تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
حين انطفأ العالم الأول
السابع من يناير، عام 2024.
كانت السماء تقذف الثلج بلا انقطاع، كأنها تحاول دفن العالم تحت بياضٍ لا نهاية له. تساقطت الندف على النوافذ وعلى أسطح البيوت وعلى الطرقات الخالية، ثم ذابت ببطءٍ فوق أرضٍ لم تعرف الدفء منذ أيام. في بيتنا الصغير، كان البرد يتسلل من شقوق الجدران قبل أن يبلغ الفجر تمامه.
استيقظت أمي قبل الجميع. سمعتها تجرّ قطع الخشب اليابسة نحو المدفأة، ثم تضرب إحداها بالأخرى حتى انشقت بفرقعةٍ حادة. أعقب ذلك سعالٌ خافت، ثم صوت عود الثقاب وهو يحتك بعلبته. بعد محاولتين، اشتعلت النار أخيراً، ضئيلةً مترددة، كأنها هي الأخرى لا ترغب في الاستيقاظ.
«كالن، انهض. ستفوتك الحافلة.»
دفنت رأسي تحت الغطاء.
«سمعتك.»
«إذن انهض.»
«بعد دقيقة.»
لم تجادلني. كانت تعرف أن الدقيقة عندي قد تمتد إلى عشر، وأن عشر دقائق ستتحول إلى شجارٍ صغير ينتهي بخروجي من البيت وأنا ألعن البرد والعالم والحياة التي أجبرتني على الاستيقاظ من أجل يومٍ آخر لا يشبه إلا ما سبقه.
فتحت عيني أخيراً. كان السقف فوقي رمادياً، والجدار المقابل متشققاً عند الزاوية، والنافذة مغطاة بطبقة رقيقة من الجليد. لم يكن في الغرفة ما يستحق التأمل، ومع ذلك بقيت أحدق فيها برهةً طويلة، كأنني أبحث عن ثقبٍ يبتلعني ويتركني بعيداً عن كل شيء.
نهضت، ارتديت ثيابي، ثم جلست قرب المدفأة. مددت كفيّ نحو النار. لم تمنحني إلا حرارةً متقطعة، لكنها كانت كافية لتذكرني بأن جسدي ما زال حياً، حتى وإن لم أجد سبباً مقنعاً للاهتمام بذلك.
قالت أمي وهي تضع الخبز على الطاولة: «كل شيئاً قبل أن تخرج.»
«لا أشعر بالجوع.»
«ستشعر به في الطريق.»
«سأتحمل.»
التفتت إليّ، ولم يكن في عينيها غضبٌ بقدر ما كان فيهما تعبٌ قديم. «أنت لا تتحمل كل شيء يا كالن. أحياناً أنت فقط ترفض أن تطلب المساعدة.»
أشحت بوجهي. لم أكن أحتمل تلك الجمل التي تبدو بسيطةً عند قائلها، ثم تظل تدور في الرأس طوال اليوم كحجرٍ صغير داخل الحذاء.
أكلت لقمتين لإرضائها، حملت حقيبتي، وخرجت.
ابتلعني الشارع البارد. كان الثلج يتساقط على كتفيّ وعلى شعري، والريح تندسّ تحت ياقة معطفي وتعضّ جلدي. وقفت عند المحطة، أدخلت السماعتين في أذنيّ، ورفعت صوت الموسيقى حتى تلاشى احتكاك الأحذية بالثلج وأحاديث الفتية الواقفين حولي.
كانوا يتحدثون عن مباراةٍ شاهدوها، وعن فتاةٍ تبادل أحدهم معها الرسائل، وعن اختبارٍ لم يدرسوا له. ضحكاتٌ قصيرة تتعالى ثم تخبو، وحكاياتٌ لا أذكر منها شيئاً بعد دقائق. كنت أراقبهم من خلف زجاج نظارتي وأشعر بالضيق. لم يكن ما يقولونه غبياً بالضرورة؛ الذي كان يثير اشمئزازي هو سهولة انشغالهم بكل شيء، كأن العالم مكانٌ بسيط يمكن العيش فيه دون أن ينهش المرء نفسه بالأسئلة.
كنت أظن أنني أرى ما لا يرونه، وأن أفكاري أعمق من أفكارهم، وأنني وحدي أدرك هشاشة الحياة. لم أسأل نفسي آنذاك إن كان ذلك تفوقاً حقاً، أم جداراً بنيته حتى لا يقترب مني أحد ويكتشف كم كنت فارغاً من الداخل.
وصلت الحافلة مكتظة. صعدت بين الأكتاف، ووقفت قرب النافذة. كانت الوجوه تتكرر في انعكاس الزجاج: عيونٌ نصف نائمة، أفواهٌ تتثاءب، أصابع تعبث بالهواتف. أدرت وجهي نحو الخارج. مرّت الأشجار المغطاة بالثلج كأشباحٍ صامتة، ومرّت البيوت، ثم الشوارع، ثم كل ما كنت أعرفه. لم يكن في المشهد ما يوقظ فضولي. لم أكن أعرف أن حياتي كانت تقترب من اللحظة الوحيدة التي ستجعلني أتمنى لو أن ذلك الصباح استمر إلى الأبد.
وصلنا إلى الثانوية. أخفيت السماعتين قبل أن يلمحهما أحد، ودخلت الفصل. كانت الفوضى قد بدأت قبل وصول المعلم؛ كراسٍ تُجرّ على الأرض، وأقلامٌ تتدحرج، وأحاديثٌ تتقاطع فوق بعضها حتى تبدو الغرفة كقنّ دجاجٍ غاضب.
جلست في مكاني قرب النافذة، أخرجت دفتري وقلمي، ثم أعدت السماعات إلى أذنيّ حالما أدار المعلم ظهره. كان يشرح درساً لا أذكر موضوعه. كنت أرى فمه يتحرك، وأرى يده ترسم خطوطاً على السبورة، لكن الكلمات كانت تصلني كأنها قادمة من غرفةٍ بعيدة خلف بابٍ سميك.
لم أكن أكره الدراسة بقدر ما كنت أكره فكرة أن أعيش عمراً كاملاً في مسارٍ رسمه الآخرون: أدرس، أحصل على عمل، أتزوج، أنجب، أشيخ، ثم أموت. بدا لي الأمر سلسلةً طويلة من الخطوات التي ينفذها الناس دون أن يسألوا إن كانت تقود إلى أي مكان.
انتهت الحصة. جمعت أغراضي وخرجت مع الحشد. وعند عتبة الباب، وقع بصري عليها.
كانت تعبر الرواق من الجهة المقابلة، تحمل كتابين إلى صدرها. شعرها فاحمٌ ينسدل إلى ما بعد كتفيها بقليل، وقد جمعته عند جانب رأسها بشريطٍ أبيض. خلف نظارتين رقيقتين، كانت عيناها سوداويْن واسعتين، لا لأنهما تحملان سراً خارقاً، بل لأنهما بدتا حاضرتين بكاملهما في اللحظة التي تعيشانها. على عنقها قلادةٌ صغيرة، وفي معصمها سواران يصدران رنيناً خفيفاً حين تحرك يدها.
كانت تضحك مع فتاةٍ تسير إلى جانبها. لم تكن ضحكتها عالية، ولم يكن في مظهرها ما يشبه البطلات اللواتي كنت أراهن في القصص. ومع ذلك، حين التفتت مصادفةً والتقت عيناها بعينيّ، شعرت أن شيئاً في داخلي توقف عن الدوران.
لم يحدث البرق، ولم ينشق السقف، ولم تتباطأ حركة العالم. مرّ طلاب بيننا، اصطدم أحدهم بكتفي واعتذر، وواصل آخر حديثه وهو يلوّح بهاتفه. الحياة لم تتوقف من أجل نظرةٍ واحدة. أنا وحدي الذي توقف.
مرت بجانبي، وبقيت رائحة عطرٍ خفيف في الهواء. لم أعرف اسمها، ولم أعرف إن كانت قد انتبهت إليّ حقاً أم أنها التفتت إلى أي وجهٍ صادف طريقها. لكنني نزعت إحدى السماعتين دون أن أشعر. لأول مرة منذ زمن، أردت أن أسمع الأصوات من حولي، لا أن أهرب منها.
كانت تلك المرة الأولى التي أرتبك فيها من شيءٍ جميل.
عرفت اسمها بعد أشهر: إيطو.
لم أقترب منها مباشرة. راقبتها في الأيام التالية، ثم وبّخت نفسي لأنني صرت أنتظر مرورها في الرواق. حاولت إقناع نفسي بأن الأمر مجرد فضولٍ عابر، لكنني بدأت ألاحظ التفاصيل: أنها ترفع نظارتها من جسر أنفها حين تفكر، وأنها تضحك بصوتٍ مكتوم عندما تحاول ألّا تضحك، وأنها كثيراً ما تحمل كتباً أكثر مما تستطيع ضمّه بذراعيها.
وجدت حسابها الإلكتروني بعد بحثٍ طويل. كتبت رسالةً ثم محوتها. كتبت أخرى أكثر بروداً، فبدت كأنها صادرة من شخصٍ لا يريد الكلام. وفي النهاية أرسلت جملةً بسيطة عن كتابٍ كانت قد نشرته في صفحتها.
أجابتني بعد وقتٍ قصير.
كانت الإجابة عادية، لا تحمل أي إشارةٍ إلى أنني شخصٌ مميز في حياتها. ومع ذلك، قرأتها مراتٍ عدة. ثم بدأنا نتبادل الرسائل. في البداية، تحدثنا عن الكتب والدراسة والموسيقى، ثم امتدت أحاديثنا إلى أشياء لا أشاركها مع أحد. لم أقل لها إنني كنت أحتقر العالم؛ قلت فقط إنني أشعر أحياناً بأنني لا أنتمي إليه. لم أسألها أن تنقذني، لكنني جعلت وجودها تدريجياً المكان الوحيد الذي أستطيع التنفس فيه.
كانت تخبرني عن يومها، عن موقفٍ أضحكها، وعن أمرٍ أزعجها في المدرسة. وكنت أستمع إليها باهتمامٍ لم أمنحه لأحد. عندما تتأخر في الرد، كنت أفتح المحادثة وأغلقها، ثم ألوم نفسي على ذلك. وحين تجيب، يعود شيءٌ من السكينة إلى صدري.
لم تكن تعرف كم حمّلتها من المعنى. كنت أراها فتاةً أحببتها، لكنني كنت أراها أيضاً نافذةً أخيرة إلى حياةٍ ظننت أنها لم تُخلق لي. ذلك خطئي الأول معها: لم أتركها إنسانةً كاملة، لها رغباتها ومخاوفها وحقها في أن تختار، بل بدأت أجعلها جواباً عن أسئلةٍ لم أستطع الإجابة عنها بنفسي.
مرّت أشهر. صار اسمها يضيء هاتفي في أوقاتٍ عشوائية، وصرت أبتسم ثم أخفي ابتسامتي إن مرّ أحدٌ بقربي. لم أكن أعرف إن كانت تحبني أم لا. كنت أخشى أن أسمع الجواب، لكنني كنت أخشى أكثر أن أبقى طوال عمري دون أن أسأل.
قررت أن ألتقي بها. اشتريت زهرةً من النوع الذي ذكرت ذات مرة أنها تحبه، ووضعتها في كيسٍ ورقي حتى لا تذبل من البرد. طوال الطريق إلى الموعد، تدربت على الكلمات في رأسي. كان قلبي يخفق بقوةٍ لا تناسب المسافة القصيرة التي قطعتها. تخيلت أنني سأقول كل شيء، ثم ضحكت من نفسي لأنني لم أستطع حتى أن أقرر أين سأضع يديّ حين أراها.
رأيتها من بعيد.
كانت واقفة قرب جدارٍ منخفض، تتفقد هاتفها. رفعت يدها لتزيح خصلة شعر عن وجهها. خطوت نحوها، ثم لمحت الرجلين اللذين يقفان خلفها.
