تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
الصحراء التي لا تسمح بالموت
لم أعد إلى غرفتي بعد دفن الثريا. لم أستطع البقاء في مكانٍ تلتصق فيه الذاكرة بالجدران، ولا أن أرى إيثان يحاول أن يجد كلماتٍ لا تستطيع إعادة شيء. منحني سيفاً جديداً، أفضل من السيف الذي تحطم في القبو، ثم تركني أغادر دون أن يسأل إلى أين أذهب.
ذهبت إلى الغابة.
اخترت مكاناً بعيداً عن الطرق، حيث تتشابك الأشجار وتغطي الأرض طبقةٌ من الأوراق الباردة. هناك، أخرجت السيف وبدأت التدريب. لم أكن أبحث عن تحسين مهارتي؛ أردت أن أتعب إلى درجةٍ لا يبقى فيها لعقلي متسعٌ للذكريات. ضربت الهواء حتى آلمتني كتفاي، ثم أعدت الحركة، ثم أعدتها مرةً أخرى. كلما ارتجفت يداي، شددت قبضتي أكثر.
كان أبي يقف في ذاكرتي عند طرف المكان، يصحح موضع قدميّ. وكانت أمي ترفع صوتها من الشرفة لتطلب مني التوقف قبل أن أؤذي نفسي. ثم كانت ليليا تضحك وتقول إنني أعيد الضربة نفسها أكثر مما ينبغي. لم أستطع منع تلك الصور، فحاولت أن أضربها كما أضرب هدفاً في التدريب.
لم تختفِ.
حين انخفض السيف من يدي، سمعت خشخشةً خلف الشجيرات. استدرت ورفعت النصل، فظهر كائنٌ صغير يشبه الأرنب، له قرنان طويلان ملتويان وعينان حمراوان كالجمر. وقف على مسافةٍ قصيرة، يراقبني بحذر، ثم رفع أنفه وشمّ الهواء.
تذكرت شرح إيثان عن وحوش البرية المسالمة التي تظهر حيث تتراكم المانا. خفضت سيفي ومددت يدي. لم يكن الكائن أضخم من قطة، لكنه ظل متردداً. اقترب ببطء، شم أصابعي، ثم عضّها عضّةً خفيفة وهرب بين الأشجار.
تأملت نقطة الدم الصغيرة على جلدي، ثم لحقت به دون أن أفكر في السبب. كنت بحاجةٍ إلى شيءٍ يتحرك أمامي لا داخل ذاكرتي.
تعمقت في الغابة حتى تغيرت طبيعة الأرض. الأشجار المحيطة كانت ميتة، والأغصان مكسورة كأن قوةً هائلة مرت بينها. اختفت أصوات الطيور، وصار الهواء ثقيلاً إلى درجةٍ شعرت معها أنني أتنفس من خلال قماشٍ مبلل.
في وسط بقعةٍ جرداء، كانت هناك بلورةٌ حمراء ضخمة، مغروسةً في الأرض مثل قلبٍ انتُزع من جسد عملاق. ينبض داخلها ضوءٌ داكن، وتخرج منها خيوطٌ سوداء تتلوى في الهواء ثم تتلاشى. لم تكن المانا التي أعرفها؛ كان في حضورها شيءٌ يثير الغثيان، كأنها تلوث الهواء قبل أن تصل إلى الرئتين.
خطوت نحوها خطوةً واحدة، ثم توقفت. أردت الرجوع إلى إيثان وتحذيره، لكن صوتاً جاء من خلفي، مألوفاً إلى حدٍ جعل أصابعي تنغلق على مقبض السيف تلقائياً.
«لقد تأخرت يا بطلنا.»
استدرت ببطء.
غوتيا.
كانت تقف على طرف البقعة، تمسك بمنجلها وسلسلتها، وتبتسم ابتسامتها التي لم أنسها. لم يبدُ عليها أثرٌ من معركتنا الأخيرة. كان ثوبها الأبيض نظيفاً، وقرناها يطلقان الضباب الأسود نفسه. أما القلادة الهلالية، فكانت تتأرجح على صدرها مع كل حركة.
رفعت سيفي. «ما هذه البلورة؟ ماذا تفعلين هنا؟»
«ستعرف قريباً.»
هاجمتها قبل أن تواصل الكلام. صدّت الضربة بمنجلها، ثم دارت السلسلة حول ذراعي وكادت تنتزع السيف من يدي. قفزت إلى الخلف، وأطلقت دفعةً من النار لتجبرها على التراجع. لم تهاجم مباشرةً؛ كانت تراقبني كما يراقب الصياد حيواناً أصابه الجرح الذي يريده.
كانت عيناها مختلفتين للحظة. رأيت فيهما شيئاً مكسوراً، شيئاً لا يشبه السخرية ولا الكراهية. لم يكن ذلك كافياً كي أخفض سيفي، لكنه كان كافياً ليجعلني أنتبه إلى القلادة مرةً أخرى.
«الرمز الذي تحملينه... رأيته عند نبيديا، وفي لوحةٍ بقصر توم. وكان هناك اسمٌ في قصتك: قريطوس.»
تبدلت ملامحها.
اختفت ابتسامتها، وانخفض المنجل قليلاً. وضعت أصابعها على القلادة، كأنها تحاول حمايتها مني.
«هذه...» خرج صوتها أضعف مما توقعت. «هديةٌ من زوجي العزيز.»
ترددت للحظة، ثم سألت: «هل قريطوس هو زوجك؟»
رفعت رأسها بسرعة. اتسعت عيناها، ثم استحال الحزن فيهما إلى غضبٍ حاد. اندفعت نحوي، وضربت بمنجلها حتى اهتزت الأرض تحت قدميّ.
«ماذا تعرف عن زوجي؟ ما شأنك بماضيه؟»
صدّيت الضربة بصعوبة. «لا أعرف شيئاً. رأيت الرمز فقط.»
«إذن لا تنطق باسمه!»
كانت تضرب بعنفٍ لم أره منها من قبل. لم يكن هجوماً محسوباً؛ كانت كل ضربةٍ تحمل ارتباكاً، وكل تراجعٍ يبدو كأنه محاولةٌ لابتلاع ذكرى. استطعت أن أتراجع حتى ابتعدت عن مدى منجلها، لكنني لم أستغل الفرصة للهجوم. لم أكن أريد أن أتعاطف معها، لكنني بدأت أفهم أن خلف ذلك الوحش قصةً لا أعرف عنها سوى شذرات.
توقفت فجأة، وأدارت وجهها نحو البلورة.
«كنت أود إخبارك.» قالت، وعادت نبرتها باردةً كما كانت. «لكن وسيلة نقلي وصلت.»
وضعت كفها على سطح البلورة. انبعث الضوء الأحمر من داخلها، لا إلى الخارج فقط، بل عبر الأرض والهواء، حتى شعرت كأن عروقي نفسها امتلأت بضوءٍ لزج. حاولت التحرك، لكن قدميّ لم تستجيبا. ضغطت المانا في جسدي، فتفجرت موجةٌ سوداء وألقتني على ركبتيّ.
سمعت غوتيا تقول: «وداعاً يا كالن. لن تموت هناك. ليس قبل أن تتعلم ما الذي يعنيه أن تكون عاجزاً.»
ثم غابت الأصوات.
✦ ✦ ✦
استيقظت على رملٍ ساخن تحت خدي.
كان شيطانٌ دنيوي صغير يحوم فوق وجهي، يمدّ عنقه النحيل نحوي كما لو أنه يفحص جثةً قبل أن يقرر إن كانت صالحةً للأكل. انتفضت، فضربت الأرض بيدي، وهرب الكائن وهو يطلق صريراً حاداً.
جلست، ورفعت رأسي.
لم تكن هناك أشجار. لا صخور قريبة، ولا طريق، ولا أثرٌ للبلورة. امتد الرمل إلى الأفق من كل جهة، تتخلله نتوءاتٌ صخرية متباعدة، فيما كانت الشمس معلقةً فوقي كعينٍ لا ترمش. الهواء حارٌ وجاف، وكل نفسٍ يدخل صدري يترك في حلقي طعماً من الغبار.
عرفت المكان من وصف الكتب: الصحراء الكبرى، مقبرة الأحياء. تلك البقعة التي يدخلها المغامرون بحثاً عن الآثار، فلا يعود معظمهم، وتقول الروايات إن الوحوش تخرج من تجاويف الأرض ليلاً بينما تجوب الشياطين النهار.
وقفت بصعوبة. كان جسدي لا يزال متعباً من تأثير البلورة، وسيفي إلى جانبي، لكن الماء والطعام وكل ما أحتاج إليه غائب. نظرت إلى الأفق، ثم إلى السماء، وتذكرت تحذيرات إيثان عن أن بعض المناطق لا يمكن إخضاعها بالقوة وحدها.
