وضع القراءة:

الفَصْلُ الثَّالِثُ وَالأَخِيرُ: حِينَ يَصِيرُ الجُنُونُ قَدَرًا

أَخْبَرَهَا مَاتْيُو أَنَّ أُمَّهُ تُعَانِي مِنْ مَرَضٍ يَسْتَنْزِفُ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ مَالٍ، وَأَنَّ تَكَالِيفَ عِلَاجِهَا أَصْبَحَتْ أَكْبَرَ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى تَحَمُّلِهَا. كَانَ يَخْشَى أَنْ يَعْجَزَ يَوْمًا عَنْ تَوْفِيرِ الدَّوَاءِ لَهَا، وَأَنْ يَفْقِدَهَا بَعْدَ أَنْ فَعَلَ كُلَّ مَا بِوُسْعِهِ لِإِنْقَاذِهَا.
وَعِنْدَمَا سَمِعَتْ لُونَا مَا يَمُرُّ بِهِ، شَعَرَتْ بِالعَجْزِ وَالأَلَمِ، وَبَدَأَتْ تُفَكِّرُ فِي طَرِيقَةٍ تُمَكِّنُهُمَا مِنْ تَوْفِيرِ المَالِ اللَّازِمِ لِلْعِلَاجِ. وَمَعَ غَلَاءِ التَّكَالِيفِ وَضِيقِ الحَالِ، لَمَعَتْ فِي ذِهْنِهَا فِكْرَةٌ خَطِيرَةٌ؛ السَّرِقَةُ، فَقَرَّرَتْ أَنْ تَطْرَحَهَا عَلَى مَاتْيُو، عَلَّهَا تَجِدُ مَعَهُ حَلًّا لِمُعَانَاةِ أُمِّهِ.
لَمْ تَسْتَطِعْ لُونَا أَنْ تَتَجَاهَلَ ذَلِكَ الاتِّصَالَ، فَقَدْ ظَلَّ صَوْتُهُ يَتَرَدَّدُ فِي ذَاكِرَتِهَا، وَتِلْكَ الكَلِمَاتُ تَدُورُ فِي رَأْسِهَا كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ تَسْتَقِرُّ فِيهِ. حَاوَلَتْ أَنْ تُقْنِعَ نَفْسَهَا بِأَنَّ الأَمْرَ لَا يَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا القَلَقِ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهَا كَانَ يُخْبِرُهَا أَنَّ هَذَا الاتِّصَالَ لَمْ يَكُنْ عَابِرًا.
جَلَسَتْ وَحْدَهَا لِوَقْتٍ طَوِيلٍ، تُحَدِّقُ فِي هَاتِفِهَا، ثُمَّ أَغْلَقَتْ عَيْنَيْهَا وَأَخَذَتْ نَفَسًا عَمِيقًا. كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ مَاتْيُو لَنْ يُوَافِقَ بِسُهُولَةٍ عَلَى أَيِّ فِكْرَةٍ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا خَطَرًا، وَأَنَّهُ سَيُحَاوِلُ إِقْنَاعَهَا بِالتَّرَاجُعِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهَا النِّهَايَةَ.
لَكِنَّهَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمْ تَكُنْ تُرِيدُ أَنْ تَتَرَاجَعَ.
نَهَضَتْ مِنْ مَكَانِهَا، وَأَخَذَتْ تَتَحَرَّكُ فِي الغُرْفَةِ بِخُطُوَاتٍ مُتَرَدِّدَةٍ، تُرَتِّبُ كَلِمَاتِهَا فِي ذِهْنِهَا، وَتَتَخَيَّلُ رَدَّةَ فِعْلِهِ. كُلَّمَا تَذَكَّرَتْ نَظْرَتَهُ إِلَيْهَا، تَرَدَّدَتْ؛ وَكُلَّمَا تَذَكَّرَتْ مَا دَفَعَهَا إِلَى التَّفْكِيرِ فِي الأَمْرِ، عَادَ إِصْرَارُهَا أَقْوَى.
وَفِي النِّهَايَةِ، حَسَمَتْ أَمْرَهَا.
سَتُخْبِرُ مَاتْيُو بِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَنْ تَتَّخِذَ هَذَا القَرَارَ وَحْدَهَا. سَتَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُفَكِّرَ مَعَهَا فِي السَّرِقَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَرْسُمُ مَلَامِحَهَا فِي ذِهْنِهَا، حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ مُجَرَّدَ طَرْحِ الفِكْرَةِ عَلَيْهِ قَدْ يَجْعَلُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا كَأَنَّهَا فَقَدَتْ صَوَابَهَا.
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ كَيْفَ سَيَكُونُ جَوَابُهُ، وَلَا إِنْ كَانَ سَيَقِفُ إِلَى جَانِبِهَا أَمْ سَيُحَاوِلُ إِبْعَادَهَا عَنِ الفِكْرَةِ مِنْ أَصْلِهَا، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ أَمْرًا وَاحِدًا: لَمْ يَعُدْ بِإِمْكَانِهَا أَنْ تَحْتَفِظَ بِهَذَا السِّرِّ لِنَفْسِهَا.
وَعِنْدَمَا سَمِعَتْ صَوْتَ مَاتْيُو يَقْتَرِبُ مِنَ البَابِ، تَوَقَّفَتْ عَنِ الحَرَكَةِ، وَشَدَّتْ أَصَابِعَهَا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا وَقَدِ اتَّخَذَتْ قَرَارَهَا أَخِيرًا.
مَا إِنْ دَخَلَ حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهَا مُبْتَسِمًا، وَقَالَ:
«مَا بِكِ يَا لُونَا؟ لِمَاذَا تَبْدِينَ كَأَنَّكِ تُخْفِينَ عَنِّي مُصِيبَةً؟»
لَمْ تُبَادِلْهُ ابْتِسَامَتَهُ، بَلْ أَشَارَتْ إِلَى المَقْعَدِ المُقَابِلِ لَهَا، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
«مَاتْيُو، أُرِيدُ أَنْ أَتَحَدَّثَ إِلَيْكَ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ، وَأُرِيدُكَ أَنْ تَسْمَعَنِي حَتَّى النِّهَايَةِ قَبْلَ أَنْ تُقَرِّرَ أَنَّنِي جُنِنْتُ.»
اِنْمَحَتِ الابْتِسَامَةُ عَنْ وَجْهِهِ تَدْرِيجِيًّا، وَجَلَسَ أَمَامَهَا بِاهْتِمَامٍ.
«حَسَنًا، أَنَا أَسْمَعُكِ.»
أَخَذَتْ لُونَا نَفَسًا عَمِيقًا، وَنَظَرَتْ مُبَاشَرَةً فِي عَيْنَيْهِ.
«أُرِيدُكَ أَنْ تُفَكِّرَ مَعِي فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ... أُرِيدُ مِنَّا أَنْ نَسْرِقَ.»
لَمْ تَكُنْ لُونَا تَعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ الصَّبَاحَاتِ البَسِيطَةَ، الَّتِي كَانَتْ تَمْلَؤُهَا بِالمَزَاحِ وَالتَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ، سَتُصْبِحُ يَوْمًا مِنْ أَجْمَلِ مَا تَحْفَظُهُ ذَاكِرَتُهَا. فَبَعْدَ كُلِّ مَا مَرَّا بِهِ، بَدَأَتِ الحَيَاةُ تَمْنَحُهُمَا فُرَصَةً جَدِيدَةً، وَكَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُعَوِّضَهُمَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ وَجَعِ المَاضِي.
وَلَكِنَّ الحَيَاةَ لَمْ تَكُنْ تَعِدُهُمَا بِأَنَّ الطَّرِيقَ سَيَبْقَى سَهْلًا؛ فَبَعْضُ التَّغَيُّرَاتِ تَأْتِي هَادِئَةً، دُونَ أَنْ يَلْحَظَهَا أَحَدٌ، ثُمَّ تَكْشِفُ عَنْ نَفْسِهَا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، لِتُغَيِّرَ كُلَّ شَيْءٍ.
وَبَيْنَمَا كَانَ مَاتْيُو يَخْطُو نَحْوَ مُسْتَقْبَلِهِ الَّذِي حَلُمَ بِهِ طَوِيلًا، كَانَتْ لُونَا تُحَاوِلُ أَنْ تَجِدَ لِنَفْسِهَا طَرِيقًا خَاصًّا، طَرِيقًا يُثْبِتُ لَهَا أَنَّهَا لَا تَزَالُ قَادِرَةً عَلَى صُنْعِ شَيْءٍ جَدِيدٍ، وَأَنَّ مَا فَقَدَتْهُ لَنْ يَحْرِمَهَا مِنْ حَقِّهَا فِي الحُلْمِ.
غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الأَحْلَامِ تَبْدَأُ بِخُطْوَةٍ صَغِيرَةٍ، وَبَعْضَ الطُّرُقِ تَنْحَرِفُ عَنْ مَسَارِهَا قَبْلَ أَنْ نُدْرِكَ ذَلِكَ. وَهَكَذَا، دُونَ أَنْ تَعْلَمَ لُونَا أَنَّهَا تَقْتَرِبُ مِنْ حَافَّةِ قَرَارٍ سَيُغَيِّرُ حَيَاتَهَا، بَدَأَتْ حِكَايَةٌ جَدِيدَةٌ تَتَشَكَّلُ فِي الخَفَاءِ؛ حِكَايَةٌ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بَعْدُ إِلَى أَيْنَ سَتَقُودُهَا.
لَمْ تَكُنْ لَيْلَةُ السَّرِقَةِ الأُولَى كَأَيِّ لَيْلَةٍ مَرَّتْ عَلَى لُونَا وَمَاتْيُو.
كَانَتِ السَّاعَةُ تَقْتَرِبُ مِنَ التَّاسِعَةِ مَسَاءً، وَكَانَتْ شَوَارِعُ المَدِينَةِ الإِسْبَانِيَّةِ تَغْرَقُ فِي أَضْوَاءِ المَتَاجِرِ وَأَصْوَاتِ السَّيَّارَاتِ. جَلَسَتْ لُونَا فِي المَقْعَدِ المُجَاوِرِ لِمَاتْيُو، تُحَرِّكُ قِلَادَتَهَا الفِضِّيَّةَ بَيْنَ أَصَابِعِهَا، وَتُحَدِّقُ فِي الطَّرِيقِ كَأَنَّهَا ذَاهِبَةٌ إِلَى نُزْهَةٍ عَادِيَّةٍ.
اِلْتَفَتَ إِلَيْهَا مَاتْيُو، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ:
«لَا أَفْهَمُ كَيْفَ تَسْتَطِيعِينَ الجُلُوسَ بِهَذِهِ البَرَاعَةِ وَأَنْتِ تَعْلَمِينَ مَا الَّذِي نُقْبِلُ عَلَيْهِ.»
اِبْتَسَمَتْ مِنْ طَرَفِ فَمِهَا.
«لِأَنَّ أَحَدَنَا يَجِبُ أَنْ يَبْدُوَ عَاقِلًا.»
«وَأَنْتِ تَظُنِّينَ أَنَّكِ العَاقِلَةُ؟»
«بِالتَّأْكِيدِ. أَنْظُرْ إِلَيْكَ، وَأَشْعُرُ بِأَنِّي أَكْثَرُ النَّاسِ اتِّزَانًا.»
كَادَ يَضْحَكُ، لَكِنَّ ضَحْكَتَهُ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ. أَعَادَ نَظَرَهُ إِلَى الطَّرِيقِ، وَقَالَ:
«لُونَا، إِذَا سَاءَتِ الأُمُورُ، فَسَنَتَوَقَّفُ. لَنْ أَسْمَحَ لَكِ بِأَنْ تُؤْذِي نَفْسَكِ مِنْ أَجْلِي.»
تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهَا عَنْ تَحْرِيكِ القِلَادَةِ.
«لَا تَتَصَرَّفْ كَأَنَّكَ تَعْرِفُنِي أَكْثَرَ مِمَّا أَعْرِفُ نَفْسِي.»
«أَعْرِفُ أَنَّكِ لَا تَخَافِينَ مِنْ شَيْءٍ.»
«بَلْ أَخَافُ.»
نَظَرَ إِلَيْهَا، فَوَجَدَهَا تُحَدِّقُ فِي النَّافِذَةِ.
«وَلَكِنَّنِي أَكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَنِي الخَوْفُ أَتَخَلَّى عَمَّنْ أُحِبُّهُمْ.»
لَمْ يُجِبْهَا. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ سَتُطَارِدُهُ طَوِيلًا، وَأَنَّهُ سَيَتَمَنَّى، فِيمَا بَعْدُ، لَوْ أَنَّهَا تَعَلَّمَتْ أَنْ تَخَافَ قَلِيلًا أَكْثَرَ.
وَصَلَا إِلَى الشَّارِعِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ مَتْجَرُ المَجْوهَرَاتِ. كَانَتْ وَاجِهَتُهُ تَلْمَعُ تَحْتَ الأَضْوَاءِ، وَتَنْعَكِسُ عَلَيْهَا صُوَرُ المَارَّةِ وَالسَّيَّارَاتِ.
أَوْقَفَ مَاتْيُو السَّيَّارَةَ، وَبَقِيَا صَامِتَيْنِ لِثَوَانٍ.
قَالَتْ لُونَا:
«مَا زِلْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَرَاجَعَ.»
«وَأَنْتِ؟»
فَتَحَتِ البَابَ.
«أَنَا لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَتَرَاجَعُ.»
نَزَلَتْ قَبْلَهُ، فَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لَحْظَةً، ثُمَّ تَبِعَهَا.
لَمْ تَسِرِ الأُمُورُ كَمَا تَخَيَّلَا. تَعَالَتْ أَصْوَاتٌ مِنْ دَاخِلِ المَتْجَرِ، وَارْتَفَعَ صُرَاخٌ فِي الشَّارِعِ، وَتَجَمَّدَ مَاتْيُو فِي مَكَانِهِ لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ انْفَجَرَ المَكَانُ بِالفَوْضَى.
بَعْدَ أَنْ أَتَمَّتْ لُونَا وَمَاتْيُو عَمَلِيَّةَ السَّرِقَةِ،
عَادَا إِلَى المَزْرَعَةِ وَقَدْ أَثْقَلَ القَلَقُ قَلْبَيْهِمَا، غَيْرَ أَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا يَعْلَمَانِ أَنَّ الأَسْوَأَ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ. فَبَعْدَ وَقْتٍ قَصِيرٍ، وَصَلَتْ إِلَى المَكَانِ سَيَّارَةُ إِسْعَافٍ، وَبَدَا لِلْجِيرَانِ أَنَّ حَادِثًا خَطِيرًا قَدْ وَقَعَ فِي الجِوَارِ. وَفِي أَثْنَاءِ تَجَمُّعِ النَّاسِ وَارْتِبَاكِهِمْ، حَاوَلَ المُجْرِمُونَ الفِرَارَ، وَأَطْلَقَ أَحَدُهُمْ الرَّصَاصَ نَحْوَ المُسْعِفِينَ لِيَمْنَعَهُمْ مِنَ الاقْتِرَابِ.
وَمَا إِنْ سَمِعَ مَاتْيُو وَلُونَا أَصْوَاتَ إِطْلَاقِ النَّارِ مِنْ بَعِيدٍ، حَتَّى أَدْرَكَا أَنَّ الأَمْرَ أَكْبَرُ مِمَّا تَخَيَّلَا. لَمْ يَكُونَا هُمَا مَنْ أَطْلَقَ الرَّصَاصَ، وَلَمْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ فِي مَكَانِ الحَادِثِ عِنْدَ وُصُولِ المُسْعِفِينَ؛ فَقَدْ عَادَا إِلَى المَزْرَعَةِ مُبَكِّرًا، وَحَاوَلَا أَنْ يَبْدُوَا كَأَنَّ يَوْمَهُمَا مَرَّ كَأَيِّ يَوْمٍ آخَرَ.
لَمْ تَصِلِ الشُّرْطَةُ إِلَى المَزْرَعَةِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَرْبِطُهُمَا مُبَاشَرَةً بِإِطْلَاقِ النَّارِ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَيٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَنَامَ بِهُدُوءٍ؛ فَالسَّرِقَةُ الَّتِي ظَنَّا أَنَّهَا سَتَكُونُ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِتَأْمِينِ ثَمَنِ العِلَاجِ، بَدَأَتْ تَجُرُّهُمَا إِلَى عَالَمٍ لَمْ يَكُونَا يَعْرِفَانِ عَنْهُ شَيْئًا.
