوجوني طفلة
جزء 6 من 6
وضع القراءة:

الفصل السادس تحضيرات الزفاف

وفي اليوم الموعود، جاء مصطفى ليصطحب لين إلى المركز التجاري؛ ليشتري لها فستان زفافها.
توقف أمام المنزل، ونادى ابن عمه سفيان، وما هي إلا لحظات حتى خرجت لين، تتهادى بخطواتها وهي في قمة سعادتها. فلأول مرة تشعر أن مصطفى يفكر في إسعادها، وأن زواجه منها ليس مجرد واجب فُرض عليه.
ابتسم مصطفى ما إن رآها، وقال بإعجاب:
- ما كل هذا الجمال يا ليونة؟ أقسم إنكِ بدرٌ يضيء المكان.
احمر وجه لين خجلًا من كلمات خطيبها، وانخفض بصرها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها.
ركبت السيارة، وخيّم الصمت بينهما للحظات، لكنه لم يكن صمتًا مزعجًا، بل كان مليئًا بالمشاعر التي يعجز الكلام عن وصفها.
شغّل مصطفى أغنية هادئة، ثم أمسك يدها برفق، وقبّلها بحنان، وهمس:
- اسمكِ "يلين" يليق بكِ تمامًا... وهذه الأغنية أهديها لكِ.
أطرقت لين برأسها خجلًا، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة لم تستطع إخفاءها.
وبعد قليل، وصلا إلى المتجر.
وقفت لين حائرة بين عشرات الفساتين، حتى وقعت عيناها على فستان بدا وكأنه صُنع من الضوء، يلمع كأن النجوم نُثرت فوقه، وتحيط به قطع الألماس من كل جانب.
قالت بحماس:
- هل يمكنني قياس هذا الفستان؟
تنهدت إحدى العاملات بضيق، وقالت باستخفاف:
- هل سأظل أنزل هذا الفستان وأعيده كل مرة؟ إيجار الفستان وحده مائتا ألف جنيه، وكل ما فيه ألماس حقيقي. ولو ضاعت منه قطعة واحدة، ستدفعون ثمنها. من الأفضل أن يطلبه من يعرف قيمته ويعرف كيف يرتديه.
انطفأت ابتسامة لين، وانكسرت ملامحها، فنادت مصطفى بصوت خافت.
وما إن رآها من خلف زجاج المحل حتى تبدلت ملامحه، ودخل إليها سريعًا.
اقترب منها وسألها بقلق:
- ما بكِ يا حبيبتي؟ ألم يعجبك شيء هنا؟
أجابت بحزن:
- أعجبني فستان... لكنها قالت إنه غالٍ جدًا عليّ، وكأنها حكمت علينا أننا لا نستطيع حتى استئجاره.
نظر إليها مصطفى بحنان، ثم قال:
- وأين هو الفستان الذي أعجبك؟
أشارت إليه، فالتفت إلى العاملة وقال بهدوء:
- من فضلك، أنزلي هذا الفستان.
أنزلته العاملة، ودخلت لين لتجربته.
وما إن خرجت من غرفة القياس حتى بدت وكأنها أميرة خرجت من صفحات الحكايات. كان الفستان يليق بها بصورة تخطف الأنفاس.
وفي تلك اللحظة، لاحظت لين أن العاملة تحاول لفت انتباه مصطفى والتقرب منه، فتأففت وقالت بغيرة طفولية:
- حسنًا... أعجبني الفستان. ادفع إيجاره يا مصطفى.
ابتسم مصطفى، ثم قال وهو ينظر إليها بحب:
- أأستأجر لكِ فستان زفافك؟ مستحيل يا حبيبتي. سأشتريه لكِ. لا أريد أحدًا أن يرتديه بعدك يا ليونة، وحتى إن ضاع منه الألماس كله، فلا يهم.
اتسعت عينا العاملة بدهشة، وقالت بسرعة:
- ولكن... سعره مليونا جنيه!