«سأعود.» قلت بصوتٍ جاف. «سأعود إليك يا إيثان.»
لم يكن الوعد موجهاً إليه وحده. كنت أحتاج إلى وجهةٍ تمنعني من الاستسلام.
مشيت ساعاتٍ بلا ظل. كانت الرمال تدخل في حذائي وتحتك بجلدي، والحرارة تصعد من الأرض حتى شعرت أن باطن قدميّ يحترق. كلما رفعت رأسي، بدا الأفق على المسافة نفسها. حاولت استخدام المانا لصنع حاجزٍ من الهواء، لكن الحرارة استنزفت طاقتي بسرعة. جف حلقي، وبدأت شفتي تتشققان.
عند الظهيرة، هاجمني شيطانان من خلف كثيبٍ رملي. كانا نحيلين، بجلدٍ أسود لامع وأطرافٍ طويلة، يحمل أحدهما رمحاً معقوفاً والآخر سكاكين قصيرة. قاتلتهما دون كلام. قطعت ذراع الأول، ثم فتحت صدره بضربةٍ واحدة. الثاني قفز إلى ظهري وغرس مخالبه في كتفي. سقطت معه، وتدحرجنا فوق الرمل، حتى تمكنت من ضرب رأسه بالصخرة.
ظل جسدي على الأرض، لا يملك القوة للنهوض. كان الدم الأسود يخرج من جرح الشيطان، ورائحته المعدنية تختلط برائحة الرمل الساخن. كنت أرتجف من العطش إلى درجة أنني بدأت أرى خطوطاً سوداء تتحرك على حواف المشهد.
نظرت إلى جثة الشيطان.
كان الخيار واضحاً ومقرفاً. إما أن أبقى بلا ماء حتى يفقد جسدي القدرة على الحركة، أو أستخدم ما في الجثة لأستمر. قطعت قطعةً من الجلد عند عنقه، وشربت من الدم الذي تجمع تحتها.
كان مذاقه مرّاً، حارقاً، كأنني ابتلعت رماداً ممزوجاً بالحديد. تقيأت، ثم أجبرت نفسي على الشرب مرةً أخرى. استخدمت سحر النار لطهي بعض اللحم، لكن الحرارة كانت تتسلل إلى جسدي قبل أن تصل النار إلى الطعام. مضغت اللحم القاسي، وابتلعته بصعوبةٍ حتى أستطيع مواصلة السير.
لم أشعر بالنصر. شعرت أن جسدي أصبح شيئاً عليّ إدارته لا بيتاً أسكنه.
حل الليل بسرعةٍ لم أتوقعها. تغير الهواء، وبدأت أصواتٌ بعيدة تخرج من بين الكثبان. رسمت دائرةً سحرية حول موضعٍ منخفض بين صخرتين، ودفعت ما بقي من المانا إلى طبقةٍ رقيقة تمنع الكائنات الأصغر من الاقتراب. لم تكن حمايةً كاملة، لكنها اشترت لي بعض الساعات.
لم أنم نوماً حقيقياً. كنت أغمض عينيّ وأفتحها مع كل صوتٍ قريب، وأقبض على السيف كلما تحرك الرمل. مرت ظلالٌ عند طرف الدائرة، وسمعت مخالب تحكّ الحاجز ثم تبتعد. مع الفجر، كان جسدي يرتجف من الإنهاك، لكنني ما زلت حياً.
في اليوم الثاني، أكلت ما بقي من الشيطان. كان الدم قد تخثر، واللحم صار أكثر قسوةً، لكنني لم أعد أملك رفاهية الاشمئزاز. تابعت السير، ثم واجهت ثلاثة شياطين آخرين. قتلت اثنين، وهرب الثالث. شربت الدم، ومضغت اللحم النيئ حين لم يعد لدي وقتٌ لإشعال النار.
مع الأيام، صار الأمر روتيناً مريضاً: أبحث عن حركةٍ في الأفق، أطاردها، أقتل ما أجده، آكل كي لا أفقد القدرة على السير، ثم أختبئ ليلاً. لم أعد أحصي الأيام. الشمس كانت تتكرر، والليل يتكرر، والجوع يعود دائماً، مهما أكلت.
بدأت اللحية تنبت على وجهي. تقشرت بشرتي، وتشققت يداي، وصار شعر رأسي الأبيض يعلق بالرمل والعرق. كنت أبدو أكبر من سني، لكنني لم أكن أنضج بالضرورة؛ كنت أتعلم فقط كيف أستمر في الحركة حين يصبح كل شيءٍ في داخلي رافضاً للحركة.
خلال تلك الفترة، اكتشفت المعنى الحقيقي للخلود. لم يكن جسدي يمنحني نجاةً كاملة؛ كان يمنع الموت النهائي ويعيد ترميم ما يكفي كي أبقى، لكن ذلك لا يعني أن الألم يختفي. حين تجف السوائل في جسدي، كنت أشعر بكل دقيقةٍ تمر. وحين تنكسر عظمة، كان عليّ احتمال الألم حتى تلتئم. وإذا لم أجد طعاماً، لم يقتلني الجوع؛ كان يظل ينهشني، يوماً بعد آخر، دون أن يمنحني الراحة التي يمنحها الموت لمن يصل إلى نهايته.
كانت اللعنة لا تتركني أموت، ولا تمنعني من التدهور. إنها تُبقيني عند الحافة، ثم تجبرني على العودة إليها كل صباح.
في ليلةٍ باردةٍ على نحوٍ غريب، جلست قرب دائرة الحماية وحدقت إلى النجوم. تذكرت أمي، ودفء المدفأة، وصوت أبي حين كان يراجع حركاتي. تذكرت ليليا، ثم الثريا. كنت أريد القوة لحمايتهم، لكنني لم أستطع حماية أحدٍ منهم. فهل كان حلمي بتوحيد العالم مجرد محاولةٍ أكبر لتأجيل الشعور بالعجز؟
لم أجب. لم أملك القوة حتى لأكذب على نفسي بإجابةٍ مطمئنة.
ثم رأيت الظل.
في البداية، حسبته جبلاً بعيداً، كتلةً ضخمةً تقطع خط الأفق. ركضت نحوه، ظناً مني أنني سأجد كهفاً يحجب الشمس أو ماءً عند سفحه. لكن الظل تحرك مبتعداً. توقفت، وأعدت النظر. لم يكن جبلًا؛ كان شيئاً يطوف في السماء، ويحجب ضوء النهار على مساحةٍ لا يمكن لعقلي قياسها.
سمعت نغمةً طويلة.
اهتز الرمل تحت قدميّ. لم تكن النغمة صاخبة، بل عميقةً إلى درجة أن جسدي أحسها قبل أذنيّ. تبعتها نغمتان، ثم لحنٌ بطيء بدا كأنه يأتي من زمنٍ أقدم من العالم.
رفعت رأسي.
كان كائناً هائلاً يعلو السحب. جناحان أبيضان يمتدان على اتساع الأفق، وثيابٌ حمراء تتدلى منه كأنه يرتدي قطعةً من الغروب، ووشاحٌ أسود يغطي وجهه. كان جالساً في الهواء، متربعاً، يعزف على كمانٍ ضخم يكاد يساوي مدينةً كاملة.
لم يتحرك كائنٌ بهذا الحجم كما تتحرك المخلوقات. لم يكن يرفرف بجناحيه ليحافظ على ارتفاعه، ولم تكن هناك دواماتٌ تحمله. كان العالم هو الذي يبدو صغيراً تحت حضوره.
حاولت التراجع، لكن ساقيّ لم تستجيبا. شعرت بحرارةٍ تنتشر في سروالي، وفهمت بإذلالٍ أن جسدي فقد السيطرة من شدة الرعب. لم يكن الخوف نابعاً من احتمال الموت؛ كنت قد عرفت ذلك الخوف. هذا كان رعباً من شيءٍ لا أستطيع حتى أن أضع له مقياساً.
توقفت الموسيقى للحظة.
ثم مال الكائن برأسه نحوي.
لم أرَ عينيه خلف الوشاح، لكنني شعرت بأنه ينظر إليّ، لا إلى نقطةٍ من الرمل بل إلى شيءٍ أعمق في داخلي. انقبضت المانا حول قلبي. لم أستطع التنفس، فهربت.
ركضت بلا وجهة، تعثرت، سقطت، ثم نهضت. لم أتوقف حتى وجدت مجموعة صخورٍ ضخمة بين كثيبين. زحفت تحت فجوةٍ ضيقة، وضغطت جسدي إلى الأرض. بقيت هناك أرتجف، أسمع اللحن يتردد داخل جمجمتي، وأتخيل أن ظله سيهبط فوق الصخور ويسحقها كما يسحق المرء قشرةً رقيقة.
لم أجرؤ على الخروج.