في البداية ظننتهما عابرين. أحدهما كان ضخماً، يرتدي سترةً داكنة، والآخر أنحف، يضع يديه في جيبيه وينظر حوله بملل. لكنهما تحركا في اللحظة نفسها، وأحاطا بها من الجانبين. انحنى أحدهما نحوها وقال شيئاً لم أسمعه. تراجعت إيطو خطوة، ثم حاولت الابتعاد. أمسك الرجل النحيف بذراعها.
سقطت الزهرة من يدي.
ركضت.
لم أفكر. لم أزن قوتي، ولم أسأل إن كنت أستطيع إنقاذها. لم يبق في رأسي سوى المسافة بيني وبينها. حاولت أن أصرخ باسمها، لكنني لم أكن أعرف ما الذي يمكن أن أقوله في تلك اللحظة. صرخت طالباً منهما أن يتركاها، فالتفت الضخم نحوي وابتسم ابتسامةً صغيرة، ابتسامة شخصٍ وجد لعبةً جديدة.
قال: «ابتعد. هذا لا يعنيك.»
لم أبتعد.
أخرج النحيف شفرةً قصيرة، ولوّح بها أمام وجهي. توقفت لحظة، لا جبناً بل لأن جسدي فهم الخطر قبل عقلي. استغل الضخم ترددي، أمسك شعر إيطو وشد رأسها إلى الخلف. حاولت الإفلات، فصفعها بقوةٍ جعلتها ترتطم بالجدار.
صرخت.
اندفعت نحوه، لكن الرجل النحيف تحرك بسرعةٍ لم أتوقعها وضربني في ضلوعي. انحنى جسدي تلقائياً. تلقيت ضربةً ثانية في فمي، ثم شعرت بطعم الدم على لساني. حاولت الإمساك بذراعه، فركلني في الركبة وأسقطني على الثلج.
سمعت إيطو تبكي. حاولت النهوض، فضربني الضخم بقدمه في صدري. انقطع الهواء من رئتيّ، لكنني تشبثت بساقه وعضضت قماش سرواله حتى أفلته غاضباً.
«أيها الوغد!»
رفع الشفرة نحو وجهي.
لم يكن يريد قتلي. كان يريد أن يجعلني أشاهد عجزها وعجزي. مرر النصل على خد إيطو، ببطءٍ متعمد، فشق جلدها تحت عينها. تجمدت للحظة، ثم أطلقت صرخةً انكسرت في منتصفها. انحدر الدم على خدها، واختلط بدموعها.
شيءٌ داخلي تحطم، لكن جسدي لم ينهض أقوى كما يحدث في القصص. بقيت على الأرض، أرتجف، وأحاول أن أتنفس. قفز الرجلان عليّ، وانهالت الركلات على ظهري وبطني ورأسي. سمعت صوتاً أجشّ يسبّ، وصوتاً آخر يأمره بالتوقف قبل أن يفضحنا. ثم دوّت صفارات الشرطة من بعيد.
تبادلا نظرةً سريعة، وركضا إلى الزقاق الخلفي. حاولت اللحاق بهما، لكن ساقيّ لم تحملاني. تدحرجت على جانبي، ثم زحفت نحو إيطو.
كانت جاثيةً قرب الجدار، تضغط كفها على الجرح. نظرت إليّ، ورغم الألم، مدت يدها نحوي. أمسكتها. كانت أصابعها باردة، ترتجف بقوة.
«كالن...»
كانت تعرف اسمي. في أي يومٍ عادي، كان ذلك كافياً ليجعلني أطير من الفرح. لكنني لم أستطع إلا أن أحدق في الدم المتجمع بين أصابعها.
وصل رجال الشرطة والمسعفون. امتدت أيدٍ نحوي، وسمعت أصواتاً تسألني عن اسمي وعن مكان الألم. حاولت أن أتنفس، لكن الهواء صار بعيداً، كأن صدري يرفض استقبالَه. ابتعدت الوجوه واقتربت، ثم تلاشى كل شيء في ضبابٍ رمادي. لم أعد أسمع سوى نبضٍ ثقيلٍ في أذنيّ، ثم فراغٍ ابتلع ذلك النبض أيضاً. لا أعرف إن كان قلبي توقف في تلك اللحظة، لكنني شعرت أن العالم أفلت من قبضتي.
حينها ظهر أمامي كيانٌ ناصع البياض.
لم يأتِ من بابٍ أو من خلف ضوءٍ ساطع. كان هناك ببساطة، واقفاً في المساحة التي يفترض أن تكون خالية. لم أستطع رؤية ملامحه بوضوح، لكن حضوره جعل أصوات العالم تخفت كأنها غُطيت بقطعة قماش.
ظننته مَلَكَ الموت. لم أكن خائفاً بالقدر الذي توقعت. كنت مرهقاً، وجسدي يؤلمني، وعقلي لا يزال يرى جرح إيطو.
قال الكيان: «هل أنت مستعد لفعل أي شيء من أجلها؟»
لم أسأله من يكون، ولا كيف ظهر، ولا إن كان يستطيع إنقاذها. لم يكن في داخلي إلا جوابٌ واحد.
«نعم.»
«أي شيء؟»
«أي شيء.»
اقترب خطوة. «حتى لو كان الثمن حياتك؟»
نظرت إلى يدي الملطختين بدمها. كان من السهل أن أقول نعم حين لم أكن أفهم معنى السؤال. «خذها. فقط لا تدع ذلك الجرح يبقى على وجهها.»
«تعال معي إذن. لن يبقى له أثر.»
التفتُّ نحو إيطو. كانت المسعفة تضغط على جرحها، ووجهها شاحباً، لكن عينيها كانتا تتحركان بحثاً عني. حاولت أن أقول شيئاً يطمئنها، غير أن الكلمات خرجت همساً.
«اعتني بنفسك جيداً.»
ثم رفعت يدي عن يدها، ونهضت خلف الكيان.
لم أشعر أنني تركت جسداً على الأرض. شعرت فقط بأن شيئاً انقطع، كما ينقطع خيطٌ مشدود منذ زمنٍ طويل. اختفت أصوات الشرطة، ثم الثلج، ثم المدينة. لم يبق شيءٌ سوى امتدادٍ أبيض لا نهائي، لا أرض له ولا سماء.
مشيت خلفه. لم أعرف كم مضى من الوقت؛ لم تكن هناك شمسٌ تتحرك ولا ظلٌّ يمدّ نفسه. لم أعد أشعر بجسدي، لكنني كنت واعياً بكل فكرةٍ تمر في رأسي. وبعد زمنٍ بدا أطول من عمري كله، توقف الكيان.
«اسمي آدم.»
كان صوته هادئاً إلى درجةٍ جعلت كل سؤالٍ يحتشد في صدري يبدو طفولياً.
رفع يده، فانشق البياض أمامي كستارٍ من ماء. ظهرت إيطو في غرفةٍ مضاءة بضوء المساء. كان الجرح قد التأم، ولم يبق تحت عينها إلا أثرٌ رقيق. جلست قرب نافذة، تقرأ رسائل وصلتها من أصدقائها. كانت تبكي أحياناً، ثم تمسح وجهها وتتابع يومها.
رأيتها بعد أسابيع، ثم بعد أشهر. حزنت على ما حدث، وذكرتني في أحاديثٍ قصيرة، ثم بدأت تخرج مع صديقاتها من جديد. عادت إلى الدراسة، وضحكت، وتغيرت بعض تفاصيل حياتها. مرّ الوقت، وتعلمت أن تعيش من دوني، كما يعيش البشر بعد الخسارات التي لا يملكون إلا قبولها.
كان ينبغي أن أشعر بالراحة. لقد شُفي جرحها. لقد نجت.
لكن شيئاً قاسياً انفتح في داخلي وأنا أشاهدها تبتعد عن ذكرى لم تعد تملك من حياتها إلا زاويةً صغيرة. كنت سعيداً لأنها بخير، وغاضباً لأن غيابي لم يحطم عالمها. شعرت بالعار من غضبي، ثم غضبت لأنني شعرت بالعار. كنت أريد منها أن تعيش، لكن جزءاً أنانياً مني أراد أن يكون موتي جرحاً لا يلتئم أبداً.
التفتُّ إلى آدم. «أعدني.»
«إلى أين؟»
«إليها. أستطيع أن أشرح لها. أستطيع أن أكون بجانبها.»
«لقد انتهى طريقك إليها.»
«أنت وعدتني أن تنقذها.»
«وقد فعلت.»
«لم أقل إنني أريد أن أموت من أجل أن تنساني!»
للمرة الأولى، شعرت أن صوته يحمل شيئاً أشبه بالشفقة، وإن كانت شفقةً لا تمنح عزاءً. «لم تسألها ما الذي تريده يا كالن. أنت اتخذت القرار نيابةً عنها، ثم جعلت تضحيّتك عقداً سرياً يربطها بك إلى الأبد. لقد أردت إنقاذها، لكنك أردت أيضاً أن تكون لا غنى عنها.»
صرخت في وجهه، وأنكرت كلامه. حاولت أن أعود، أن أبحث عن بابٍ في ذلك البياض، لكن كل اتجاهٍ كان يشبه الآخر.
قال آدم: «لن تعود إلى حياتك الأولى. لكنك لم تصل إلى نهاية كل شيء.»
نظرت إليه.
«سأمنحك حياةً أخرى. حياةً طويلة إلى حدٍّ لن تستطيع قياسه. لن تموت بسهولة، ولن يُغلق باب وجودك حين تتمنى ذلك. ستبدأ من الصفر في عالمٍ لا تعرفه، عالمٍ لا يكفي فيه أن تكون طيباً، ولا تكفي فيه رغبتك في إنقاذ شخصٍ واحد.»
«لماذا؟»
«لأنك طلبت أن تفعل أي شيء. ولأنك لم تفهم بعد ماذا تعني الكلمة.»
بسط يده، فظهر كتابٌ بلا عنوان، غلافه أبيض، وحوافه داكنة كأن النار مرت عليها ولم تستطع ابتلاعها.
«هل سأتمكن من العودة إلى إيطو؟» سألت.
لم يجب فوراً. «قد تبحث عنها في كل وجهٍ تقابله، وقد تحاول أن تملأ بها الفراغ الذي فيك. لكن لا حياة جديدة ستعيد لك حياةً قديمة. تذكّر ذلك.»
مددت يدي نحو الكتاب. وما إن لامست أصابعي غلافه حتى اندفعت المعرفة إلى رأسي كالماء داخل شقٍّ ضيق. أحسست بلساني يختفي، وبأطرافي تتلاشى، وبشيءٍ ضخم يسحبني إلى الأسفل. حاولت الصراخ، لكن صرختي لم تكن سوى اهتزازٍ في ذلك البياض.
ثم اختفى كل شيء.
✦ ✦ ✦
استقبلني البكاء.
لم أكن أنا من يبكي؛ كان صوتي أنا، لكنني لم أستطع السيطرة عليه. ضوءٌ أصفر يملأ الغرفة، ووجوهٌ تتحرك فوقي، وأيدٍ ترفعني وتلفني بقطعة قماش. حاولت فتح فمي لأقول إنني أفهمهم، إنني لست رضيعاً، إنني أعرف ما يحدث. لم يخرج سوى صراخٍ صغيرٍ خشن.
امرأةٌ شاحبة من أثر الولادة كانت تضمّني إلى صدرها. دموعها تختلط بضحكتها، ويداها ترتجفان وهي تمسح رأسي.
«أخيراً... رُزقنا بولد. سيفرح زيك كثيراً!»
دخل رجلٌ طويل يتصبب عرقاً، تفوح منه رائحة الجلد المدبوغ والحديد والهواء الطلق. كان يحمل سيفاً خشبياً صغيراً، ربما صنعه قبل أن يعرف أن الطفل سيولد في ذلك اليوم. اقترب، نظر إليّ، ثم أطلق ضحكةً قوية ملأت الغرفة.
«أخيراً صرت أباً!» رفعني عالياً بحذرٍ أقل مما ينبغي، فصرخت. «سيحمل اسم عائلتنا!»