بَعْدَ أَيَّامٍ، عَادَتْ لُونَا إِلَى المَزْرَعَةِ، وَكَانَ جَدُّهَا يَنْتَظِرُهَا عِنْدَ البَابِ. لَمْ يَسْأَلْهَا أَوَّلًا عَمَّا حَدَثَ، بَلْ ضَمَّهَا إِلَى صَدْرِهِ طَوِيلًا، حَتَّى شَعَرَتْ بِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ تَفْلِتَ مِنْهُ إِذَا تَرَكَ ذِرَاعَيْهِ.
قَالَ لَهَا:
«لَا أَعْرِفُ مَا الَّذِي تَحَاوِلِينَ إِثْبَاتَهُ لِهَذِهِ الدُّنْيَا، يَا لُونَا، وَلَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّنِي لَا أُرِيدُ أَنْ أَدْفِنَكِ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ.»
اِنْخَفَضَ رَأْسُهَا.
«آسِفَةٌ، جَدِّي.»
«لَا أُرِيدُ اعْتِذَارًا. أُرِيدُ أَنْ تَعُودِي إِلَى نَفْسِكِ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدِيَهَا.»
وَعَدَتْهُ أَنَّهَا سَتَتَوَقَّفُ.
لَكِنَّ بَعْضَ الوُعُودِ تُقَالُ بِصِدْقٍ، ثُمَّ تَسْحَقُهَا الحَاجَةُ وَالخَوْفُ.
كَانَتْ أُمُّ مَاتْيُو تَتَدَهْوَرُ سَرِيعًا. وَفِي كُلِّ زِيَارَةٍ لَهَا، كَانَ مَاتْيُو يَخْرُجُ مِنْ غُرْفَتِهَا وَهُوَ أَكْثَرُ صَمْتًا. لَمْ يَعُدْ يَتَحَدَّثُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ كَثِيرًا، وَلَا عَنْ دِرَاسَتِهِ، وَلَا عَنِ الحُلْمِ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُصْبِحَ طَبِيبًا لِيُسَاعِدَ أُمَّهُ وَمَنْ يُشْبِهُهَا.
كَانَ يَجْلِسُ إِلَى جَانِبِهَا، وَيَقْرَأُ لَهَا أَحْيَانًا، وَيُخْفِي عَنْهَا خَوْفَهُ كُلَّمَا سَأَلَتْهُ عَمَّا سَيَحْدُثُ.
وَفِي لَيْلَةٍ مَاطِرَةٍ، وَجَدَتْهُ لُونَا جَالِسًا عَلَى دَرَجِ البَيْتِ، يُحَدِّقُ فِي الأَرْضِ.
جَلَسَتْ بِجَانِبِهِ دُونَ أَنْ تَسْأَلَ.
قَالَ بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ:
«أَخَافُ أَنْ أَسْتَيْقِظَ يَوْمًا فَلَا أَجِدَهَا.»
لَمْ تَقُلْ لَهُ إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَكُونُ بِخَيْرٍ، وَلَمْ تَعِدْهُ بِمُعْجِزَةٍ. فَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّ بَعْضَ الآلَامِ لَا تَحْتَمِلُ كَلِمَاتٍ جَمِيلَةً.
بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، أَسْنَدَتْ رَأْسَهَا إِلَى كَتِفِهِ.
«لَنْ تَكُونَ وَحْدَكَ.»
أَخْفَى وَجْهَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَانْهَارَ بُكَاؤُهُ أَخِيرًا. لَمْ تَرَهُ لُونَا يَبْكِي مِنْ قَبْلُ؛ كَانَ دَائِمًا يَحْتَمِلُ، وَيَصْمُتُ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَجِدَ حَلًّا. أَمَّا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَلٌّ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْمِيَهُ مِنْ خَوْفِهِ.
وَضَعَتْ ذِرَاعَهَا حَوْلَ كَتِفَيْهِ، وَتَرَكَتْهُ يَبْكِي.
وَلَمَّا رَفَعَ وَجْهَهُ، كَانَتْ عَيْنَاهُ حَمْرَاوَيْنِ.
«لِمَاذَا تَفْعَلِينَ كُلَّ هَذَا مِنْ أَجْلِي؟»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
«لِأَنَّكَ أَوَّلُ شَخْصٍ لَمْ يَطْلُبْ مِنِّي أَنْ أَتَغَيَّرَ حَتَّى يَقْبَلَنِي.»
تَأَمَّلَهَا، ثُمَّ مَسَحَ دَمْعَةً عَلَى خَدِّهَا لَمْ تَكُنْ قَدْ لَاحَظَتْهَا.
«وَأَنْتِ أَوَّلُ شَخْصٍ جَعَلَنِي أَشْعُرُ أَنَّنِي لَسْتُ مُجَرَّدَ طَالِبِ طِبٍّ فَقِيرٍ يُحَاوِلُ إِنْقَاذَ أُمِّهِ.»
كَانَتْ تِلْكَ اللَّحْظَةُ أَقْرَبَ إِلَى قَلْبَيْهِمَا مِنْ أَيِّ اعْتِرَافٍ.
لَكِنَّ الحَيَاةَ لَمْ تَمْنَحْهُمَا وَقْتًا كَافِيًا لِلْهُدُوءِ.
بَعْدَ أَيَّامٍ، تَلَقَّى مَاتْيُو خَبَرًا جَدِيدًا عَنْ حَالَةِ أُمِّهِ. كَانَتْ فُرَصُ العِلَاجِ تَضِيقُ، وَكَانَتِ الأَمْوَالُ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَطِيعُ جَمْعَهُ فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ.
عِنْدَمَا أَخْبَرَ لُونَا، لَمْ يَطْلُبْ مِنْهَا شَيْئًا. لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ أَنْ يُعِيدَهَا إِلَى ذَلِكَ الطَّرِيقِ، وَلَكِنَّهَا رَأَتْ فِي وَجْهِهِ يَأْسًا لَمْ تَعْرِفْ كَيْفَ تُحَارِبُهُ.
قَالَتْ:
«سَنَجِدُ طَرِيقَةً.»
أَجَابَهَا بِحِدَّةٍ:
«لَا تُفَكِّرِي فِي السَّرِقَةِ مُجَدَّدًا.»
«إِذًا أَعْطِنِي حَلًّا آخَرَ.»
«سَأَعْمَلُ. سَأَبِيعُ مَا أَمْلِكُهُ. سَأَطْلُبُ المُسَاعَدَةَ.»
«وَإِذَا لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ؟»
نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْنِ مُتْعَبَتَيْنِ.
«فَلَنْ أَسْرِقَ حَيَاةَ شَخْصٍ آخَرَ لِأُنْقِذَ حَيَاةَ أُمِّي.»
سَكَتَتْ لُونَا. كَانَ جُزْءٌ مِنْهَا يَفْهَمُهُ، وَجُزْءٌ آخَرُ يَغْضَبُ مِنْ عَجْزِهِمَا. وَفِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، حَاوَلَ مَاتْيُو أَنْ يَجِدَ حُلُولًا شَرْعِيَّةً، وَطَرَقَ أَبْوَابًا كَثِيرَةً، وَطَلَبَ مُسَاعَدَةَ مَنْ يَعْرِفُهُمْ. لَكِنَّ الوَقْتَ كَانَ يَسْبِقُهُ.
وَعِنْدَمَا عَادَتْ لُونَا إِلَى فِكْرَةِ السَّرِقَةِ، لَمْ تَكُنْ تَظُنُّ أَنَّهَا شُجَاعَةٌ. كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّهَا مُخَاطَرَةٌ، وَأَنَّهَا قَدْ تَخْسَرُ مَاتْيُو بَدَلًا مِنْ أَنْ تُسَاعِدَهُ.
مَعَ ذَلِكَ، تَحَرَّكَتْ بِتَهَوُّرِهَا المَعْهُودِ، وَوَجَدَتْ نَفْسَهَا مَرَّةً أُخْرَى وَسَطَ لَيْلَةٍ لَمْ تَعُدْ تَسْتَطِيعُ السَّيْطَرَةَ عَلَيْهَا.
لَمْ تَكُنِ السَّرِقَةُ الثَّانِيَةُ مِثْلَ الأُولَى. لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ مُفَاجَأَةٌ وَاحِدَةٌ بَلْ تَتَالَتِ الأَصْوَاتُ وَالصَّيَحَاتُ، وَتَحَوَّلَتِ اللَّحْظَاتُ إِلَى فَوْضَى. وَحِينَ خَرَجَا إِلَى الشَّارِعِ، كَانَتْ أَضْوَاءٌ زَرْقَاءُ تَنْعَكِسُ عَلَى زُجَاجِ المَبَانِي، وَكَانَ صَوْتُ صَافِرَةٍ يَقْتَرِبُ بِسُرْعَةٍ.