مرّت ساعات، ثم أيامٌ لا أعرف عددها. كان الطعام ينفد من جسدي، لكنني لم أستطع إجبار نفسي على الابتعاد. كلما حاولت رفع رأسي، تخيلت الكائن فوق السحب، يعزف اللحن ذاته. بدأت عظام صدري تظهر، وصارت ذراعاي كالغصنين اليابسين. لم أمت، ولم يسمح لي جسدي أن أنسى الجوع لحظةً واحدة.
أخيراً، فهمت أن الاختباء لن ينقذني. إما أن أموت هنا ببطءٍ لا ينتهي، أو أخرج وأواجه العالم الذي أخافني.
زحفت خارج الشق، واستندت إلى سيفي حتى وقفت. لم أنظر إلى السماء. لم أبحث عن الكائن. اخترت اتجاهاً بعيداً عن الظل، ومشيت.
وجدت مجموعةً من الشياطين في منخفضٍ رملي. كانوا يتقاتلون على بقايا جثة، ولم يلاحظوا وجودي حتى اقتربت. هاجمتهم بكل ما بقي في جسدي من مانا. قتلت اثنين، وأصبت ثالثاً، وفر الباقون. لم أنتظر حتى أشعل ناراً. انحنيت فوق الجثث، وشربت الدم، ثم مزقت اللحم بأسناني.
هذه المرة، لم أتقيأ.
كان الاشمئزاز قد تراجع، وحل محله إحساسٌ أخطر: النشوة. للحظةٍ، شعرت أنني لا أحتاج إلى أن أكون إنساناً كي أستمر. لم أحتج إلى قواعد، ولا إلى تعاطف، ولا إلى سببٍ يجعلني أقاتل. فقط جسدٌ جائع، وعدوٌّ أمامه، ولحظةٌ أخرى من الحياة.
توقفت حين أدركت ما أفعل. كان الدم يلطخ فمي، واللحم بين أصابعي، وكنت ألتهمه كما تلتهم الشياطين فرائسها.
همست: «إلى أي شيءٍ أتحول؟»
لم يجبني أحد.
لكنني لم أترك الجثث. أكلت ما احتجت إليه، ومسحت فمي بظاهر يدي، ثم حملت سيفي وواصلت السير. لم يكن لدي خيارٌ آخر، وهذا ما جعل الأمر مرعباً: أحياناً يبدأ الوحش لا حين تختار الشر، بل حين تتعلم كيف تعيش معه.
✦ ✦ ✦
مر زمنٌ لا أعرف طوله قبل أن أرى مجموعةً من الشياطين تركض عبر الوادي. كانوا يفرون، لا يطاردون فريسةً ولا يبحثون عن غنيمة. مروا قريباً مني ولم يلتفتوا إليّ، كأنني لا أستحق حتى الخوف.
رفعت رأسي، فرأيت شاباً يهبط من الهواء.
كان أشقر الشعر، مستقيم القامة، يرتدي معطفاً خفيفاً لا يناسب حرارة الصحراء. هبط ببطءٍ حتى لامست قدماه الرمل، ثم نظر إلى الشياطين الهاربة كأنه شاهد مشهداً مزعجاً فحسب. بعدها التفت إليّ، وعقد حاجبيه حين رأى حالتي.
«أول مرةٍ أرى فيها بشرياً حياً هنا. ماذا تفعل في هذا الجحيم؟»
لم أجب. لم تكن الكلمات تتجمع في رأسي بسهولةٍ بعد هذه المدة. اقترب ومد يده ليصافحني، ثم توقف حين رأى الدم الجاف على أصابعي.
«عذراً. أنا باول، قائد الفرقة الخامسة في جيش التنانين.»
حاولت أن أقف باستقامة. «كالن ريبوستس. مغامر.»
نظر إلى سيفي المكسو بالخدوش، ثم إلى وجهي. «مغامر جاء إلى الصحراء بحثاً عن المجد؟»
«غوتيا نقلتني إلى هنا.»
تغيرت ملامحه. لم يعد يبتسم. شرحت له ما حدث بإيجازٍ متقطع، فاستمع من دون مقاطعة. حين ذكرت البلورة الحمراء، تبادلنا نظرةً صامتة. بدا أن الاسم أثار في ذاكرته شيئاً لا يريد الحديث عنه أمامي.
ثم سألته عن الكائن العملاق الذي يعزف على الكمان.
اختفت الدماء من وجهه.
«كيف رأيته؟»
«كان في السماء. حجب الشمس.»
أمسك باول بذراعي بقوة. «لا يمكن أن يكون ذلك ممكناً. الكائنات العادية لا تستطيع رؤيته. حتى كثيرٌ من مخلوقات المانا لا تدرك وجوده.»
«إذن ما هو؟»
ترك ذراعي ببطء، وأدار نظره إلى الأفق. «أحد الحكماء الخمسة الذين أسسوا نظام هذا العالم. إدريس، حكيم الطقس والنار. نوح، حكيم الطبيعة والماء. شيث، حكيم الصخور والقوانين الكونية. آدم، حكيم النور، وهو الذي وضع النظام ووزع الأدوار بينهم. وأخيراً قابيل، حكيم الظلام، الذي كان مسؤولاً عن الليل.»
توقف لحظة، ثم أكمل بصوتٍ أثقل: «قابيل تمرد. أراد كسر التوازن والاستيلاء على السلطة كلها، فسُحبت منه مهامه. منذ ذلك الحين، وهو يتحالف مع الشياطين في الخفاء لإسقاط آدم. أما إدريس، الذي رأيته، فلا يُبصره مخلوقٌ عادي مهما بلغ حجمه... إلا من اختير لسببٍ لم نفهمه.»
تعلقت كلمة «آدم» في رأسي. كان ذلك هو الاسم الذي حمله الكيان الأبيض الذي منحني الخلود. آدم آخر؟ أم أن العالم يكرر أسماءه كما يكرر حروبه؟ لم أملك دليلاً، فاحتفظت بالسؤال.
نظر باول إلى الأفق ثم عاد إليّ. «إن لم تكن لديك وسيلة للخروج، فسآخذك إلى مملكة التنانين. هناك قد يجدون طريقةً لإعادتك إلى أرض البشر.»
لم أسأله لماذا يساعدني. كنت قد تعلمت أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا إذا توقفت عن السؤال قبل أن تسلكها.
سرنا عبر الرمل. لم يقترب منا شيطانٌ واحد. حتى المخلوقات التي كانت تهاجمني من بعيد غيرت اتجاهها حين رأت باول. سألت كيف يستطيع الطيران من دون أن أراه يستخدم السحر، فابتسم وألغى تعويذةً خفية. ظهرت له أجنحةٌ جلدية كبيرة، امتدت من ظهره، وكانت مفاصلها تشبه أجنحة الخفافيش لكن بحجمٍ أكبر بكثير.
«أنا تنين.» قال كما لو أنه يذكر مهنةً عادية.
لم أصدقه حتى تغير جسده أمامي. تمددت أطرافه، واتسع صدره، وغطت الحراشف جلده، ثم وقف أمامي تنينٌ حقيقي، أسنانه كسكاكين، وأجنحته تحجب الشمس، ومخالبه قادرةٌ على شق الصخور. ضرب بذيله الأرض، فارتفع الرمل حولنا كإعصارٍ صغير.
عاد إلى هيئته البشرية بسرعة، وعدّل ياقة معطفه. «أغلبنا يتخفى بين البشر. بعضنا يفضّل البقاء في هيئته الأصلية، خصوصاً من لم يتعلم بعد كيف يجعل وجوده أقل إزعاجاً.»
لم أجد رداً. بعد أسابيعٍ من القتال والجوع، بدا لي أن العالم يملك دائماً طبقةً أخرى من الأشياء التي لم أتخيلها.
وصلنا إلى منطقةٍ تتخللها صخورٌ مدببة. أمسك باول بكتفي، ثم قفز. انطلقنا إلى السماء بسرعةٍ هائلة، وشعرت أن الهواء يضرب وجهي حتى كاد يخلع جلدي. حاولت سحب نفسٍ، لكن الضغط جعل صدري ينقبض. ارتفعت الرمال تحتنا، ثم اختفت. اخترقنا الغيوم، وظهر فوقها ضوءٌ فضيٌّ واسع.
هناك كانت مملكة التنانين.
لم تكن جزيرةً تطفو فوق السحاب كما تخيلت من الكتب، بل أرضاً عظيمةً معلقةً في السماء، تحمل الجبال والأنهار والغابات والقلاع. كانت الجسور الحجرية تربط بين منصاتٍ عائمة، وتتحرك سفنٌ صغيرة بين الأبراج كأنها تسير في بحرٍ غير مرئي. في الأفق، رأيت تنانين تحلق حول أبراجٍ شاهقة، بعضها بحجم الخيول، وبعضها بحجم حصونٍ كاملة.