أدركت من حديثهما أن الرجل هو زيك ريبوستس، وأن المرأة هي أسترا، وأنني ابنهما. لم أكن أعرف أين جئت، ولا كيف انتقلت روحي إلى جسد طفل، لكنني فهمت أن آدم لم يكن يخدعني حين قال إنني سأبدأ من الصفر.
كان عقلي مليئاً بذكريات حياةٍ كاملة، أما جسدي فلم يكن يطيع أمراً واحداً. أردت أن أحرك يدي، فارتجفت أصابعي عشوائياً. حاولت الجلوس، فلم أستطع رفع رأسي. كان الجوع يأتي على هيئة صراخ، والبرد على هيئة رجفةٍ لا أملك إيقافها. في الأسابيع الأولى، شعرت أنني محبوس داخل جلدٍ لا يخصني، وأن كل ما أعرفه عن نفسي لا قيمة له أمام عضلةٍ لا تستطيع حمل إصبع.
غير أن تلك الحياة لم تكن خالية من الدفء.
كانت أسترا تغني حين ترضعني، بصوتٍ خفيضٍ لا يخلو من النشاز. إذا بكيت ليلاً، حملتني ومشت بي قرب النافذة، تحكي لي قصصاً عن النجوم وعن قريةٍ صغيرة بعيدة عن صخب المملكة. وكان زيك يعود من التدريب أو الصيد بجروحٍ جديدة، فيجلس على طرف السرير حتى تنهره أسترا وتلزمه بغسل يديه قبل الاقتراب مني.
«ستلوثه برائحة الوحوش!» كانت تقول.
فيرفع يديه مستسلماً. «أنا أغسل يديّ.»
«غسلتهما قبل أن تزيل الدم عن ذراعيك؟»
ينظر إلى ذراعه، ثم إليّ، ويضحك. «أظنني ارتكبت خطأً صغيراً.»
لم أكن أعرف معنى الأمان آنذاك. كنت أظن أن الأمان هو غياب الخطر، لكنني بدأت أفهم أنه قد يكون أيضاً وجود شخصٍ يعود في نهاية اليوم، مهما كان متعباً، ليجلس قربك ويطمئن إلى أنك تتنفس.
مرّت الأشهر. تعلمت رفع رأسي، ثم الجلوس، ثم الحبو. كانت أسترا تقرأ لي بصوتٍ مسموع، لا لأنها تتوقع مني الفهم، بل لأنها أرادت أن تسمعني اللغة من حولي قبل أن أستطيع الكلام. حين بلغت الثالثة، كنت قد تمكنت من كلماتٍ بسيطة، وحين بلغت الرابعة، بدأت أراقب تدريب أبي من خلف الباب.
كان زيك مقاتلاً ماهراً، لا يملك رتبةً عظيمة ولا اسماً يتردد في القصور، لكنه كان يعرف كيف يجعل السيف امتداداً لجسده. كان يكرر الحركة نفسها عشرات المرات، حتى حين تتشقق راحة يده. وإذا أخفق، لم يلعن سلاحه؛ بل يراجع موضع قدمه، وطول الخطوة، وزاوية كتفه.
في إحدى المرات، حاولت تقليده بعصاٍ مكسورة. ضربت الهواء بقوةٍ مفرطة، فانزلقت العصا من يدي وارتطمت بقدمي. جلست ألعنها، فاقترب أبي وضحك.
«السيف لا يطيع من يصرخ عليه.»
«كنت أضربه.»
«كنت تضرب الهواء. الهواء لم يؤذك، لكن قدمك دفعت الثمن.»
ثم جثا أمامي، وأمسك العصا ووضعها في يدي من جديد. «القوة ليست أن تضرب بأقصى ما عندك. القوة أن تعرف متى، وأين، ولماذا تضرب.»
لم أفهم عمق الجملة. حفظتها فقط، كما كنت أحفظ كل شيءٍ يخصه.
أما أسترا، فقد علمتني القراءة والكتابة، ثم أخذت تشرح لي مبادئ السحر. كانت في شبابها ساحرةً متمرسة، لكنها تركت الحياة العامة بعد أن رأت ما تفعله السلطة بمن يخالفها. لم تحكِ كل شيءٍ عن ماضيها، ولم أضغط عليها؛ كنت أكتشف تدريجياً أن لكل إنسانٍ باباً يغلقه حين تقترب الذاكرة من جرحٍ قديم.
في الخامسة، استطعت تحريك قطرة ماءٍ بين أصابعي. وفي السابعة، أشعلت شمعةً من دون عود ثقاب. لم يكن الأمر معجزةً بالنسبة إلى أمي، لكنها ابتسمت بفخرٍ نادر، بينما حدق أبي في اللهب الصغير كأنه يراقب تنيناً خرج من إبريق.
«إذن سأحتاج إلى سيفٍ أكبر لك.»
«أحتاج إلى أن تتوقف عن صنع السيوف لطفل!» صاحت أمي.
«إنه طفلٌ يتعلم السحر.»
«وهذا تحديداً سبب حاجته إلى أن يبقى طفلاً!»
كانا يتجادلان من أجلي، ويتصالحان أمامي، ويتركان في البيت أثراً من الدفء لم أعرف أنني كنت أفتقده حتى وجدته. ومع ذلك، لم يختفِ الماضي. كانت إيطو تظهر في ذاكرتي على فتراتٍ متباعدة، غالباً حين أسمع ضحكةً بعيدة أو أرى شريطاً أبيض على شعر فتاة. كنت أتذكرها، ثم أعود إلى الحاضر. لم أكن قد نسيتها، لكنني بدأت أتعلم أن الذاكرة لا تحتاج دائماً إلى أن تتحول إلى قيد.
حين بلغت العاشرة، صنعت لي أسترا سيفاً خشبياً صغيراً، وصنع أبي غمده. تشاجرا بشأن طوله، ثم سلّماني إياه في المساء كأنهما اتفقا على هديةٍ عظيمة.
«لا تستخدمه على أحدٍ أصغر منك.» قال أبي.
«ولا على أحدٍ أكبر منك.» أضافت أمي.
«وماذا أفعل به إذن؟»
«تتعلم.»
ضحكت يومها. ضحكةً حقيقية، غير محسوبة، خرجت مني قبل أن أتذكر أنني كنت رجلاً آخر في حياةٍ أخرى.
لم أعرف أن تلك ستكون من آخر الأيام التي أضحك فيها بلا خوف.
✦ ✦ ✦
في ذلك الخريف، زارنا رفيق سلاحٍ قديم لزيك. كان رجلاً قليل الكلام، يضع يده على مقبض خنجره كلما سمع صوتاً خارج البيت. دخل أبي معه إلى الغرفة الخلفية، وأغلق الباب. لم يكن في نيتي التجسس، لكن الكلمات التي تسللت من الشقوق جعلتني أتوقف.
تحدثا عن ملكٍ ضعيف، وعن نبلاء يبتلعون ضرائب القرى ثم يرسلون الجنود لتحصيل المزيد. وعن مملكة الوحوش في الغرب، التي ترفع شعارات السلام بينما تسحق الضعفاء في المناطق التي تسيطر عليها. وعن الشياطين الذين صاروا يظهرون في مناطق لم يقتربوا منها منذ أجيال، بينما يتجول ملكهم في الأرض بحثاً عن تسليةٍ لا يعرف أحدٌ متى تتحول إلى مجزرة. أما ملك التنانين، برادتين، حامي التوازن بين الممالك، فقد اختفى من غير أثر. ومع غيابه، بدأ الحلف القديم يتصدع.
قال الضيف: «حين يغيب من يردعهم، يختبر كل طاغية حدود طمعه.»
أجابه أبي: «والذين يدفعون الثمن هم أولئك الذين لا يملكون حتى سيفاً.»
لم أسمع بقية الحديث. ابتعدت عن الباب وعقلي يشتعل. كنت أعرف من كتب أمي أن العالم ينقسم إلى خمس قوى كبرى: مملكة البشر، وغابات الإلف، وأراضي الوحوش في الغرب، وجزيرة الشياطين، ومملكة التنانين العائمة فوق السحاب. كانت المانا تسري في العالم كله، لكنها لم توزع القوة بالعدل. ويقال إن قادة الشياطين الأقوى حُبسوا في بلوراتٍ موزعةٍ في أرجاء الأرض، بعدما ختمهم ملك التنانين برادتين في آخر حروبه كي يحدّ من قوة ملك الشياطين. كان ذلك يفترض أن يحفظ التوازن لأجيال، لكن البلورات لم تمنع الطمع ولا الخيانة، ولم تمنع القادة الصغار من تعلم التنظيم والحرب. بعض السلالات ولدت قادرة على سحق قرى كاملة، وبعضها لم تمتلك سوى أيديها لتدافع بها عن نفسها.
كان أنصاف الوحوش، مثل كثيرين من أهل المناطق النائية، يعيشون في أسفل السلم الاجتماعي. يصفهم النبلاء بأنهم أقل شأناً، ويعاملهم بعض البشر كعبءٍ لا يستحق الحماية. ولم تكن العنصرية وحدها ما يفسد العالم؛ كان الفساد يتغذى على الطمع، وعلى الخوف، وعلى صمت الذين يستطيعون إيقافه ثم يختارون النجاة بأنفسهم.
وقفت قرب النافذة، أنظر إلى حقولنا الفقيرة، إلى البيوت المتباعدة، وإلى الأطفال الذين يركضون خلف كرةٍ ممزقة. شعرت بغضبٍ هائل تجاه نظامٍ يسمح لأقوى الناس أن يقرروا قيمة الآخرين.
«سأغير هذا العالم.» همست لنفسي.
لم يكن لديّ جيش، ولا اسمٌ يفتح الأبواب، ولا فهمٌ حقيقي للسياسة أو الحرب. كنت في العاشرة، وقد تعلمت بضعة تعاويذ وأمسك سيفاً خشبياً. ومع ذلك، قلت في داخلي إنني سأوحد الممالك، وأكسر النظام الذي يجعل القوي سيداً والضعيف فريسة.
لم تكن تلك الفكرة حكمةً ناضجة. كانت وعداً من طفلٍ لم يرَ بعد الثمن الذي يطلبه العالم ممن يحاول تغييره. لكنني احتفظت بها، لأنها منحت غضبي اتجاهاً.
بعد ذلك، انكببت على كتب أمي. كنت أتدرب على السحر صباحاً، وعلى السيف مع أبي مساءً. لم يكن تقدمي خارقاً كما تخيلت، بل كان مليئاً بالفشل: تعاويذ تنطفئ قبل اكتمالها، وماءٌ يتبعثر حول يدي، وضرباتٌ يعترضها أبي بحركةٍ واحدة. كلما حاولت تعويض إخفاقي بالقوة، أوقفني.
«لا تستخدم المانا لتخفي خطأك في الحركة.»
«لكنها تجعل الضربة أقوى.»
«وتجعل خطأك أغلى ثمناً.»
كنت أكره أن يكون محقاً. كنت أريد اختصار الطريق، أن أصبح قوياً بالسرعة نفسها التي يكبر بها غضبي. لم أفهم أن القوة التي لا تستند إلى ضبط النفس ليست سوى طريقةٍ أسرع لإيذاء من يقف في الطريق.
في نهاية كل أسبوع، كنت أزور قريةً مجاورة لأدرب الأطفال على أساسيات المبارزة. كنت أعلّمهم كيف يقفون وكيف يمسكون العصا، وأصرّ على أن يتراجعوا حين يفقدون توازنهم. كانت من بينهم طفلةٌ تُدعى ليليا، صغيرة الجسد، حادة العينين، وعنيدة إلى درجة أنها كانت تعيد الضربة نفسها حتى بعد أن تتورم أصابعها.
«إذا كررتِ الخطأ عشر مرات، فلن يصبح صحيحاً في المرة الحادية عشرة.» قلت لها ذات يوم.
مسحت العرق عن جبينها وأجابت: «إذن سأكرره اثنتي عشرة مرة.»