«مَاتْيُو، اِنْطَلِقْ!»
«لُونَا، تَوَقَّفِي!»
لَكِنَّهَا كَانَتْ قَدْ رَأَتْ رَجُلًا يَرْكُضُ خَلْفَهُمَا، وَسَمِعَتْ خُطُوَاتٍ تَضْرِبُ الأَرْضَ بِقُوَّةٍ. رَكَضَتْ، وَرَكَضَ مَاتْيُو خَلْفَهَا، وَتَدَافَعَ المَارَّةُ فِي الطَّرِيقِ. كَادَتْ أَنْ تَسْقُطَ عِنْدَ زَاوِيَةِ شَارِعٍ، فَأَمْسَكَ مَاتْيُو بِذِرَاعِهَا وَجَذَبَهَا إِلَى جَانِبٍ آمِنٍ قَبْلَ أَنْ تَمُرَّ سَيَّارَةٌ مُسْرِعَةٌ.
اِرْتَطَمَ كَتِفُهَا بِالجِدَارِ، وَتَأَوَّهَتْ.
«هَلْ أُصِبْتِ؟»
«لَا.»
«لَا تَكْذِبِي عَلَيَّ!»
«لَيْسَ هَذَا وَقْتَ المُحَاضَرَاتِ، يَا دُكْتُور!»
كَانَ خَوْفُهُ يَتَحَوَّلُ إِلَى غَضَبٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ ذِرَاعَهَا. وَاصَلَا الرَّكْضَ حَتَّى اخْتَلَطَتْ أَصْوَاتُ المُطَارَدَةِ بِضَجِيجِ المَدِينَةِ، وَبَقِيَا يَرْكُضَانِ حَتَّى شَعَرَا أَنَّ رِئَتَيْهِمَا سَتَنْفَجِرَانِ.
وَعِنْدَمَا تَوَقَّفَا أَخِيرًا، اِنْحَنَتْ لُونَا وَهِيَ تَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهَا، ثُمَّ ضَحِكَتْ.
حَدَّقَ فِيهَا مَاتْيُو بِذُهُولٍ.
«مَا المُضْحِكُ؟»
رَفَعَتْ رَأْسَهَا، وَعَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ مِنَ الإِرْهَاقِ.
«وَجْهُكَ! لَوْ رَأَيْتَ وَجْهَكَ الآنَ!»
«لُونَا، لَقَدْ كِدْنَا نَمُوتُ!»
«وَلَكِنَّنَا لَمْ نَمُتْ.»
لَمْ يَضْحَكْ. أَمْسَكَ كَتِفَيْهَا وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِغَضَبٍ صَادِقٍ.
«أَنْتِ لَا تَفْهَمِينَ! أَنَا لَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي بِقَدْرِ مَا أَخَافُ عَلَيْكِ. فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَرْكُضِينَ فِيهَا نَحْوَ الخَطَرِ، أَشْعُرُ أَنَّنِي سَأَفْقِدُكِ، وَأَنَّنِي لَنْ أَسْتَطِيعَ فِعْلَ شَيْءٍ!»
اِخْتَفَتِ ابْتِسَامَتُهَا.
«مَاتْيُو...»
تَرَكَ كَتِفَيْهَا، وَأَدَارَ وَجْهَهُ.
«لَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ شَرِيكَكِ فِي المَوْتِ، لُونَا. أُرِيدُ أَنْ أَبْقَى مَعَكِ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ.»
لَمْ تَجِدْ مَا تَقُولُهُ. وَبَدَلًا مِنْ أَنْ تُجَادِلَهُ، مَدَّتْ يَدَهَا وَأَمْسَكَتْ بِيَدِهِ.
«إِذًا لَا تَتْرُكْ يَدِي.»
اِلْتَفَتَ إِلَيْهَا، وَظَلَّ صَامِتًا لَحْظَاتٍ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى أَصَابِعِهَا.
لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَعْدًا بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَكُونُ بِخَيْرٍ. كَانَ وَعْدًا بِأَنَّهُمَا سَيُحَاوِلَانِ أَلَّا يَضِيعَا فِي الطَّرِيقِ.
مَرَّتْ أُسْبُوعَانِ ثَقِيلَانِ. وَاصَلَ مَاتْيُو العَمَلَ وَالدِّرَاسَةَ، وَظَلَّ يَتَرَدَّدُ عَلَى أُمِّهِ، وَبَقِيَتْ لُونَا قَرِيبَةً مِنْهُ. وَمَعَ كُلِّ يَوْمٍ، كَانَتْ تَرَى فِي وَجْهِهِ تَعَبًا أَعْمَقَ، وَفِي عَيْنَيْهِ سُؤَالًا لَا يَجِدُ لَهُ جَوَابًا.
ثُمَّ جَاءَ الصَّبَاحُ الَّذِي لَمْ يَنْسَهُ أَبَدًا.
كَانَ مَاتْيُو فِي مَمَرِّ المُسْتَشْفَى عِنْدَمَا خَرَجَ إِلَيْهِ الطَّبِيبُ. لَمْ يَحْتَجْ إِلَى سَمَاعِ الكَلِمَاتِ كُلِّهَا؛ فَقَدْ رَأَى الجَوَابَ فِي وَجْهِهِ.
«نَحْنُ آسِفُونَ.»
تَرَاجَعَ مَاتْيُو خُطْوَةً، وَهَزَّ رَأْسَهُ.
«لَا... لَا، لَا تُقُلْ ذَلِكَ. أُرِيدُ أَنْ أَرَاهَا.»
«مَاتْيُو...»
«قُلْتُ لَكَ إِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَرَاهَا!»
لَمْ يَكُنْ يَصْرُخُ كَمَنْ يُحَاوِلُ إِخَافَةَ أَحَدٍ؛ كَانَ يَصْرُخُ كَمَنْ يَحَاوِلُ إِيقَاظَ شَخْصٍ مِنْ كَابُوسٍ. وَعِنْدَمَا سَمَحُوا لَهُ بِالدُّخُولِ، مَشَى نَحْوَهَا بِخُطُوَاتٍ مُتَرَدِّدَةٍ، كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ أَنْ تَفْتَحَ عَيْنَيْهَا وَتَسْأَلَهُ لِمَاذَا تَأَخَّرَ.
كَانَ وَجْهُهَا هَادِئًا. هَادِئًا بِشَكْلٍ أَوْجَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ.
جَلَسَ بِجَانِبِهَا، وَأَمْسَكَ يَدَهَا البَارِدَةَ.
«أُمِّي... أَنَا هُنَا.»
لَمْ تُجِبْهُ.
«لَقَدْ ذَهَبْتُ إِلَى الجَامِعَةِ اليَوْمَ، وَقَرَأْتُ الفَصْلَ الَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ إِنَّهُ صَعْبٌ. لَمْ أَفْهَمْ نِصْفَهُ، كَمَا تَعْلَمِينَ.»
اِبْتَلَعَ غُصَّتَهُ.
«وَعِنْدَمَا أَصِيرُ طَبِيبًا، سَأَخْتَارُ أَنْ أَعْمَلَ فِي المُسْتَشْفَى الَّذِي كُنْتِ تَذْهَبِينَ إِلَيْهِ. كُنْتِ تَقُولِينَ إِنَّنِي سَأُسَاعِدُ النَّاسَ، أَتَذْكُرِينَ؟»
اِنْحَنَى وَوَضَعَ جَبِينَهُ عَلَى يَدِهَا.
«لَقَدْ فَعَلْتُ كُلَّ مَا اسْتَطَعْتُهُ لَقَدْ حَاوَلْتُ.»
خَرَجَ صَوْتُهُ مُتَكَسِّرًا، وَبَدَأَ كَتِفَاهُ يَهْتَزَّانِ.
«لَكِنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ إِنْقَاذَكِ.»
كَانَتْ لُونَا تَقِفُ عِنْدَ البَابِ، وَقَدْ وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى فَمِهَا لِتَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنَ البُكَاءِ بِصَوْتٍ عَالٍ. لَمْ تَرَ مَاتْيُو هَكَذَا قَطُّ. رَأَتْهُ يَخَافُ، وَيَغْضَبُ، وَيَتَعَبُ، لَكِنَّهَا لَمْ تَرَهُ يَنْكَسِرُ.