ابتسم مصطفى بثقة، وقال:
- وما المشكلة؟ حبيبتي تستحق أن تُدلل. ويبدو أنكِ لا تعلمين من الذي جاء ليشتري هذا الفستان، فما ثمنه أمام فرحتها؟ هذا غير باقي تجهيزات الزفاف.
قالت العاملة باحترام:
- حسنًا يا أستاذ... هل ستدفع بالبطاقة؟
أجاب:
- بالطبع.
أنهى عملية الشراء، وغادرا المتجر والفستان بين يدي لين، التي لم تستوعب حتى تلك اللحظة ما حدث.
نظرت إليه بخجل، وقالت:
- هل أحرجتك وجعلتك تشتري الفستان؟ أم أنك كنت تريد فعلًا أن تشتريه لي؟
ابتسم لها وقال:
- يا حبيبتي، لا يوجد شيء في الدنيا يغلو عليكِ. كل ما يهمني أن أراكِ سعيدة. هذا أهم يوم في حياتك، وإن لم تكوني مرتاحة ومبسوطة، فلن أكون أنا أيضًا.
ثم أردف مبتسمًا:
- هيا بنا لنشتري الحذاء وبقية احتياجاتك، فأنا لا أريد أن يسبقني أحد في تدليلك يا آنسة.
ضحكت لين وقالت:
- حسنًا.
ثم ذهبا إلى متجر الأحذية، فاشترى لها الحذاء وكل ما تحتاج إليه، وبعد انتهاء التسوق أعادها إلى منزلها.
وقبل أن تغادر السيارة، سألها:
- هل ينقصك شيء آخر يا قلبي؟
أجابته بصوت خافت وناعم:
- لا... هكذا أصبح كل شيء كاملًا، الحمد لله.
ابتسم وقال:
- إذًا أراكِ غدًا في الزفاف. لن أستطيع حضور الحناء، فهي حفل خاص بالفتيات، وكان هذا شرطي مع والدك.
ضحكت لين وقالت:
- وأنا أيضًا سأكون مرتاحة بذلك.
ترجلت من السيارة، فوجدت والدتها تنتظرها أمام المنزل.
وما إن رأت الابتسامة التي تملأ وجه ابنتها حتى تنفست الصعداء، وأمسكت بيدها وهي تقول:
- أخبريني... هل أحضر الفستان؟
فتحت لين العلبة، فشهقت أمها إعجابًا:
- يا الله! ما أجمله! هل هذا ألماس حقيقي؟
ابتسمت لين وقالت:
- كنت أظن أننا سنستأجره، لكن بعدما قللت العاملة منا وقالت إننا لن نستطيع حتى دفع إيجاره، اشتراه مصطفى... بمليوني جنيه.
وضعت الأم يدها على صدرها من شدة دهشتها، وقالت:
- بمليوني جنيه! يا ابنتي، إنه فستان لن يُرتدى إلا لساعات!
ابتسمت لين قائلة:
- لكنه أصر على شرائه.
ربتت الأم على كتفها وقالت:
- المهم أنك سعيدة يا حبيبتي. حافظي عليه. والآن هيا، فقد وصلت رسامة الحناء، والعروس لا يجوز أن تتأخر.
ثم احتضنتها بحنان وقالت:
- ما زلت أراكِ صغيرة على كل هذا... لكن لا أحد يعلم ما يخبئه القدر. يبدو أن مصطفى يعشقك حقًا. أسأل الله أن يتم فرحتك ويهني قلبك.
خرجت الأم لاستقبال الضيوف، بينما دخل والد لين إلى الغرفة.
اقترب منها وسألها:
- كيف حالك يا ابنتي؟ هل ينقصك شيء؟
ابتسمت وقالت:
- لا يا أبي، مصطفى اصطحبني واشترينا كل شيء.
نظر إليها طويلًا، وكانت في عينيه غصة حاول إخفاءها.
