صدى  الماضي
صدى الماضي
جزء 3 من 3
وضع القراءة:

الفصل الثالث

وفي الطرف الآخر من الطائرة، كان يحدث نفسه بصمت:
ما الذي أصاب قلبي؟ لماذا يخفق بهذه السرعة؟
لم يسبق لي أن أطلت النظر إلى فتاة كما فعلت معها. كانت عيناها البندقيتان أشبه ببحرٍ هادئ، وما إن التقتا بعيني حتى غرقت فيهما دون مقاومة.
كان شعورًا غريبًا… كأن قلبي عرفها قبل أن يدركها عقلي، وكأن بيننا حكايةً نسيها الزمن ولم ينسها القلب.
من تكون تلك الفتاة؟ ولماذا أشعر أن القدر يقودني إليها منذ زمن بعيد.
أعلن قائد الطائرة اقترابهم من وجهتهم، وبدأت الطائرة بالانخفاض استعدادًا للهبوط.
فتحت جوري عينيها، ثم أيقظت أخاها برفق. وما إن نظرت من نافذة الطائرة حتى عاد ذلك الشعور الثقيل يجثم فوق صدرها. كان التوتر يزداد مع كل دقيقة تقترب فيها من الأرض.
كانت تعلم في أعماقها أنها نسيت ما حدث قبل ثمانية أعوام… أو لعل عقلها هو من أجبرها على النسيان. لكنها كانت تشعر دومًا بأن هناك حلقة مفقودة، حقيقة غائبة، وذكرى ناقصة تختبئ في مكان ما داخلها، تنتظر اللحظة التي تعود فيها إلى النور.
أغمضت عينيها لثوانٍ وهمست في سرها:
“لقد أصبحت أقوى مما كنت. أنا اليوم محامية أقف بثبات أمام القضاة والمحاكم… فكيف أخاف من ماضٍ انتهى؟”
لكنها، رغم كل محاولاتها، لم تستطع إقناع قلبها.
لاحظ أخوها ارتجاف يدها، فمد يده وأمسك بها برفق،
ثم قال بصوت هادئ:
“أريد أن أسألك شيئًا… وليس من الضروري أن تجيبيني الآن.”
التفتت إليه بصمت.
تنهد وقال:
“ماذا حدث قبل ثمانية أعوام؟ ما الذي جعلك تكرهين ذلك المكان إلى هذا الحد؟ وما الذي حدث ليجعل والدي يقطع علاقته بهم تمامًا… لدرجة أنهم لم يحضروا جنازته، باستثناء جدي؟”
ساد الصمت بينهما.
أما جوري، فلم تجد جوابًا. لم تكن تملك سوى ذلك الألم الغامض الذي يسكن قلبها… وإحساسًا مرعبًا بأن عودتهما إلى تلك القرية لن تعيد الذكريات فحسب، بل ستكشف أسرارًا كان ينبغي أن تبقى مدفونة إلى الأبد.
في مكانٍ آخر…
في إحدى قرى الجنوب، وتحت أشعة شمس الصباح الدافئة، كان شاب يقف على الرمال الذهبية يطعم الإبل، بينما كانت تلتف حوله في هدوء، وقد اعتادت حضوره كل صباح.
كانت ملامحه حادة، إلا أن في عينيه سكونًا يخفي خلفه الكثير. وما إن انتهى من إطعامها حتى رفع رأسه نحو السماء، وكأن قلبه التقط إشارةً عجز عقله عن تفسيرها.
تنهد ببطء وهمس لنفسه:
“لا أعلم لماذا ينتابني هذا الشعور الغريب… كأن شيئًا سيئًا على وشك أن يحدث.”
وقبل أن يسترسل في أفكاره، دوّى صوت يناديه من بعيد:
“هايف … هيا، فقد أُعِدَّ الفطور!”
التفت نحو مصدر الصوت وأجاب:
“سآتي حالًا.”
ثم ألقى نظرةً أخيرة نحو الأفق، وكأن شيئًا خفيًا يجذبه إليه، قبل أن يستدير عائدًا .
لكن قلبه ظل مثقلًا بذلك الشعور المجهول، غير مدرك أن الطائرة التي تقترب من الهبوط تحمل في جوفها شخصًا سيقلب هدوء حياته رأسًا على عقب، ويوقظ أسرارًا ظن الجميع أنها دُفنت مع الماضي.
وصل إلى الخيمة، واستغرب غياب جده، إذ لم يكن من عادته أن يتخلف عن الإفطار معهم. تناول رشفةً من الشاي، ثم التفت إلى أخيه شهاب وسأله:
— أين جدي؟ ليس من عادته ألا يأتي إلى الإفطار هنا.
توتر شهاب، وأشاح بنظره بعيدًا، ثم قال مترددًا:
— لا أعلم.
قهقه تركي ساخرًا وقال:
— لا تعلم… أم أنك لا تريد إخباره؟
فسارع شهاب إلى وكزه في خاصرته، وهو يجز على أسنانه هامسًا:
— اصمت.
نظر هايف إليهما بريبة وقال:
— ما الذي يحدث هنا؟ أين ذهب جدي؟
أجابه تركي:
— إلى المدينة.
عقد هايف حاجبيه باستغراب وقال:
— ولماذا؟
ارتشف ما تبقى من الشاي، لكنه لم يتمكن من إكمال سؤاله،
إذ دخل مطلق إلى الخيمة وقال:
— ذهب ليُحضر أبناء عمي سالم من المطار.
شرق هايف بالشاي، والتفت نحو الباب بصدمة، واتسعت حدقتا عينيه، بينما خيم الصمت عليه.
أكمل مطلق حديثه بهدوء:
— سيحضرون حفل زفافي.
لم ينبس هايف بكلمة. عاد إلى طعامه، يلتهمه على عجل، وقد استقرت غصة ثقيلة في حلقه. وما إن انتهى حتى نهض مسرعًا، راغبًا في مغادرة المكان، فقد أصبح يشعر بأن جدران الخيمة تضيق عليه.
عاد إليه شريط الذكريات رغمًا عنه… آخر مرة رآها فيها؛ حين تركها واقفة تحت المطر . هز رأسه بضيق، محاولًا طرد الذكرى، لكنه لم يستطع، فقد كانت ملامحها وهي تنظر إليه تطارده رغم مرور السنوات.
أحكم قبضته، وغادر الخيمة بخطوات سريعة، وكأن البقاء فيها للحظة أخرى سيعيده إلى ذلك اليوم الذي أقسم ألا يفكر فيه مجددًا.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.