اِقْتَرَبَتْ مِنْهُ، وَجَلَسَتْ عَلَى الأَرْضِ بِجَانِبِهِ.
لَمْ تَقُلْ إِنَّهَا آسِفَةٌ، وَلَمْ تَقُلْ إِنَّ أُمَّهُ فِي مَكَانٍ أَفْضَلَ. لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ حَقَّ تَزْيِيفِ أَلَمِهِ بِكَلِمَاتٍ جَاهِزَةٍ.
اِكْتَفَتْ بِأَنْ تَضَعَ يَدَهَا عَلَى ظَهْرِهِ.
وَعِنْدَمَا اِلْتَفَتَ إِلَيْهَا، رَأَتْ فِي عَيْنَيْهِ شَيْئًا كَانَ أَشَدَّ إِيلَامًا مِنَ الدُّمُوعِ: شُعُورًا بِأَنَّ العَالَمَ الَّذِي كَانَ يُحَاوِلُ إِنْقَاذَهُ لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا.
اِنْهَارَ فِي حُضْنِهَا، وَبَكَى كَأَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ صَدْرِهِ كُلَّ خَوْفٍ أَخْفَاهُ طَوَالَ السَّنَوَاتِ. أَمَّا هِيَ، فَضَمَّتْهُ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ قُوَّةٍ، وَتَمَنَّتْ لَوْ أَنَّهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَأْخُذَ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الوَجَعِ.
بَعْدَ الجَنَازَةِ، لَمْ يَعُدْ مَاتْيُو كَمَا كَانَ.
كَانَ يَسْتَيْقِظُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ أُمِّهِ تُنَادِيهِ. وَكَانَ يَفْتَحُ بَابَ غُرْفَتِهَا ثُمَّ يَقِفُ عِنْدَ العَتَبَةِ، لَا يَدْخُلُ وَلَا يَسْتَطِيعُ إِغْلَاقَ البَابِ.
وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي، وَجَدَتْهُ لُونَا يَجْلِسُ عَلَى الأَرْضِ وَبِيَدِهِ وِشَاحٌ كَانَتْ تَرْتَدِيهِ.
قَالَ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ:
«مَا زِلْتُ أَظُنُّ أَنَّهَا سَتَعُودُ.»
جَلَسَتْ إِلَى جَانِبِهِ.
«أَعْرِفُ.»
«لَا، لَا تَعْرِفِينَ. أَسْتَيْقِظُ وَأَتَذَكَّرُ أَنَّنِي لَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهَا مُجَدَّدًا. لَنْ تَسْأَلَنِي إِنْ كُنْتُ قَدْ أَكَلْتُ، وَلَنْ تَغْضَبَ مِنِّي لِأَنَّنِي أَعْمَلُ كَثِيرًا، وَلَنْ تَقُولَ لِي إِنَّنِي أُهْمِلُ نَفْسِي.»
تَوَقَّفَ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ.
«كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي إِذَا أَصْبَحْتُ طَبِيبًا، سَأَسْتَطِيعُ إِنْقَاذَهَا. وَالآنَ، لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا أُكْمِلُ.»
أَمْسَكَتْ لُونَا يَدَهُ.
«لِأَنَّ حُلْمَكَ لَمْ يَمُتْ مَعَهَا.»
هَزَّ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ.
«لَا أُرِيدُ أَنْ أَنْسَاهَا.»
«لَنْ تَنْسَاهَا. وَلَنْ أَسْمَحَ لَكَ بِأَنْ تَظُنَّ أَنَّ النَّجَاحَ خِيَانَةٌ لَهَا.»
نَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا، ثُمَّ أَسْنَدَ جَبِينَهُ إِلَى جَبِينِهَا. بَقِيَا هَكَذَا، صَامِتَيْنِ، حَتَّى خَفَّ ارْتِجَافُ يَدَيْهِ.
وَلَمَّا ابْتَعَدَ قَلِيلًا، قَالَ:
«لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَشْكُرُكِ.»
أَجَابَتْهُ بِهُدُوءٍ:
«لَا تَشْكُرْنِي. فَقَطْ لَا تَخْتَفِ.»
وَلَمْ يَخْتَفِ.
مَرَّ شَهْرٌ، ثُمَّ شَهْرٌ آخَرُ. وَبِدَأَ مَاتْيُو يَعُودُ إِلَى دِرَاسَتِهِ بِبُطْءٍ. لَمْ يَخْتَفِ الحُزْنُ، وَلَكِنَّهُ تَعَلَّمَ أَنْ يَحْمِلَهُ دُونَ أَنْ يَسْمَحَ لَهُ بِإِيقَافِ حَيَاتِهِ.
فِي مَسَاءٍ بَارِدٍ، جَلَسَا فِي المَطْبَخِ الصَّغِيرِ بِالمَزْرَعَةِ، وَأَمَامَهُمَا مَا بَقِيَ مِنَ المَالِ الَّذِي جَمَعَاهُ. لَمْ يَكُنْ كَمَا تَمَنَّيَا، وَلَمْ يَكُنْ كَافِيًا لِيَمْحُوَ مَا مَرَّا بِهِ.
قَالَ مَاتْيُو:
«لَنْ نَعُودَ إِلَى ذَلِكَ.»
هَزَّتْ لُونَا رَأْسَهَا.
«لَنْ نَعُودَ.»
«وَلَوْ ضَاقَتْ بِنَا الحَيَاةُ؟»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ.
«سَنَجِدُ طَرِيقًا لَا يَجْعَلُنَا نَخَافُ مِنْ صَوْتِ طَرْقٍ عَلَى البَابِ.»
مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَأَمْسَكَتْهَا.
لَمْ يَكُونَا قَادِرَيْنِ عَلَى مَحْوِ المَاضِي، وَلَكِنَّهُمَا اسْتَطَاعَا أَنْ يَقْرِّرَا أَلَّا يَصْنَعَا مِنْهُ مُسْتَقْبَلَهُمَا كُلَّهُ.
ثُمَّ جَاءَ الدَّوْرُ عَلَى لُونَا لِتَخْسَرَ شَخْصًا لَمْ تَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّ غِيَابَهُ سَيَكُونُ بِهَذَا الثِّقَلِ.
كَانَ جَدُّهَا قَدْ تَعِبَ فِي الأَشْهُرِ الأَخِيرَةِ. صَارَ يَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ، وَيَتَوَقَّفُ أَحْيَانًا لِيَأْخُذَ أَنْفَاسَهُ، وَيُصِرُّ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى الحَقْلِ كُلَّ صَبَاحٍ.
وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، وَجَدَتْهُ لُونَا جَالِسًا عَلَى المَقْعَدِ الخَشَبِيِّ القَدِيمِ أَمَامَ البَيْتِ.
جَلَسَتْ إِلَى جَانِبِهِ.
«أَنْتَ تَتْعَبُ نَفْسَكَ كَثِيرًا.»
اِبْتَسَمَ.
«وَأَنْتِ تُقْلِقِينَنِي كَثِيرًا. يَبْدُو أَنَّنَا مُتَعَادِلَانِ.»
ضَحِكَتْ، ثُمَّ مَالَتْ وَوَضَعَتْ رَأْسَهَا عَلَى كَتِفِهِ، كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ.
قَالَ بَعْدَ صَمْتٍ:
«هَلْ أَنْتِ سَعِيدَةٌ هُنَا؟»
رَفَعَتْ رَأْسَهَا.
«مَعَكَ؟ نَعَمْ.»
«لَا أَقْصِدُ المَزْرَعَةَ فَقَطْ. أَقْصِدُ حَيَاتَكِ.»
لَمْ تُجِبْ مُبَاشَرَةً. فَكَّرَتْ فِي المَدِينَةِ، وَفِي أُمِّ مَاتْيُو، وَفِي الدَّمِ الَّذِي رَأَتْهُ عَلَى مَلَابِسِهَا، وَفِي اللَّيَالِي الَّتِي كَادَتْ تَفْقِدُ فِيهَا نَفْسَهَا.
«لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ سَعِيدَةً كُلَّ الوَقْتِ. لَكِنَّنِي أُحَاوِلُ.»
أَمْسَكَ جَدُّهَا بِيَدِهَا، وَمَسَحَ بِإِبْهَامِهِ عَلَى أَصَابِعِهَا.
«هَذَا كَافٍ يَا لُونَا. لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونِي سَعِيدَةً كُلَّ يَوْمٍ. يَجِبُ فَقَطْ أَلَّا تَتَوَقَّفِي عَنِ المُحَاوَلَةِ.»
