القائد الصامت
{center}02{/center}
{center}عليكَ أن تعي جيداً معنى أن أرغب بكَ في ظل كوني أكره كل شيئ بلا إستثناء.
_____________________________{/center}
عندما كنتُ أصغر سناً، كنتُ أظن أن حياتي ستبقى على حالها. كنتُ على قدرٍ من السذاجة لأقنع نفسي أن أيامي ستبقى كما إعتدتُ عليها أن تكون لا شيء جديد نفس الأيام بتاريخ و وقت مختلفين. أُمارس ما إعتدتُ ممارسته دائماً. منذ أن توفيت شقيقتي الكبرى، وقد علقنا جميعاً بنمط حياة يستمر بتكرار نفسه دون أن يتغير.
منذ ذلك اليوم، الذي رأينا به جثتها ممدة على أرضية المنزل أمامنا، أدركتُ أن الحياة ماتت داخل هذا المنزل معها. ومنذ ذلك الحين، صمت كل شيئ حولنا تقريباً، حتى صوت الطيور التي كانت تغني بالفناء الخلفي لمنزلنا فوق شجرة التفاح، لم تعد تبعث ذات الألحان مثلما كانت تفعل قبل وفاتها.
أظن أن حتى تلك الطيور تفتقد شقيقتي. أظن أن حتى تلك الطيور تعلم أنها ماعادت موجودة لتجلس تحت تلك الشجرة. كانت شجرة تفاح وحيدة زرعتها والدتي كذكرى من مسقط رأسها سيفالو. حفرنا جميعاً الأحرف الأولى من أسمائنا على جذعها القاسي والجاف. كانت تلك الشجرة موجودة قبل أن نولد جميعاً.
لقد اعتادت والدتي أن تروي لنا الكثير من القصص عن ذلك المكان حيث عاشت وكبرت قبل أن تلتقي والدي. كانت سيفالو قرية ريفية في صقلية تقع على ساحل بخلفية جبلية مبهرة مليئة بالمهرجانات والحياة النابضة في شوارعها، عكس نابولي تماماً المدينة التي أراها كبيرة، كئيبة وباردة يفتقد ناسها لرغبتهم بالحياة ويتحركون بشكل آليّ مدفوعين للعيش عنوة عنهم. لم نزر سيفالو ابداً ولم أعتقد يوماً أننا سنفعل، ستبقى سيفالو قصة اعتدنا تخيلها من روايات والدتي عنها.
في ذلك الوقت كانت تجمعنا حولها تحت تلك الشجرة. وكانت قصتنا المفضلة حين تروي علينا لقائها الأول بوالدي، رغم أنها تلتها مرات عديدة على مسامعنا، إلا أننا نعجب بها وتبهرنا كالمرة الأولى دائماً. هذا اللقاء الذي كلف والدي ثمناً باهظاً ليدفعه، ولا يزال يفعل، لا نزال جميعنا نفعل. وأظن أن أوله كان فيرونيكا.
كانت فيرونيكا أكبرنا، المفصلة لدى والدي. كان يقول أنها خيط روحه الذي يعلقه بالحياة، رغم ذلك لم يستاء بقيتنا مما كان يقوله. لأنه وبكل فرصة تتاح له كان يظهر كم حبهِ لجميعنا، ولأننا نعلم أن والدي يمتلك طريقته ليحب كل واحدة منّا بشكل يختلف عن الأخرى.أعتقد أن لهذا الرجل منبع حب يمتلكه لنا فقط، عائلته المحبة الصغيرة. ومع ذلك لم يكن هذا هو السبب الوحيد.
فيرونيكا كانت المفضلة لدى الجميع. فتاة تنبض الحياة منها، تسعدنا حتى عندما كانت تمارس سلطة الأخت الكبرى علينا. كنا نعلم أنها فقط تتظاهر بما تفعله، تفشل دائماً بإظهار وجهها الشرير لنا. كنا نعلم أنها ألطف من أن تكون لئيمة. كان الحب الذي تتلقاه، نفسه الذي تعطيه.
