الفصل السادس
دار حديث جانبي بصوتٍ منخفض بين بدر وحسين، بينما كان البقية منشغلين بالحديث.
ابتسم حسين وقال:
— يبدو أنك تحاول إنعاش ذاكرتك.
تنهد بدر ضاحكًا وقال:
— إلى حدٍ كبير، فقد نسيت معظم الأسماء.
أومأ حسين برأسه، ثم بدأ يشرح:
— جدي يوسف لديه ثلاثة أبناء وابنتان. أكبرهم عمي سعد… وهو والدي.
وأشار إلى نفسه مبتسمًا.
— نحن أربعة إخوة؛ أخي الأكبر مطلق، ثم تركي، ثم أنا، وأخيرًا أختي.
ثم تابع:
— أما عمي ناصر، فلديه ثلاثة أبناء: هايف، وشهاب، وعبدالعزيز، وابنتان أيضًا.
صمت لحظة، ثم أكمل:
— وعمتي نورة متزوجة وتعيش في الرياض، لكنها ستحضر الزفاف. لديها ولدان فقط؛ بندر وسالم.
رفع بدر حاجبيه وقال:
— سالم… على اسم والدي؟
ابتسم حسين وقال:
— نعم. عمتي نورة كانت شديدة التعلق بوالدك، رحمه الله، ولذلك سمّت ابنها باسمه.
ثم أردف:
— أما أصغر عماتي فهي سلمى، ولم تتزوج بعد. أظن أنها تكبر أختك بسنة واحدة فقط.
تنفس بدر براحة وقال:
— شكرًا لك. كنت أخشى ألا أتمكن من تذكر الجميع، ولم أرد أن أسأل جوري، فهي في الأصل لم تكن ترغب في المجيء، لكنها وافقت من أجلي.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يقول بصوتٍ خافت:
— كنت في العاشرة من عمري عندما زرناكم آخر مرة… ومنذ ذلك الحين لم نعد. لا أتذكر الكثير، إلا أنني يومها أخبرت والدي أنني نسيت لعبتي هنا وأردت العودة لأخذها.
ابتسم ابتسامة باهتة، ثم أكمل:
— غضب مني بشدة، وقال: “انسَ لعبتك… وانسَ ذلك المكان أيضًا، فنحن لن نعود إليه أبدًا.”
ظل حسين صامتًا، وقد أدرك من نبرة بدر أن وراء تلك الكلمات قصة لم تُحكَ بعد.
حاول حسين تغيير أجواء الحديث، فابتسم وقال:
— لا تشغل بالك، سأصطحبك إلى مزرعة جدي، وأعدك أنك ستعجب بها كثيرًا.
اتسعت عينا بدر بحماس، وقال:
— حقًا؟! لدى جدي مزرعة؟ وهل يملك خيلًا؟
ضحك الجد وقال بفخر:
— بل لدي إسطبل كامل، ولكل حفيد من أحفادي حصانه الخاص.
ازداد حماس بدر حتى كاد يقفز من مقعده، وقال:
— أريد أن أجرّب ركوبه! واشار الى جوري وأكمل حديثه أما جوري فلا تحتاج إلى تجربة، فهي فارسة ماهرة. لديها حصان في إسطبلٍ بالغربية، وتعشقه كثيرًا.
التفت الجد إلى المرآة، فرأى جوري مستسلمة للنوم، ورأسها يستند إلى زجاج النافذة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، وقال بصوتٍ امتزج فيه الحنين:
— إنها تشبه والدها كثيرًا… حتى في حب الخيل.
ساد صمت قصير داخل السيارة، وكأن ذكرى سالم حضرت بينهم للحظات، قبل أن تواصل السيارة طريقها بين الطرقات الممتدة نحو القرية.
وصلت السيارة أخيرًا، وانتهت تلك الرحلة الطويلة التي حملت لكل من فيها ذكرياتٍ مختلفة… باستثناء بطلتنا، الأميرة النائمة.
مال بدر نحوها وربت على كتفها برفق وقال مبتسمًا:
— جوري… لقد وصلنا.
فتحت عينيها بتثاقل، ثم اعتدلت في جلستها وهي تنظر حولها.
في تلك الأثناء، ترجل فهد من السيارة، وأخرج حقيبته، ثم تقدم ليودع الجد.
وقعت عينا جوري عليه، تتابع طيفه وهو يبتعد، وفجأة اتسعت عيناها بدهشة.
“إنه… أخو آية!”
تذكرت ملامحه عندما وقع بصرها على المنزل المجاور، منزل جيرانهم القدامى.
ابتسمت لنفسها بخجل وهي تهمس في سرها:
“كيف لم أتذكره؟”
لكنها سرعان ما عذرت نفسها.
لقد تغيّر كثيرًا.
اختفت ملامحه الطفولية، وحلّت محلها ملامح رجل ناضج، حتى إن السنوات كادت تخفي ذلك الصبي الذي عرفته يومًا.
هبط حسين من السيارة، ثم قادها إلى داخل فناء المنزل.
وما إن توقفت حتى انفتح الباب، وخرجت الجدة، وإلى جوارها عمتها سلمى، تستقبلانهم بالزغاريد التي ملأت المكان فرحًا بعودتهم.
توقفت جوري للحظة، تتأمل المشهد أمامها، فشعرت بحنينٍ غريب يتسلل إلى قلبها.
كم اشتاقت إلى دفء العائلة…
إلى تلك التفاصيل البسيطة التي حرمت نفسها منها سنوات طويلة.
لقد غرقت في العمل، ظنًا منها أنه سيُنسيها السكين التي استقرت يومًا في منتصف قلبها.
لكنها كانت مخطئة.
فالجراح التي لا تُداوى لا تختفي بمرور الزمن…
إنها تظل ساكنة في الأعماق، تنزف بصمت كلما لامسها ألم جديد.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!