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، أَخْبَرَهَا أَنَّهُ يُرِيدُهَا أَنْ تَبْقَى فِي المَزْرَعَةِ مُدَّةً أَطْوَلَ. قَالَ إِنَّ البَيْتَ يَبْدُو أَكْثَرَ حَيَاةً حِينَ تَكُونُ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَعُدْ يُحِبُّ أَنْ يَقْضِيَ أَيَّامَهُ وَحْدَهُ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ، وَشَعَرَتْ بِغُصَّةٍ فِي حَلْقِهَا.
«سَأَبْقَى، جَدِّي.»
«حَتَّى لَوْ طَلَبْتُ مِنْكِ أَنْ تَبْقَيْ أَكْثَرَ مِنْ أُسْبُوعٍ؟»
«حَتَّى لَوْ طَلَبْتَ مِنِّي أَنْ أَبْقَى العَامَ كُلَّهُ.»
ضَحِكَ بِهُدُوءٍ، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ سَيَصِيرُ مِنْ أَغْلَى الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي سَتَحْمِلُهَا مَعَهَا.
بَعْدَ أَيَّامٍ، مَرِضَ جَدُّهَا بِشِدَّةٍ. وَفِي صَبَاحٍ غَائِمٍ، وَصَلَتْ لُونَا إِلَى غُرْفَتِهِ فَوَجَدَتْهُ مُسْتَلْقِيًا، وَتَنَفُّسُهُ ضَعِيفٌ.
اِنْحَنَتْ عَلَيْهِ.
«جَدِّي؟ أَنَا هُنَا.»
فَتَحَ عَيْنَيْهِ بِصُعُوبَةٍ، وَبَحَثَ عَنْ يَدِهَا.
«لُونَا...»
«لَا تَتَكَلَّمْ. سَأَسْتَدْعِي الطَّبِيبَ.»
شَدَّ عَلَى يَدِهَا بِقُوَّةٍ لَمْ تَتَوَقَّعْهَا مِنْهُ.
«اِسْمَعِينِي.»
اِنْهَارَ صَوْتُهَا.
«أَرْجُوكَ، لَا تَفْعَلْ هَذَا.»
اِبْتَسَمَ ابْتِسَامَةً ضَعِيفَةً.
«أَنْتِ لَسْتِ وَحْدَكِ. تَذَكَّرِي ذَلِكَ.»
«لَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ وَحْدِي!»
خَرَجَتِ الكَلِمَاتُ مِنْهَا كَصَرْخَةٍ، وَأَمْسَكَتْ بِهِ كَأَنَّهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُبْقِيَهُ.
«لَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ وَحْدِي!»
خَرَجَتِ الْكَلِمَاتُ مِنْهَا كَصَرْخَةٍ، وَأَمْسَكَتْ بِهِ كَأَنَّهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُبْقِيَهُ حَيًّا بِقُوَّةِ ذِرَاعَيْهَا.
نَظَرَ إِلَيْهَا جَدُّهَا طَوِيلًا، وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَحْفَظَ وَجْهَهَا فِي ذَاكِرَتِهِ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ.
«يَا صَغِيرَتِي... لَمْ تَكُونِي وَحْدَكِ يَوْمًا، وَلَنْ تَكُونِي.»
هَزَّتْ رَأْسَهَا بِعُنْفٍ، وَانْهَمَرَتْ دُمُوعُهَا عَلَى وَجْهِهَا.
«سَتَتَحَسَّنُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ سَتَنْهَضُ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ، وَسَتَصْرُخُ عَلَيَّ لِأَنَّنِي أَهْمَلْتُ الحَدِيقَةَ، وَسَتَقُولُ لِي إِنَّنِي لَا أَعْرِفُ شَيْئًا عَنِ الحَيَاةِ!»
حَاوَلَ أَنْ يَضْحَكَ، لَكِنَّ أَنْفَاسَهُ خَانَتْهُ.
«وَأَنْتِ سَتَتَظَاهَرِينَ بِأَنَّكِ لَا تَسْمَعِينَ نَصَائِحِي، كَمَا تَفْعَلِينَ دَائِمًا.»
اِنْحَنَتْ وَقَبَّلَتْ يَدَهُ.
«سَأَسْمَعُهَا كُلَّهَا، أَعِدُكَ. سَأَفْعَلُ كُلَّ مَا تُرِيدُهُ، فَقَطْ لَا تَتْرُكْنِي.»
رَفَعَ يَدَهُ بِصُعُوبَةٍ، وَمَسَحَ دَمْعَةً عَنْ خَدِّهَا.
«لَا تَجْعَلِي حُزْنَكِ سَجْنًا تَعِيشِينَ فِيهِ. أَنْتِ تَسْتَحِقِّينَ حَيَاةً أَجْمَلَ مِنَ الأَلَمِ الَّذِي عَرَفْتِهِ.»
ثُمَّ تَغَيَّرَ تَنَفُّسُهُ، وَشَعَرَتْ لُونَا بِأَنَّ شَيْئًا فَظِيعًا يَقْتَرِبُ.
«جَدِّي؟»
لَمْ يُجِبْ.
«جَدِّي، اُنْظُرْ إِلَيَّ! أَنَا لُونَا!»
اِضْطَرَبَ صَوْتُهَا، وَهَزَّتْ كَتِفَهُ بِرِفْقٍ أَوَّلًا، ثُمَّ بِخَوْفٍ أَشَدَّ.
«لَا تُغْمِضْ عَيْنَيْكَ! أَرْجُوكَ!»
لَكِنَّ عَيْنَيْهِ بَقِيَتَا مُغْمَضَتَيْنِ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ تَعُدْ تَسْمَعُ صَوْتَ الرِّيحِ خَارِجَ النَّافِذَةِ، وَلَا صَوْتَ السَّاعَةِ القَدِيمَةِ المُعَلَّقَةِ عَلَى الجِدَارِ. كَأَنَّ العَالَمَ كُلَّهُ تَوَقَّفَ، وَكَأَنَّ البَيْتَ الَّذِي عَرَفَ ضَحِكَتَهَا وَغَضَبَهَا وَخُطُوَاتِهَا المُتَسَارِعَةَ قَدْ فَقَدَ رُوحَهُ فَجْأَةً.
صَرَخَتْ بِاسْمِهِ، وَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا، وَظَلَّتْ تُرَدِّدُ أَنَّهُ لَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَرْحَلَ.
لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِتَوْدِيعِهِ. لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِأَنْ تَسْتَيْقِظَ فِي صَبَاحٍ لَا تَجِدُهُ فِيهِ عِنْدَ الحَدِيقَةِ، وَلِأَنْ تَمُرَّ بِغُرْفَتِهِ دُونَ أَنْ تَسْمَعَ صَوْتَهُ، وَلِأَنْ تَجْلِسَ عَلَى المَقْعَدِ الخَشَبِيِّ وَحْدَهَا.
عِنْدَمَا وَصَلَ مَاتْيُو، كَانَتْ لُونَا لَا تَزَالُ جَالِسَةً بِجَانِبِ السَّرِيرِ، تَحْتَضِنُ يَدَ جَدِّهَا البَارِدَةَ.
تَوَقَّفَ عِنْدَ البَابِ، وَفَهِمَ مِنْ وَجْهِهَا كُلَّ شَيْءٍ.
لَمْ يَسْأَلْهَا مَا حَدَثَ.
اِقْتَرَبَ بِبُطْءٍ، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ أَمَامَهَا.
«لُونَا...»
رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَيْهِ، وَكَانَ فِيهِمَا ذُعْرٌ لَمْ يَرَهُ فِيهِمَا مِنْ قَبْلُ.
«قُلْ لَهُ أَنْ يَسْتَيْقِظَ، مَاتْيُو. أَنْتَ طَبِيبٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ قُلْ لَهُ أَنْ يَسْتَيْقِظَ!»
اِنْكَسَرَ شَيْءٌ فِي دَاخِلِهِ وَهُوَ يَسْمَعُهَا.
أَمْسَكَ بِوَجْهِهَا بِيَدَيْهِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَجْعَلَهَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ.
«لَيْتَنِي أَسْتَطِيعُ.»
اِرْتَجَفَ فَمُهَا، وَبَدَأَتْ تَبْكِي بِصَوْتٍ عَالٍ.
