الدون ديلا كاسيا
{center}06{/center}
{center}عندما تقابل السيدة " أستطيع فعلها بنفسي"
السيد " اجلسِ فقط، وسأفعلها لأجلكِ."
________________________________
{/center}
في الحقيقة لم اعد استطيع تذكر كيف كنت في ما مضى أو كيف كانت الحياة تبدو عندها. فمنذ اختفت السعادة من منزلنا وانا اعيش كل يوم كأنه وهم لا يمد للواقع بصلة.
هل ينسى الإنسان ما كان عليه، قبل أن يُجبر على ان يكون شيئاً آخر لا يشبهه. هل ينسى هويته وحقيقته؟ هل تُمحى ذاكرته ويفقد كل ذكرياته؟ هل نسيت من انا وماذا كنت؟ هل لم اعد املك اي ذكريات عني؟
أظن أننا ندرك حقيقتنا في لحظات أشبه بالحلم. لابد لها ان تكون إعجازية حتى نصدق أن مثل هذه الحقيقة، وارد ومحتمل أن تكون حقيقتنا. أظن أننا لا ننسى، بل نتناسى.
وعندما يصدمنا الواقع بعنف فاننا نتذكر او نجبر على التذكر. وبهذا نستعيد ذكرياتنا المفقودة. والتي لم تمحى، انما كانت مخبأة بأحد أدراج الذاكرة. تتدفق تباعاً، لكي نواجه كل الاشياء التي لطالما هربنا منها والتي دائماً ما لاحقتنا للامساك بنا. نقف هناك محاصرين منها دون أي مخرج.
في ذاكرتي، هناك العديد من الأشياء التي هربت منها. وإحداها شيئاً كنتُ اهرب منه باستماتة و اتجنب مواجهته بيأس مرهق. وقد كان قدري. كنت أحاول النجاة من قدري كما يحاول رحالة النجاة من الصحراء. ولكن قدري يطاردني كما يطارد صيادٌ فريسة، يتربص بها لإقتناص فرصة الانقضاض عليها.
كنت أعلم أن صيادي متمرس ولا سبيل للإفلات من فخاخه المتقنة. لانه وفي هذه اللحظة أظنه نجح بالقبض عليّ. لا لمواجهته، إنما لمعاقبتي على محاولة تجنبه والهرب.
ولهذا هو وضعه بطريقي، ليكون هو عقابي على كل ما فعلت، وكل ما سأفعل. لهذا قادني قدري الى هنا بقدميّ نحوه، لألتقي به، و يقابلني، و ليجمع بيننا رابطهِ الأبدي الذي لا ينقطع.
.....
كان الجو منذ الصباح بارداً ورمادياً، وكان المطر الذي بلل الأرض والطريق في وقت سابق، قد جعل صوت احتكاك عجلات السيارة بالاسفلت أشد وطأً وحدة، حيث ان السائق تدارك سريعاً ظهوري المفاجئ أمامه وضغط على المكابح قبل أن يصطدم بجسدي، بهذا توقفت السيارة على بعد مسافة قصيرة قبل أن تصل إليّ.
ومع ذلك كنت لا ازال في حالة من الذهول والصدمة. كنت لا أزال أحدق بالسيارة المتوقفة دون أن أتنفس أو ارمش بفم شبه مفتوح، إلا أنه وبعد لحظات تلت توقفها هاجمت رعشة عنيفة جسدي كاملاً، شعرت وكأن صاعقة كهربائية ضربتني تعيد الإحساس الى أطرافي.
عندها فقط شعرت بفقدان السيطرة على توازن وثبات جسدي، سرت رجفة في ساقي اضعفتها إلى أن إرتختْ، فسقطتُ على الأرض أتنفس بسرعة و ثقل، فقد كنتُ احبس انفاسي طيلة الوقت. كنتُ لا ازال اسمع طنيناً بأذني وضربات قلبي تقرع بجنون، لقد كدت اموت. كدت افقد حياتي حقاً بشكل مثير للشفقة.