«كل هذا بفضل سحر الملك برادتين.» قال باول. «لكن الملك غائبٌ منذ زمن، ولهذا يدير المستشار شؤون المملكة.»
هبطنا عند بوابةٍ ضخمة يحرسها جنودٌ بوجوه بشرية وأعينٍ ذات بريقٍ ذهبي. نظروا إلى باول ثم إليّ، وانحنوا احتراماً. لم أرَ في نظراتهم ترحيباً كاملاً؛ كانوا فضوليين وحذرين من أن يكون إنسانٌ قد وصل إلى مكانٍ لا يصل إليه البشر عادةً.
قادني باول عبر شوارعٍ نظيفة، حيث كانت المباني تجمع بين الحجر الأبيض والمعدن اللامع. على الجدران، نقوشٌ لتنانين تقاتل شياطين، وراياتٌ تحمل رمز الأجنحة الخمسة. كان الناس يتوقفون لحظةً حين يلمحونني، ثم يعودون إلى أعمالهم. لم أكن أريد أن أكون محور اهتمامهم. كنت أريد فقط ماءً، وطعاماً، وطريقةً للعودة إلى إيثان.
وصلنا إلى القصر. تُركت في غرفة انتظارٍ واسعة، بينما ذهب باول لإبلاغ المستشار بوصولي. جلست على مقعدٍ حجري، وشربت الماء الذي قدمه لي خادمٌ دون أن أرفع رأسي. حين انتهيت، لاحظت أن يديّ لا تزالان ترتجفان، وأنني لا أستطيع التوقف عن مراقبة الباب.
لم أعد أثق في وصول المساعدة قبل أن أسمع صوتها.
بعد وقتٍ طويل، عاد باول. «سيستقبلك الآن.»
مشيت خلفه عبر ممراتٍ تزينها نقوشٌ تحكي حروباً قديمة. عند نهاية الممر، انفتح بابٌ ضخم على قاعةٍ ذات سقفٍ مرتفع، يتوسطها عرشٌ عظيم. دخل رجلٌ مسنّ، شعره أبيض كثيف، ووجهه تتخلله شقوقٌ تشبه حراشف التنانين. لم يحمل سلاحاً، لكنه جعل الهواء ثقيلاً بمجرد حضوره.
«أنا كاستروف، مستشار الملك برادتين.»
حاولت الانحناء، لكن جسدي المتعب لم يساعدني إلا قليلاً.
«من أنت؟»
«كالن ريبوستس. ابن زيك ريبوستس، من قرية أوغموس.»
«ولماذا جئت؟»
أجاب باول عني، وأخبره أنه وجدني في الصحراء الكبرى، وأنني أريد العودة إلى مملكة البشر. ثم أضاف، بعد ترددٍ واضح: «لقد رأى إدريس.»
اتسعت عينا كاستروف. صمت طويلاً، ثم دار حولي ببطءٍ كما لو كان يتفحص شيئاً لا يريد تصديقه.
«هذا اليوم مليءٌ بالمفاجآت.» قال أخيراً.
سألني عن الكيان الذي رأيته، وعن الصوت الذي سمعته، وعن سبب بقائي حياً في الصحراء. أجبت بما أستطيع. لم أخبره عن كل ما أكلته، ولا عن اللحظة التي شعرت فيها أنني أصبحت أقرب إلى الشياطين مني إلى البشر. لم أكن أكذب تماماً؛ كنت فقط أخفي الجانب الذي أخجل من رؤيته في نفسي.
حين انتهى، جلس كاستروف على العرش، وأخبرني أن مملكة البشر تعيش فوضى. مات الملك، وتنازع النبلاء على العرش، وانضم بعضهم إلى الشياطين، بينما تقود القوى الموالية للعائلة الملكية مقاومةً ضعيفةً للحفاظ على ما تبقى من النظام. إيثان يقود تلك القوات، وقد نجح في إنقاذ ابنة الملك، لكنه يستعد لمعركةٍ قد تقرر مصير المملكة.
عند سماع اسم إيثان، نهضت من مكاني. «أريد العودة. سأقاتل إلى جانبه.»
نظر كاستروف إليّ بعيونٍ لا ترمش. «بأي قوة؟»
«سأجد طريقة.»
«هذه ليست إجابة. هذه رغبة.»
شعرت بالغضب، لكنني أجبرته على البقاء خلف أسناني. «إذا تركته وحده، فقد يموت.»
«وإذا أرسلتك الآن، فقد تموت معه، ولن يتغير شيء.»
اقترب كاستروف، وصوته صار أقل ارتفاعاً وأكثر قسوة. «أنت تظن أن توحيد العالم يعني جمع الممالك تحت رايةٍ واحدة. لكنه لا يعني شيئاً إذا لم تستطع حماية تلك الراية من أول يدٍ تمتد إليها. القوة لا تجعل هدفك عادلاً، لكنها تحدد إن كنت ستملك الفرصة للوصول إليه.»
رفعت رأسي. «سأصبح قوياً بما يكفي.»
«إذن ستبقى هنا وتتدرب.»
لم يكن عرضاً قابلاً للتفاوض. أمر باول أن يتولى تدريبي، وأن يفتح لي إحدى الغرف السرية التي يُستخدم فيها السحر لتغيير مرور الزمن. نظر باول إليّ بطرف عينه، ثم ابتسم ابتسامةً ماكرة لم تبشر بالخير.
«أظن أنني سأستمتع بهذا.»
✦ ✦ ✦
اقتادني باول إلى غرفة الانتظار نفسها. قال إن التجهيزات تحتاج إلى وقتٍ قصير، ثم عاد ليأخذني إلى بابٍ خالٍ من النقوش، موضوعٍ في جدارٍ لا يحمل أي ممرٍ آخر.
«ستدخل وحدك.» قال. «هذا امتحانٌ أول، لنرى إن كنت قادراً على تحمّل ما ينتظرك.»
فتحت الباب.
لم أجد سوى بياضٍ مطلق.
توقف قلبي للحظة. كان هذا البياض يشبه المكان الذي التقيت فيه آدم، قبل أن أُلقى في الحياة الثانية. أردت التراجع، لكن باب الغرفة اختفى خلفي. في منتصف الفراغ، نبتت زهرةٌ حمراء، ساقها رفيعة وبتلاتها ملتفة كألسنة نار. عرفتها من كتابٍ قرأته مع أمي: زنبقة العنكبوت الأحمر، زهرةٌ ترتبط في بعض الحكايات بالفراق والذاكرة التي لا تُدفن.
اقتربت منها رغم أن كل ما في داخلي كان يحذرني. مددت يدي وقطفتها.
انشق البياض.
وجدت نفسي في فصلي القديم، في صباحٍ باردٍ من يناير. كان المعلم يشرح الدرس، والطلاب يضحكون، والسماعات في أذني. نظرت إلى يديّ، فوجدتهما يدَيّ القديمتين، بلا ندوبٍ ولا آثار تدريب. سمعت صوتي الداخلي يسأل: هل كان كل ما عشته في العالم الآخر حلماً؟ هل كان زيك وأسترا وليليا والثريا مجرد اختراعٍ من عقلٍ نام على طاولة الدراسة؟
استمرت الحصة، وجمعت أغراضي كما كنت أفعل دائماً. خرجت إلى الرواق، ورأيت إيطو تمر أمامي. كان شعرها أسود، والشريط الأبيض في مكانه، والقلادة تلمع عند عنقها. التفتت نحوي مصادفةً.
هذه المرة، لم يتوقف العالم.
لم يخفق قلبي. لم تزل الموسيقى من أذنيّ نفسها. رأيتها فتاةً جميلةً أعرفها، لكن شيئاً من ذلك التعلق الهائل لم يعد في موضعه. أحسست بفراغٍ أول الأمر، ثم بخوفٍ آخر: إذا لم تعد هي مركز العالم، فما الذي كنت أفعله بكل ذلك الألم؟
لم تكن الغرفة تعيد الماضي حرفياً؛ كانت تفتح أمامي احتمالاً لم أتح له أن أعيشه. تكرر اليوم في تفاصيله المألوفة، ثم راسلتها في المساء، فأجابتني. استمرت المحادثات، وجاء موعد اللقاء. هذه المرة ذهبت مبكراً. رأيت الرجلين نفسيهما في الشارع، لكنهما حين لاحظا وجودي قرب إيطو غيرا اتجاههما ومضيا. لم يحدث الاعتداء، ولم أمت في الثلج، ولم تسقط الزهرة من يدي. كان الاختبار يمنحني فرصةً أخرى لا لإنقاذها، بل لمواجهة السؤال الذي لم أجرؤ على طرحه في حياتي الأولى: ماذا لو لم يكن الحب متبادلاً؟
وقفت أمامها، أحمل الزهرة الحمراء التي اشتريتها لها. كنت أعرف الكلمات التي أردت قولها منذ أشهر، لكن معرفتي بالمستقبل لم تمنحني الشجاعة.