«لَقَدْ وَعَدْتُهُ أَنْ أَبْقَى! وَعَدْتُهُ أَنْ أَبْقَى مَعَهُ!»
ضَمَّهَا مَاتْيُو إِلَى صَدْرِهِ، فَدَفَنَتْ وَجْهَهَا فِي قَمِيصِهِ وَبَكَتْ كَأَنَّهَا عَادَتْ طِفْلَةً فَقَدَتْ طَرِيقَهَا إِلَى البَيْتِ.
لَمْ يَطْلُبْ مِنْهَا أَنْ تَهْدَأَ، وَلَمْ يَقُلْ لَهَا إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَيَمُرُّ. فَقَدْ عَرَفَ أَنَّ بَعْضَ الخَسَائِرِ لَا تُخَفِّفُهَا العِبَارَاتُ، وَأَنَّ أَقْصَى مَا يَسْتَطِيعُهُ الإِنْسَانُ أَحْيَانًا هُوَ أَنْ يَبْقَى بِجَانِبِ مَنْ يَتَأَلَّمُ.
فِي الجَنَازَةِ، وَقَفَتْ لُونَا صَامِتَةً، وَالقِلَادَةُ الفِضِّيَّةُ مُتَدَلِّيَةٌ مِنْ عُنُقِهَا. لَمْ تَبْكِ أَمَامَ النَّاسِ كَثِيرًا، لَكِنَّ يَدَهَا لَمْ تَتَوَقَّفْ عَنْ قَبْضِ القِلَادَةِ حَتَّى تَرَكَتْ آثَارُهَا عَلَى كَفِّهَا.
وَعِنْدَمَا عَادَتْ إِلَى البَيْتِ، كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ يُذَكِّرُهَا بِهِ.
«لَقَدْ رَحَلْتَ أَنْتَ أَيْضًا...»
هَمَسَتْ بِهَا، وَشَعَرَتْ بِأَنَّ المَزْرَعَةَ صَارَتْ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَحْتَمِلَهَا وَحْدَهَا.
لَكِنَّ مَاتْيُو لَمْ يَتْرُكْهَا وَحْدَهَا.
كَانَ يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ، يُعِدُّ لَهَا الطَّعَامَ حِينَ تَنْسَى أَنْ تَأْكُلَ، وَيَجْلِسُ مَعَهَا فِي الحَدِيقَةِ حِينَ تَرْفُضُ الحَدِيثَ، وَيُصْغِي إِلَيْهَا حِينَ تَتَحَدَّثُ عَنْ جَدِّهَا كَأَنَّهُ سَيَعُودُ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ.
وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي، وَجَدَهَا وَاقِفَةً فِي المَطْبَخِ، تُحَاوِلُ إِعَادَةَ تَرْتِيبِ الأَكْوَابِ فِي الخِزَانَةِ.
قَالَ بِهُدُوءٍ:
«لُونَا، لَيْسَ عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي كُلَّ شَيْءٍ اليَوْمَ.»
أَجَابَتْ دُونَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ:
«إِذَا تَوَقَّفْتُ عَنِ الحَرَكَةِ، سَأَتَذَكَّرُ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ هُنَا.»
اِقْتَرَبَ مِنْهَا، وَأَخَذَ الكَأْسَ مِنْ يَدِهَا قَبْلَ أَنْ تَسْقُطَ.
«وَإِذَا ظَلَلْتِ تَتَحَرَّكِينَ دُونَ أَنْ تَرْتَاحِي، فَسَتَنْهَارِينَ.»
اِلْتَفَتَتْ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ مُحْمَرَّتَيْنِ.
«وَمَاذَا أَفْعَلُ إِذًا؟ كَيْفَ أَعِيشُ فِي بَيْتٍ كُلُّ زَاوِيَةٍ فِيهِ تَحْمِلُ صَوْتَهُ؟»
رَفَعَ يَدَهُ، وَأَزَاحَ خُصْلَةً سَقَطَتْ عَلَى عَيْنِهَا.
«تَعِيشِينَ يَوْمًا وَاحِدًا فَقَطْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. لَا تُجْبِرِي نَفْسَكِ عَلَى أَنْ تَعْرِفِي كَيْفَ سَتَعِيشِينَ العُمْرَ كُلَّهُ.»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
«وَهَلْ سَتَبْقَى مَعِي؟»
لَمْ يُجِبْهَا فَوْرًا. أَمْسَكَ يَدَهَا، وَقَالَ:
«مَا دُمْتِ تُرِيدِينَ وُجُودِي، فَلَنْ أَجْعَلَكِ تُوَاجِهِينَ هَذَا وَحْدَكِ.»
اِنْخَفَضَ رَأْسُهَا، وَتَرَكَتْ دُمُوعَهَا تَسْقُطُ دُونَ مُقَاوَمَةٍ.
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ مَتَى تَحَوَّلَ مَاتْيُو مِنْ صَدِيقٍ تُشَارِكُهُ المَغَامَرَاتِ إِلَى الشَّخْصِ الَّذِي تَبْحَثُ عَنْهُ عَيْنَاهَا فِي كُلِّ غُرْفَةٍ، وَإِلَى الصَّوْتِ الَّذِي يُعِيدُ إِلَيْهَا شُعُورَهَا بِالأَمَانِ حِينَ يَضِيقُ العَالَمُ.
وَلَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّ قَلْبَهُ، هُوَ الآخَرُ، بَدَأَ يَخَافُ مِنْ شَيْءٍ جَدِيدٍ؛ لَمْ يَعُدْ يَخَافُ فَقَطْ مِنْ أَنْ تَمُوتَ لُونَا، بَلْ مِنْ أَنْ يَمْضِيَ عُمْرُهُ كُلُّهُ دُونَ أَنْ يَقُولَ لَهَا مَا أَصْبَحَتْ تَعْنِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ.
مَرَّتْ أَشْهُرٌ، وَبَدَأَتِ المَزْرَعَةُ تَسْتَعِيدُ شَيْئًا مِنْ حَيَاتِهَا.
كَانَتْ لُونَا تَتَوَلَّى بَعْضَ أَعْمَالِهَا، وَتُسَاعِدُ العُمَّالَ، وَتُحَاوِلُ أَنْ تَحْفَظَ مَا تَرَكَهُ جَدُّهَا. وَكَانَ مَاتْيُو يُوَاصِلُ دِرَاسَتَهُ، وَيَعْمَلُ مَا اسْتَطَاعَ لِيُغَطِّيَ نَفَقَاتِهِ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الحُلْمِ الَّذِي كَادَ الحُزْنُ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُ.
وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، وَصَلَتْ رِسَالَةٌ رَسْمِيَّةٌ إِلَى البَيْتِ، تَتَعَلَّقُ بِتَرِكَةِ الجَدِّ.
جَلَسَتْ لُونَا أَمَامَ المُحَامِي، وَكَفُّهَا بَارِدَةٌ وَهِيَ تَسْتَمِعُ إِلَى مَا يَقُولُهُ. لَمْ يَتْرُكْ لَهَا جَدُّهَا ثَرْوَةً ضَخْمَةً، كَمَا تَخَيَّلَتْ بَعْضُ الأَحْيَانِ، وَلَكِنَّهُ تَرَكَ لَهَا المَزْرَعَةَ وَالبَيْتَ وَمَبْلَغًا مِنَ المَالِ كَانَ قَدِ ادَّخَرَهُ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
وَكَانَ هُنَاكَ خَطَابٌ كَتَبَهُ لَهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ.
أَخَذَتِ الوَرَقَةَ، وَفَتَحَتْهَا بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ.
«إِلَى لُونَا، حَفِيدَتِي الَّتِي لَمْ تَكُنْ تَشْبِهُ أَحَدًا، وَلَمْ تَحَاوِلْ يَوْمًا أَنْ تَكُونَ نُسْخَةً مِنْ أَحَدٍ.
أَعْرِفُ أَنَّنِي لَنْ أَكُونَ مَعَكِ فِي كُلِّ مَرَاحِلِ حَيَاتِكِ، وَأَعْرِفُ أَنَّكِ سَتَغْضَبِينَ مِنِّي لِأَنَّنِي رَحَلْتُ دُونَ أَنْ أَسْتَأْذِنَكِ.
لَكِنَّنِي أُرِيدُكِ أَنْ تَعْرِفِي أَنَّ هَذَا البَيْتَ لَيْسَ مَجَرَّدَ جُدْرَانٍ وَأَرْضٍ. إِنَّهُ المَكَانُ الَّذِي يُمْكِنُكِ أَنْ تَعُودِي إِلَيْهِ كُلَّمَا أَتْعَبَكِ العَالَمُ.