في هذه الاثناء سمعت حفيف الأشجار الذي سببه ظهور ألبيرتو خلفي . لم اكن بحاجة للالتفات إليه حتى اعلم انه يتجه مسرعاً نحوي.
" يا للهول، آليزا هل أنتِ بخير؟ هل تأذيتِ بمكان ما؟ ها.. اجيبني؟"
كان صوته اللاهث والمتعب قلقاً حقاً وملامحه الجذابة منفعلة ومرعوبة، لم ينتظر إجابتي على أي من اسئلته. فقد كان البيرتو راكعاً أمامي وبدأ بالفعل يتفحصني بعناية.
أخذ وجهي بين يديه يحركه يمنةً ويسرى يتأكد من عدم وجود اي خدوش أو رضوض، بعدها امسك بكتفيّ بخفة وحذر يضغط قليلاً مراقباً تغير تعابير وجهي إن كنتُ سأتألم أم لا، وعندما لم يجد رد فعل مني راح بصره يتجول على أنحاء جسدي بتركيز في حال وجود اي اصابات او نزيف.
كان البيرتو يهم بقول شيء ما، لكن وفجأة وبحركات خاطفة، كان يقف على قدميه رافعاً سلاحه الخاص نحو شاب آخر، كان قد ترجل من السيارة المتوقفة واقترب منا. و ها هما الان، كل منهم يوجه سلاحه نحو صدر الآخر مع الحفاظ على مسافة بينهما.
لم أستطع مواكبة حركة هذين الاثنين، حيث ان كل ما فعلوه كان بشكل آليّ و سريع، لدرجة أنني لم أتمكن من استيعاب، متى سحب البيرتو سلاحه من حامل الاسلحة الذي دائماً يرتديه حول خصره.
"من تكونوا يا هذا؟ ولما تقطعون طريقنا؟ هل هذا كمين من دي ماريليانو للتخلص منّا؟ يالا الجبناء، هل هذه طريقتكم للفتك بالعدو؟ الغدر به على أرضكم؟ هل سيظهر رفاقكَ المختبئين كالجرذان أيضاً أم أن الطعن من الخلف واحدة من مميزاتكم؟."
قال الشاب بإيطالية ذات لكنة ثقيلة و واضحة ينظر للغابة من حوله بحذر، يترقب قدوم احداً ما بالفعل.
كان يبدو لي مراهقاً لا يزال في الثانوية، يمسك سلاحه بشكل مائل قليلاً كما لو انه يتباهى به، غير مصدق أن ما بيدهِ ليس لعبة. لكن و ما إن انهى حديثه حتى انضم إليه مجموعة من الرجال الذين تقدموا من سيارات اخرى انتبهت لوجودها الآن، فقد كان اسطولاً من السيارات لا سيارة واحدة كما ظننت. تفرق الرجال حول الشاب يوجهون أسلحتهم نحو البيرتو، الذي أخذ خطوة للخلف يقترب فيها منيّ.
" راقب فمكَ القذر هذا، مَن الذي تنعته بالجُبن، لولا انكَ على أراضينا لحصلتَ على واجب الضيافة الحقيقي الذي تستحقه."
لو لم أكن على معرفة كافية بألبيرتو، لصدقت حقاً أنه يعني ما قاله. لكن انفعاله، بعد أن سحب الرجال حوله صمامات أمان أسلحتهم استعداداً لقتلنا، يبوح لي بالكثير.
كان البيرتو على استعداد ليقدم حياته في سبيل نيل رضى والدي، لم يكن سيتردد ثانية لو طلب منه التضحية بنفسه. لكن واجبه والوعد الذي قطعه بحمايتنا هو ما يربكه الآن، ربما لو لم اكن معه لما توتر بهذا الشكل الواضح. فقد كنت أنا نقطة ضعفه في هذه اللحظة، كما انني من تسبب بهذه المشكلة وسوء الفهم. وأظن أنني يجب أن أتصرف بطريقة ما لحلها.
كانت المدة التي جلست بها على الأرض كافية بالنسبة لي حتى أتمالك بها نفسي من جديد واستعيد بعض من انفاسي المنهكة. وقفت على قدميّ وانا اشعر بقليل من الضعف لا يزال يفتك بهما.