«إيطو... أريد أن أخبرك بشيء.»
نظرت إليّ باهتمام. «ما الأمر؟»
ابتلعت ريقي. «أنا أحبك. لا أعرف إن كان هذا سيغير شيئاً بيننا، ولا أريد أن أضغط عليك. لكنني تعبت من إخفاء الأمر، وأردت أن تكوني أول من يعرف.»
ظلّت تنظر إليّ، ثم انخفضت عيناها إلى الزهرة. لم تكن قاسية، ولم تسخر مني. وهذا جعل الأمر أصعب.
«أنا آسفة يا كالن.»
لم أتحرك.
«أنت مهمٌ بالنسبة إليّ. أحب الحديث معك، وأثق بك، لكنني لا أشعر تجاهك بما تشعر به نحوي. قلبي يميل إلى شخصٍ آخر.»
سمعت الكلمات، لكنني لم أفهم كيف يمكن لها أن تبقى واقفةً أمامي بعد أن قالتها. كنت قد بنيت في خيالي عالماً كاملاً حول احتمالٍ واحد، ولم أفكر في أن لها حقاً كاملاً في رفضه.
مددت لها الزهرة. أخذتها برفق، ثم اعتذرت مرةً أخرى وغادرت. بقيت واقفاً حتى اختفت بين المارة. لم أركض خلفها. لم أطالبها بتفسيرٍ إضافي. لم أصرخ أنني ضحيت من أجلها، لأنني أدركت فجأةً أنني لم أضحِّ من أجلها وحدها. كنت أريد منها أن تمنح حياتي معنىً لا أستطيع صنعه بنفسي.
عدت إلى البيت بعد أن انتهيت من قراءة رسالة إيطو. بقي الهاتف بين يديّ، ورسالتها مفتوحةً أمام عينيّ، لكنني لم أعد أقرأ الكلمات؛ كنت أسمعها تتردد في رأسي بصوتها هي. لم تكن قد خدعتني، ولم تعدني بشيء. ومع ذلك، شعرت كأن باباً ظللت أركض نحوه سنواتٍ قد أُغلق في وجهي أخيراً.
كان البيت كما عرفته في حياتي الأولى: الجدار المتشقق قرب النافذة، والطاولة التي اعتادت أمي أن تضع الطعام عليها، ورائحة الخبز الدافئ المختلطة برائحة المدفأة. لم يكن بيت القرية التي عشت فيها بعد موتي الأول، ولم تكن المرأة التي رأيتها أمامي أسترا. كنت في بيتي القديم، مع أمي التي أيقظتني في صباح الثلج وأرسلتني إلى الحافلة؛ أمي من العالم الذي تركته خلفي.
كانت ترتب الصحون حين رفعت رأسها ورأت وجهي. توقفت يدها لحظة، ثم تركت ما فيها واقتربت مني.
«ما بك يا كالن؟»
لم أعرف كيف أشرح لها أن فتاةً لم تكن مدينةً لي بشيء قد رفضتني، وأن هذا الرفض أعاد فتح أبوابٍ ظننت أنني أغلقتها منذ زمن. جلست أمامها وسألتها فجأةً:
«ماذا أمثل بالنسبة إليكِ؟»
ابتسمت أمي ابتسامةً صغيرة، ثم قالت: «انتظر حتى أجلس لأجيبك.»
وضعت ما في يدها جانباً وجلست أمامي. لم تتعامل مع سؤالي كأنه غريب، ولم تحاول أن تضحك لتخفف ثقله. نظرت إليّ مباشرةً وسألتني:
«هل تحب نفسك؟»
أجبت من دون تفكير: «لا.»
لم تبدُ عليها الدهشة. قالت بهدوء: «هناك فرقٌ بين من يرضى عن نفسه، ومن يحبها. قد تحب نفسك وأنت تعرف أنك لم تبلغ بعد ما تطمح إليه؛ وقد تظلم نفسك حين تجعل كل نقصٍ فيها دليلاً على أنها لا تستحق الحب.»
ثم أعادت السؤال، كأنها تريد مني أن أسمع ما سأقوله هذه المرة: «هل تحب نفسك يا كالن؟»
فكرت طويلاً. أدركت أنني كنت أخلط بين رغبتي في أن أصبح أفضل وبين اعتقادي أن عليّ أن أبلغ الكمال كي أكون جديراً بأن يحبني أحد. رفعت عينيّ إليها وقلت بصدق:
«نعم، أحبها، لكنني لست راضياً عنها. أشعر أنني ما زلت أفتقر إلى أشياء كثيرة، وأن أمامي طريقاً طويلاً قبل أن أصبح الشخص الذي أريد أن أكونه.»
ابتسمت بحنان، ثم قالت: «انظر في عينيّ وستعرف أنني أحبك. جميعنا نحبك. أبوك يكدح ساعاتٍ طويلة في عمله، ويعود متعباً، ومع ذلك يفكر في الغد وفيما يستطيع أن يوفره لك. يفعل ذلك لأنه يحبك، لا لأنك حققت كل ما تنتظره من نفسك.»
سكتت لحظة، ثم تابعت: «كل من رافقتهم يحبونك أيضاً. لكنك ترفض رؤية ذلك؛ عيناك دائماً معلقتان بالأرض، أو بما ينقصك، أو بمن لا يمنحك ما تريده. لا تترك انشغالك بمن يرفضك يجعلك أعمى عن الذين يقفون إلى جانبك.»
ظللت صامتاً. لم تكن أمي تعرف شيئاً عن الغرفة أو عن العالم الذي عشته بعد موتي الأول، ومع ذلك بدت كلماتها كأنها تلامس كل ما حملته معي من ذلك العالم: زيك وأسترا، وليليا، وإيثان، ورفاق الثريا، وكل الذين أحببتهم ثم فقدتهم.
«هل نظرت يوماً في عيون من يحبونك؟» سألت. «هناك من ضحك معك، وهناك من بكى لأجلك. الحياة فيها من يحبك ومن يكرهك، وهذه ضريبة الوجود. دائماً، اخفض بصرك عمّن يكرهونك، وارفعه في وجه من يحبونك.»
رفعت عينيّ إليها أخيراً. رأيت ابتسامتها الدافئة، ولم أعد قادراً على التظاهر بأنني بخير. نهضت من مكاني بلا إرادة، وارتميت في حضنها. احتضنتني بقوة، وأخذت دموعي تنهمر بلا توقف. بدأت أهذي بكل ما ظل محبوساً في صدري، أفرغ الألم والخوف والندم من دون أن أستطيع ترتيب كلماتي.
تركتني أبكي، وربتت على ظهري ومسحت دموعي كما كانت تفعل حين كنت صغيراً. ثم همست: «أفهمك يا ولدي. جميعنا نمر بهذا، وأنت مررت بما هو أقسى. اصبر... اصبر. ليس عليك أن تحل كل شيء الآن. وفي النهاية ستجد سبباً يمدك بالقوة كي تواصل الطريق.»
تعلقت بثوبها، وكرهت أنني أعرف في أعماقي أن هذا العناق لن يدوم. لم تكن الغرفة تعيد أمي الحقيقية إليّ؛ كانت تستخرج من ذاكرتي صورتها وصوتها، وتضعني أمام أكثر ما افتقدته في عالمي الأول. لكن ما شعرت به لم يكن كذباً. الحنين حقيقي، والحب الذي حملته لي حقيقي، حتى لو كان المشهد اختباراً صنعه السحر.
بدأت ملامح البيت تتلاشى حولنا. امتدّ البياض من أطراف الغرفة، وغطت الأرض أزهار الهدرانج الزرقاء والبنفسجية. خفّ عناق أمي شيئاً فشيئاً، وحين حاولت أن أتشبث بها، أدركت أن الصورة تنسحب من الذاكرة التي جاءت منها.
رفعت وجهها إليّ للمرة الأخيرة. «لا تجعل الألم دليلاً على أنك غير جديرٍ بالحب. ولا تجعل القوة وسيلتك الوحيدة كي تثبت أنك تستحق الحياة. حين تختار أن تصبح قوياً، تذكّر لماذا اخترت ذلك.»
اختفت، وبقيت وحدي في البياض. لم يختفِ وجع الرفض، ولم تتحول خساراتي إلى شيءٍ جميلٍ لمجرد أنني فهمت درساً منها. لكنني لم أعد أرى رفض إيطو حكماً على قيمتي، ولم أعد أخلط بين أن أحب شخصاً وبين أن أجعله مسؤولاً عن إنقاذي من نفسي.
انفتح الباب، ودخل باول يصفق ببطء. «اجتزت الاختبار.»