ضحك الأطفال، حتى أنا ضحكت. لم أكن أعلم أن وجهها سيبقى لاحقاً في ذاكرتي كآخر ضوءٍ رأيته قبل أن يتحول العالم إلى مقبرة.
✦ ✦ ✦
وصلت إلى القرية في ذلك السبت فوجدت الصمت ينتظرني.
كان الغبار يتصاعد من الطريق، والريح تحرك أبواباً خشبية غير مغلقة. لم أسمع أصوات الأطفال ولا نباح الكلاب، ولم أرَ الدخان يتصاعد من المداخن. توقفت عند المدخل، ووضعت يدي على مقبض سيفي. كان الصمت أوسع من القرية، كأنه يمتد خلف البيوت حتى يبتلع الغابة.
ناديت: «ليليا؟»
لم يجبني أحد.
تقدمت ببطء. رأيت سلةً مقلوبة قرب بئر، ووعاءً مهشماً أمام أحد البيوت، وآثار عجلاتٍ عميقة تقطع الوحل نحو الأشجار. كانت هناك بقع داكنة على الأرض، لكن الثلج المتبقي والوحل أخفيا طبيعتها. انحنيت ولمست إحداها. كانت لزجة.
سمعت خشخشةً خلف كوخٍ صغير. استدرت ورفعت سيفي.
«من هناك؟»
ظهر طرف يدٍ مرتجفة من فتحةٍ تحت لوحٍ مكسور. أسرعت إلى المكان، فوجدت ليليا متكوّمة داخل مخبأٍ ضيق، وقد لطخت الأتربة وجهها. كانت عيناها متسعتين، وشفتاها ترتجفان من البرد والخوف.
«كالن...»
لم تقل شيئاً آخر. ارتمت نحوي، وأمسكت بمعطفي بكلتا يديها. أحطتها بذراعي، وشعرت بأنها ترتجف بقوةٍ جعلت أسنانها تصطك.
«أين الجميع؟»
حاولت الكلام، لكنها اختنقت بالبكاء. انتظرت حتى استطاعت أن تلتقط أنفاسها.
«جاءوا في الليل. رجالٌ من الوحوش... ومعهم نبلاء بشر. كانوا يعرفون البيوت التي يدخلونها. قتلوا من قاوم، وربطوا البقية، ثم أخذوهم إلى الغابة. حاولت أمي إخفائي، لكنها...» توقفت، وضغطت على فمها بيدها. «سمعت صراخها. لم أخرج.»
شعرت بشيءٍ باردٍ ينساب من معدتي إلى أطرافي. أردت أن أقول لها إنها فعلت الصواب، وأنها لم تكن تستطيع إنقاذ أمها وحدها، لكن الكلمات لم تخرج. كان عقلي يفتش عن حلٍّ سريع، عن تعويذةٍ تعيد الناس، عن بابٍ أفتحه فأجد القرية كما كانت. لم يكن هناك شيءٌ من ذلك.
ثم انشق الهواء فوقنا.
جاء صوت الحديد أولاً، صرير سلسلةٍ تُسحب فوق الحجارة، ثم ارتطم منجلٌ مقوس بالجدار خلف رأسي. دفعته بسيفي في اللحظة الأخيرة، فتطايرت شراراتٌ سوداء. سقطت ليليا أرضاً وصرخت.
انطلقت ضحكةٌ من بين الأشجار، ضحكة امرأةٍ لم يعد في عقلها مكانٌ للرحمة.
«قيرطوس ليلصوص... أرادا بعضهما، لكن القدر أبى! قيرطوس ليلصوص...»
خرجت من الظلال وهي تسحب سلسلتها وراءها. كانت ترتدي ثوباً أبيض بسيطاً، ملطخاً بالوحل عند الحافة، لكن رأسها كان رأس ماعزٍ ذا قرنين ملتويين يخرجان من فروٍ قاتم. ضبابٌ أسود ينساب من القرنين، ويتلاشى قبل أن يلمس الأرض. كانت عيناها بشريتين تقريباً، وهذا ما جعل مظهرها أكثر سوءاً؛ ففيهما وعيٌ واضح، لا جنونٌ أعمى وحسب. عرفتها من وصفٍ قرأته في أحد كتب أمي: غوتيا، قائدة طائفة الغول، التي تجمع حولها الوحوش والمنبوذين وتحوّل خوفهم إلى سلاحٍ في يدها.
«أنت زيك ريبوستس؟» سألت.
وقفت أمام ليليا، ورفعت سيفي. «لا.»
مال رأسها قليلاً. «أنت تكذب. عيناك تشبهان عينيه.»
«لا أعرف عمن تتحدث.»
اختفت من مكاني قبل أن أنهي الجملة.
اصطدم منجلها بسيفي، فاهتزت ذراعاي حتى شعرت أن كتفيّ سينخلعان. دفعت السلاح عنها وتراجعت خطوة. لم تمنحني فرصةً لالتقاط أنفاسي؛ سحبت السلسلة، واستدار المنجل في الهواء، ثم هبط من زاويةٍ لم أتوقعها. صدّيته بصعوبة، لكن الضربة الثانية اخترقت دفاعي وأطاحت بي نحو شجرة.
ارتطم ظهري بالجذع، وانفجر الألم في صدري. تكسّر سيفي الخشبي، ثم أدركت أنني لم أعد أحمله أصلاً؛ كانت يدي فارغة، والنصل مكسوراً عند قدمي.
مدّت المرأة أصابعها، فاندفعت ريحٌ حادة عبر بطني. شعرت بحرارةٍ مفاجئة، ثم ببرودةٍ غريبة تنتشر حولها. نظرت إلى أسفل، فرأيت ثيابي تتمزق والدم يبللها. لم أستطع فهم ما أراه. سقطت على ركبتيّ، وضغطت يدي على الجرح، لكن الدم تسلل بين أصابعي.
كانت ليليا تصرخ باسمي. حاولت أن أجيبها، إلا أن صوتي لم يتجاوز حشرجةً ضعيفة.
قالت المرأة وهي تقترب: «إذن أنت ابن زيك. سأجد أباك من خلالك إن اضطررت إلى فتح عظامك قطعةً قطعة.»
حاولت رفع رأسي. «لماذا؟»
«لأن الماضي لا يموت حين تدفنه.»
ثم ضربتني حتى انطفأ العالم.
✦ ✦ ✦
استيقظت على ألمٍ لا أستطيع وصفه. كانت الأشجار تدور فوقي، والسماء بين الأغصان رمادية. وضعت يدي على بطني. لم يكن الجرح موجوداً. بقيت ثيابي ممزقة ومشبعة بالدم، لكن الجلد تحته كان سليماً، باستثناء ارتعاشٍ خفيف في العضلات.
حاولت الوقوف، فسقطت على يديّ. كان رأسي يطنّ، وجسدي ضعيفاً كأنه نجا من الموت على مضض. تذكرت أنني لم أمت في حياتي الأولى إلا بعدما وافقت على صفقة آدم. هل كان ذلك هو الخلود الذي وعدني به؟ أم أنني ما زلت في مكانٍ بين الحياة والموت؟
صرخت: «ليليا!»
لم تأتِ إجابة.
وجدتها بعد دقائق، مختبئة خلف جذعٍ مائل. كانت حية. أمسكت بيدي وهي تبكي، وسألتني كيف عاد جرحي إلى الاختفاء. لم أملك جواباً. لم أخبرها أنني قد أكون عاجزاً عن الموت؛ لم أكن أفهم الأمر بما يكفي لأضعه في كلمات.
حملتها، وسرت بها نحو القرية. على الطريق، بدأت الرائحة تسبق المشهد. كانت الأجساد معلقة من الأغصان، بعضها مربوطٌ من الرسغين وبعضها من العنق. تحركت الذبابات فوق الوجوه، وتمايلت الأحذية الفارغة مع الريح. لم تكن الجثث مجرد وسيلةٍ لقتل الناس؛ كانت رسالةً إلى من يجيء بعدهم، رسالةً تقول إن من فعل هذا يملك الوقت والقدرة على جعل الموت عرضاً.
تعثرت قدمي بشيءٍ صغير. نظرت إلى الأرض، فرأيت رأس طفلٍ من المتدربين الذين كنت أعلّمهم. عيناه مفتوحتان، وفيهما رعبٌ لم يختفِ حتى بعد أن توقف القلب.
أدرت وجهي وتقيأت. لم يتوقف جسدي عن التقيؤ إلا حين لم يبق في معدتي شيء. انحنيت على ركبتيّ، ألهث، بينما بقيت ليليا خلفي صامتةً تماماً.
حين رفعت رأسي، عرفت ما عليّ فعله. كانت غوتيا تبحث عن أبي. إن تأخرت، فقد تصل إليه قبلي.
ركضت.
كنت أسقط في الوحل، وأقوم، وأركض من جديد. تعثرت أكثر من مرة، لكنني لم أتوقف. كلما رأيت البيت في ذهني، زادت سرعتي. حين وصلت، وجدت الباب مفتوحاً. كان الكرسي الذي تجلس عليه أمي قرب النافذة مقلوباً، وقطعة قماشها ملقاة على الأرض.
كانت أمي ممددة قرب المدفأة. اخترق المنجل عينها وخرج من مؤخرة رأسها. لم يعد في وجهها ذلك التعب الحنون الذي اعتدت رؤيته حين أرفض الطعام أو أتأخر في العودة. كان وجهها ساكناً إلى درجةٍ بدت معها كأنها تنتظر أن أنهي واجباً مدرسياً ثم أجلس معها إلى المائدة.
في الغرفة الخلفية، وجدت أبي. كان جسده متفحماً حتى تعذّر عليّ تمييز ملامحه. لم أتعرف إليه إلا من خلال خاتمٍ معدني كان يرتديه في يده اليسرى، ومن خلال السيف الذي بقي إلى جواره، وقد اسودّ مقبضه من النار.
على الجدار، كُتبت جملةٌ بدمه: «غوتيا مرت من هنا».
لم أصرخ في البداية. بقيت أحدق في الكلمات، وأقرأها مرةً بعد مرة، كأنني إذا وجدت خطأً فيها فسوف يتغير كل شيء. ثم نظرت إلى أمي، ثم إلى السيف، ثم إلى يديّ. لم تتحرك أيٌّ منها لتعيدهما.
انهرت.
ضحكت أولاً، ضحكةً قصيرة لا تشبهني، ثم انفجرت في بكاءٍ لا يخرج منه صوت. حاولت تمزيق الجملة من الجدار بأظافري، فتهشمت أطرافها ونزفت أصابعي. ضربت رأسي بالحائط حتى تشوش بصري، ثم قبضت على سيف أبي ووجهته إلى صدري.
كان الألم سريعاً. لم تكن الراحة كذلك.
استيقظت بعده على الأرض، وجسدي يلتئم كما لو أن الموت لم يقبلني. تحدّيت اللعنة مرةً ثانية، ثم ثالثة. في كل مرةٍ كنت أظن أنني سأبلغ النهاية، وفي كل مرةٍ كنت أعود إلى الوعي، أشعر بأثر الجرح يتراجع، وبجسدي يفرض عليّ الحياة من جديد.
لم يكن الخلود نعمةً. لم يكن درعاً. كان باباً يُغلق في وجهي كلما طلبت الخروج.
وضعت السيف جانباً أخيراً، وجلست في وسط الغرفة، والدماء تجف على ثيابي. لم أعد أبكي. لم أعد أملك ما يكفي من نفسي لأبكي.
وجدت ليليا عند الباب، تحدق بي كما لو أنها لا تعرفني. خطت نحوي بحذر، ثم أمسكت بطرف معطفي.
«كالن... ماذا سنفعل؟»
نظرت إليها. كانت آخر إنسانة أعرف أنها ما زالت تتنفس في هذا البيت، وآخر شيءٍ بقي من العالم الذي أحببته هنا.
«سنغادر.»