ما ان شعر البيرتو باستقامتي خلفه حتى رفع ذراعه اليسرى بحركة دفاعية يقرب جسدي خلف ظهره اكثر، كي لا اكون على مرمى من بصرهم ولأكون بعيدة عن الرصاص، الذي قد يخرج من أسلحتهم في أي ثانية.
كنت أشعر بحالة التركيز الشديدة التي تتملكه، كل شيء حوله يصرخ بهذا. حيث أن رغبته بحمايتي وابعادي عن الخطر جعلت كل عضلاته مشدودة و متأهبة، حتى بحركة عينيه التي تراقب محيطه كالصقور الجارحة.
كانت هذه اول مرة ارى بها جسد البيرتو بهذه الانتفاضة. كان يتابع كل حركة يقومون بها بعناية فائقة، و كرد عليها يتحرك جسده مستعداً لمواجهة أي تهديد. كان التوتر بالأجواء عالياً وملحوظاً و كأن ناراً على وشك الاشتعال حولنا بأي لحظة.
لكنني دفعت ذراع البيرتو التي لا تزال تحافظ على جسدي مقيداً خلف ظهره وتقدمت خطوة امامه اكسر هذا الصمت والتوتر.
" ماذا تفعلون جميعاً؟ هل جميعكم مجانين؟ اخفضوا هذه الأسلحة في حال ما لم تكن لديكم رغبة بإشعال حرب هنا. "
لا اعلم كيف بدا صوتي لهم عندما تحدثت ولكنني حاولت قدر الامكان ان اجعله ثابتاً.
" ماذا تفعلين آليزا؟ ابقي خلفي حباً بالرب."
صرخ البيرتو الذي شد على معصمي يحاول اعادتي خلف ظهره، لكنني دفعت يده بعيداً واكاد اقسم انه يمتلك رغبة قتلي بنفسه الآن، حيث اعتلت ملامح وجهه الصدمة والتفاجئ من رفضي الإذعان لكلامه مستنكراً فعلتي.
" بل ماذا تفعل انتَ ألبيرتو؟ هل تنوي حقاً مواجهة هذا العدد وحدك؟. توقف عن هذه السخافة ارجوك."
قلت بهدوء تام ليس وكأن هناك عشرات الاسلحة المصوبة نحونا والتي هي قادرة على إحداث ثقوب رائعة بجسد كل منّا. بكل الأحوال الهلع الان لن يفيد بشيء.
" تبدو لي هذه الفتاة اكثر ذكاءاً منكَ. من حضرتكِ ايضاً؟ لم اكن على علم بأنهم يستغلون الفتيات بأعمالهم. هؤلاء الطليان الاوغاد"
قال الشاب بسخرية تامة وبضحكة ملتوية يكشف بها عن أسنانه.
" لا شأن لكَ معها"
رد عليه صارخاً. كان يحدق بي بنوع من الوقاحة متعمداً الإهانة، وقد نجح حيث ان البيرتو زفر بغضب يحاول كبح الشتائم التي يريد القائها.
كنت اعلم ان لعبة الاستفزاز بينهما ستستمر مدة أطول، حيث بدى انفعال البيرتو مسلياً له بشدة، ولانه شخص من السهل العبث به بسرعة كبيرة، بدت معالم الغضب التي تعتريه ترسم ابتسامة رضى على شفتي الآخر. أراد اختبارهِ اكثر ورفع مستوى اللعب بينهما، لذا هو بحركة خفيفة بدل اتجاه سلاحه المصوب نحو صدر البيرتو ليستقر امام رأسي تماماً.
لم امتلك حقاً خوفاً من هذه الاسلحة حيث انها كانت جزءاً من حياتي طيلة الوقت. وفي مرحلة ما حاولت الاستيلاء على احدى اسلحة والدي وتعلم التصويب به. لكنه منعني بحجة انه لا يريد إلحاق الأذى بي. لذلك اكتفيت بتعلم الرماية بالسهام كوسيلة للإلهاء. أتساءل، لو لم يمنعني والدي من الاقتراب من الاسلحة، بحجته الواهية تلك. هل سأقدم العون لألبيرتو في مثل هذا الموقف؟.