كانت تحب الحياة، وكنتُ في ذلك الوقت أمتلك خيبات أمل قليلة وغير مؤذية، فكان تصوري عن الحياة وردياً، لذلك كنت أؤمن أن الحياة تحب فيرونيكا أيضاً.
لكن عندما رأيتها تنزف في ذلك اليوم تغير كل شيئ، كما لو أن موتها كان صفعة لإيقاظنا من حلم جميل، غير أننا لم نستيقظ الفرق أنه لم يعد حلماً بل تحول إلى كابوس طويل.
الكثير من الأشياء التي اؤمن بها في هذه الحياة تغيرت، وربما فقدت إيماني في بعضها بشكل كامل وأولها كان، أن الحياة لا تحب أحداً بشكل خاص مهما بادلها هذا الشخص الحب. وبهذه اللحظة تخلصت من سذاجتي.
.....
كنت اجلس على السرير بغرفة نومي بالطابق الثاني من منزلنا. انظر بشرود من النافذة. كان المساء بالفعل، وبدأت الشمس بالغروب ببطئ وملل قاتل. في هذه الأيام أجد كل شيئ حولي مملاً بشكل قاتل لم يعد شيء يثير حماستي ولا حتى مغامراتي السرية مع شقيقتي الصغرى. ربما كانت برودة الجو هي السبب، أو ربما شيء آخر لا أعلم بالضبط ما هو. لكنني أعلم أن هناك شيئ يحدث بداخلي.
لكن في هذه اللحظة، كنت أفكر بالخبر الذي نقله لنّا والدي صباحاً خلال تناول وجبة الإفطار سوياً، الشيئ الذي يندر حدوثه. كنت أفكر أنه ومن المحتمل أن هذا الملل سوف ينتهي سريعاً. أخبرني أنني سأتزوج قريباً. كان هادئاً جداً وهو يخبرني، غير أن عينيّه لم تلتقي بعينيّ ولا لمرة واحدة أثناء حديثه. نظر لكل شيئ حوله إلا وجهي.
كنتُ أنتظر أن ينظر إليّ بترقب. كنتُ أُريد حقاً أن أرى كيف يشعر، وكنتُ متأكدة من أنه يعلم رغبتي، و لهذا هو لم يلتفت نحوي. أعتقد أن الأمر كان صعباً عليه. أتفهم نوعاً ما، لأن والدي ايضاً لم يمتلك حرية الأختيار. لذلك كل ما قلته أنني موافقة واتجهت بعدها لغرفتي. لم أخرج منها حتى الأن.
"آليزا تستطيعين رفض هذا الزواج لن يستطيع أحد اجباركِ"
شد انتباهي صوت لاريسا، أُختي الأصغر بيننا. لقد لحقت بي حتى تقنعني بسحب موافقتي على هذا الزواج.
كان الفارق بيني وبينها ثلاث سنوات. في الحقيقة ثلاث سنوات هو الفارق بين كل واحدة والأخرى بين جميعنا. بِدأً من فيرونيكا نهاية ب لاريسا. لقد كان الأمر بمحض الصدفة البحتة. كما لو أن والديّ قد خططا لهذا الفرق بيننا.
" لا أستطيع لاريسا لقد رأيتِ كم كان والدي جدياً حين أخبرنا هذا الصباح"
كان جوابي جافاً دون أي اكتراث. كما لو أنه لم يكن قراراً يحدد مصير حياتي القادمة. لقد جعل ردي ملامح وجهها متفاجئة من استسلامي. شيئاً لم تعهده لاريسا مني ابداً. فقد كنتُ وهي شريكتيّن بأي فعل متهور. أظن أنها قد أنتظرت مني معارضة والدي وعدم الرضوخ لمثل هذا القرار التعسفي.