جلست على الأرض، ومسحت وجهي. «هل صنعت الغرفة كل ذلك؟»
«استعادت ما في ذاكرتك ومنحته شكلاً تستطيع مواجهته. لم تخترع حزنك، ولم تضع كلمات أمك في رأسك من العدم. الاختبار لم يكن أن تتجاوز الرفض في لحظة؛ كان أن تتوقف عن تحويله إلى حكمٍ على حياتك كلها.»
لم أجد ما أقوله. لم أكن مستعداً لأن أصف ما حدث بأنه شفاء، لكنه كان أول مرةٍ أنظر فيها إلى جرحٍ قديم من دون أن أحاول تحويله إلى سلاح.
قادني باول إلى الغرفة التي صارت مقر إقامتي في المملكة، وأشار إلى السرير. «استرح حتى الغد. غداً نبدأ التدريب الحقيقي.»
لم أجادله. تمددت على السرير، وما إن أغمضت عينيّ حتى عادت كلمات أمي تتردد في ذهني. كان حضنها آخر ما شعرت به قبل أن يبتلعني النوم؛ دفءٌ افتقدته حتى كدت أنسى شكله.
في الصباح، أيقظني باول قبل أن أستعيد كامل وعيي. «انهض. اليوم الأول. سنخوض نزالاً لأعرف ما الذي تحتاج إلى تعلّمه.»
تبعته إلى قاعة التدريب. كانت واسعةً، بجدرانٍ حجرية سميكة وأرضٍ خالية لا يقطعها سوى أثر الأسلحة القديمة. وقفت في مواجهته، وشددت قبضتي حول سيفي. أما هو فوقف أعزل، ويداه إلى جانبيه، كأنه لم يأتِ للقتال أصلاً.
«هاجم أولاً.»
اندفعت نحوه بحذر، ووجهت ضربةً تجريبية نحو كتفه. صدّها بكفّه، من دون أن يتحرك من مكانه. بدّلت زاوية الهجوم، ثم حاولت الوصول إلى جانبه، لكنه كان يقرأ حركاتي قبل أن تكتمل. واصلت الهجوم، مرةً من الأعلى ومرةً من الأسفل، بينما اكتفى بالدفاع بهدوءٍ مستفز.
بعد محاولاتٍ عدة، تغيّر إيقاعه. تحرك إصبعٌ واحد من يده، فشعرت بضربةٍ غير مرئية تصدمني في صدري. طار جسدي عبر القاعة وارتطم ظهري بالجدار. انقطع نفسي للحظة، وانفلت السيف من قبضتي قبل أن يسقط على الأرض.
بقيت ملتصقاً بالحائط، عاجزاً عن فهم كيف حسم الأمر بتلك الحركة البسيطة. حاولت النهوض، فاستندت إلى سيفي وأجبرت ساقيّ على حملي. كانت المسافة بيننا قصيرة، لكن الفارق في القوة بدا أوسع من أي مسافة قطعتها في الصحراء.
نظر باول إليّ وقال: «تخيّلني الشخص الذي لا تستطيع تحمّله. تخيّل أنني سلبتك أغلى ما لديك. هاجمني كما لو كنت أنا من فعل ذلك.»
لم أحتج إلى التفكير طويلاً. رأيت وجه غوتيا في ذهني، وسمعت ضحكتها، وتذكرت القرية المذبوحة وأبي وأمي، ثم ليليا وهي تتوسل إليّ أن أنهي عذابها. لم تكن الذكريات صوراً بعيدة؛ كانت ناراً ما زالت تجد ما تحرقه في داخلي.
غلت المانا في عروقي. شددت قبضتي حتى آلمتني أصابعي، وشعرت بطاقةٍ لم أستطع في البداية تمييزها عن الحقد. في تلك اللحظة، لم يعد باول أمامي؛ صارت غوتيا هي التي تقف هناك.
هذه المرة بادر باول بالهجوم. اختفى من موضعه وظهر أمامي، لكنني استطعت صد الضربة الأولى. تراجعت، ثم اندفعت في حركةٍ متتابعة بين زوايا القاعة، أستخدم المانا لدفع جسدي وتغيير اتجاهي قبل أن يثبت نظره عليّ. لم أهاجم من الطريق الذي توقعه، بل راوغت حتى بلغت نقطةً عمياء قرب كتفه.
انقضضت وغرست سيفي فيه.
سقط جسده على الأرض. تجمدت مكاني أحدّق في النصل، غير مصدق. هل أصبحت بهذه القوة؟ هل قتلته فعلاً؟
تحوّل الجسد إلى دخانٍ أسود وتبدد. جاء التصفيق من خلفي، ثم سمعت ضحكة باول. وقبل أن أستدير، ضغط بإصبعه على كتفي، فانهارت ساقاي وسقطت إلى الأرض. حاولت الحركة، لكن شيئاً ثقيلاً كبّل مفاصلي، ولم أستطع رفع رأسي.
«أحسنت في خداع بصري لثانية واحدة.» قال باول. «لكنّك لم تهزمني. لقد هاجمت الصورة التي صنعتها ذاكرتك، وتركت جسدك مكشوفاً لكل ما حولك. ما زلت تفتقر إلى الخبرة، وما زلت رقيقاً أمام خصمٍ يعرف أين يضغط على جرحك. الماضي قد يمنحك سبباً للقتال، لكنه لن يقاتل بدلاً منك.»
رفع إصبعه، فعادت الحركة إلى أطرافي. نهضت ببطء، وكان الغضب ما يزال في صدري، لكنني هذه المرة لم أصرخ. قال باول: «إذا انفجرت غضباً في كل مرةٍ تتذكر فيها ما حدث، فلن تزداد قوتك؛ ستصبح قابلاً للتوقع. لا أريد منك أن تمحو مشاعرك، بل أن تتعلم كيف تمسك زمامها. والآن، نبدأ بسحرك. موهبتك وحدها لا تكفي.»
بدأ يعلمني السيطرة على المانا. طلب مني أن أتخيلها تسري في عروقي كما يسري الدم، وأن أمدّها خارج جسدي خيطاً خيطاً، من دون أن أبددها في الهواء. كان الاختبار الأول أن أشطر صخرةً إلى نصفين من مسافةٍ بعيدة، من دون أن ألمسها، ومن دون تعويذةٍ ظاهرة؛ مجرد توجيهٍ دقيق للمانا والإرادة.
بدت المهمة مستحيلة. كلما حاولت دفع المانا نحو الحجر، انحرفت عنه أو تلاشت قبل أن تصل إلى داخله. وحين دفعتها بقوةٍ أكبر، ارتجفت الصخرة لكنها بقيت سليمة. لم يسمح لي باول بالخروج حتى أنجح، ولم تكن الغرفة تمنحني إحساساً واضحاً بتقدم الأيام. الوقت فيها كان يتصرف على نحوٍ مختلف، وكانت إشارات الجسد المعتادة، من الجوع والعطش والإرهاق، تتراجع حتى تكاد تختفي، كأنها مؤجلة لا ملغاة.
تركني باول وحدي. حاولت الوقوف، والجلوس، ومدّ المانا من زوايا مختلفة. جربت أن أضغطها كالمطرقة، ثم أن أرسلها كإبرة، ثم أن أحاصر الصخرة من جوانبها. لم ينجح شيء. كانت الأيام تمرّ خارج إحساسي، فيما لم أكن أملك داخل الغرفة إلا المحاولة تلو المحاولة، بلا راحةٍ حقيقية ولا يقينٍ بأنني أحرزت تقدماً.
شيئاً فشيئاً، تعلمت أن أصل بخيطٍ رفيع إلى سطح الحجر، ثم أن أجعل المانا تنساب في الشقوق الصغيرة التي لم تكن عيني تلاحظها. لم تكن المسألة قوةً أكبر، بل دقةً أكثر. واصلت الضرب بخيوط المانا مرةً بعد مرة، حتى بدأ شرخٌ رفيع يشق وسط الصخرة.
لم أعرف كم مرّ من الوقت. انشغلت بتركيز الخيط على الشرخ، ثم أعدت توجيهه إلى العمق. فجأةً، انقسم الحجر إلى نصفين وسقط كل جزءٍ إلى جانب. ظللت أحدق في النتيجة، ثم خرجت مني ضحكةٌ قصيرة لم أستطع كتمها. كانت خطوةً صغيرة في نظر أي شخصٍ آخر، لكنها كانت أول انتصارٍ حقيقي أنتزعه من الصبر لا من الغضب.
فتحت الباب، فوجدت باول ينتظرني خارجه. سألته بلهفة: «كم مضى من الوقت؟»
«بضعة أيامٍ فقط.»
ناولني بعض الطعام والماء، ثم أشار إلى المساحة خلفي. «جيد. لقد بدأت تتحكم في المانا. الآن، اجعلها تحتك، لا أمامك ولا حولك. دعها تحملك.»
جربت، فارتفعت قدماي عن الأرض مقداراً ضئيلاً قبل أن أفقد التوازن وأسقط. كتم باول ضحكته وقال: «استمر حتى يصبح الطيران عندك كالتنفس. لا أريدك أن تفكر في كل حركةٍ حين تكون في معركة.» ثم أعادني إلى الغرفة.
واصلت التدريب. تعلمت أن أوزع المانا تحت جسدي، وأن أحافظ على توازنها حين أغير اتجاهي. كنت أرتفع قليلاً ثم أسقط، وأدور في الهواء ثم أرتطم بالأرض، حتى صرت أستطيع التحليق لمسافةٍ قصيرة من دون أن أفقد السيطرة. وفي كل مرةٍ يزورني باول، كان يختبرني في نزالٍ جديد، ويهزمني قبل أن أفهم كيف بدأ الهجوم.
كان يكرر النزال مرةً بعد مرة. أحياناً ينتصر عليّ بحركةٍ واحدة، وأحياناً يسمح لي بالتقدم كي يختبر ما تعلمته ثم يكسر إيقاعي في اللحظة التي أظن فيها أنني فهمت طريقته. كنت أخسر باستمرار، وأسمع منه نقداً قاسياً، لكنني لم أعد أخلط بين الهزيمة والإهانة. كل هزيمةٍ كانت تكشف ثغرةً جديدة، ولو أن الاعتراف بذلك لم يكن سهلاً.
ثم توقف باول عن المجيء.
استغربت غيابه، لكنني واصلت التدريب بمفردي. لم أكن أعرف هل تركني لاختبار عزيمتي أم أن أمراً طارئاً شغله. بقيت أكرر الطيران والتحكم في المانا، إلى أن انفتح الباب ذات يومٍ ودخلت فتاةٌ تبدو على وجهها علامات الغضب، ترتدي درعاً خفيفاً وتحمل سلاحين قصيرين.
رمقتني بنظرةٍ حانقة وقالت: «أرسلني باول لأكمل تدريبك. تباً له، يلقي مسؤولية رعاية هؤلاء المبتدئين على عاتقي ثم يختفي وكأن الجيش لا يحتاج إليه!»
وقبل أن أتمكن من سؤالها عن اسمها، أضافت: «أنا نائبته في الفرقة الخامسة. من الآن حتى عودته، سنقاتل. لا راحة، ولا توقف، حتى لو انهرت من التعب.»
لم تمنحني فرصةً لاستيعاب تهديدها. اندفعت نحوي، واصطدم سيفها الأول بنصلي فيما مرّ الثاني قرب عنقي. تراجعت وقفزت إلى الهواء، لكنها تبعتني فوراً، تتحرك بخفةٍ توحي بأنها اعتادت القتال على الأرض وفي السماء معاً.
كانت أقوى مني بمراحل. كلما ظننت أنني وجدت ثغرةً في دفاعها، بدلت زاوية الهجوم وأجبرتني على كشف جانبٍ آخر. لم تكن تضرب بعشوائية؛ كانت تختبر توازني، وتدفعني إلى أخطاءٍ صغيرة تتراكم حتى تحاصرني. قاتلنا زمناً طويلاً داخل الغرفة، بلا توقفٍ حقيقي. كنت أتعلم كيف أحافظ على الطيران تحت الضغط، وكيف أوجه المانا من دون أن أتركها تتشتت مع كل ضربة.
لم تنخفض قوتها، ولم تظهر عليها علامات الإنهاك التي كنت أتوقعها. أما أنا، فكنت أتطور ببطء. لم أستطع هزيمتها، لكنني بدأت أصد بعض هجماتها، ثم أراوغها، ثم أجبرها أحياناً على تغيير خطتها. لم يكن ذلك نصراً، لكنه كان تقدماً لا يمكن إنكاره.
استمر القتال حتى انفتح الباب ودخل باول. تراجعت الفتاة فوراً، وخفضت سلاحَيها، ثم انحنت له باحترام.
«أتممت مهمتي، باول-ساما.»
شكرها وربت على رأسها. حاولت إخفاء فرحتها، لكن ابتسامةً صغيرة أفلتت منها قبل أن تستعيد صرامتها.
اقترب مني باول وقال: «كيف كان التدريب مع إيليسا؟»
نظرت إليه باستغراب. «إيليسا؟ لم تخبرني باسمها.»
ضرب جبهته بكفه متحسراً. «صحيح! أنسى دائماً أنها لا تقدم نفسها للناس. هذه إيليسا، نائبتي في الجيش. أرسلتها لتكمل تدريبك حين اضطررت إلى الابتعاد.»
«كنت ستخبرني باسمها قبل أن أموت على يدها، أم كنت ستتركني أكتشفه بنفسي؟»
ضحك باول، ثم اختفت الدعابة من وجهه وهو يتفحص المانا حولي. «مهما يكن، فالنتيجة جيدة. لم تعد المانا في جسدك مضطربة كما كانت؛ أصبحت أكثر استقراراً، وصرت قادراً على توجيهها في الحركة والقتال والطيران.»
ثم أشار إلى الباب وقال: «استعد. حين تخرج من هذه الغرفة، ستشعر دفعةً واحدة بكل ما لم تشعر به هنا.»
لم أفهم قصده. تجاوزت العتبة، وخطوت خطوةً واحدة إلى الخارج، ثم انهار جسدي تحت وطأة الألم. اشتعلت عضلاتي كأنني خضت قتالاً بلا نهاية، وجف حلقي، والتوى بطني من الجوع. اجتاحتني حاجات الجسد المؤجلة دفعةً واحدة، حتى إنني لم أستطع الوقوف.
سقطت على ركبتيّ. رأيت إيليسا واقفةً إلى جانبي بلا اضطراب، كأنها معتادةٌ على هذا الشعور، بينما انحنى باول وحملني على ظهره.
«هيا. سنأخذك إلى سريرك، ثم أحضر لك الطعام والشراب.»
دفء ظهره أعاد إليّ ذكرىً بعيدة؛ تذكرت أمي وهي تحملني حين كنت صغيراً، وكيف كنت أغمض عينيّ مطمئناً لأنني أعرف أنها لن تدعني أسقط. تشبثت بثوب باول للحظة، ثم غلبني الإنهاك وغبت عن الوعي.
حين استيقظت، كان أمامي طعامٌ يكفي لإطعام أربعة رجال. لم أنتظر دعوةً ثانية. التهمت اللحم والخبز بشراهة، ثم شربت الماء كأساً بعد أخرى حتى اضطررت إلى التوقف كي ألتقط أنفاسي. لم أترك شيئاً تقريباً في الصحون.
كان باول يراقبني، ودموع الضحك تتجمع في عينيه. ما إن رفعت رأسي وقلت: «شكراً لك»، حتى انفجر ضاحكاً ضحكاً هستيرياً، واضطر إلى الاستناد إلى الطاولة كي لا يسقط.
«لا شكر على واجب!» قال وهو يحاول استعادة أنفاسه. «لكن كان عليك أن ترى وجهك وأنت تلتهم الطعام. بدوت كوحشٍ خرج لتوه من قبره، لا كمغامرٍ يتدرب في قصر التنانين!»
حدقت فيه ببرودٍ متعمد، فازداد ضحكه. وبعد أن هدأ أخيراً، استقامت ملامحه وقال: «اسمعني جيداً. لقد تطورت كثيراً، وكاستروف مستعدٌ لإرسالك إلى جبهة إيثان. لكن الوقت أخطر مما تتصور.»
أخبرني أن إيثان يوشك على خوض معركةٍ ضد الشياطين، وأن قائدهم أنوس هو ثاني أقوى شياطين العالم بعد ملكهم. كان أنوس مدعوماً من قابيل، حكيم الظلام الخائن، ويحمل جزءاً من قوته. يستطيع إيثان أن ينازل أنوس وجهاً لوجه، لكن جيش الشياطين يملك أدواتٍ صُممت لتعطيل السحر واستنزاف المانا. وإذا وقع إيثان في مجال تأثيرها، فقد يتحول تفوقه إلى فخٍ يودي بحياته.
«إن أردت الوقوف إلى جانبه، فعليك أن تحميه من ذلك الفخ. لا يكفي أن تكون سريعاً أو قوياً. عليك أن تدرك متى يهاجم العدو، ومتى يريدك أن تهاجم. قد يكون وجودك بجانبه الفارق بين نجاته وموته، وقد تكون أنت نفسك السبب في سقوطه إذا اندفعت من دون تفكير.»
قلت من دون تردد: «سأذهب إليه.»
حدق باول في وجهي طويلاً. «لن أرافقك، ولن تكون إيليسا هناك لتنقذك. في المعركة، لا تجعل الغضب يفكر نيابةً عنك. كن مستعداً لتحمل نتيجة كل قرارٍ تتخذه.»