دفنت أمي وأبي قرب الشجرة التي كان أبي يتدرب عندها. حفرت القبرين بيديّ حتى تقشرت راحتيّ، ثم استخدمت سحر الماء لألين التراب وأغلق الحفر. وضعت سيف أبي فوق قبره للحظة، ثم أخذته؛ لم أستطع تركه هناك. جمعت بعض الثياب، وعباءة الصيد المهترئة، وكتاباً من كتب أمي، ثم حملت ليليا وانطلقت نحو العاصمة.
لم أبكِ عند المغادرة. كنت قد أقسمت ألا أنسى، وخلطت بين الوفاء للميت وبين إبقاء الجرح مفتوحاً. ظننت أنني إن تركت لنفسي لحظةً من الراحة، فسوف أخونهم.
لم يكن ذلك وفاءً. كان أول قيدٍ صنعته بيدي.
✦ ✦ ✦
سرنا خمسة أيام. كنا نختبئ ليلاً، ونصطاد ما نستطيع، وتعدّ ليليا الطعام حين نتمكن من إشعال النار. كانت تحاول الحديث أحياناً، تسألني عن طعامي المفضل أو عن المكان الذي أحببت زيارته وأنا صغير. كنت أجيب بكلمةٍ أو كلمتين، ثم أعود إلى صمتي.
في اليوم الثالث، سألتني: «هل سنعود إلى بيتنا؟»
كنت أنظر إلى الطريق أمامنا حين أجبت: «ليس لدينا بيتٌ نعود إليه.»
«إذن أين سنعيش؟»
«في المدينة.»
«وماذا سنفعل هناك؟»
«سأجد عملاً.»
«وماذا إذا لم تجد؟»
لم أجب. كانت أسئلتها بسيطة، لكن كل سؤالٍ منها يفتح فجوةً في الخطة التي اخترعتها كي أواصل المشي. كنت أريد أن أكون قوياً بما يكفي لحماية الجميع، ومع ذلك لم أستطع أن أضمن لطفلةٍ صغيرة وجبة الغد.
وصلنا إلى بوابات العاصمة الملكية في صباحٍ غائم. كانت المدينة تضج بالتجار والعربات والجنود والمغامرين. عطورٌ باهظة تختلط برائحة الخيول، وصياح الباعة يتصادم مع قرقعة عجلات العربات. خلف الأسوار، ارتفعت أبراج القصر فوق أسطح البيوت، كأنها تراقب كل من يدخل وتذكّره بمكانه في ترتيب المملكة.
استوقفنا حارسٌ عند البوابة. نظر إلى ثيابي الممزقة وإلى وجه ليليا المتعب.
«اسمك؟ وماذا يفعل طفلان وحدهما هنا؟»
«كالن ريبوستس. التهم الموت والديّ، وأنا أبحث عن عملٍ وطعام.»
لم يكن كذباً كاملاً، لكنه لم يكن الحقيقة أيضاً. اخترعت قريةً بعيدة اسمها أوغموس، وقلت إننا فقدنا أهلنا في هجومٍ للوحوش. رقّ الحارس لحالنا، وسمح لنا بالدخول، ثم دلّنا على نزلٍ رخيص في حيٍّ قريب من السوق.
في الطريق، مدت ليليا يدها بقلادةٍ وقرطٍ ذهبيين. «تركتهما لي أمي قبل أن تموت. يمكن أن نبيعهما ونشتري طعاماً.»
أغلقت أصابعها حولهما وأعدتهما إليها. «احتفظي بهما.»
«لكننا نحتاج إلى المال.»
«سنجد طريقةً أخرى.»
لم أكن متأكداً من ذلك. كنت فقط أعرف أن أخذ آخر ما تركته لها أمها سيجعلني أشبه أولئك الذين يسلبون الضعفاء ثم يبررون فعلتهم بالحاجة.
استأجرنا غرفةً صغيرة لأسبوع. كان فراشها قاسياً، والنافذة تطل على زقاقٍ ضيق، لكن ليليا نامت تلك الليلة وهي تضم القلادة إلى صدرها. بقيت مستيقظاً أستمع إلى ضوضاء المدينة. لأول مرةٍ منذ موت والديّ، شعرت أنني مسؤولٌ عن حياةٍ أخرى، لا عن نفسي فقط.
في الصباح، أمرتها أن تبقى في الغرفة حتى أعود. تركت لها كتاباً من كتب أمي وبعض الخبز، ثم خرجت أبحث عن عمل. رفضني أصحاب المتاجر لأنني صغير، ورفضني أصحاب الورش لأنني لا أملك توصية، وسخر مني رجلٌ عند الإسطبل قائلاً إنني لا أستطيع حتى رفع كيس علف.
عدت عند الظهيرة بيدين فارغتين. رأيت ليليا جالسةً قرب النافذة، تحاول قراءة صفحةٍ من الكتاب بصوتٍ منخفض. أخفيت خيبتي كي لا تخاف.
«وجدت شيئاً؟»
«غداً سأبحث في مكانٍ آخر.»
أومأت، لكنها لم تسأل أكثر. كانت تعرف أنني أكذب حين أقول إن الأمور ستتحسن غداً.
في الأيام التالية، ذهبت إلى الغابة وتدربت حتى غابت الشمس. كنت أضرب الأشجار بالسيف وأعيد الحركة حتى تتورم يداي. وفي الليل، حين لم يعد لدينا ما يكفي من الطعام، بدأت أسرق الخبز والتفاح من السوق. في البداية، كنت أتوقف قبل كل سرقة، أشعر بأن شيئاً من مبادئي يتشقق. ثم تعلمت أن الجوع لا يحترم الخطابات الأخلاقية، وأن طفلةً تنتظر في غرفةٍ باردة لا تستطيع العيش على كبريائي.
كنت أقول لنفسي إنني سأعيد ما أخذته حين أصبح قوياً. لم أكن أعرف أن التبريرات الصغيرة هي التي تجعل الخطأ سهلاً في المرة التالية.
في اليوم الخامس من تدريبي، لاحظت فارساً يراقبني من بين الأشجار. كان يرتدي درعاً خفيفاً يحمل شارة الفرسان الملكيين، ووقفته مستقيمة حتى وهو مستندٌ إلى جذع شجرة. لم يحاول إخفاء نفسه؛ كان يريد أن أعرف أنه هناك.
رفعت سيفي. «هل تريد شيئاً؟»
ابتسم. «أريد أن أعرف لماذا يتدرب فتى بوجهٍ غاضب كأنه يستعد لقتل العالم كله.»
«هل تريد مبارزتي أم الحديث؟»
«أيمكنني اختيار الاثنين؟»
لم أجب، فخلع قفازه ورمى عصاً خشبية نحوي. التقطتها بصعوبة. تبادلنا ضربتين، ثم ثلاثاً. صدّ هجماتي بسهولةٍ مهينة، لكنه لم يضربني بقوةٍ تكسر عظامي؛ كان يختبر قدميّ ونفَسي وطريقة ردّي حين أخفق.
في أقل من دقيقة، أسقط سلاحي من يدي.
«إيثان لوكاس.» قال وهو يعيد إليّ العصا. «نائب قائد الفرسان الملكيين، ويطلق عليّ بعض الناس لقب زعيم السيف.»
كنت قد سمعت عن بركة السيوف: قوةٌ نادرة تظهر في إنسانٍ واحد في كل ألف عام، أو حين توشك البشرية على السقوط. يتوارثها المختارون، لا بالدم، بل بقدرةٍ لا يفهمها أحد تماماً. كان إيثان الوريث الثامن لتلك البركة، بعد سبعة مقاتلين غيّروا تاريخ الحروب.
ذكر أسماءهم بإيجاز، لا باعتباره يستعرض أمجادهم، بل كما يذكر المرء أسماء أمواتٍ يعرف ثقل ما تركوه: ألاريك فانس، مؤسس اتحاد البشر؛ سايلس غريفز، الذي قاد هجمات الليل ضد الوحوش؛ روينا كروس، النسل القرمزي وقائدة الحرب الثانية؛ دريفن هولو، الذي ضحى بنفسه لإغلاق بوابة الغزو؛ لوسيان بلاكوود، الذي أعاد تنظيم المقاومة من بين المدن المحترقة؛ جدعون ثورن، حامل السيف العملاق الذي أوقف كبار الشياطين؛ ثم كاستور فاين، النسل السابع، الذي وحّد البشرية تحت رايةٍ واحدة قبل اختفائه أو موته الغامض. بعده انتقلت البركة إلى إيثان.
قال وهو يمسح الطين عن قفازه: «الناس يحبون الأساطير لأنها تجعل النصر يبدو حتمياً. لكنهم لا يرون ما خسره أصحاب تلك الأسماء كي ينتصروا.»
لم أكن مهتماً بسيرته بقدر اهتمامي بما يستطيع تعليمه لي. أخبرته عن ليليا، وعن حاجتي إلى شخصٍ يكفلها أو يضمن لها مأوى آمناً. استمع إليّ دون أن يقاطعني، ثم قال إنه سيبحث عن حل، وإنه يستطيع تدريبي كل يومٍ في الغابة.
«لماذا تساعدني؟» سألته.
تأملني طويلاً قبل أن يجيب. «لأنني رأيتك تقاتل وأنت جائع ومتعب، ومع ذلك لا تتوقف حتى تسقط. هذه ليست بالضرورة فضيلة؛ قد تكون طريقةً لإهلاك نفسك. لكنك تحاول حماية شخصٍ آخر. أريد أن أعرف أي الأمرين أقوى داخلك.»
لم أعرف ماذا أقول. وافقت على التدريب.
لم تكن أيامنا الأولى سهلة. كان إيثان يوقفني كلما اندفعت وراء ضربةٍ قوية، ويجبرني على إعادة الوقفة الأساسية. وإذا حاولت استخدام السحر لإخفاء خطأٍ في المبارزة، ألقى عصاه جانباً وقال إنني أفسد الوقت على نفسي.
«أريد أن أصبح قوياً بسرعة.»
«لماذا؟»
«كي لا أخسر أحداً بعد الآن.»
«هذا ليس جواباً. القوة لا تمنحك سلطةً على كل ما يحدث.»
«إذن ما فائدتها؟»
اقترب مني، وأمسك طرف سيفي الخشبي. «أن تجعل الخيارات المتاحة لك أكثر. أن تمنع بعض الكوارث. أن تقف حين كان عليك أن تهرب، وأن تعرف متى يكون الانسحاب هو الطريقة الوحيدة لتعود وتقاتل غداً. لكنها لن تعيد الأموات.»
كرهت الجملة أكثر من أي ضربةٍ وجهها إليّ. ومع ذلك، بقيت عالقةً في رأسي.
✦ ✦ ✦
عدت إلى النزل في إحدى الليالي فوجدت الباب مفتوحاً.
ناديت ليليا، فلم تجب. كانت الكتب مبعثرةً على الأرض، والخبز الذي تركته لها لم يُمس. شعرت بالهواء ينسحب من صدري. ركضت إلى صاحبة النزل وسألتها إن كانت قد رأت الطفلة.
«خرجت تبحث عنك قبل قليل. قالت إنك تأخرت.»
تجمدت. كنت قد أمرتها ألا تبرح الغرفة مهما حدث.
«لماذا لم تمنعيها؟»
«هل أغلقت عليها الباب؟ أنا صاحبة نزل، لا سجّانة أطفال!»
اندفعت إلى الشوارع. كانت المدينة قد بدأت تغرق في الليل. سألت التجار، وفتشت الأزقة، وركضت إلى الغابة القريبة، ثم عدت إلى الأحياء الفقيرة. هناك، صارت الطرق أضيق، والجدران أكثر تعفناً، والناس يختفون خلف الأبواب قبل أن أتمكن من سؤالهم.
وجدت قرط ليليا قرب قناةٍ مغطاة بالأوساخ.
جثوت والتقطته. كان الذهب مخدوشاً، وقد تعلق به خيطٌ صغير من القماش. لم يكن هناك دم، لكنني عرفت أنني تأخرت.
