سجن من ذهب
سجن من ذهب
جزء 3 من 5
وضع القراءة:

3- قسوة اب!!!

تتذكر ملك ذلك اليوم جيدًا ، ليس لأنها كانت سعيدة بالعودة، بل لأنها ظلت طوال الرحلة تمسك بيد أمها، تسألها إن كان البيت الجديد سيعجبها، وإن كانت ستستطيع أن تزين غرفتها كما تريد.
وكانت أمها تجيبها بابتسامة دافئة:
- طبعًا يا حبيبتي. هنخلي أوضتك أجمل أوضة في البيت كله ، و كمان هيكون فيه جنينة تلعبى فيها و هيكون معاكى قرايب من سنك ولاد اعمامك و عماتك و مش هتحسى انك لوحدك زى ما كنتى هنا .
ابتسمت ملك يومها، وراحت تخبرها عن الستائر التي تريدها، والدمية التي ستضعها قرب سريرها، والرف الذي ستجمع عليه قصصها، و المكان الذى ستضع فيه دبها المفضل البنى و عروستها الجميلة ..
وقبل رجوعهم لمصر ، اخذتها امها فى جولة لشراء عدة هدايا لأهلها و التقطت سيدة لطيفة لملك و والدتها صورة جميلة ، تظهر فيها ملك و هى تضحك بسعادة لا تظهر عليها ابدا لو كان معهما والدها و قد ارتدت ملابس مشابهه لملابس والدتها ...
و طبعتها لها والدتها لتحتفظ بها ...
انقبضت اصابع ملك و دموعها تسيل اكثر عندما تذكرت تلك الصورة ...و ارتعش ذقنها و لمحه سريعه لدخان رمادى كئيب تحوط بعقلها قبل ان يكمل عقلها رحلته فى الماضى ...
كانت أمها تستمع إليها وكأن أحلامها الصغيرة أهم ما في الدنيا.
لكن بمجرد أن عادا لمصر ، تبدل كل شيء.
فقد أعلن والدها ، بملامحه الجامدة دون
ان يبتسم لها مكان غرفتها و لم يكن لديها حتى حق اختيار اى شىء ...
لم يسألها إن كانت تعجبها .
ولم يمد يده إليها كما يفعل الآباء في القصص التي تحب قراءتها...ليشاركها فرحتها بالمكان الجديد بل اكتفى بأن ينظر إليها ثم يقول بصوته الصارم المحذر:
- كبرتي، وأظن إنك بقيتي تعرفي الصح من الغلط.... مش عايز أسمع شكوى من حد من العايلة منك و لا من المدرسة، ولا اعتراض على أي قرار آخده.
هزت ملك رأسها سريعًا موافقة كعادتها دائما امامه :
- حاضر يا بابا.
- بصوت واضح.
انتفضت قليلًا، ثم أعادت:
- حاضر يا بابا.
مدت أمها يدها إلى كتفها بحنان، محاولة أن تخفف عنها، لكن نظرة واحدة من زوجها جعلتها تسحب يدها بخوف !!.
لاحظت ملك ذلك.
ولم تنسَه أبدًا.
ففي تلك اللحظة الصغيرة، فهمت أن حتى حنان أمها يجب أن يُقدَّم بحذر ، طالما ان والدها موجود ..
و عندما شعرت ملك بالحزن و الاحباط بعد مغادرة والدها بعد ألقائه تلك الاوامر ، لم تدعها امها بل فتحت لها ذراعياها متمتمه:
- تعالي يا روح ماما.
وكانت ملك تركض إليها.
تدفن وجهها في صدرها، وتتشبث بها وكأنها تخشى أن يجيء أحد وينتزع منها ذلك الملاذ الوحيد.
كانت أمها تمسح على شعرها وتسألها:
- حبيبتي زعلانه ليه ...و لا يهمك هنظبط الاوضة برده زى ما انتى عايزة .
وكانت تلك الكلمات كافية لتجعل ملك تبتسم ، و بالفعل ضبطت امها لها الغرفة على قدر استطاعتها و وضعت لها الصور و الرسومات التى رسموها معا على الحائط .
فهي لم تكن تحتاج إلى ألعاب كثيرة، ولا إلى ملابس باهظة، ولا إلى غرف واسعة.
كانت تحتاج فقط إلى مكان تستطيع فيه أن تكون طفلة و معها اشيائها المفضلة ..
فى مكان لا تخاف فيه من الخطأ، ولا تحسب فيه كلماتها، ولا ترتجف حين تسمع صوتًا مرتفعًا.
لكن حتى هذا الأمان لم يكن كاملًا.
فكلما ارتفع صوت والدها، كانت أمها تضمها إليها وتحاول أن تبدو قوية، بينما تعرف ملك من ارتجافة أصابعها أن أمها خائفة هي الأخرى.
وكم كانت ملك تتمنى، مثل أي طفلة، لو استطاعت أن تعيش يومًا واحدًا لا تضطر فيه إلى مراقبة خطوات والدها، ولا إلى تخمين مزاجه، ولا إلى إخفاء دموعها .
يومًا واحدًا فقط...
تكون فيه ملك طفلة عادية، لها أب لا تخشاه، وأم لا تضطر إلى حمايتها من الحياة داخل بيتها.
لكن ذلك اليوم لم يأتِ.
________
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.