تانيب ضمير
في المساء، كان بيت مهران يستعد لاستقبال أهل العريس. وما إن حان الوقت الموعود، حتى وصل مصطفى برفقة والده معاذ ووالدته فتحية. استقبلتهم أم سفيان، والدة العروس، بحفاوة وترحاب، وكانت تنظر إلى مصطفى بابتسامة دافئة.
طلب مهران من زوجته أن تأمر الخدم بإعداد العشاء لجميع الحاضرين، فقامت فتحية لمساعدتها في تجهيز المائدة.
تحدث معاذ قائلًا:
أنت تعلم يا مهران سبب مجيئنا. جئنا نطلب يد ابنتك لابني مصطفى.
ابتلع مصطفى ريقه بصعوبة، بينما أجاب مهران:
وأنا لا أستطيع أن أرفض لك طلبًا، ولكن لدي طلب واحد.
قال معاذ مبتسمًا:
آمُرني يا أخي.
تردد مهران قليلًا، ثم قال:
أريد من مصطفى أن يسمح لها بإكمال تعليمها.
نظر مصطفى إلى مهران، ولاحظ الحزن الذي كان يخفيه خلف ذلك الطلب، فقد كان يعلم أن والده هو من أغضبهم حين أصر على الزواج، كما فعل معه من قبل.
فقال مصطفى بهدوء:
لا تقلق يا عمي، بالطبع سأجعلها تكمل تعليمها. هي في أي سنة دراسية؟
أجاب مهران بسرعة:
في الصف الأول الثانوي العام.
ابتسم مصطفى وقال:
ما شاء الله.
بعدها نادت الأمهات معلنات أن الطعام قد أصبح جاهزًا، فتوجه الجميع إلى مائدة العشاء.
وبعد الانتهاء من الطعام، قالت والدة مصطفى:
هل يمكن أن يجلس مصطفى مع لين قليلًا حتى يتعارفا؟
ابتسمت أم سفيان وقالت:
حاضر، سأستأذن والدها، وإن وافق فلا مانع لدي.
وجاءت الموافقة، وتم الاتفاق على جلسة تعارف قصيرة.
كان مصطفى يجلس في الحديقة، ثم دخلت عليه لين بخجل وحياء، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول:
السلام عليكم.
وصل صوتها الرقيق إلى أذنيه، وكأنه تغريد عصفور في صباح هادئ. التفت إليها، فإذا بفتاة جميلة لا يبدو عليها أنها في السادسة عشرة من عمرها، ترتدي فستانًا ورديًا، وينسدل شعرها الأشقر الطويل خلفها.
قال مصطفى، بعدما شرد للحظات:
أنتِ لين؟
أجابت بخجل:
نعم، أنا.
أشار إليها لتجلس، ثم سألها:
كيف حالك؟
قالت:
الحمد لله، بخير.
تنحنح مصطفى وقال:
هل تسمحين لي بأن أسألك بضعة أسئلة؟
ابتسمت وقالت:
تفضل.
قال:
هل أنتِ سعيدة بهذه الزيجة، أم أن أحدًا أجبرك عليها؟
كادت لين أن تقول الحقيقة، لكنها تذكرت وصيتها لوالدتها، ووعدها بألا تذكر سبب الزواج، فقالت:
أنا سعيدة، وأنت شخص طيب. أعرفك منذ زمن، ودائمًا أسمع الجميع يذكرونك بكل خير. والآن اسمح لي أن أسألك السؤال نفسه.
تنهد مصطفى وقال بصراحة:
لن أكذب عليكِ. في البداية لم أكن موافقًا، لأنني كنت أظنك صغيرة جدًا، ولم أكن أعلم أن...
وقبل أن يكمل حديثه، قاطعه اتصال هاتفي، وكان اسم المتصلة "ميار".
نظرت لين إلى الهاتف، ثم قالت بابتسامة خفيفة:
يبدو أن الأمر مهم، رد عليها.
قال مصطفى مرتبكًا:
نعم... اسمحي لي لحظة.