فقد كانت الوحيدة التي عارضته هذا الصباح، وبدا أنه لم يلقي بالاً لما قالته، حيث أنه إلى الآن يعاملها كطفلة صغيرة تريد فقط افتعال شجار، لكن ردي بالموافقة جاء صادماً لها، فما عادت تُبدي أي إعتراضات أخرى بعدها. لا أظنها توقعت ردة فعل مسالم مني.
" هل أنتِ من يقول مثل هذا الكلام آليزا"
أرخت كتفيها و أمالت برأسها بشكل طفيف لي وقد أنخفضت نبرة صوتها كخيبة أمل من جوابي و كاستسلام عن محاولة إقناعي. كانت لاريسا الأكثر إدراكاً بيننا لظروف الحياة حولنا، و كفتاة في العشرين من عمرها ستتفهم بالتأكيد قراري حتى لو كان صعباً عليها الإقتناع به.
"لاريسا "
قلت وأنا أشد على كف يدها داخل خاصتي. أتأمل ملامح وجهها الجميلة والهادئة. لا اعلم متى أصبحت هذه الفتاة شابة وناضجة. لازلت اتذكر يوم كنا نختبئ من بعضنا داخل غُرف هذا المنزل. أكثر فتاة شقية بيننا. كانت مهمة العثور عليها صعبة ومتعبة.
" أنتِ تعلمين أن يوماً كهذا سيأتي لا محالة، وأنه شيئ لابد لنا من مواجهته بطريقة أو بأخرى. تجاهله لا يعني أنه غير موجود. فالأصعب من وجوده هو عدم تقبله لاريسا، لذلك لا أريد أن أجعل الأمر صعباً. إن لم يكن لأجلي فليكن لأجل والدنا على الأقل. أظن أنه يستحق هذا مني، وأنا لا أمانع إن كان لأجله"
كان حديثي معها هادئاً، لكن لو أنها أمعنت النظر فيّ قليلاً، لكانت قادرة على رؤية كم كنت في حالة من الفوضى، عكس هذا الهدوء الذي أَبدو عليه. أنا إلى الأن لا أستطيع تحديد مشاعري. لكنني وعلى عكسها امعنت النظر بها جيداً، تفرست ملامح وجهها وكل انش منها. ابحث به عن شيء لا زلت لا أعلم ما يكون.
كانت لاريسا الوحيدة التي تشبه والدي بشكل كامل. لون شعره وعينيه الداكنة حتى فيرونيكا كانت كذلك، لكنها امتلكت عينين زرقاء فاتنة. بينما بقيتنا ورثنا ملامح والدتي الشقراء بأعين خضراء داكنة كالغابات. لكنني لست شقراء مثل آليّا التي أخذت مكان فيرونيكا كأختنا الكبرى الآن، ولا آليسا توأمي التي لا تشبهني بشكل دقيق.
" ولكن أنتِ تعلمين أن هذا الزواج ما هو إلا امراً من.. "
صمتت دون قول المزيد تخفض نظرها نحو كفينا معاً. فضغطُ أكثر على يدها كمُآزرة بائسة مني لها. رفعت عينيها نحوي، فابتسمتُ ابتسامة تدل على تفهمي لما تقصده، لم تكن لاريسا تحتاج أن تكمل ما أرادت حتى أفهم، أن هذا الزواج جاء بأمر من جدي. وأن جدي، أخر شخص لدينا رغبة في إطاعة أوامره. ليس وهو الشخص الذي دمر أسرتنا. ليس وهو بيدرو دي ماريليانو.
"عليكِ فصل مشاعركِ في مثل هذه الأمور لاريسا، حينها فقط سوف تكونين قادرة على رؤية الموقف بشكله الحقيقي والصحيح. وبهذا تستطيعين اتخاذ قرار عقلاني وسليم. لا تكوني مدفوعة بمشاعركِ عزيزتي فالمشاعر بمثل هذه المواقف قد تؤدي الى الكثير من الخسارة. أنتِ أكثر من يدرك هذا، أكثر مني حتى."