اقترب رجلٌ من الظل وقال بصوتٍ خفيض: «إن كنت تبحث عن طفلةٍ بشريطٍ بني، فقد أخذها رجال سيفلوك.»
«من هو؟»
لم يجب عن السؤال مباشرة. نظر إلى القرط في يدي ثم أشاح بوجهه. «يخطف الأطفال. لا يعود الذين يدخلون وكره.»
أشار إلى مبنىً مهجور في نهاية الزقاق. كان بابه الخشبي معوجاً، ونوافذه مسدودة بالألواح. اقتحمته دون أن أنتظر، وسيفي في يدي. لم يكن في الداخل أحد. رائحة العفن والموت كثيفة، لكن الأرض خالية من آثار الدم؛ المكان نظيفٌ على نحوٍ يثير الشك أكثر مما يطمئن.
فتشت الغرف، ورفعت الصناديق، وطرقت الجدران. خلف إحدى الخزائن، وجدت ألواحاً خشبية تختلف في لونها عن بقية الأرض. حطمتها بمقبض السيف، فانكشف درجٌ ضيق يقود إلى الأسفل.
كل خطوةٍ نحو القبو كانت تجعل الهواء أثقل. سمعْت قطرات ماءٍ تسقط في مكانٍ بعيد، ثم صوتاً يشبه جرّ سلسلةٍ فوق الحجر. عند نهاية الدرج، رأيت ممراً ضيقاً يتفرع إلى عدة غرف. كانت هناك آثار أظافر على الجدران، وأسماء أطفالٍ محفورة بخطوطٍ مرتجفة، وبعض الأساور الصغيرة المرمية فوق الطين.
أمسكت سيفي بكلتا يديّ.
«ليليا!»
جاءني صوت بكاءٍ ضعيف من خلف بابٍ حديدي.
اندفعت نحوه وفتحته بالقوة. في الداخل، رأيت أطفالاً محبوسين في أقفاصٍ حديدية، بعضهم يختبئ في الزوايا وبعضهم لا يملك القوة حتى لرفع رأسه. وكانت ليليا في آخر الغرفة، مربوطةً إلى إطارٍ معدني، ووجهها مبللٌ بالدموع. رفعت رأسها حين رأتني، لكنها لم تنادني. كانت عيناها تطلبان شيئاً لم أستطع منحه فوراً: نهاية هذا الألم.
وقبل أن أصل إليها، انفتح بابٌ خلفي.
وقف رجلٌ طويل نحيل، يرتدي مئزراً جلدياً تتناثر عليه بقعٌ داكنة. كان وجهه حليقاً، وعيناه صغيرتين لامعتين، وابتسامته هادئة على نحوٍ غير طبيعي. حمل في يده أداةً معدنية تشبه الملقط، وعلى حزامه مفاتيحٌ كثيرة.
«تأخرت يا فتى.»
«أطلق سراحهم.»
ضحك بخفة. «أنت تظن أنك دخلت إلى هنا لتنقذهم. لكنك لا تعرف حتى ما الذي تراه.»
كان هو سيفلوك.
اندفعت نحوه. تجنب ضربتي بسهولة، وضرب معصمي بأداةٍ معدنية جعلت أصابعي تنفتح. دار خلفي وركل ركبتي، فسقطت. لم يكن قوياً مثل غوتيا، لكنه كان يعرف كيف يستغل ضيق المكان ويجعل كل حركةٍ ضدي.
سمعت ليليا تصرخ، ثم صوتاً رطباً مقيتاً يصدر من جهة القفص. التفتُّ للحظة، فرأيت جسدها يرتجف وهي تحاول مقاومة شيءٍ يتحرك تحت جلدها. لم تكن جراحاً عادية؛ خطوطٌ سوداء بدأت تمتد من بطنها إلى صدرها، كأن عروقاً غريبة تحاول شق طريقها داخل جسدها.
صرخت باسمها واندفعت مجدداً.
أصابني سيفلوك بقبضةٍ في فمي، ثم دفعني إلى الأرض. «لقد دمجت خلاياها مع سلالةٍ من وحوش البرية. تحوّلها بدأ بالفعل. بعد قليل، لن تتذكر اسمك.»
«أوقفه!»
«لم يعد هناك ما يمكن إيقافه.»
وصلت إلى ليليا أخيراً. حاولت قطع القيود، لكن المعدن كان مشبعاً بالسحر، وكلما مررت المانا على القفل، اندفعت شرارةٌ سوداء تؤلم أصابعي. كانت ليليا تبكي، وتكتم صرخاتها حين تتشنج عضلاتها.
«كالن... أرجوك...»
«سأخرجك من هنا.»
«لا أعرف ماذا يحدث لي.»
«سأجد طريقة.»
كنت أقول ذلك لأنني لم أستطع قول الحقيقة: لم أكن أملك طريقةً واحدة.
سيفلوك ضحك خلفي. «أنت لا تنقذ أحداً. أنت تجمع الأشياء التي تخاف فقدانها، ثم تشاهدها تتحول إلى ما لا تستطيع احتماله.»
استدرت نحوه واندفعت بكامل قوتي. هذه المرة أصبت كتفه، ثم دفعت سيفي إلى صدره. سقط على الأرض، لكنني لم أتوقف. ضربته مرةً أخرى، ثم ثالثة، حتى سكت صوته. كان ينبغي أن أشعر بالانتصار. لم أشعر إلا برغبةٍ في تمزيق كل شيءٍ حولي.
لكن جسد ليليا كان يتغير بسرعة.
تشنج ظهرها، وانشق القماش عند كتفيها مع بروز عظمين طويلين. امتدت أجنحةٌ غشائية من ظهرها، وبدأ فكها يتسع على نحوٍ غير بشري. كانت تحاول إخفاء وجهها عني، كأنها تعتذر عن شيءٍ لا تملك السيطرة عليه.
«اقتِلني...» همست.
هززت رأسي بعنف. «لا.»
«كالن، أرجوك. لا أريد أن أؤذي أحداً.»
«سأعيدك إلى طبيعتك.»
«أنت لا تستطيع.»
لم تقلها بقسوة. قالتها كما يقول شخصٌ الحقيقةَ التي حاولنا تأجيلها طويلاً.
ظهر التحول في عينيها؛ تراجعت إنسانيتها وراء طبقةٍ من الغريزة، ثم اندفعت نحوي. رفعت سيفي لأصدها دون أن أجرحها. كانت قوتها أكبر من جسدها الصغير، تضربني بمخالبها وتلقي بي على الجدران. صرخت باسمها، ذكّرتها بالأيام التي تدربنا فيها، وبعنادها حين كررت الضربة اثنتي عشرة مرة، وبالقرط الذي احتفظت به رغم الجوع.
للحظةٍ قصيرة، توقف الوحش.
تراجعت ملامحها، وعادت عيناها البشريتان إلى الظهور. وضعت يدها على كتفي، وانحنت نحوي كما كانت تفعل حين تتعب من التدريب.
«أنا خائفة.»
تجمدت يدي على مقبض السيف.
«أعرف.»
«لا تدعني أتحول إلى شيءٍ يؤذي الآخرين.»
ثم عاد الوحش.
لم يعد في عينيها ما يدل على أنها تتذكرني. هجمت من جديد، وكانت أظافرها على وشك اختراق حلقي. أغمضت عيني، لا لأهرب من المشهد، بل لأمنع نفسي من التراجع في اللحظة الأخيرة. استعدت الوقفة التي علمني أبي إياها، وسمعت صوته في رأسي: القوة أن تعرف متى، وأين، ولماذا تضرب.
فتحت عينيّ.
ضربةٌ واحدة.
انتهى كل شيءٍ بسرعةٍ لا تتناسب مع الألم الذي سبقها. سقط جسد ليليا، وبقيت للحظةٍ أبحث في وجهها عن علامةٍ تدل على أنني اتخذت القرار الصحيح. لم أجد سوى السكون.
وضعت رأسها بين ركبتيّ، وضممتها كما ضممتها حين وجدتها في مخبئها. كانت دموعي تسقط على شعرها، ولم أحاول إيقافها. أخذت قرطها وسلسلتها، ثم أغلقت عينيها بيدي.
لم أتركها في ذلك القبو. أحرقت المكان بكل ما فيه من أقفاصٍ وأدواتٍ وكتبٍ وسجلات. تصاعد الدخان من الشقوق، وسمعت الخشب ينهار فوق الجثث. لم أحاول معرفة عدد الأطفال الذين كان سيفلوك قد أخذهم؛ كنت أخشى أن أجد رقماً يجعلني أفهم أن ما حدث لم يكن حادثةً نادرة، بل عملاً منظماً يستمر لأن أحداً لا يوقفه.
عدت إلى النزل قبل الفجر. جلست على الأرض، وسيفي أمامي، والقرط والقلادة في قبضتي. فكرت في الانتحار، ثم تذكرت أن الموت لم يعد باباً أستطيع فتحه. ضحكت دون صوت.
قلت في الظلام: «إذا كان العالم يسمح بهذا، فسأجعل العالم يخاف مني.»
لم يكن ذلك عدلاً. كان غضباً يبحث عن اسمٍ يختبئ خلفه.
✦ ✦ ✦
جاء إيثان بعد منتصف الليل. تسلق النافذة ودخل الغرفة بخفةٍ غير مناسبة لرجلٍ يرتدي درعاً، ثم وقف عند الباب حين رأى ما بقي مني. لم يسأل لماذا لم آتِ إلى التدريب. لم يسأل أين ليليا. نظر إلى الدم على ثيابي، وإلى السيف الذي لم أضعه بعيداً، ثم أغلق النافذة خلفه.
«كالن؟»
حاولت أن أجيب، لكنني لم أستطع. قبضت على رأسي، وغرست أظافري في فروة شعري. كنت أخشى أن أتكلم لأن الكلمات إذا خرجت ستجعل ما حدث حقيقياً.
جلس إيثان على الأرض أمامي. لم يقترب فوراً. انتظر حتى رفعت رأسي، ثم سألني بهدوء: «أين ليليا؟»
انهار ما بقي من صمتي.
رويت له كل شيءٍ متقطعاً: النزل، القرط، القبو، سيفلوك، التحول، والضربة الأخيرة. كنت أكرر أنني حاولت، وأنني لم أجد طريقةً أخرى، كأنني أريد منه أن يصدر حكماً يبرئني. لكنه لم يقاطعني، ولم يقل إنني فعلت الصواب، ولم يحاول تغليف الحقيقة بكلماتٍ مريحة.
حين انتهيت، مدت يداي إلى وجهي. «كل من يقترب مني يموت. لا أريد أحداً بعد الآن. أنا طاعونٌ يمشي على قدمين. إن بقيت وحدي، فلن أخسر أحداً آخر.»
تحرك إيثان أخيراً، وجذبني إلى صدره المدرع. كان الدرع بارداً وصلباً، لكن يده التي استقرت خلف رأسي كانت ثابتة.
«ابكِ.»
حاولت دفعه. «قلت لك لا تقترب!»
«سمعتك.»
«إذن اتركني!»
«لا.»
كان صوته خشناً، لكنه لم يرتفع. قاومت للحظات، ثم انهارت قوتي فجأة. بكيت حتى آلمتني حنجرتي، وضربت صدره بقبضتي، واتهمته بأنه لا يفهم، وبأن كل ما سيقوله لن يعيدها. بقي ممسكاً بي، لا يحاول إسكاتي ولا تحويل حزني إلى درس.
حين هدأت أخيراً، قال: «لن أقول لك إنك ستنسى. ولن أقول لك إن الأيام ستصلح كل شيء. بعض الأشياء لا تُصلح. لكنها لا تملك حق اختيار كل ما ستفعله بعدها.»
ابتعدت عنه قليلاً. «كيف تريدني أن أعيش بعد هذا؟»
«لأنك ما زلت حياً، حتى لو كان الخلود قد جعل ذلك عقوبةً لا هدية. ولأن ليليا لم تطلب منك أن تحوّل موتها إلى سببٍ لقتل كل من يقف في طريقك. لقد طلبت منك أن تمنع عنها الأذى حين لم يعد هناك ما ينقذها.»