خرجت الأم وهي تقول:
- سأذهب لأطمئن على الضيوف، واترككما قليلًا.
اقتربت لين من والدها، وضعت يديها على وجهه، وقالت:
- ما بك يا أبي؟ لماذا أرى الحزن في عينيك؟ لم أرك هكذا من قبل... هل تخاف عليّ؟
لم يستطع منع دموعه من الظهور، وقال بصوت مرتجف:
- وكيف لا أخاف عليكِ؟ أنتِ ابنتي... وروح قلبي. أشعر وكأنني ظلمتك، لكن والله ما وافقت على هذا الزواج إلا بعدما وعدني مصطفى أنك ستكملين تعليمك، وأنه سيحافظ عليكِ. وغير ذلك... لا يهمني شيء. ولو مسّك أحد بسوء، لأحرقت الدنيا من أجلك. فأنتِ أول فرحتي وأغلى ما أملك.
أغرقت الدموع عيني لين، وهمست:
- إلى هذه الدرجة تحبني يا أبي؟
ابتسم رغم دموعه، وقال:
- وإن لم أحبك أنتِ يا نور عيني، فمن أحب؟ وإن أغضبك يومًا، أخبريني، وستجدينني أول من يقف بجانبك. لكنني أشعر أن مصطفى شاب طيب، وسيحافظ عليكِ ويحبك.
ثم أكمل بنبرة الأب المشفقة:
- فقط اسمعي كلامه، ولا تعانديه كما كنتِ تفعلين معنا. أصبحتِ الآن مسؤولة عن بيت وحياة جديدة، وأعلم أنكِ ما زلتِ صغيرة على هذه المسؤولية، لكنني أثق بكِ. قولي دائمًا "حاضر" عندما يستحق الأمر... وهذه نصيحة من أبي يحبك أكثر من نفسه.
في تلك اللحظة دخلت عمتها وهي تبتسم قائلة:
- إلى متى ستظلان تتحدثان هنا؟ الناس يسألون عنكما في الخارج. هيا يا أخي، والضيوف ينتظرونك.
ثم التفتت إلى لين وقالت بحماس:
- وهيا أنتِ أيضًا، فالحناءة تسأل عنك. لدينا عروس اليوم... زغردن يا بنات!
وكان يومًا جميلًا امتلأ بالفرح والضحكات. رسمت الحناء على يدي لين، وكتبت اسم زوجها المستقبلي بين زخارفها، وتعالت الزغاريد حتى انتصف الليل، ثم غادر الجميع.
دخلت لين غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، وأخذت تتأمل كل ركن فيها، وكأنها تودع طفولتها بأكملها.
حملت دميتها الصغيرة بين ذراعيها، واغرورقت عيناها بالدموع، وهمست:
- لم يوافقوا أن آخذك معي يا ديدي... لكن لا تقلقي، بعد الزفاف سأعود لأخذك.
ثم أخذت تتجول بعينيها في أرجاء الغرفة؛ فرشاة أسنانها، وفرشاة شعرها، وملابسها، وأحذيتها... كانت تنظر إلى كل شيء وكأنه يحمل ذكرى لن تعود كما كانت.
وأخيرًا، وقعت عيناها على كتبها الدراسية.
أسرعت إليها، واحتضنتها بقوة، وقالت:
- أعلم أن الوقت ما زال مبكرًا لأفارقك... لكن لا تقلق. بعد يومين سأعود إليك، وسأكمل مذاكرة الثانوية العامة. لن أترك حلمي مهما كانت الظروف، ومهما تضاعفت الضغوط. تعليمي سيبقى أولويتي، وستكون أنت أول شيء أعود إليه قبل أي شيء آخر.
ثم وضعت الكتب في مكانها بحنان، واتجهت إلى فراشها.
أغمضت عينيها، وهي تعلم أن شمس الغد لن تحمل لها يومًا عاديًا، بل ستحمل معها بداية حياة جديدة... يوم زفافها
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.