وضع القراءة:

الفصل الأول:الثانية عشرة

«لا تنظري إلى وجهه.»
قال المحامي الجملة بهدوء، وكأنه يقرأ شروط تسليم بضاعة، ثم رفع عينيه وسألها:
«هل فهمتِ هذا؟»
«نعم.»
لم تقرأ العقد كاملاً. لقد رأت الرقم في النهاية، وهذا يكفيها. أربعة آلاف جنيه مصري: جزء منها يدفع تكاليف العملية، والباقي القليل سيجعل أخاها هادئاً لشهر أو شهرين.
دفع المحامي الأوراق نحوها وقال:
«ستسكنين في هذا البيت. تعملين فقط في الليل. ممنوع صعودك إلى الطابق الثالث، ولا تسألي عن السبب. إن خالفتِ أي شرط من هذه الشروط، ينتهي العقد فوراً، وعليكِ إعادة كل المال الذي أخذتِه.»
«هل معكِ وصي؟»
«أخي في السيارة.»
نظر المحامي نحو الباب، ثم عاد بنظره إلى الملف:
«مسموح. لكنه لا يدخل هذا البيت، وهذا أيضاً من شروط العقد.»
وقعت اسمها. كان القلم ثقيلاً بشكل غير طبيعي.
بعد غروب الشمس وصلاة العشاء، وصلت إلى مرسى الغراب. تنام هذه القرية مع حلول الليل، ولا يبقى مضيئاً إلا هذا القصر. المبنى الحجري ذو ثلاث طوابق، وواجهته مغطاة بمشربيات خشبية منقوشة، وكأن يدًا تغطي وجهها.
فتح لها الباب رجل عجوز، أخذ معطفها دون كلام، وقادها عبر ممر طويل. رائحة الرطوبة وشمع النحل تملأ المكان، ورائحة ثالثة لا تستطيع تحديدها.
في نهاية الممر، غرفة واسعة، الجدران الأربعة مليئة باللوحات.
توقفت.
إحدى عشرة لوحة بورتريه، كل لوحة بأسلوب مختلف: لوحات زيتية، رسوم بالفحم، ألوان مائية، أقلام رصاص، ورسوم سريعة، خطوطها متعجلة وكأنها رُسمت في الظلام. لكن الشخص في كل لوحة هو نفس الرجل.
هو هو.
ولكن كل اللوحات… لا تُظهر وجهه أبدًا.
إحداها ترى ظهره: الكتفان، العنق، طرف معطفه الطويل. أخرى ترى صورة جانبية، يقطع الظل الحاجب ويخفي الوجه. ثالثة تُظهر رأسه كاملاً، لكن هناك ضبابًا على اللوحة، كأن بخار الماء يغطي الزجاج، ويطمس ملامح الوجه.
قالت روان لنفسها: ربما هذا مجرد ذوق فني.
ولكن إحدى عشرة لوحة متتالية، كلها هكذا؟
على الجانب الأيسر من الحائط، مسمار فارغ، وتحت المسمار بقعة باهتة على الحائط، كانت هناك لوحة معلقة هنا من قبل.
صعدت إلى غرفتها، ومدت يدها على الدرابزين الخشبي. جزء صغير بحجم راحة اليد فقط مصقول من كثرة اللمس، والباقي سليم. وكأن يدًا تمسك به بقوة كل ليلة لسنوات طويلة.
في الحادية عشرة مساءً، وصل صوته من الجانب الآخر من المشربية:
«أنتِ الرسامة؟»
لم يكن سؤالاً.
«نعم أنا.»
«رأيتِ ذلك الحائط؟»
«رأيتُه.»
سكت طويلاً، حتى ظنت أنه لن يتكلم مجدداً.
ثم قال:
«ارسميني كما يصفونني الناس، لا كما ترينني بنفسكِ. أنتِ في الحقيقة لا تستطيعين رؤيتي، وهذا أفضل لكِ. كل شخص يصفني، ولا أحد منهم يرسم ما يصفه.»
لم تفهم معنى كلامه، لكنها أجابت:
«حسناً.»
«غداً في الحادية عشرة ليلاً. أحضري الفحم، ولا تأخذي ألوان زيت. الألوان الزيتية تكذب.»
عادت إلى غرفتها، وفتحت لوحة فارغة أعطتها الخادمة. حجم اللوحة غريب: طويلة وضيقة، وكأنها مصممة لرجل أطول من أي شخص في هذا البيت.
على ظهر اللوحة، كُتبت بخط رفيع بالفحم:
الثانية عشرة.
3 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.