«ماذا تعرف أنت؟»
لم يبدُ غاضباً. «أعرف أنني لو تركتك تخرج الآن، فستذهب بحثاً عن أي شخصٍ تستطيع قتله، وستسمي ذلك انتقاماً. ثم ستجد شخصاً آخر، ثم آخر. سيصبح العالم كله عدواً لأنك لا تريد أن تعترف بأنك عاجز عن إعادة الذين فقدتهم.»
أردت أن أضربه. لم أفعل.
قال: «تعال لتعيش معي. لا لأنني أستطيع محو ما حدث، بل لأنك تحتاج إلى أن تتعلم كيف تستخدم قوتك قبل أن تستخدمها لتدمير كل شيءٍ حولك. سأدربك حتى تستطيع حماية من تختار حمايتهم. لكنني لن أعدك بأنك ستنقذ الجميع.»
نظرت إلى القرط في يدي. كانت فيه خدشةٌ صغيرة قرب الحافة. لم يعد يلمع كما كان.
«لا أريد أن أفقد أحداً آخر.»
أجاب إيثان: «إذن تعلّم كيف تحميهم. ولا تخلط بين الحماية وبين امتلاك العالم.»
لم أوافقه. لم أكن مستعداً لذلك. لكنني نهضت، وحملت سيف أبي، ومضيت معه.
✦ ✦ ✦
عشت في مقر إيثان سنواتٍ من التدريب القاسي. لم تكن السنوات سلسلةً من الانتصارات؛ كانت سلسلةً من الهزائم الصغيرة التي اضطررت إلى قبولها كي أتجاوزها. كنت أتمرن حتى تعجز أصابعي عن إغلاق قبضتها، ثم يعيدني إيثان إلى أساسيات الوقفة. كنت أطلق تعويذةً ناريةً فتلتهم جزءاً أكبر من المطلوب، فيجبرني على تكرارها حتى أستطيع إبقاء اللهب داخل دائرةٍ صغيرة. وحين أجمع النار بالماء في محاولةٍ لخلق أسلوبٍ جديد، كان يجعلني أشرح سبب كل حركة قبل أن يسمح لي بتجربتها.
تعلمت أن المانا ليست وقوداً بلا نهاية. إنها استجابةٌ للإرادة، لكنها تتأثر بالجسد والتنفس والخوف. إذا دفعت بها إلى ما يتجاوز قدرتك، فقد تمنحك ضربةً أخيرة، لكنها ستأخذ منك السيطرة بعدها. كان عليّ أن أتعلم كيف أقاتل وأنا غاضب من دون أن أجعل الغضب يقرر عني.
لم ينجح الأمر دائماً.
في إحدى المرات، ضربت مجسماً خشبياً حتى تحطم إلى قطعٍ صغيرة. لم يكن التدريب يطلب ذلك؛ كان يطلب مني أن أصيب نقطةً محددة على صدر المجسم. نظر إيثان إلى الحطام ثم إليّ.
«هل أنجزت المهمة؟»
«حطمت الهدف.»
«لم تصب العلامة.»
«النتيجة واحدة.»
«لا. لو كان أمامك شخصٌ تريد حمايته، فستصيب أنت أيضاً ما لا تريد إصابته.»
أمسك إحدى القطع المكسورة ورماها إليّ. «أعده.»
استغرق الأمر يومين كي أعيد تشكيل المجسم، وأسبوعاً حتى أصبحت أستطيع إصابة العلامة من دون تحطيم ما حولها. لم يمدحني إيثان حين نجحت؛ قال فقط إننا نستطيع الانتقال إلى المرحلة التالية. كان ذلك أحياناً أقسى من التوبيخ، لكنه جعلني أفهم أن المهارة ليست لحظةً بطولية، بل قدرةٌ على تكرار القرار الصحيح حين لا يراك أحد.
كانت إميليا، خادمة القصر والمسؤولة عن تدريب المانا، أقل صبراً من إيثان بطريقةٍ مختلفة. لم تكن ترفع صوتها، لكنها كانت تلاحظ أصغر اضطرابٍ في سحري.
«أنت تتعامل مع المانا كأنها عدوٌّ يجب إخضاعه.» قالت ذات مرة. «لهذا كل تعويذةٍ عندك تبدو مستعدةً للانفجار.»
«أريدها أن تطيعني.»
«هي تطيعك أكثر حين تفهمها.»
جعلتني أجلس ساعاتٍ أراقب قطرة ماءٍ فوق راحتي، ثم أطلب منها أن تتحرك ببطءٍ من دون أن أرفع يدي. كنت أظن التمرين سخيفاً، حتى اكتشفت أنني أستطيع دفع الماء إلى جانبٍ واحد، ثم تكويره، ثم تغيير اتجاهه من دون فقدان توازنه. ومع الوقت، صرت أدمج الماء والنار مع حركة السيف، وأغلف النصل بطبقةٍ من المانا تجعل الضربة امتداداً لذراعي لا مجرد قوةٍ إضافية.
حين بلغت الخامسة عشرة، سجّلت اسمي في نقابة المغامرين. منحوني الرتبة D، ونظر الموظف إلى قامتي ثم إلى السيف على ظهري وكأنه يتوقع أن أعود باكياً قبل نهاية الأسبوع. لم أجادله. أخذت أول مهمةٍ بسيطة، ثم الثانية، ثم الثالثة. كنت أنفذ المهام منفرداً، أراقب الوحوش، وأدرس نقاط ضعفها، وأعود بتقاريرٍ قصيرة لا تعجب المشرفين لكنها كانت دقيقة.
ارتفعت رتبتي بالتدريج. لم يكن كل نصرٍ نظيفاً. في إحدى المهام، أخطأت تقدير قوة وحشٍ مدرع فحطم ذراعي، واضطررت إلى الزحف حتى اختبأت في شقٍ صخري. عاد جسدي ليلتئم ببطء، لكن الألم بقي حقيقياً. تعلمت أن خلودي لا يمنحني الحق في الاستهتار؛ إنه يسمح لي بالنجاة من بعض الأخطاء، لكنه لا يمنعني من دفع ثمنها.
وبحلول السابعة عشرة، بلغت الرتبة A. كان ذلك إنجازاً نادراً لشخصٍ في عمري، لكن النقابة بدأت تضغط عليّ للانضمام إلى فريق. رفضت مراراً. كنت لا أزال أرى ليليا في كل طفلٍ يتأخر عن العودة، وأسمع صوت أمي كلما أغلقت باباً خلفي. كنت أخشى أن يصبح وجودي سبباً في موت أشخاصٍ آخرين.
حاول إيثان إقناعي بأن العمل ضمن فريقٍ لا يعني أنني أحمل مصائر الجميع على كتفيّ، لكنني لم أقتنع. أخذت وقتاً أطول في التدريب، وقللت احتكاكي بالآخرين، حتى شعرت أن عزلتي بدأت تتحول من وسيلةٍ للحماية إلى مكانٍ أختبئ فيه من أي مسؤوليةٍ جديدة.
في صباحٍ بارد، وقفت أمام مرآة غرفتي. كان وجهي أكثر نضجاً، وعلى ذراعي ندوبٌ صغيرة من التدريب، لكن عينيّ بقيتا كما هما: متحفزتين للبحث عن خطرٍ لم يصل بعد.
قلت لنفسي: «إن كنت أريد تغيير العالم، فلا يمكنني أن أقضي حياتي مختبئاً منه.»
لم تكن تلك الجملة كافيةً لكسر خوفي، لكنها دفعتني إلى النقابة في اليوم التالي.
بحثت عن فريقٍ يحتاج إلى مهاجمٍ أساسي، ووجدت مجموعةً فقدت مقاتلها في مهمةٍ سابقة. كان قائدهم يولي، عريض الكتفين، يحمل فأساً ضخماً ويضحك بصوتٍ عالٍ حتى حين يتحدث عن المخاطر. أما توكا فكان جدارهم الدفاعي، مقاتلاً هادئاً يحمل درعاً فولاذياً يمكنه تمديده إلى قبةٍ تحمي رفاقه. وكانت بيورا معالجتهم، فتاةً خجولة ذات سحر شفاءٍ دقيق، ورفعت عينيها عن الأرض مرةً واحدة حين صافحتني. في تلك النظرة القصيرة، لمحت إعجابها بتوكا، ثم عادت لتخفيه خلف خصلات شعرها.
أما نوا، فكان أصغرهم جسداً وأهدأهم كلاماً. لم يمتلك سحراً هجومياً، لكنه كان قادراً على بث المانا في أجساد رفاقه ليرفع سرعة استجابتهم وقدرتهم على التحمل. كان يراقب المعركة كمن يقرأ رقعة شطرنج، ولا يتكلم إلا حين يعرف ما الذي ينبغي فعله.
«نحتاج إلى شخصٍ يملأ مكان مهاجمنا السابق.» قال يولي. «لكننا لا نحتاج إلى بطلٍ يظن أنه يستطيع فعل كل شيءٍ وحده.»
نظرت إلى نوا، الذي أومأ موافقاً، ثم إلى توكا وبيورا. كان بإمكاني أن أرفض وأغادر. بدلاً من ذلك، قلت: «لن أعدكم بأنني سأنقذكم من كل خطر. أستطيع أن أعدكم بأنني لن أخفي عنكم ما قد يقتلنا.»
لم يضحك يولي هذه المرة. مدّ يده نحوي. «هذا يكفي كبداية.»
قبلوني عضواً خامساً. وحين سألوني عن اسم الفريق، اقترحت «الثريا». انفجروا ضاحكين من شاعرية الاسم، حتى بيورا وضعت يدها على فمها لتكتم ابتسامتها. لكنهم وافقوا في النهاية، وصار للفريق اسمٌ نكتبه على تقاريرنا وننادي به بعضنا.
كانت تلك المرة الأولى منذ سنواتٍ أسمح فيها لنفسي أن أكون جزءاً من شيءٍ لا يعتمد على قوتي وحدها.
لم أكن أعرف أنني سأندم على ذلك، أو أنني سأتمسك بذكراه كما يتمسك الغريق بقطعة خشب.
✦ ✦ ✦
كانت مهمتنا الأولى مداهمة وكرٍ لمجموعةٍ من شياطين الدنيا، مخلوقاتٍ ضعيفة نسبياً تتجمع لتنهب القرى الحدودية. لكن التقارير التي جمعناها من القرى المجاورة كشفت أن الهجمات كانت منظمةً على نحوٍ غير مألوف. الشياطين عادةً تندفع بلا خطةٍ إذا لم يكن بينها قائدٌ قوي. أما هذه المجموعة، فقد اختارت طرقاً بديلة، وهاجمت مخازن الطعام أولاً، ثم قطعت طرق النجدة.
قرب حدود الصحراء الكبرى، نصبنا معسكراً صغيراً. تناوبنا الحراسة ليلاً، وكان يولي يروي نكاتاً سيئة كلما تسلّم نوبته، بينما يطلب منه نوا أن يصمت لأنه يوقظ الغابة. توكا كان يتحقق من أوتاد الخيمة مرتين، وبيورا تعدّ الضمادات وتعيد ترتيبها حتى تستقر في مكانها. رأيت هذه التفاصيل الصغيرة، ووجدت نفسي أتذكر البيت الذي فقدته.
لم أسمح للذكرى بالظهور على وجهي.
في اليوم التالي، تتبعنا الآثار عبر الغابة. رسم نوا خطةً: أتقدم أنا وهو إلى الخط الأول، ويتولى يولي وتوكا فتح ممرٍ للانسحاب، بينما تبقى بيورا في نقطةٍ آمنة ضمن مدى سحرها. لم تعجبني فكرة تركها بعيداً، لكنها أصرت على أن وجودها في الخلف يمنحنا فرصةً أفضل للنجاة.
«إذا أصبتم إصاباتٍ خطيرة، لا تتصرفوا كأنكم لا تحتاجون إليّ.» قالت وهي تحاول رفع صوتها.
