صدى  الماضي
صدى الماضي
جزء 7 من 7
وضع القراءة:

الفصل السابع

أسرعت الجدة تحتضن حفيديها، وكأنها تحتضن آخر ما تبقى لها من رائحة ابنها الراحل.
وما إن احتضنت جوري حتى شعرت الأخيرة بدفء افتقدته منذ سنوات، دفء أعادها للحظة إلى حضن والدتها، وكأن الزمن عاد بها إلى الوراء، إلى تلك الأيام التي كانت لا تعرف فيها معنى الفقد.
امتلأت عيناها بالدموع، وشعرت وكأنها عادت فتاةً في الثامنة عشرة من عمرها، مكسورة القلب، عاجزة عن استيعاب ما حدث.
طال العناق، حتى تنبهت إلى أنها لم تفلت جدتها بعد.
ابتعدت قليلًا، فرأت عيني جدتها قد احمرّتا وهي تحبس دموعها بصعوبة.
ثم التفتت إلى سلمى.
كانت تنظر إليها بعينين امتلأتا بالقلق والعتاب.
لم تنطق بكلمة، لكن نظرتها وحدها كانت تقول الكثير.
لقد قطعت جوري صلتها بالجميع، رغم أنهم لم يكونوا سببًا فيما حدث.
لكنها، يومها، أرادت أن تقطع كل خيط يمكن أن يعيدها إلى ذلك اليوم الأسود.
وها هي الآن…
تعود إلى نقطة البداية.
اقتربت من سلمى، واحتضنتها وهمست بصوتٍ خافت:
— آسفة…
لم تجبها سلمى، بل شدتها إلى صدرها بقوة، وكأنها تخبرها أن العتاب مؤجل، وأن الشوق كان أكبر من الكلمات.
ابتسمت الجدة وهي تمسح دموعها وقالت:
— هيا، ادخلوا. لقد جهزنا لكم غرفة الضيوف، ضعوا حقائبكم فيها واستريحوا.
لكن جوري قاطعتها بهدوء:
— لا يا جدتي… سنذهب إلى منزل والدي.
ساد الصمت، وارتسمت الدهشة على وجوه الجميع.
قالت جوري باستغراب:
— ماذا؟… هل هُدم المنزل؟
هز الجد رأسه وقال:
— لا، لكنه بقي مغلقًا منذ ذلك اليوم، ولم يدخله أحد. لا أظنه صالحًا للسكن الآن، لذا ابقوا هنا الليلة.
تقدمت سلمى وقالت بلطف:
— غدًا سنذهب معًا، وننظفه. وبعدها، إن أردتما، انتقلتما إليه.
نظرت إليها جوري للحظات، ثم أومأت برأسها قائلة:
— حسنًا.
… كانت تشتاق إليه.
تشتاق إلى المنزل الذي احتضنت جدرانه طفولتها، وشهد ضحكاتها، وخبأ بين زواياه أجمل ذكرياتها مع والديها.
ابتسم الجد وهو ينظر إلى حفيديه، ثم قال بحزمٍ امتزج بالفرح:
— الليلة سيكون هناك عشاء على شرف عودتكما.
ثم التفت إلى حسين وقال:
— اذهب وادعُ الرجال، وأخبرهم أن الليلة لنا، وجهزوا الذبائح.
ابتسمت جوري وقالت بلطف:
— لا داعي يا جدي، يكفينا أننا رأيناكم واجتمعنا بكم.
هز الجد رأسه رافضًا، وقال:
— لا والله، لقد قطعت وعدًا، ولن أتراجع عنه. اذهبا الآن واستريحا، ففي المساء سيمتلئ البيت بالضيوف.
اقتربت سلمى من جوري، وأمسكت بيدها قائلة:
— هيا، سأريكِ غرفتك.
صعدتا إلى الطابق العلوي، بينما حمل حسين وبدر الحقائب ووضعاها داخل الغرفة، ثم غادرا تاركينهما وحدهما.
ما إن أغلقت سلمى الباب حتى خلعت جوري حجابها، فتأملتها سلمى طويلًا قبل أن تبتسم بإعجاب وقالت:
— يا فتاة… لقد ازددتِ جمالًا عما كنتِ عليه.
احمرّ وجه جوري خجلًا، فابتسمت سلمى بمكر وأضافت:
— اليوم ستطير والدتي فرحًا بك، وأظن أن بعض الأشخاص سيشعرون بالغيرة أيضًا.
عقدت جوري حاجبيها بعدم فهم، لكن سلمى اكتفت بالضحك، ثم خرجت من الغرفة قبل أن تطرح عليها أي سؤال.
جلست جوري على حافة السرير، وأخذت تتأمل المكان من حولها، ثم استلقت على الفراش، مثبتةً عينيها على السقف.
بدأت الذكريات تتسلل إليها واحدة تلو الأخرى…
تجمعات العائلة في ليالي الشتاء حول النار…
صوت جدها وهو يروي لهم القصص المرعبة، بينما كانوا يتظاهرون بالشجاعة، ثم يهربون مذعورين عند أول صوتٍ غامض.
ضحكاتهم التي كانت تملأ أرجاء المنزل…
تنهدت جوري، وارتسمت على شفتيها ابتسامة شاحبة.
ورغم جمال تلك الذكريات، كانت الرحلة الطويلة قد أثقلت جسدها.
أغمضت عينيها، ولم تمضِ سوى لحظات حتى استسلمت للنوم، بينما بقيت الذكريات تحرس أحلامها.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.