" آليزا، كفِ عن إزعاجي وابتعدي الآن. هذه ليست لعبة لتشعركِ بالإثارة والمرح"
صرخ البيرتو بي بعصبية وهذه المرة عندما أمسك بمعصمي شد عليه بقوة كي لا افلته. محاولاً تحريكي من أمام السلاح الذي سيفتت جمجمتي بأي لحظة.
كنت على وشك تجاهله مرة آخرى وتوجيه حديثي الى الشاب الذي يراقبنا بنفس نوع الابتسامة الساخرة والقذرة على وجهه. حيث ان جميع مقاصده بدت لي واضحة. لكن وفجأة تفرق الرجال بالخلف يفسحون المجال لاحد كي يتقدم وعندها فقط ظهر الشخص الذي يبدو أنه رئيسهم.
تقدم الشاب الآخر لكنه يبدو أكثر مهابة من هذا المراهق، حيث ان جميع الرجال حوله انكسوا رؤوسهم احتراماً لتقدمه. كان يشترك مع المراهق بلون البشرة البرونزية ولون العيون الزرقاء والشعر الكستنائي الكثيف والمرتب كانا شقيقين إلا أن الذي يتقدم كان أكبر سناً وأطول قامة.
" ما الذي يحدث هنا؟ لما هذا التأخير دانتي ؟"
قال بإنجليزية نظيفة. ينقل بصره بين شقيقه و البيرتو وبالنهاية حط نظره عليّ. لقد اطال التحديق بي برهة بنوع من التساؤل، قبل أن يجذب انتباهه شقيقه عندما تحدث.
" لا داعي للقلق لوي سوف ننهي الامر سريعاً، اخشى اننا يجب ان نعود الى الولايات المتحدة بعد هذه الخيانة من طرف الطليان يا اخي."
رد عليه المراهق الذي يدعى دانتي بالايطالية.
" ليس هناك خيانة أنه محض سوء فهم لا اكثر لا داعي للدرامية بتحليلاتك."
قلت اجيب عليه، لأن اصراره على وجود خيانة اصبح يزعجني. لا يمكن ان يكون اعمى، حيث بالنهاية لم يكن هناك سوى انا و البيرتو ولم يهاجمه أحد. جملتي هذه دفعت الشقيق الأكبر لاعطائي نظرة جانبية فقط.
" مازلنا لم نتعرف ايتها الجميلة، ان كنتِ تحت التهديد من قبلهم لتوريطكِ لا مانع من تحريركِ ، اساساً ظهرتِ فجأة على الطريق يبدو انكِ كنت تهربين منه، هل يختطفكِ هذا الوغد؟"
" اللعنة على مزاجكِ آليزا، لو لم تتهوري لما وصلنا الى هنا."
قال ألبيرتو بصوت مسموع لي فقط.
" توقف عن العبث الآن و اشرح ماذا يحدث."
هذه المرة تحدث بالايطالية، وقد بدت اللكنة التي ينطق بها افضل من تلك التي تخرج من شقيقه. بدت لي حادة وجذابة بصوته الاجش، فقد كان يضغط على الحروف بشدة، كما لو انه يحطمها تحت اسنانه قبل ان ينطق بها.
لكن نبرته التي تنم عن فقدانه للصبر ورغبته بالتحرك، دفعت شقيقه الى التحدث سريعاً دون نقاش.
" نحن نشتبه بغدر عائلة دي ماريليانو لنا، حيث ظهر هذان الاثنان فجأة يقطعان طريقنا. لابد وأنه كمين من قِبلهم، لقد استدرجونا بمهارة. يالا خبث الطليان."
" توقف عن هذا."
جاء صوته ناهياً اياه عن السخرية الواضحة بحديثه. التفت نحونا هذه المرة و بإشارة من إصبعه امر الرجال حوله بخفض اسلحتهم وبسرعة كان الأمر قد تم تنفيذه دون تردد. لكن دانتي لم يتحرك قيد انملة لازال محافظاً على سلاحه موجهاً نحو رأسي تماماً مثل البيرتو.
