العاصفة
كان الليلُ حبك يخيم بظلام أكثر كثافة من المعتاد، عاصفة عنيفة تجتاح أرجاء قرية "وادي الظلال" كانت الطبيعة نفسها غاضبة. الغابة المحيطة تصرخ بأغصانها المكسورة وأوراقها المتطايرة، بينما الرياح تقفل الأبواب والنوافذ بعنف كأنها تبحث عن مخرج.
جلس "آدم كرم"، كاتب الروايات الغامضة، وسط هذا المشهد الموحش في كوخه الصغير. كان الكوخ متواضعاً، بأثاث خشبي بسيط ،رائحة الكتب القديمة والهدوء الذي اعتاد عليه،… الهدوء الذي لم يعد حاضراً تلك الليلة.
على الطاولة أمامه، كانت آلة كاتبة قديمة تصدر صوتاً خافتاً مع كل ضغطة على مفاتيحها، لكن ذهنه لم يكن حاضراً. كان ممسكاً بصحيفة محلية مهترئة، تحدق عيناه في العنوان الرئيسي:
"اختفاء غامض: طبيب القرية يترك خلفه حقيبة ملطخة بالدماء."
قرأ التفاصيل للمرة الخامسة. الدكتور إدوارد الرجل الذي وثق به الجميع، اختفى منذ ثلاثة أيام. كل ما تبقى منه حقيبة طبية قرب القصر المهجور، ذلك القصر الذي لم يجرؤ معظم سكان القرية على الاقتراب منه منذ عشرين عاماً.
"اختفاء طبيب؟ وحقيبة ملطخة بالدماء؟ في قرية كهذه؟"تمتم آدم لنفسه. كان الخبر يثير اهتمامه أكثر مما توقع،كاتب روايات غموض مثله لا يستطيع تجاهل قصة كهذه،حتى لو جاء إلى القرية ليهرب من عمله، من ضغوط الكتابة… ومن غضبه.
ارتفع صوت طرق على الباب، قوياً ومفاجئاً، جعل قلب آدم يَقفِز في صدره. لم يكن يتوقع زواراً خاصة في ليلة كهذه.نهض من كرسيه بحذر، عيناه تتجهان نحو الباب الذي بدا وكأنه يخبط بقوة الرياح.
فتح الباب ببطء ليواجه شاباً نحيلاً، بالكاد في العشرين من عمره. معطفه الثقيل كان مبللاً تماماً، وشعره الأسود ملتصق بجبينه. كانت عيناه شاحبتين تحملان خليطاً من الرعب والتوتر.
"هل أنت السيد كرم؟ كاتب الروايات؟" سأل الشاب بصوت مرتجف، كان بالكاد يملك الشجاعة ليقول كلماته.
"نعم، أنا آدم كرم، من تكون؟"
"اسمي سامر… سامر عمران. كنت مساعداً للدكتور إدوارد أحتاج إلى التحدث معك الآن."
كانت نبرة سامر عاجلة بما يكفي لتثير فضول آدم. أشار له بالدخول، وأغلق الباب خلفه ليمنع الرياح من اقتحام المكان. جلس سامر على الكرسي الخشبي القريب من المدفأة، جسده يرتجف، ليس فقط من البرد، بل من شيء آخر لم يفصح عنه بعد.
"لماذا أتيت إلي؟" سأل آدم بعد لحظة صمت. "أنا مجرد كاتب. إذا كان لديك شيء لتقوله، فأخبر الشرطة."
"الشرطة لن تفهم ما يحدث." قال سامر بصوت خافت، وهو يحدق في المدفأة كأنه يحاول إيجاد الكلمات بين ألسنة اللهب. "هناك شيء خطير حدث… شيء يتعلق باختفاء الدكتور."
تغيرت ملامح آدم، أصبح أكثر اهتماماً الآن. قال بحذر: "ما الذي تقصده؟"
تردد سامر للحظة، ثم تحدث بصوت منخفض كأن الحوائط قد تتنصت عليه:
"الدكتور إدوارد لم يكن مجرد طبيب. كان يحتفظ بملفات عن الجميع. أسرار دقيقة لكل شخص في هذه القرية. كان يعرف عنهم أشياء لم يكن يجب أن يعرفها أحد."
"ملفات؟" قال آدم وهو يميل للأمام. "أي نوع من الملفات؟"
"أشياء شخصية جداً، أشياء يمكن أن تدمر حياة الناس. لكن هذا ليس كل شيء." صمت سامر ونظر إلى الباب، ثم عاد ليهمس: "آخر مرة رأيته كان متوتراً للغاية. قال إنه اكتشف شيئاً مروعاً عن القصر المهجور… شيئاً قد يكون السبب في اختفائه."
ارتجف آدم رغم دفء المدفأة. تلك الكلمات "القصر المهجور" حملت وقعاً خاطفاً وكأنها جاءت من صفحات إحدى رواياته. شيء ما في نبرة سامر جعله يشعر بخطر أكبر بكثير مما يبدو.
"اسمع سامر، إذا كنت تعرف أي شيء، قد يساعد في العثور عليه، من الأفضل أن تخبرني عن التفاصيل الآن."
نظر سامر إلى آدم، كأن ثقل العالم يضغط عليه،وقال:
"القصر… ليس مجرد مكان مهجور. إنه يحتوي على أسرار منسية . أسرار يمكن أن تبتلع من يريد كشفها."
جلس "ادم كرم" يُحدّق في الورقة أمامه مرة أخرى، مُحاولاً الربط بين التفاصيل المتناثرة التي بدت كأحجية لا تُفسَّر."القصر المهجور... الطبيب المختفي…. وحقيبة ملطخة بالدماء..."، تمتم لنفسه بصوت خافت
على الرغم من أن القصة بدت بسيطة على السطح، إلا أن هناك شعوراً عميقاً بالظلام يختبئ بين السطور. لماذا يهرب طبيب يحظى بثقة الجميع، ولماذا يترك وراءه دليلاً غريباً؟ أسئلة بدت وكأنها تحيط بـ"ادم كرم" من كل جانب، لكنه لم يكن يملك سوى شعلة من الفضول تُضيء طريقه.
قرر أن يزور القصر المهجور بنفسه، رغم التحذيرات التي سمعها مراراً من أهل القرية.
حمل معه مصباحاً قديماً ودفتر ملاحظاته، وبدأ رحلته نحو الظلام. كانت الرياح تعصف من حوله، وكأنها تُحذّره من الاقتراب. الأشجار المُعتمة على جانبي الطريق بدت وكأنها تتنفس، أوراقها المتساقطة تُحدث أصواتاً أشبه بالهمسات.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (2)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول