تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
الثريا التي انطفأت
لم يستمر شعور النجاة طويلاً. بعد أيامٍ من عودتنا، تلقت النقابة تقريرنا عن نبيديا، وطلب سيدها، جورج، أن نقابله في مكتبه. كان رجلاً تجاوز منتصف العمر، كتفاه عريضان، وعلى وجهه ندوبٌ قديمة لا يحاول إخفاءها. ابتسامته دافئة، لكن عينيه تحملان حذراً لا يزول حتى حين يضحك.
استقبلنا كما يستقبل الأب أبناءه بعد رحلةٍ صعبة، وطلب إلينا أن نجلس. أحضر أحد الموظفين الطعام والشراب، بينما بدأ يولي يسرد تفاصيل المعركة، ويبالغ في وصف الضربات التي صدّها. كان نوا يصحح له كل خطأٍ في روايته، فيرد يولي بأن التفاصيل الصغيرة لا تفسد القصة، فتتدخل بيورا لتطلب منهما التوقف قبل أن يتحول التقرير إلى شجار.
ضحك جورج. «من الواضح أنكم بدأتُم تتصرفون كفريقٍ حقيقي.»
نظرت إلى رفاقي. لم يكن هذا تعريفاً دقيقاً، لكنه لم يكن بعيداً عن الحقيقة. صرنا نعرف كيف ينهض كل واحدٍ منّا بعد السقوط، وكيف يخفي خوفه، وأي كلمةٍ تجعله يغضب. لم نعد مجرد خمسة أشخاصٍ يقاتلون في الاتجاه نفسه؛ بدأنا نتعلم كيف نختلف دون أن نفقد ثقتنا ببعضنا.
حين انتهى التقرير، وضع جورج يديه على المكتب وقال إنه يريد دعوتنا إلى حفلٍ يقيمه نبيلٌ يُدعى توم. رفض يولي مباشرةً، وسانده نوا. لم نثق بالنبلاء، فقد سمعنا كيف تُفرض الضرائب على القرى، وكيف يحصل المغامرون على أقل الأجور بينما يذهب معظم المال إلى أصحاب الأختام الرسمية.
لكن جورج أصرّ أن توم مختلف. قال إنه يمول مدارس صغيرة في الأحياء المهمشة، ويشتري المحاصيل من الفلاحين بسعرٍ منصف، ويفتح بعض غرف قصره لتعليم الأطفال. لم يكن رجلاً فقيراً، لكنه لم يعامل الفقر كمرضٍ يجب إخفاؤه عن الأنظار.
«أنتم لا تحتاجون إلى حب النبلاء.» قال جورج. «لكن من الحكمة أن تعرفوا من بينهم من لا يريد أن يلتهمكم. اذهبوا، راقبوا، ثم احكموا بأنفسكم.»
قبلنا الدعوة على مضض. لم أكن أرى سبباً كافياً للذهاب، لكنني لم أرغب في أن أكون الشخص الذي يرفض كل فرصةٍ للتعامل مع الآخرين بسبب جروحٍ قديمة. أردت أن أثبت لنفسي أنني أستطيع أن أعيش دون أن أفتش في كل وجهٍ عن غوتيا جديدة.
قبل الحفل بيوم، زرت إيثان. كان في ساحة التدريب يراجع حركات مجموعةٍ من الفرسان الشبان. انتظر حتى أنهى ملاحظاته، ثم طلب مني أن أمشي معه إلى البوابة.
«سمعت بدعوة توم.»
«جورج يثق به.»
«جورج رجلٌ شريف، لكنه ليس معصوماً.»
«هل تعرف شيئاً عنه؟»
توقف إيثان، ونظر نحو الطريق خارج الأسوار. «لا أعرف ما يكفي لأتهمه. ولهذا أريدك أن تكون حذراً. لا تجعل رغبتك في أن تصدق أن العالم تغيّر تجعلك تنسى كيف يعمل.»
ابتسمت ابتسامةً خفيفة. «أنت تتوقع الخطر في كل مكان.»
«لأنني رأيت ما يحدث حين يظن الناس أنهم تجاوزوا الخطر.»
ثم أمسك بكتفيّ. كان صوته أقل ارتفاعاً حين قال: «لا تترك فريقك وحيداً يا كالن. مهما حدث، لا تتصرف كأنك تستطيع إصلاح كل شيءٍ بمفردك.»
شعرت بوخزةٍ في صدري. لم أكن قد أخبره بما كنت أفكر فيه منذ معركة نبيديا؛ أنني ربما أستطيع أخيراً التوقف عن الهرب من الناس. ومع ذلك، بدا كأنه رأى الشقوق في هذا القرار.
«سأعود معهم.» وعدته.
لم يبتسم. «أتمنى ذلك.»
✦ ✦ ✦
حلّ مساء الحفل. ارتديت أفضل ثيابي، وهي ثيابٌ بسيطة مقارنةً بما يرتديه النبلاء، لكن نظافتها كانت كافيةً لإخفاء تعب السفر والتدريب. عند البوابة، التقيت توكا وبيورا. كان توكا يراجع شيئاً في جيبه كل بضع ثوانٍ، ويمسح كفيه في سرواله ثم يعيدهما إلى مكانهما.
«ما الذي تخفيه؟» سألته.
«لا شيء.»
«أنت تلمس جيبك منذ خمس دقائق.»
احمرّ وجهه. «سأطلب من بيورا أن ترقص معي، هذا كل شيء.»
لم أضحك عليه. كنت أعرف أن الاعتراف بشيءٍ بسيط قد يكون أصعب من مواجهة وحشٍ يريد التهامك. ربتُّ على ذراعه وقلت إن عليه أن يسألها قبل أن يتغير رأيه.
«وماذا إن رفضت؟»
«ستظل بيورا، وستظل أنت توكا. لن ينتهي العالم.»
قالها بصدقٍ لم أتوقعه من نفسي. لعلني كنت أحاول إقناع توكا، ولعلني كنت أحاول إقناع نفسي أيضاً.
انضم إلينا نوا ويولي في الطريق. كان يولي قد ارتدى معطفاً رسمياً ضيقاً عند الكتفين، وأصرّ على أن فأسه جزءٌ من شخصيته ولا يمكن تركه في النزل. حاول نوا إقناعه بأن دخول قصر نبيلٍ حاملاً سلاحاً بحجم طفلٍ صغير فكرةٌ سيئة، لكن يولي ظل يكرر أن الرجل الحقيقي لا يترك سلاحه بعيداً.
«الرجل الحقيقي يستطيع أيضاً أن يتحدث دون أن يهدد كل شخصٍ في الغرفة.» قال نوا.
«سأحاول ألا أجلس فوق أحد.» رد يولي.
ضحكت بيورا، وابتسم توكا رغم ارتباكه. نظرت إليهم وأنا أمشي في وسطهم، وشعرت بشيءٍ هشٍّ ودافئ يتحرك في صدري. لم أكن قد نسيت ليليا. لم أكن قد سامحت العالم. لكنني بدأت أفهم أن الذاكرة لا تمنع الحياة من أن تبدأ من جديد، إلا إذا جعلتها سجناً.
حين اقتربنا من القصر، اقترحت أن نختار اسماً رسمياً لفريقنا في سجل النقابة. كنا قد استخدمنا «الثريا» في الأحاديث فقط، ولم يكن الاسم مثبتاً بعد.
«الثريا؟» كرر يولي، ثم انفجر ضاحكاً. «نبدو كفرقة شعراء لا كمجموعةٍ تطارد الوحوش!»
«إنها مجموعة نجوم.» قلت. «كل واحدٍ منها صغيرٌ وحده، لكن شكلها يتضح حين تُرى معاً.»
صمت نوا لحظةً، ثم أومأ. «منطقية.»
«هل هذه مجاملة؟» سأله يولي.
«لا تفسدها.»
ضحكنا جميعاً. لم نكن نعرف أن الاسم سيصبح بعد ساعاتٍ قليلة أثقل ما أحمله في ذاكرتي.
✦ ✦ ✦
استقبلنا توم عند البوابة بنفسه. كان أنيقاً، في منتصف العمر، يرتدي ثياباً داكنة بسيطة بالنسبة إلى ثروته، ولم يضع على أصابعه خواتم ضخمة كما يفعل بعض النبلاء. صافح كل واحدٍ منّا، وذكر اسمنا بعد أن سمعه مرةً واحدة. لم يتعامل معنا كأننا خدمٌ وصلوا لتقديم عرضٍ ترفيهي.
«سمعت عن معركتكم مع نبيديا.» قال. «شجاعةٌ نادرة. أرجو أن يكون قصرنا استراحةً لا مهمةً أخرى.»
كان صوته هادئاً، وكلماته موزونةً بلا تملق. أرشدنا إلى غرفةٍ فاخرة ريثما تكتمل ترتيبات الحفل، وأمر الخدم بإحضار الطعام والشراب.
قدّم لنا كؤوساً من النبيذ. امتنعت عن الشرب بسبب عمري، واكتفيت بالماء. لم أعطِ الأمر أهميةً في البداية، لكنني لاحظت أن الخدم يراقبوننا من أطراف أعينهم. كلما وضع أحدهم كأساً، كان يتفقد مَن شرب منها، ثم يتراجع بخطواتٍ هادئة.
حاولت أن أقول لنفسي إنني أتوهم. كانت ذاكرتي مليئةً بالوجوه التي ظهرت قبل المآسي، وصرت أحمّل التفاصيل البسيطة معاني لا تستحقها. ومع ذلك، احتفظت بالماء في يدي ولم أتركه بعيداً عني.
كان توكا قد جمع شجاعته أخيراً. حين فتح باب القاعة ودعانا الخادم إلى الحفل، اقترب من بيورا وهمس لها. لم أسمع ما قاله، لكنني رأيت عينيها تتسعان ثم تنخفضان نحو الأرض. مدت يدها إليه، فقادها إلى وسط القاعة.
كانت الموسيقى هادئة، والنبلاء يدورون في أزواجٍ تحت الثريات. طلب توكا منها الرقص بحركاتٍ مترددة، ثم بدأ يتحرك ببطءٍ شديد، كأنه يتوقع أن تتحطم الأرض إن أخطأ خطوةً واحدة. بيورا، التي لم تكن أفضل منه في الرقص، ضحكت حين داس على طرف ثوبها، ثم أخبرته أن يرفع رأسه وينظر إليها لا إلى قدميه.
للمرة الأولى، رأيت توكا يبتسم دون أن يخفي وجهه. بقيت أراقبهما، وأحسست أنني أرى شيئاً عادياً وثميناً في آنٍ واحد: شخصين يحاولان الاقتراب رغم خوفهما من الإحراج.
«أنت تبدو سعيداً.» قال صوتٌ بجانبي.
التفت. كان توم يحمل كأساً، وابتسامته ثابتة.
«أحب رؤية فريقي بخير.» أجبته.
«الفريق الجيد لا يُبنى بالسيوف وحدها. يُبنى حين يعرف أفراده أن هناك ما يستحق العودة إليه.»
بدت الجملة لطيفةً إلى درجةٍ أربكتني. لم أستطع منع نفسي من التفكير في أبي وأمي وليليا، ثم عدت أنظر إلى توكا وبيورا كيلا تغرق ذاكرتي في الماضي.
لفت انتباهي إطار لوحةٍ معلقة على الجدار. كانت تصور امرأةً ريفية تقف في حقلٍ شاحب، خلفها شجرةٌ ملتوية وبيتٌ صغير. لم تكن اللوحة مميزةً في تقنيتها، لكن في زاويتها علامة هلالٍ صغيرة، محفورة بلونٍ داكن على الإطار.
شعرت أن الدم توقف في أطرافي.
رأيت العلامة نفسها على قلادة نبيديا، وعلى الرمز الذي يزين سلاح غوتيا. لم يكن التشابه في الشكل وحده؛ كانت الخطوط الثلاثة الملتفة حول الهلال متطابقة، حتى في موضع الكسر الصغير عند طرفه.
لاحظ توم تغير وجهي. «هل أعجبتك اللوحة؟»
أجبرت نفسي على التنفس. «تذكرني بطفولتي. بالقرية التي عشت فيها مع والديّ.»
«اسم المرأة ليلسوص.» قال، ثم مال برأسه قليلاً. «والرسام قريطوس. عاشا قصةً لا يعرفها كثيرون.»
بدأ يحكي عن امرأةٍ ريفية أحبت رساماً فقيراً. كانا يعيشان بعيداً عن المدن، يبيعان اللوحات ويزرعان الأرض، إلى أن أصاب المرض قريطوس وأقعده. اعتنت به ليلسوص حتى ضعف جسدها، لكنه ظل يرى نفسه عبئاً عليها. في أيامه الأخيرة، جمع ما بقي من قوته ورسمها في حقلٍ تحبه، ثم أهدى إليها اللوحة. بكت حين رأتها، ورتبت خصلات شعره كما كان يفعل لها، ثم مات بين ذراعيها. بعد موته، اختفت ليلسوص ولم يعرف أحدٌ أين ذهبت.
لم تكن القصة طويلة، لكنها تركت طعماً مريراً في فمي. كانت غوتيا تردد اسمي قريطوس بطريقةٍ غريبة، وكانت قلادتها تحمل الرمز ذاته. الآن، صار اسم ليلسوص جزءاً من اللغز. أردت أن أسأل توم كيف عرف القصة، ولماذا يحتفظ باللوحة، لكن شيئاً في نبرة صوته جعلني أؤجل السؤال.
«هل تعرف أين اختفت ليلسوص؟» سألت أخيراً.
ابتسم. «لو كنت أعرف، لما بقيت القصة لغزاً.»
ثم رفع كأسه وتحرك نحو ضيوفٍ آخرين.
بقيت أنظر إلى الهلال. كان ينبغي أن أغادر القصر فوراً. لكن رفاقي كانوا يضحكون، وكانت الموسيقى تعلو، ولم يكن لدي دليلٌ سوى علامةٍ صغيرة وحكايةٍ حزينة. أقنعت نفسي أنني لن أتركهم بسبب شكٍّ لا أستطيع تفسيره.
كان ذلك ثاني أخطائي في تلك الليلة.
✦ ✦ ✦
انتهى الحفل بعد منتصف الليل. ألحّ توم على أن نبيت في القصر، متعللاً ببعد الطريق وبإرهاقنا. وافق يولي، ووافق توكا وبيورا، بينما قال نوا إنه يفضل النوم في نزلٍ يعرفه. لم يكن يريد إهانة المضيف، لكنه لم يثق بالشراب الذي قدمه الخدم، وقد لاحظ أن بعض الحراس يبدلون أماكنهم على نحوٍ غير معتاد.
كنت أريد البقاء مع الفريق، لكن إيثان طلب مني أن أعود إلى القصر قبل الحفل. تخيلت كيف سيوبخني لو عدت إليه متأخراً، فاعتذرت من رفاقي.
«لا تتركوني وحدي في الفطور غداً.» قلت.
«إن لم يكن الفطور سيئاً.» رد يولي.
«وإن كان سيئاً، فسأجبرك على أكله.» قال نوا.
ضحكنا، وتصافحنا. لم أكن أعرف أن تلك ستكون آخر مرةٍ ألمس فيها أيديهم وهم أحياء.
ركضت عائداً إلى مقر إيثان. وبّخني لأنه تأخرت، ثم سأل عن الحفل. أخبرته بما رأيت في اللوحة، فاختفت ابتسامته للحظة. طلب مني أن أصف العلامة بالتفصيل. حين انتهيت، لم يقل إنها تعني شيئاً، لكنه لم يبدُ مطمئناً أيضاً.
«هل بقي رفاقك هناك؟»
«نعم.»
نظر إلى الساعة، ثم إلى النافذة. «كان ينبغي أن يعودوا معك.»
«إنهم مع توم. لن يحدث لهم شيء.»
بقي صامتاً مدةً طويلة، ثم قال: «أتمنى أن تكون محقاً.»
لم أفهم في تلك اللحظة لماذا بدت الجملة كأنها اعتذارٌ مسبق.
✦ ✦ ✦
في صباح اليوم التالي، استيقظت على تغريد العصافير. كان الضوء يدخل من النافذة صافياً، والحياة تبدو هادئةً على نحوٍ يثير السخرية. تناولت الإفطار مع إيثان، ثم توجهت إلى النقابة للقاء فريق الثريا قبل المهمة الجديدة.
انتظرت عند الطاولة التي اعتدنا الجلوس حولها. مرّ نصف ساعة، ثم ساعة. بدأ موظفو النقابة يأتون ويغادرون، وتغير الضوء على الجدار المقابل. لم يظهر يولي، ولم يصل نوا برسالته المعتادة، ولم تأتِ بيورا لتعتذر عن التأخير.
في البداية، شعرت بالضيق. ثم عاد إليّ إحساسٌ قديم، ذلك الفراغ البارد الذي يسبق الكارثة. لم أعد أنتظر. نهضت وركضت نحو قصر توم.
استقبلني عند البوابة، بملابسٍ نظيفة وابتسامةٍ هادئة. أخبرني أن رفاقي غادروا منذ الصباح الباكر، وأنه لا يعرف أين ذهبوا بعد ذلك.
«لماذا لم يأتوا إلى النقابة؟»
«لعلهم قرروا أخذ إجازةٍ قصيرة.»
كانت إجابته سهلةً أكثر من اللازم. تظاهرت بتصديقه، واستدرت نحو البوابة. لكن عند الحافة الداخلية، رأيت شيئاً صغيراً عالقاً في الطين قرب موضع عجلة عربة.
ربطة شعر بيورا.
التقطتها. لم يكن عليها دم، لكن أحد أطرافها ممزقٌ حديثاً. شعرت أن القرط الذي وجدته قرب قناة المدينة يعود إلى يدي من جديد؛ ذلك الإحساس نفسه، كأن الماضي يعيد ترتيب نفسه كي يثبت أنه لم ينتهِ قط.
غادرت القصر، ثم اختبأت فوق شجرةٍ قريبة حتى غابت الشمس. كان عليّ أن أرى ما يحدث حين لا يظن توم أن أحداً يراقبه. أمضيت ساعاتٍ أراقب الحراس والخدم وهم يتحركون بين المباني. في البداية، لم يحدث شيء. ثم خرج رجلان يحملان صندوقاً طويلاً، تبعهما ثالثٌ يدفع عربةً مغطاة.
دخلوا من بابٍ جانبي، واختفوا خلف إحدى اللوحات المعلقة في رواقٍ سفلي. وبعد دقائق، ظهر خادمٌ آخر يقود مجموعةً من الأطفال. كانوا يمشون في صفٍ ضيق، أيديهم مقيدةٌ أمامهم، ووجوههم شاحبة من الخوف. حاول أحدهم أن يلتفت إلى الخلف، فضربه الحارس على كتفه وأجبره على مواصلة السير.
شعرت بيدي تنغلق على غصن الشجرة حتى تشققت قشرته.
انتظرت حتى خفتت الحركة، ثم تسللت نحو الباب الجانبي. كانت قفلاته من النوع الذي يسهل فتحه لمن يعرف موضع الضغط، لكنني احتجت وقتاً أطول لأن يديّ كانتا ترتجفان. خلف الباب، وجدت ممراً حجرياً يقود إلى أسفل القصر. شممت رائحة العفن واللحم القديم، وسمعت صوت ماءٍ يقطر في مكانٍ بعيد.
أشعلت كرةً نارية صغيرة بين كفيّ، وتقدمت.
لم يكن الممر خالياً كما توقعت. كانت الجدران تحمل آثار سحبٍ طويلة، وعلى الأرض بقعٌ بنية جفت منذ زمنٍ قريب. مررت بجانب بابٍ نصف مفتوح، فرأيت أدواتٍ معدنية معلقةً على الحائط، وطاولةً عليها قيودٌ وأقفال. لم أتوقف. كنت أسمع صوتاً في نهاية الممر؛ صوتاً رقيقاً متقطعاً يشبه محاولة شخصٍ أن يصرخ وفمه مغلق.
وصلت إلى قاعةٍ واسعة، ورفعت الكرة النارية إلى السقف.
تمنيت لو لم أفعل.
كانت بيورا معلقةً من معصميها وكاحليها بسلاسلٍ حديدية. وجهها متورم، وأذناها محترقتان، وقد نُزع لسانها، لذلك لم تكن صرخاتها تخرج إلا هواءً مبحوحاً. كان جسدها يرتجف مع كل نفس، وعيناها تبحثان في الفراغ عن شيءٍ لا تستطيع أن تسميه.
لم أتحرك. لم أستطع.
كانت تنظر إلى الجانب الآخر من القاعة. تبعت نظراتها، فوجدت توكا.
كان مثبتاً بين آلتين ضخمتين، كل واحدةٍ منهما تسحب جسده في اتجاهٍ مختلف. درعه غير موجود، وملابسه ممزقة، والدم يتجمع تحت قدميه. كان يحاول إبقاء رأسه مرفوعاً، لكن عضلات رقبته ارتجفت مع كل حركةٍ من الآلة. فوقه، كان مخلوقٌ وحشي ذو منقارٍ مسنن ينهش ما استطاع الوصول إليه، ويتراجع كلما تحركت السلاسل.
كان الجدار المنيع عاجزاً عن حماية نفسه.
تراجعت خطوة، ثم أخرى. لم أعد أسمع أنفاسي. حاولت أن أصرخ، لكن الصوت بقي محبوساً في صدري. ضربت الأرض بقبضتي، ثم أمسكت رأسي بكلتا يديّ حتى شعرت أنني سأقتلع شعري من جذوره. كل ما رأيته عاد في لحظة: أمي قرب المدفأة، أبي وسيفه المحترق، ليليا وهي تطلب الموت، والآن رفاقي الذين وعدتهم أنني لن أتركهم وحدهم.
كان نوا هناك أيضاً.
عُلق على عمودٍ معدني محمرّ من الحرارة، وقد اخترقه قضيبٌ طويل من أسفل صدره. كان يتنفس بصعوبةٍ شديدة، ودموعه تنحدر على وجهه ثم تتبخر قرب المعدن الساخن. حاول رفع رأسه حين رآني.
«كالن...»
اندفعت نحوه، لكنني توقفت حين رأيت عينيه. لم يكن فيهما رجاء النجاة. كان فيهما رجاءٌ آخر، أفظع من الأول.
«أنقذ يولي...» همس، ثم ابتلع ألماً كاد يخنقه. «واقتلني، أرجوك.»
هززت رأسي. «سأخرجكم جميعاً.»
ابتسم ابتسامةً ضعيفة. «لا تكذب عليّ الآن.»
كانت الجملة قصيرةً، لكنها شقتني من الداخل. نظرت إلى القضيب الذي يخترقه، وإلى الجلد المحترق حوله، وعرفت أنني إن حاولت إنزاله فسيموت قبل أن أصل إلى الباب. لم يكن أمامي إلا أن أختار بين أن أتركه يتعذب، أو أن أنهي حياته بيدي.
استللت سيفي. كانت يدي ترتجف حتى اصطدم النصل بالقضيب المعدني.
«آسف.»
«كنت أعرف أنك ستأتي.» قال نوا. «هذا يكفي.»
قضيت على حياته بضربةٍ واحدة. أمسكت رأسه قبل أن يسقط، ووضعته برفقٍ على الأرض. لم أسمح لنفسي بالنظر إليه طويلاً. لو فعلت، لما تحركت من مكاني.
في تلك اللحظة، أضيئت القاعة كلها.
جاءت الأضواء من مصابيحٍ مخفية في الجدران، وكشفت مقاعد مرتبةً في نصف دائرة، كأن المكان مسرحٌ أُعدّ لاستقبال جمهور. كان توم جالساً على كرسيٍ وثير في الجهة المقابلة، واضعاً ساقاً فوق الأخرى، وصفق بيديه ببطء.
«يا له من تلميذٍ نجيب لزعيم السيف! وصلت في الوقت المناسب تماماً.»
لم أستطع الكلام. كنت أنظر إلى بيورا وتوكا ونوا، وأحاول حساب المسافة بيني وبين كل قيدٍ، وبين كل حارسٍ يقف قرب الجدران.
أشار توم إلى القاعة. «ما رأيك في عملي؟ استغرق جمع هؤلاء وقتاً طويلاً. الأطفال سهلون في البداية، ثم يكتشفون أن الصراخ لا يفتح الأبواب. أما المغامرون، فيحتاجون إلى طرقٍ أكثر إبداعاً.»
اندفعت نحوه. خرج الحرس من الظلال، ووقفوا في طريقي. لم يكونوا جنوداً عاديين؛ كانت عيونهم فارغةً، وحركاتهم متزامنةً كما لو أن خيطاً غير مرئي يحركهم. ضربت الأول، ثم الثاني، وقطعت سلاح الثالث قبل أن يصل إليّ. لم أحاول إقناعهم بالاستسلام. كان واضحاً أنهم سُلبوا إرادتهم، وأن التردد لن يفعل سوى إطالة عذاب من خلفهم.
قطعت الطريق إلى توم، ووضعت سيفي على عنقه.
«أوقف الآلات. الآن.»
ابتسم. «أي آلةٍ تريد أن أوقفها؟»
«كلها.»
«وماذا ستفعل بعد ذلك؟»
«سأقتلك.»
ضحك ضحكةً صافية، كأنه سمع نكتةً جيدة. ثم أشار إلى بيورا. «هذه كانت ستصبح تحفتي التالية. أردت أن أرى إلى متى تستطيع الاحتفاظ بنظرتها وهي تعرف أن الرجل الذي تحبه لا يستطيع حمايتها.»
كانت بيورا تحاول النظر إلى توكا، لكن رأسها كان يهبط من شدة الإعياء. لم تكن قادرةً على سماع ما يقوله توم، ومع ذلك بدا أنها فهمت من حركته أنه يتحدث عنها. تحركت شفتاها بلا صوت.
قال توم: «أتعرف ما المضحك؟ أن أمثالكم يؤمنون بالعدالة. تظنون أن امتلاك قوةٍ كافية يعني أنكم ستستخدمونها للخير. لكن العالم لا يسأل إن كنتم أخياراً. العالم يسأل فقط إن كنتم قادرين على فرض إرادتكم.»
نظرت إليه. في تلك اللحظة، لم أرَ نبيلاً فاسداً فقط. رأيت نظاماً كاملاً يتحدث من خلال فمه: المال يشتري الصمت، والسلطة تشتري الجثث، ثم يأتي صاحبها ليشرح أن الأمر مجرد طبيعة العالم.
«أنت لست العالم.» قلت.
«لا. لكنني تعلمت كيف أستخدمه.»
أعطى إشارةً قصيرة. بدأ شيءٌ ضخم يتحرك فوقنا، وسمعت صرير معدنٍ ينزل من السقف. التفتُّ، فرأيت كرةً حديدية معلقةً بسلاسل، وفي داخلها يولي. كانت عينا قائدنا مفتوحتين، لكنه لم يعد يرى شيئاً؛ نزفٌ كثيف غطى وجهه بعدما اقتلعوا عينيه. كان حياً، وقد ربطوا الآلة فوق مرجلٍ واسع يغلي فيه الزيت.
لم يصرخ. لم يطلب المساعدة.
قال توم: «إن أردت إنقاذه، فاقتلنا جميعاً وأنقذه.»
ثم خفّض يده قليلاً، فبدأت الكرة تهبط.
صرخت: «أوقفها!»
لم يتحرك.
كان لديّ جزءٌ من ثانيةٍ لأختار. نظرت إلى الحرس، ثم إلى الآلة، ثم إلى توم. كان بإمكاني قتله أولاً، لكنني لم أكن أعرف إن كان موته سيوقف الآلة. وكان بإمكاني قطع السلاسل، لكنني لن أصل إلى يولي في الوقت المناسب.
سمعت صوته.
«كالن.»
كان يولي يتحدث إلى الفراغ، كأنه يرى وجهاً يعرفه في مكانٍ بعيد.
«أنا أسمعك. شكراً لأنك جئت. شكراً على الأيام التي قضيناها معاً. كنت أظن أن البطولة أن أنقذ الآخرين، ثم اكتشفت أن أجمل ما في الفريق هو أن يعرف أحدٌ أنك خائفٌ ويقف بجانبك رغم ذلك.»
شدّت الآلة السلاسل، فارتجفت الكرة.
«كان توكا يريد شكرك لأنك حميته يوم المعركة. وبيورا كانت ستخبره بما تشعر به لو امتلكت شجاعةً أكثر. ونوا...» ابتسم، رغم الدم الذي غطى وجهه. «نوا كان سيقول لك إنني أتحدث كثيراً.»
«اصمت!» صرخت. «سأخرجك من هناك، وستقول كل هذا بنفسك!»
«إن بقيت حياً، سأقول له كل شيء.»
كان الزيت تحت قدميه يفرقع، وحرارته تصعد إلى وجهه. بدأت أتحرك نحو توم، لكن الحرس أغلقوا الطريق. لم أعد أرى وجوههم. رأيت فقط القفص، والآلة، والوقت الذي ينفد.
«أسلوب السيف، الهيئة الأولى: قاطع الهواء!»
اندفعت. لم تكن الضربة جميلةً، ولا محسوبةً كما كان إيثان يعلمني. كانت طريقاً مفتوحاً عبر أجسادٍ وقفت بيني وبين الهدف. شقّ النصل الهواء، وتطايرت الأسلحة والأجساد، وسقط الحرس واحداً تلو الآخر. وصلت إلى توم، وقطعت عنقه قبل أن يكتمل ضحكه.
تدحرج رأسه على الأرض، وبقيت عيناه مفتوحتين، كأنه ما زال لا يصدق أن أحداً استطاع إنهاء كلامه.
لكن الآلة لم تتوقف.
سمعت جناحين يضربان الهواء. كان المخلوق ذو المنقار يقترب من توكا، وقد بدأ يسحب جسده خارج إطار الآلة. حاولت الوصول إليه، لكن جلده كان أصلب من الفولاذ. ضربته بسيفي، فارتد النصل بشرارةٍ حادة، بينما شقّ مخالبه كتفي وطرحني أرضاً.
لم يكن الألم جديداً. الجديد هو أن يولي كان يقترب من الزيت.
تذكرت درساً حذّرني منه إيثان: أسلوب الشبح، تقنيةٌ محرمة تسمح للنصل بالمرور عبر الفراغات الدقيقة بين الخلايا والذرات، فلا يحتاج إلى اختراق الصلابة بقوةٍ خام. لكنها تتطلب تركيزاً بالغاً، وقد تمزق المانا في جسد مستخدمها إذا أخطأ في توجيهها.
لم يكن لديّ وقتٌ لقياس الثمن.
أغمضت عينيّ، ووضعت قدميّ في وضعيةٍ ثابتة. سمعت صرير المعدن، وصوت الزيت، وأنفاس يولي تتقطع. حاولت أن أرى العالم لا بوصفه جداراً من اللحم والعظم، بل طبقاتٍ صغيرة تفصل بينها مسافاتٌ لا تكاد تُرى.
«أسلوب السيف: الشبح.»
غلف الضباب النصل. انخفضت الأصوات لحظةً واحدة، ثم اندفعت. مرّ السيف خلال جلد الوحش كما لو أنه قطع ظلاً، وانشق الجسد من الكتف إلى الخاصرة. سقط المخلوق نصفين، وتناثر الدم الساخن على الأرض.
لكن النصر جاء متأخراً.
كانت الكرة قد بلغت حافة المرجل. غاص وجه يولي في الزيت المغلي، وانطلقت من حلقه صرخةٌ لم أسمع مثلها في حياتي. قفزت وقطعت السلاسل، ثم سحبته بعيداً عن المرجل. كان وجهه قد تشوه إلى حدٍّ صار معه من الصعب تمييز ملامحه، وجسده يرتجف من الألم.
«لا، لا، لا...» كررت، وأنا أحاول استخدام سحر الماء لتبريد جراحه. لكن جسده لم يعد يحتمل. كان يتنفس على فتراتٍ طويلة، وكل نفسٍ يبدو كأنه يسرق منه بقية الحياة.
«اقتُلني يا كالن.»
«لا.»
«أرجوك.»
«سأعالجك.»
«ليس لديك ما تعالجني به.»
كانت يديّ تتحركان بسرعة، لكن السحر لم يستطع إعادة ما دمره الزيت. حاولت لفّ وجهه بقماشٍ مبلل، ثم نزعته لأن القماش التصق بالجلد. لم أستطع أن أفعل شيئاً سوى البقاء إلى جانبه، بينما يموت ببطءٍ لا يليق حتى بعدوٍّ.
أمسك معصمي. كانت قبضته ضعيفة، لكنها لم ترتخِ.
«اسمعني. لا أريد أن أموت وحيداً. لا أريد أن أرى هذا المكان آخر ما أراه. دعني أذهب مع فريقي.»
رفعت رأسي إلى السقف، كأنني أطلب من العالم أن يوقف نفسه. لم يردّ.
نظر يولي إلى الفراغ. «أراهم الآن. نوا يقف هناك، ويبدو غاضباً لأنني أتحدث كثيراً. توكا يرفع درعه كعادته. وبيورا... ترفض أن تنظر إلى توكا حتى الآن.»
انكسرت ضحكته في سعالٍ مؤلم.
«إن كنت سأموت، فدعني أموت بين يدي صديق.»
نظرت إلى سيفي. كان نصف النصل قد تشقق بعد استخدام أسلوب الشبح. رفعت الجزء المتبقي، ويدي ترتجف بعنف. لم أتذكر أي تعويذة، ولا أي قاعدة، ولا أي نصيحة. تذكرت فقط أن القوة أحياناً تعني أن تفعل ما لا تستطيع احتماله، لا لأنك تريد، بل لأن الخيار الآخر أقسى على من تحب.
«سامحني.» همست.
«لا تعتذر لأنك بقيت معي.»
غرست النصل في قلبه.
توقفت رجفة جسده. بقيت ممسكاً به حتى هدأت أنفاسه تماماً، ثم وضعت رأسه على الأرض. لم أصرخ. لم أبكِ. بدا أن شيئاً في داخلي استنفد قدرته على الانهيار.
جلست بين الدماء والحديد المحترق، محاطاً بأجسادٍ لم يعد لها صوت. لم أشعر بأنني انتصرت حين قتلت توم، ولا حين قطعت الوحش. لم أشعر حتى بأنني خسرت؛ الخسارة كلمةٌ تفترض أن شيئاً يمكن استعادته أو تعويضه.
كان شعري يسقط على عينيّ، فرفعته بيدي المرتجفة. بدت خصلات منه باهتة، ثم لاحظت أن اللون الأسود بدأ يختفي من الأطراف. لم أفهم ما يحدث. لم يكن هناك مرآة، لكنني رأيت انعكاسي في بركة دمٍ قرب قدميّ. كان شعري يتحول إلى الأبيض ببطء، كأن جسدي يحرق لونه كي يمنح الصدمة شكلاً يمكن رؤيته.
وصل صوت إيثان من بعيد.
«كالن!»
لم أجب. خرجت من القبو بخطواتٍ بطيئة. حين رآني، توقف عند الباب كأنه اصطدم بجدارٍ غير مرئي.
«كالن...؟»
«إنه أنا.»
اقترب، ورفع يده نحو شعري ثم أنزلها قبل أن يلمسه. «شعرك...»
«لا يهم.»
أريته القاعة. لم يتكلم. رأيت وجهه يتغير حين عرف نوا ويولي، وحين رأى بيورا وتوكا. لم يعد زعيم السيف أمامي؛ كان رجلاً يرى نتيجة تحذيرٍ لم يستطع منعها.
جمعنا ما بقي من أجساد رفاقي. لم أسمح لأحدٍ أن يسمي ما حدث بطولةً أو تضحيةً نبيلة. كانوا أصدقائي، وكان ينبغي أن يخرجوا من ذلك القصر أحياء. دفنّاهم واحداً تلو الآخر. دفنت درع توكا بجانب قبره، لأن الجسد لم يعد يكفي ليكون شاهداً عليه. وضعت عصا نوا قربه، وفأس يولي عند قدميه، وربطة بيورا على صدرها. لم أكن أعرف إن كانت هذه الأشياء تمنح الموتى شيئاً، لكنها كانت الأشياء الوحيدة التي بقيت لنا كي نقول إنهم عاشوا هنا.
بعد الدفن، أخذت رأس توم إلى النقابة. وضعته أمام جورج دون كلمة. شحب وجه الرجل، وارتجفت شفتاه وهو يعتذر. قال إنه لم يعرف، وإنه وثق به، وإنه أرسلنا إلى القصر لأنه ظن أننا سنكون آمنين.
لم أصرخ في وجهه. لم أضربه. لم أطلب منه أن يعيدهم.
تركت الرأس أمامه، ثم استدرت وغادرت.
في الطريق، كان الناس يمرون بي، يتحدثون عن الأسعار والمهام والطقس. لم يكن أحدٌ يعرف أن فريقاً كاملاً مات في قبوٍ تحت قصرٍ مضاءٍ بالثريات. لم يكن أحدٌ يعرف أنني قتلت صديقين بيدي في يومين مختلفين، وأنني لم أستطع إنقاذهما رغم كل التدريب الذي ظننت أنه سيجعلني قوياً بما يكفي.
لم أعد أريد القوة كي لا أخسر أحداً. ذلك الوعد كان كذبةً لم أستطع الوفاء بها.
أردت القوة لأنني رأيت ما يفعله الضعف حين يقع في يد الطغاة. أردت أن أكون قادراً على إسقاط كل يدٍ تمتد إلى طفلٍ أو قريةٍ أو شخصٍ لا يستطيع الدفاع عن نفسه. أردت أن أوحد العالم، لكنني بدأت أرى أن وحدةً تُفرض بلا قوةٍ ستنهار عند أول طاغية، وأن قوةً لا يضبطها شيءٌ ستخلق طاغيةً جديداً.
لم تكن لديّ إجابةٌ عن كيفية تجنب ذلك. كان لديّ فقط يقينٌ بأنني لن أسمح للعالم أن يبقى كما هو، حتى لو اضطررت إلى تلطيخ يديّ بدماء من يجعلون الحياة مستحيلةً على الآخرين.
ومع ذلك، بقي سؤالٌ يطاردني: من يملك الحق في تحديد من يستحق البقاء في العالم الذي أريد بناءه؟
لم أجد جواباً. وكان أسوأ ما في الأمر أنني بدأت أخشى أن أجد جواباً سهلاً.
تركت العاصمة في الليل، أحمل سيفاً جديداً من إيثان، وشعراً أبيض، وذكريات فريقٍ لم يعد موجوداً إلا في رأسي.
لم ألتفت إلى الوراء.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!