لم أعده بأنني سأتخلى عن غضبي؛ كان ذلك وعداً كاذباً. قلت فقط: «لن أترك إيثان يواجه أنوس وحده.»
توجهنا أنا وباول وإيليسا إلى قاعة كاستروف. كان المستشار واقفاً أمام نافذةٍ عالية، يراقب السحب والجبال البعيدة. التفت إلينا حين دخلنا، ثم ثبت نظره عليّ.
«هل أنت مستعد للرحيل؟»
«نعم.»
«تذكر أن الحماسة وحدها لا تنقذ أحداً. قد تكون أنت الهدف الحقيقي لهذه الحرب، لا مجرد مقاتلٍ يُرسل لمساندة إيثان. تحمل بين أضلعك روحاً قادرةً على اغتيال الحكماء، ولا أحد منا يعرف بعد لماذا. لا تسمح لهذا السر أن يجعلك مغروراً أو متهوراً. احمِ نفسك، واحمِ من تعزّهم، وفكّر قبل أن تدفع ثمن قرارك بدمك.»
اقترب كاستروف ووضع يده على رأسي. «اذهب. وتذكّر أن القوة لا تعني أنك لا تسقط، بل أنك تعرف ما الذي يجب أن تنهض من أجله.»
تلاشى الضوء تحت قدميّ، وفي رمشة عين وجدت نفسي فوق جبلٍ صخري يطل على سهلٍ واسع. امتدت تحتي خيام جيشٍ عظيم، تتوزع بينها الرايات والسواتر والخنادق. في الأفق، كان الدخان يصعد من مواضع الحصار، والجنود يتحركون بين المعسكرات استعداداً لمعركةٍ بدت قريبةً أكثر مما توقعت.
لم أضيّع الوقت. نزلت من الجبل مسرعاً، وشققت طريقي نحو المعسكر. ما إن اقتربت من أول صفٍ من الحراس حتى رفعوا أسلحتهم ومنعوني من التقدم. لم يعرفني أحد؛ فقد غبت طويلاً، وتغير شعري وملامحي، ولم أعد الفتى الذي ودّع إيثان قبل رحلته.
«أريد مقابلة إيثان لوكاس!»
تبادل الحراس النظرات. «لا يمكنك دخول الخيمة القيادية هكذا. عرّف بنفسك أولاً.»
«قولوا له إن كالن ريبوستس هنا. سيعرفني.»
بدا عليهم الشك، لكن أحدهم أرسل جندياً إلى داخل المعسكر. انتظرت وأنا أشعر أن كل ثانيةٍ تمر تسحب شيئاً من صبري. كنت قد قطعت طريقاً مستحيلاً كي أصل، ولم أكن مستعداً لأن يوقفني بابٌ من القماش وحفنةٌ من الحراس.
بعد قليل، انفرج الطريق، وظهر إيثان بين الجنود. كان يرتدي درعاً أثقل مما أتذكر، وعلى وجهه آثار السهر، لكن خطوته بقيت ثابتةً كما عهدتها. نظر إليّ أولاً بحذر، ثم اتسعت عيناه حين عرفني.
«كالن؟»
لم أجب. تقدمت نحوه وعانقته بقوة، كأنني أخشى أن يتبدد إذا تأخرت لحظةً أخرى. بقي متجمداً لثانيةٍ من شدة المفاجأة، ثم أحاطني بذراعيه وشدّني إليه.
«أين كنت؟» سألني، وصوته يحمل غضباً وارتياحاً لم يستطع إخفاءهما. «بحثنا عنك، ولم نعرف إن كنت حياً أم ميتاً. لقد ظننت...»
«القصة طويلة.» قلت وأنا أبتعد عنه قليلاً. «لكنني عدت من مملكة التنانين. أعرف ما الذي ينتظركم، وأعرف أن أنوس يقود الشياطين بدعمٍ من قابيل. جئت لأقاتل إلى جانبك.»
تغير وجه إيثان فوراً. نظر إلى الحراس فأمرهم أن يبتعدوا، ثم أشار إليّ أن أتبعه إلى خيمته. هناك، أغلق المدخل وطلب من مساعديه أن يمنحونا بعض الخصوصية. بسط خريطة الحرب على الطاولة، لكنه لم ينظر إليها؛ ظل يراقبني كما لو أنه يحاول التأكد من أنني لست وهماً صنعه الإرهاق.
جلست قبالته ورويت له ما حدث منذ اختفائي: البلورة الحمراء، ونقلي إلى الصحراء الكبرى، والكائن العملاق الذي رأيته في السماء، ولقائي بباول، ومملكة التنانين، وكاستروف، والغرفة التي تدربت فيها حتى استقرت المانا في جسدي. أخبرته أيضاً بما كشفه المستشار عن قابيل، وعن احتمال أن تكون الحرب كلها مرتبطةً بالروح التي أحملها.
استمع إيثان حتى انتهيت، ولم يقاطعني إلا ليتأكد من اسمٍ أو تفصيل. عند ذكر الأجهزة التي تعطل السحر، تصلبت أصابعه فوق حافة الطاولة. وعندما أخبرته أن أنوس مدعومٌ من قابيل، رفع رأسه بحدة.
«هذا يغيّر كل شيء.» قال. «كنا نعرف أن أنوس يملك قوةً غير عادية، لكننا لم نعرف أن قابيل يقف خلفه بهذه الصورة. خطتنا الحالية قد تدفعنا مباشرةً إلى الفخ الذي وصفته.»
«إذن غيّرها.» قلت. «لهذا جئت. لن أذهب إلى مكانٍ آخر بينما تستعد لمواجهة أنوس. سأبقى هنا وأقاتل إلى جانبك.»
نهض إيثان وسار حول الطاولة. «أنت لا تعرف حجم الجيش الذي يقف أمامنا، ولا عدد الذين قد نفقدهم إذا أخطأنا التقدير.»
«أعرف أنني لا أستطيع إنقاذ الجميع. تعلمت ذلك بالطريقة الأسوأ. لكنني لن أتركك تواجه هذا وحدك، ولن أهرب إلى مكانٍ آمن بينما أستطيع أن أكون عوناً لك.»
ظل ينظر إليّ. رأيت في عينيه الصراع بين رغبته في حمايتي وبين معرفته أنني لن أقبل العودة إلى الخلف. أخيراً، زفر ببطء، ثم سحب مقعداً وأشار إليّ أن أجلس.
«حسناً. إن كنت مصمماً على البقاء، فلن أضيّع الوقت في محاولة إقناعك بالرحيل. لكنك ستنفذ الخطة كما نضعها، ولن تندفع وراء غوتيا أو أنوس أو أي عدوٍ لمجرد أنك تراه أمامك. في هذه الحرب، قد تكون أعظم خدمةٍ تقدمها لنا هي ألّا تفعل ما يتوقعه العدو منك.»
أومأت. لم أعد أظن أن القوة وحدها ستكفي، لكنني ما زلت أؤمن بأن العالم لا يمكن أن يتغير إذا اكتفينا بالنجاة داخله. كان عليّ أن أكون قوياً بما يكفي لأواجه من جعلوا الضعفاء فرائس، وحكيماً بما يكفي كي لا أصبح نسخةً أخرى منهم.
أخرج إيثان قطعاً صغيرةً تمثل وحدات الجيش، وبدأ يحركها على الخريطة. شرح مواقع الحراسة، وممرات الإمداد، والطرق التي قد تستخدمها الشياطين لإخفاء أدواتها المضادة للسحر. اقترحتُ أن نترك لهم ممراً يبدو ضعيفاً، ثم نغلقه قبل أن تصل القوة الرئيسية إلى قلب المعسكر؛ بينما تتولى وحدةٌ سريعة البحث عن الآلات وتعطيلها قبل أن تدخل المعركة.
لم يوافق إيثان على الخطة فوراً، لكنه بدأ يختبرها على الخريطة، يعدّل مواضع الوحدات ويطرح أسئلةً دقيقة. لأول مرةٍ منذ وصولي، لم أكن مجرد فتى يريد القتال، بل شخصاً يملك معلوماتٍ قد تنقذ أرواحاً إذا أحسن استخدامها.
في الخارج، كانت أصوات الجنود تتعالى، والحدادون يطرقون الحديد، والرايات السوداء التي تحمل علامات الشياطين تتحرك في الريح البعيدة. لم يبقَ لنا وقتٌ طويل. وبينما كان إيثان يرسم خطة المواجهة، أدركت أن الحرب التي جئت من أجلها لم تبدأ بعد، وأن أول اختبارٍ حقيقي لقوتي لن يكون في مبارزةٍ مع خصمٍ أقوى مني، بل في القدرة على اتخاذ القرار الصحيح حين تكون حياة الآخرين معلقةً به.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!