" ماذا تفعل دانتي"
قال بهدوء يحدق بشقيقه. الا ان دانتي لا يزال يحدق بي.
" ماذا لو تجرأ هذا الوغد على اطلاق النار بعد ان اخفض سلاحي. انا لا اثق بهم كما تعلم."
" اخفض سلاحك انتَ ايضاً، من الواضح انه سوء فهم لا اكثر."
قال يوجه حديثه الى البيرتو يحدق به بانزعاج.
" من تظن نفسكَ حتى تلقي عليّ الاوامر. لست احد كلابكَ."
رد عليه البيرتو.
نظر نحوي مباشراً. نظرة بثت القشعريرة بسائر جسدي فجأة. وعلى إثرها وضعت يدي داخل جيوب سترتي الجلدية. كان لابد لي من إلقاء اللوم على الهواء البارد حولي.
" إذاً اخبري كلبكِ بأن يخفض سلاحه، قبل أن اعتبره أمراً مدبراً ولا يُعد مجرد سوء فهم."
كانت نبرته هادئة ولكنته تبعث بنغمة مختلفة اكثر وضوحاً وهيمنة، كما لو أنه يتحدث بشكل طبيعي و معتاد، إلا أن شيئاً بها لا يقبل المعارضة ابداً.
لم افعل سوى اني التفت قليلاً برأسي نحو البيرتو كي اخبره بأن يخفض سلاحه، إلا أن جوابه جاءني قبل ان انطق حرفاً.
"اغلقي هذا الفم، ما نحن به بسببكِ بالمقام الأول. سأتأكد من معرفة فاليريو بكل شيء أعدكِ. هذه المرة لن اغطي عليكِ بالكذب عليه كالعادة."
تنهدت باستسلام عن قول أي شيء لا اصدق انه قرر توبيخي الآن بهذه الطريقة.
" كما ترى لا أستطيع السيطرة عليه."
قلت وانا اهم بالتقاط هاتفي كنت سأتصل بالشخص الوحيد الذي يستطيع إخراجنا من هنا. الا ان صوته أوقفني قبل حتى ان اخذ الهاتف خارج جيب سترتي.
" هل انتِ على صلة شخصية ب فاليريو دي ماريليانو؟."
قال باهتمام واضح حقاً، حيث أخذ خطوة صغيرة للأمام ببطئ تجاوز بها شقيقه.
" لا تتحدث معها."
صرخ البيرتو، الا انني ضربت قدمه ليخرس. أخذ يحدق بي بغضب بعدها لكنني تجاهلته.
" لا اعلم من يكون هذا الذي تتحدث عنه، لكنني بالتأكيد على علم ب فاليريو ماريليون "
قلت و شيء من الإثارة تشتعل بداخلي. اظن انني على وشك الحصول على مغامرة.
" ما الذي تهذي به آليزا بحق خالق الجحيم."
همس البيرتو وهو يصك على أسنانه. كنت اعلم اني أُقامر الان. وكنت أعلم أنني الرابحة، دام أن الأمر يخص والدي. لذلك لا مانع من المخاطرة. كما أن الشخص الذي أمامي لا يقل خطورة عن جميع الرجال الذين بحياتي. لا يقل خطورة عن والدي حتّى.
" اذاً هو نفسه من اقصد اعذريني. هل استطيع ان اسألكِ، ما إن كنتِ قادرة على تدبير موعد للقائه شخصياً؟"
لا ادري لما طلبه المهذب هذا دفعني للابتسام، لابد ان سمعة والدي تجاوزت حدود البلاد حتى يسأل عنه الرجال بتلك النبرة المحترمة.
" على ماذا سأحصل بالمقابل؟"
قلت وانا اشعر انني المتحكم بزمام الأمور حولي، سرعة انقلاب الموقف بهذه الطريقة تبدو لي أشبه بحلم، فمنذ لحظات كنا على وشك الموت ببساطة ودون اي اعتبار، اما الان اقف و اتفاوض على جائزتي في حال اسديت معروفاً لرجال العصابات. لا بد لي من استغلال هذا الوضع الان. لكن الواقف امامي رفع حاجبه باستغراب واضح، كما لو أن طلب مقابل لم يكن وارداً ابداً.
