وضع القراءة:

الفصل الثالث — المشربية

في الحادية عشرة، كانت الغرفة جاهزة قبلها.
المشربية تفصل المكان نصفين: نصفٌ يقف فيه هو، ونصفٌ تجلس فيه هي. خشب محفور، ثقوبه صغيرة، ومن خلفه ظلّ.
«ابدئي،» قال.
«لازم أشوفك عشان أرسمك.»
«لا. أنتِ تحتاجين أن تعرفي شكلي. وهذا شيء آخر.»
سكتت. وضعت الفحم على الورق، وانتظرت.
«طويل،» قال. «هكذا يقولون. وأنتِ سترسمين الطول الذي يقولونه، لا الطول الذي ترينه.»
فبدأت.
كان الصوت يعطيها أشياء لا تعطيها العين: أنه يجلس بلا حركة، وأنه لا يتنفّس بعمق، وأنه حين يذكر اسم أبيه يخفض صوته نصف درجة.
وبعد ساعة، مدّ يده من طرف المشربية ليعدّل المصباح.
توقّفت يدها في الهواء.
كانت اليد طويلة الأصابع، وفي إحداها خاتم بحجر أسود، وعلى ظهر الكفّ أثر خطّ رقيق، كأن شيئًا قطع الجلد يومًا ثم التأم.
سحبت يده. عاد الظل إلى مكانه.
«أكملي،» قال.
فأكملت. لكنها لم تُكمل الوجه. رسمت اليد.
في الثالثة صباحًا، انتهت.
نظرت إلى اللوحة: رجل واقف، من الخلف، كتفان عريضان، معطف داكن، والرقبة مائلة قليلًا إلى اليسار.
كانت جيدة. كانت، في الحقيقة، أفضل مما توقّعت.
ثم لاحظت شيئًا.
الظلّ الذي رأته على المشربية كان لرجل عريض المنكبين، قصير الرقبة. أما الذي رسمته، فكان أنحف، وأطول رقبة.
معطفها لا يشبه ظلّه.
نزلت إلى الغرفة الكبيرة، وأشعلت الضوء، ووقفت أمام اللوحة الرابعة — تلك المرسومة بالفحم، بخطوط سريعة كأنها رُسمت في الظلام.
الطيّة نفسها على الكتف. الميل نفسه في الرقبة. زاوية المعطف نفسها.
خطّها هي.
لم تكن قد رأت هذه اللوحة إلا مرة واحدة، لثوانٍ، في ممرّ مظلم.
ورفعت الفحم، ونسختها.
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.