ابتعد قليلًا ليرد على الاتصال، بينما راود لين شعور بأن الأمر لو كان متعلقًا بالعمل لما احتاج إلى الابتعاد.
وقبل أن يطول انتظارها، قطعت أفكارها والدتها وهي تناديها.
استأذن معاذ وعائلته، واتفق مع مهران على أن يأتي مصطفى في اليوم التالي ليصطحب لين لشراء الشبكة وفستان الزفاف.
ودع الجميع بعضهم بعضًا، بينما دخلت لين غرفتها وهي تشعر بسعادة غامرة. أمسكت هاتفها، وبحثت عن حساب مصطفى، ثم شاركت معه منشور قراءة الفاتحة.
لكن مصطفى لم ينتبه إلى المنشور إلا في صباح اليوم التالي.
في تلك الليلة، رأت ميار المنشور، وظلت تتصل بمصطفى مرارًا، لكنه لم يرد لأنه كان نائمًا.
في الصباح، دخلت فتحية لتوقظ ابنها حتى يتناول الإفطار ويذهب لقضاء تجهيزات الزواج، فوجدت هاتفه يرن.
أجابت على المكالمة، فسمعت فتاة تصرخ بعصبية، فقالت بهدوء:
مصطفى نائم، وعندما يستيقظ سأخبره أن يتصل بكِ.
ثم أغلقت الهاتف، وتنهدت قائلة في نفسها:
ربنا معاك يا حبيبي... يبدو أن الأمور لن تمر على خير.
استيقظ مصطفى، وتناول إفطاره، ثم ارتدى ملابسه، وذهب إلى بيت عمه ليصطحب لين.
ركبت معه، وذهبا إلى الصائغ لشراء الذهب كما أمره والده.
نزلت لين برفقة والدتها، وفي أثناء ذلك فتح مصطفى هاتفه، فرأى منشور قراءة الفاتحة، فاستشاط غضبًا من تصرف لين.
وفي اللحظة نفسها، لاحظ مكالمات ميار الفائتة، فاتصل بها.
ما إن أجابت حتى قالت بغضب:
هانت عليك؟ تروح تخطب في نفس اليوم! أنا المفروض أكون مكانها.
قال مصطفى محاولًا تهدئتها:
اهدئي. سأكون في الإسكندرية الليلة، ونتقابل في بابلو، في ستانلي.
قالت:
حسنًا يا مصطفى... سلام.
أغلق الهاتف، وكان الغضب يملأ قلبه.
التفت إلى لين وقال:
لين... تعالي.
اقتربت منه، فطلب منها أن تأتي إلى جانب السيارة.
وما إن وقفت أمامه، حتى تحول من هدوئه المعتاد إلى موجة غضب، وقال:
إزاي تعملي بوست؟
ارتبكت لين وقالت بخوف:
لكن... كل الناس بتنزل بوست قراءة الفاتحة.
قال بحزم:
امسحي البوست.
أجابت وهي ترتجف:
حاضر... همسحه.
لكنها لم تستطع حبس دموعها، فانهمرت على خديها.
ضرب مصطفى بيده على السيارة، ثم شعر بتأنيب الضمير عندما رآها تبكي، فقال بصوت أهدأ:
أنا آسف... لكني لا أريد أحدًا أن يعرف إلا بعد الزواج.
رفعت لين رأسها إليه، وقالت بهدوء امتزج بالألم:
لا... أنت مش خايف من الناس كلها، أنت خايف من شخص معين يشوف البوست. أنا عارفة إن سني صغير بالنسبة لك، لكني قلت لك إن عقلي كبير، وأعرف أميز وأفكر.
ثم فتحت باب السيارة ونزلت، ومسحت دموعها سريعًا حتى لا تراها والدتها.
أكملا شراء الذهب، ثم قالت لين بصوت مخنوق:
ممكن نمشي؟ ونجيب الفستان بكرة... لأني تعبانة.
قالت والدتها:
خلاص، نروح بكرة يا مصطفى.
نظر إليها مصطفى، ثم قال بهدوء:
تمام... زي ما تحبوا.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!