" يالا جراءتكِ يا فتاة، لابد انكِ تجهلين من ذا الذي يقف امامكِ! هل تتفاوضين الآن مع التاج القادم للكارتلات اللاتينية؟ لابد ان ثقتكِ بنفسكِ كالجحيم."
قال دانتي الذي ضحك بتسلية، وكأن ما يحدث يعجبه بنفس القدر الذي يعجبني.
" ماذا، ألا تحصل على مقابل لقائاً للخدمات التي تقدمها؟. ألا تتم الصفقات بهذه الطريقة عادة؟"
شعرت بتحسن غريب. وجاء ردي أكثر ثقة بعد أن علمت هويته ومن يكون. التاج القادم، اي الدون القادم ، اي انه الوريث لعملهم اياً كان. يقف امامي حقاً وتاج وهمي يعتليه يشع من خلاله.
"Virago"
سمعته يقول وابتسامة واسعة شقت وجهه وهو ينظر اليّ.
لم اعيّ ما يقصد تماماً، حيث لابد أن يكون بلغته الاصلية. وما دفعني للشك أكثر هو نظرة شقيقه التي بدت متفاجئة حين نطق بها، حيث نظر إليه ثم عاد ينظر نحوي بتعبير مبهم.
" موافق، لكِ ما تريدين اياً كان."
أردف ببساطة بعد أن كف عن الابتسام وعادت الجدية الى ملامح وجهه الخالية من اي تعبير.
" ماذا؟ هل حقاً ما تقوله لويس؟ هل سوف تجاري هذه الفتاة؟"
صرخ دانتي بانفعال. لكنه صمت ما إن نظر إليه لويس فقط.
" حسناً اذاً اتفقنا... افترض."
وجه كلامه لي.
" بالطبع، هل لديكَ وقتٌ الان؟"
قلت له وانا اخرج هاتفي. اضغط على جهة الاتصال التي اريدها. لم أنتظر جوابه حقاً كان سؤالي مجرد شكليات. كنت وبكل الأحوال سأتصل بوالدي، الرجل الوحيد الذي سينقذنا.
" ما الذي تفعلينه أيتها اللعينة."
جاء صوت البيرتو غير مصدق لما يحدث.
" فالتخرس ألبيرتو هذا إن لم ترغب بأن نموت هنا. إن لم تتصرف أنتَ، سأتصرف أنا، لذا أغلق فمكَ القذر هذا."
كنت بالفعل اضع الهاتف على أذني انتظر الاجابة من الطرف الآخر وبالفعل كانت ثوانٍ حتى أتاني صوت والدي عبر السماعة مجيباً.
"آليزا، اخبريني ان كل شيئ على مايرام أرجوكِ. لا أحب اتصالاتكِ بي عزيزتي."
سأل دون قول مرحباً حتى. كان يعلم ان اتصالي به دائماً ما يكون لأجل طلب ما، وغالباً ما كان طلب مساعدة لتدارك مصيبة قمت بها ولم أستطع إخفائها.
" هل تستطيع أن تأتي الآن فأنا حالياً برفقة شخصٍ يدعى.."
صمت قليلاً انظر اليهِ لكي يفصح لي عن اسمه الكامل فهذا سيعجل من قدوم والدي. فقد تم هذا الاتصال تحت انظاره المراقبة لي طيلة الوقت. فهم هو بالطبع ما ارمي اليه وعادت ابتسامته بالاتساع بشكل غريب.
" لويس"
قال ونظرته التي تبث فيّ الارتعاش تخترق روحي من جديد.
" لويس ديلا كاسيا."
——————————————
Virago:
كلمة لاتينية تصف المرأة القوية والشجاعة وتشير الى المرأة التي تتمتع بالحزم وتشيد بجرائتها. اي كلمة للمديح
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!