قلت أُبعد خصلة من شعرها خلف اذنها أبعث بأبتسامة لا أدري إن كانت وسيلة لطمأنة قلبها هي أم أنا. نظرت إليّ وبارق ذنب لمع بعينيها، أو ربما كانت دموعاً حزينة أرادت ذرفها لكن حبستها.
تعلمنا جميعاً أن لا نبكي بسهولة . تعلمنا أن نكون قويات وأن لا نحاول الإنكسار بسهولة. لكن في بعض الأحيان يكون أمراً كهذا صعباً ومرهقاً. بالنهاية جميعنا نمتلك مشاعراً، لا نستطيع إلغائها بسهولة متى ما أردنا ذلك.
"أنا أسفة حقاً آليزا، لا أستطيع إلا أن افقد السيطرة عندما يتعلق الأمر بعائلتنا .أظن أنني ورثت هذا من أبي."
قالت بضحكة خافتة أفلتت منها ما جعلني اضحك معها وأومأ موافقة. فوالدي يفقد السيطرة حقاً عندما يتعلق الأمر بحمايتنا. رغم المرات القليلة التي حدث بها أمر كهذا. فلا أحد يجرؤ على استفزازه ابداً. لا يزال والدي يملك سمعةً ووزناً ثقيلاً بمجتمعنا، رغم كل ما حدث بالماضي.
ربتُ على يد لاريسا بين يدي واحتفظت بابتسامتي لها، وأثناء ذلك سمعنا طرقاً على الباب فالتفتت كِلتينا نحوه، فُتح ببطء قليلاً. أطلت آليسا برأسها من خلفه كمن يريد استراق النظر نحو شيء ما.
" هل أستطيع الدخول؟ "
قالت بارتباك واضح. لم تتدخل آليسا بأي شيء مهما كان الوضع. كانت عكسنا بكل شيء. رغم انها توأمي، إلا اننا لا نشبه بعضنا ولا حتى بالشخصيات فقد كانت هادئة، خجولة، فتاة مطيعة لا تفتعل أي مشكلات.عكس كل شيئ بي وأظن أن لاريسا أخذت هذه الطباع مني، حيث أن أغلب وقتها كان معي، لان آليسا تمتلك اهتمامات لا تشد انتباه لاريسا ابداً.
" آليزا والدي يريدكِ بمكتبه في الاسفل"
نظرت نحو لاريسا ثم عدت أنظر نحو آليسا، التي وقفت منتصف الغرفة بعد أن سمحت لها بالدخول.
" ألم يقل لكِ ماذا يريد ."
سألتها. على العموم لم يكن أمراً مفاجئاً لي. توقعت أن يتحدث والدي معي لكن لم أكن أعتقد أنه سيكون بهذه السرعة. كنت أظن أنه يحتاج وقتاً كي يرتب أفكاره.
من يدري ربما يلغي أمر هذا الزفاف، إن فكر به قليلاً ووجد أنه لا يناسبني، حتى وإن تعارض مع أمر جدي له. كان والدي رجلاً على استعداد لأن يفعل هذا لاجلي. الشيئ الذي يعتبر عصياناً بعالمنا. كما لم يكن هذا أول عصيان يُعاقب عليه. والدي كان رجلاً متمرداً لا يخشى كسر أي قانون يقيده عن فعل ما يريد. أنه رجل عنيد. صفات لا تليق إلا لتكون له، لتكون ل فاليريو القائد الصامت.
لم تقل آليسا شيء، فقد اكتفت بهز رأسها كإشارة على عدم معرفتها بما يريد. بكل الأحوال لم يكن الموضوع الذي يريد والدي التحدث بشأنه لغزاً. فحالياً لا يوجد شيء آخر للحديث عنه سوى موضوع زفافي.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!