رد توكا، وقد احمر طرف أذنه: «لن نحتاج إلى علاجٍ إذا لم نتعرض للضرب.»
ضحك يولي حتى كاد يسقط فأسه. «هذا أعمق ما قلته منذ عرفتك!»
ابتسمت بيورا بخجل، لكن توكا بقي ينظر إلى الأرض. للحظةٍ، بدوا كأناسٍ عاديين يتهيأون ليوم عمل، لا كفريقٍ يقترب من عشّ الشياطين.
وصلنا إلى المعسكر عند الغروب. كان أمام كهفٍ واسع، وحوله حواجزٌ مصنوعة من عظامٍ وخشبٍ أسود. تحركت الكائنات بين الخيام بإشاراتٍ قصيرة، وتبادلت المواقع بانتظام. لم يكن هذا تجمعاً عشوائياً؛ كان جيشاً صغيراً يتعلم كيف يعمل كجسدٍ واحد.
أشار نوا إلى المدخل. «هناك شيءٌ يقودهم. لا أعرف ما هو، لكنهم يتركون فراغاً في وسط التشكيل كأنهم يحمون شخصاً أو شيئاً.»
«إذن نكسر التشكيل قبل أن نعرفه.» قلت.
«لا.» أجابني بهدوء. «ندخل، نفهم، ثم نختار موضع الضربة. إذا هاجمت كل ما تراه، ستمنحهم المعركة التي يريدونها.»
كانت الجملة قريبةً جداً من نصيحة إيثان. كرهت ذلك، لأنني كنت أعرف أنها صحيحة.
بدأ الهجوم. بث نوا المانا في جسدي، فشعرت بأن عضلاتي تستجيب بسرعةٍ مضاعفة، وأن العالم يترك فجوةً ضيقة بين الحركة والفكرة. اندفعت إلى الأمام، وقطعت طريق أول شيطانٍ بحركةٍ واحدة. ثم الثاني. والثالث. كانت سيوفي تتلقى السحر، ويغطي النار حدّها، بينما يتبخر الدم الأسود على الثلج المتسخ.
لكنني لم أعد أرى الأعداء أفراداً. رأيت كل ما فعلته بي الحياة، وكل من أخذتهم مني، وكل من قد يأتي لاحقاً ليأخذ آخر ما تبقى. سحبت سيفي وضربت بلا توقف، حتى تراجعت الشياطين عن الخط الأول. لم أدرك أنني تجاوزت الخطة إلا حين سمعت يولي يصرخ باسمي.
توقفت.
كانت أجساد الشياطين متناثرة حولي. وقف رفاقي خلفي، وعلى وجوههم صدمةٌ لم يحاولوا إخفاءها. لم يكن الخوف موجهاً إلى العدو، بل إليّ.
خفضت سيفي. «آسف.»
لم يقل أحدٌ شيئاً. ثم تقدّم توكا وأغلق الدرع فوقنا لحظةً حين سمع حركةً في الكهف. لم يسألني عما حدث. كان ذلك لطفاً لم أستحقه في تلك اللحظة.
توغلنا داخل الكهف. أطلقت كرةً نارية فوق رؤوسنا، فامتدت الظلال على الجدران مثل أذرعٍ مكسورة. الرائحة كانت مزيجاً من التراب والرطوبة واللحم المتعفن. كلما تقدمنا، ازداد الصمت سمكاً.
ثم سمعنا الضحكة.
ضحكةً متقطعةً، تتخللها طقطقة سلسلةٍ حديدية. عرفتها قبل أن تظهر صاحبتها. تجمدت قدماي، وشعرت أن السنوات السبع الماضية اختفت، وأنني عدت إلى القرية أقف أمام الجثة المتفحمة لأبي.
خرجت غوتيا من الظلام، تحرك منجلها حولها في دائرةٍ هادئة. قرناها يفرزان ضباباً أسود، والقلادة المعلقة عند عنقها تحمل رمز الهلال نفسه الذي لمحت لاحقاً على حافة سلاح نبيديا.
قالت: «أوه... أما زلت حياً؟ كنت أظنك متّ منذ زمن، أو تمنيت ذلك على الأقل.»
لم أسمع بقية كلماتها. اندفعت نحوها، وغلفت سيفي بالنار، ثم أطلقت تعويذةً جمدت الأرض حول قدميها. تبادلت معها الضربات بسرعةٍ أربكت الفريق، وكنت أهاجمها من كل زاويةٍ أستطيع بلوغها. صدّت سيفي بالسلسلة، ثم دفعتني موجة جاذبيةٍ إلى الأرض.
سمعتها تضحك فوقي.
«لماذا قتلتِ والدي؟» صرخت. «لماذا قتلت زيك؟»
اتسعت ابتسامتها. «إذن كان والدك حقاً؟ وأنت الذي كذبت عليّ في القرية؟ يا للصغير الكاذب. لم يعلمك أحد أن الكذب يترك رائحةً؟»
غلى الدم في عروقي، وحاولت النهوض، لكن ضغطاً ثقيلاً سحقني إلى الأرض. رأيت رفاقي عاجزين عن الحركة أيضاً. كانت غوتيا تسيطر على المانا المحيطة بنا كأن أجسادنا أحجارٌ مرصوصة في طريقها.
اقتربت حتى سمعت السلسلة تحتك بحذائها. انحنت نحو أذني وهمست: «تركت لك هديةً في رأس أمك. أحقاً لم تأخذها؟»
اندفع الغضب في جسدي حتى كدت أختنق. أردت تمزيقها، لكنني لم أستطع تحريك إصبع.
استقامت فجأةً، ونظرت نحو مكانٍ لا أراه. «زعيمي يستدعيني. لا أريد أن أتركه ينتظر.» ثم التفتت إلينا. «استمتعوا مع خادمي. قد يكون آخر من يضحك منكم الليلة.»
ابتعدت وهي تغني بنبرةٍ طفوليةٍ مختلة: «أنا معزة... ولدتني أمٌّ اسمها الفساد...»
ما إن اختفت حتى انحسر ضغط الجاذبية. حاولت الانطلاق خلفها، لكن صوتاً آخر انبعث من عمق الكهف.
«أليس من المعيب أن تدير ظهرك إلى عدوك؟»
ظهر رجلٌ شاحب، طويل الأصابع، يبتسم كأنه مدعوٌّ إلى حفلة. انقضّ علينا من دون إنذار. صدّه توكا بدرعه، فارتد المهاجم وهو يضحك. حاولت ضربه، لكن جسده تحول إلى غبارٍ داكن قبل أن يلامسه النصل، ثم تجمّع خلفي من جديد.
صرخ يولي: «مصاص دماء! احرقوه، أو أخرجوه إلى الشمس!»
انحنى الكائن بانحناءةٍ ساخرة. «بما أنكم عرفتم ما أنا، فلا بأس أن أعرّفكم بنفسي. نبيديا. آخر مصاص دماءٍ باقٍ على وجه الأرض، ووريث سلالة الملوك التي ظننتم أن روينا كروس وملك التنانين برادتين أبَاداها.»
كانت قصص مصاصي الدماء معروفةً في الكتب: سلالةٌ أرستقراطية قادرة على التحول والتجدد، عدوة البشر والإلف منذ العصور الأولى. قيل إنهم اختفوا بعد الحرب الثانية. لم يكن أحد يعرف كيف بقي نبيديا حياً، أو لماذا يخدم معسكر شياطين الدنيا.
نظر نحوي، ثم ابتسم ابتسامةً اتسعت أكثر من اللازم. «وأنت... أعرف وجهك يا كالن ريبوستس.»
لم أسأله كيف عرف اسمي. كان علينا أن ننجو أولاً.
اندفعت أنا ويولي لإشغاله، بينما بدأ نوا يراقب انتقالاته. كلما ضربناه، تفتت جسده ثم عاد، وكلما حاولت إحراقه، اختفى قبل أن تلتهمه النار. كان يتصرف بغرورٍ كامل، وكأنه يختبر ألعاباً لا معركةً حقيقية.
صاح نوا: «لا تحاولوا إصابته في المكان نفسه. اجعلوه يختار الحركة التي نريدها!»
شرح خطته بسرعة. بدأنا نتحرك في دوائرٍ متقاطعة، نتقدم ثم نتراجع، ونوهم نبيديا بأننا سنضرب من اتجاهين في اللحظة نفسها. في البداية ضحك، ثم صار يراقب أقدامنا. حين قرر أخيراً أن ينهي اللعبة، ظهر أمامي ومد مخالبه حتى صارت كالشفرات.
تلقيت الضربة بسيفي، لكن قوتها قذفتني عبر الكهف حتى ارتطمت بجدارٍ صخري. شعرت بالهواء يخرج من صدري، وبشيءٍ يتشقق داخلي. نهضت قبل أن يستعيد توازنه، وعدت إلى الحركة الدائرية كما اتفقنا.
اندفع يولي بفأسه من اليسار، فتراجع نبيديا إلى اليمين. هاجمته من الخلف، فانتقل سحرياً إلى بقعةٍ أخرى ليتركنا نصطدم بعضنا ببعض. لكننا أوقفنا الهجومين في الهواء، وتركنا طريقه خالياً في المكان الذي توقع أن يجدنا فيه.
ظهرت ابتسامةٌ قصيرة على وجه نوا. كان هذا هو الفخ.
أطبق توكا درعه حول نبيديا، ومدّه حتى صار قبةً فولاذية ثم كرةً مغلقة. ارتطم الكائن بالجدران الداخلية، وتحول إلى غبارٍ حاول التسرب من الشقوق، لكن الدرع تكيف مع المانا المحيطة به وأغلق الفتحات.
دفعنا الكرة الثقيلة نحو مخرج الكهف. كانت الشمس في الخارج قاسية، والحرارة تتصاعد من الرمال القريبة. تراجع توكا في اللحظة التي وصلنا فيها إلى أرضٍ مكشوفة، ثم فتح الدرع.
انقض ضوء الشمس على نبيديا.
صرخ. لم تكن صرخته شبيهةً بصوت إنسانٍ يتألم؛ كانت أقرب إلى زجاجٍ يتكسر داخل الأذن. بدأ جلده يتشقق ويتفحم، وانبعثت منه رائحة لحمٍ محترق. حاول التراجع إلى ظل صخرة، لكنه لم يعد سريعاً بما يكفي.
وفي اللحظة التي بدا فيها أن المعركة انتهت، اندفع نحو بيورا. أراد أن يأخذ أحدنا معه إلى الموت. تحركت قبل أن أفكر، ووقفت بينهما، وصدّيت مخالبه بسيفي المحمّى.
«لا تتركي دفاعك!» صرخت في وجهها.
كانت ترتجف، لكنها رفعت عصاها وأطلقت تعويذةً صغيرة من الضوء. قال توكا اسمها بقلقٍ لم يحاول إخفاءه. نظرت إليه، ثم أومأت.
تحول نبيديا إلى رمادٍ أسود تناثر فوق الرمل. بقيت أحدق في المكان الذي اختفى فيه، أبحث عن شعورٍ بالانتصار، لكنني لم أجد إلا تعباً ثقيلاً.
عدنا إلى العاصمة، خمسة أشخاصٍ أحياء. ضحك يولي طوال الطريق، وقال إن اسم الثريا صار يليق بنا لأننا لم نتفرق في أول مهمة. حاول توكا أن يعترض على وصفه بالبطء، وبيورا ضحكت أخيراً بصوتٍ واضح. أما نوا، فأخذ يدوّن تفاصيل المعركة كي يرسل تقريراً للنقابة.
كنت أراقبهم، وأقنع نفسي أن اللعنة ربما انكسرت. لقد وقفوا بجانبي، وقاتلوا معي، ونجونا جميعاً. ربما لم يكن مصيري أن أفقد كل من أقترب منه.
لكنني لم أكن أعرف أن النجاة من معركةٍ واحدة لا تعني أن العالم انتهى من اختيار ضحاياه.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!