لَا تَجْعَلِي مَا مَرَرْتِ بِهِ يَحْكُمُ عَلَى مَا سَتَكُونِينَ عَلَيْهِ. أَنْتِ أَكْثَرُ مِنْ أَخْطَائِكِ، وَأَكْثَرُ مِنْ حُزْنِكِ، وَأَكْثَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ظَنَنْتِ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَكْسِرُكِ.
أُحِبُّكِ، يَا لُونَا.
جَدُّكِ.»
عِنْدَ آخِرِ كَلِمَةٍ، اِنْحَنَتْ لُونَا عَلَى الرِّسَالَةِ وَبَكَتْ.
لَمْ تَبْكِ لِأَنَّهُ رَحَلَ فَقَطْ، بَلْ لِأَنَّهُ تَرَكَهَا وَهِيَ تَحْمِلُ فِي صَدْرِهَا كُلَّ الكَلِمَاتِ الَّتِي لَمْ تَقُلْهَا لَهُ، وَكُلَّ اللَّحَظَاتِ الَّتِي ظَنَّتْ أَنَّهَا سَتَتَكَرَّرُ.
وَعِنْدَمَا خَرَجَتْ مِنْ مَكْتَبِ المُحَامِي، كَانَ مَاتْيُو يَنْتَظِرُهَا.
لَمَّا رَآهَا تَحْمِلُ الرِّسَالَةَ وَعَيْنَيْهَا مُتَوَرِّمَتَانِ، فَتَحَ ذِرَاعَيْهِ دُونَ كَلِمَةٍ.
اِقْتَرَبَتْ مِنْهُ، وَأَسْنَدَتْ جَبِينَهَا إِلَى صَدْرِهِ.
«تَرَكَ لِي البَيْتَ كُلَّهُ، مَاتْيُو، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ لِي نَفْسَهُ.»
أَحَاطَهَا بِذِرَاعَيْهِ.
«لَمْ يَتْرُكْكِ وَحْدَكِ. لَقَدْ تَرَكَ لَكِ مَكَانًا تَحْمِلِينَ فِيهِ ذِكْرَاهُ.»
اِبْتَعَدَتْ قَلِيلًا، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ.
«وَمَاذَا سَأَفْعَلُ بِكُلِّ هَذَا؟»
«سَتَحْفَظِينَ المَزْرَعَةَ إِنْ كُنْتِ تُرِيدِينَ ذَلِكَ، وَسَتَبْنِينَ حَيَاةً تَسْتَحِقِّينَهَا. لَنْ يَكُونَ الأَمْرُ سَهْلًا، وَلَكِنَّكِ لَسْتِ مُضْطَرَّةً إِلَى اتِّخَاذِ كُلِّ قَرَارٍ اليَوْمَ.»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَتْ:
«وَأَنْتَ؟ مَاذَا سَتَفْعَلُ؟»
اِبْتَسَمَ بِشَيْءٍ مِنَ الحَيَاءِ.
«سَأُكْمِلُ دِرَاسَتِي. كَمَا وَعَدْتُ أُمِّي.»
لَاحَتْ فِي عَيْنَيْهِ لَمْحَةُ حُزْنٍ عِنْدَ ذِكْرِهَا، فَأَمْسَكَتْ لُونَا يَدَهُ.
«وَسَتُصْبِحُ أَفْضَلَ طَبِيبٍ فِي إِسْبَانْيَا.»
ضَحِكَ.
«هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا.»
«لَا، بَلْ قَلِيلٌ. سَأَشْتَكِي عَلَيْكَ إِذَا لَمْ تُحَقِّقْهُ.»
«وَهَلْ سَتُشْتَكِينَ عَلَيَّ وَأَنَا فِي المُسْتَشْفَى؟»
«سَأَحْضُرُ إِلَى عَمَلِكَ وَأُحْرِجُكَ أَمَامَ المَرْضَى.»
ضَحِكَ مَاتْيُو مِنْ قَلْبِهِ لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ وَفَاةِ أُمِّهِ، وَشَعَرَتْ لُونَا أَنَّ ضَحْكَتَهُ لَيْسَتْ خِيَانَةً لِحُزْنِهِ، بَلْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الحَيَاةَ مَا زَالَتْ تَحْمِلُ لَهُمَا شَيْئًا مِنَ الرَّحْمَةِ.
مَعَ مُرُورِ الوَقْتِ، بَدَأَتْ لُونَا تُرَتِّبُ أُمُورَ المَزْرَعَةِ. أَصْلَحَتْ مَا تَلِفَ مِنْ أَسْوَارِهَا، وَنَظَّمَتْ حِسَابَاتِهَا، وَاتَّفَقَتْ مَعَ العُمَّالِ عَلَى أَنْ يَسْتَمِرَّ العَمَلُ دُونَ أَنْ تَضْطَرَّ إِلَى إِهْمَالِ الأَرْضِ الَّتِي أَحَبَّهَا جَدُّهَا.
وَلَمْ تَعُدْ تُفَكِّرُ فِي المَالِ الَّذِي جَمَعَاهُ مِنَ السَّرِقَاتِ كَأَنَّهُ طَرِيقُهُمَا إِلَى الخَلَاصِ. بَلْ أَصْبَحَ مَصْدَرَ خَوْفٍ وَنَدَمٍ، وَقَرَّرَا أَنْ يَحْتَفِظَا بِمَا بَقِيَ مِنْهُ دُونَ أَنْ يَسْتَخْدِمَاهُ لِبِنَاءِ مُسْتَقْبَلِهِمَا، وَأَنْ يُوَاجِهَا عَوَاقِبَ أَفْعَالِهِمَا بِمَسْؤُولِيَّةٍ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَظَلَّا هَارِبَيْنِ مِنْهَا.
لَمْ تَكُنْ لُونَا قَدْ أَصْبَحَتْ إِنْسَانَةً مُخْتَلِفَةً تَمَامًا؛ فَمَا زَالَتْ تَضْحَكُ فِي الأَوْقَاتِ غَيْرِ المُنَاسِبَةِ، وَتَقُولُ مَا يَخْطُرُ فِي بَالِهَا، وَتُغَضِبُ مَاتْيُو بِعِنَادِهَا. لَكِنَّهَا تَعَلَّمَتْ أَنَّ الشَّجَاعَةَ لَيْسَتْ أَنْ تَدْخُلَ كُلَّ مَعْرَكَةٍ، وَأَنَّ الحُرِّيَّةَ لَا تَعْنِي أَنْ تُحَطِّمَ كُلَّ قَيْدٍ دُونَ أَنْ تَسْأَلَ عَمَّا سَيَبْقَى بَعْدَهُ.
أَمَّا مَاتْيُو، فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي دِرَاسَتِهِ بِصُعُوبَةٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَسْلِمْ. كُلَّمَا أَحَسَّ بِالتَّعَبِ، تَذَكَّرَ أُمَّهُ وَهِيَ تَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُكْمِلَ طَرِيقَهُ، وَتَذَكَّرَ أَنَّ حُلْمَهُ لَمْ يَكُنْ يَخُصُّهُ وَحْدَهُ.
وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي، كَانَ يَجْلِسُ مَعَ لُونَا عَلَى سَقِيفَةِ البَيْتِ، وَتَحْتَهُمَا تَمْتَدُّ أَرْضُ المَزْرَعَةِ، وَفَوْقَهُمَا تَتَلَأْلَأُ نُجُومٌ بَعِيدَةٌ.
قَالَتْ لُونَا وَهِيَ تُحَرِّكُ قِلَادَتَهَا:
«هَلْ تَظُنُّ أَنَّنَا كُنَّا سَنَكُونُ صَدِيقَيْنِ لَوْ أَنَّنَا لَمْ نَفْعَلْ كُلَّ مَا فَعَلْنَاهُ؟»
فَكَّرَ مَاتْيُو قَلِيلًا.
«رُبَّمَا. وَلَكِنَّنَا كُنَّا سَنَكُونُ شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.»
«أَفَضْلَ أَمْ أَسْوَأَ؟»
«لَا أَعْرِفُ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّنِي لَا أُرِيدُ أَنْ أَعُودَ إِلَى تِلْكَ اللَّيَالِي.»
سَكَتَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتْ:
«وَلَا أَنَا.»
اِلْتَفَتَ إِلَيْهَا.
«لُونَا، هَلْ تَعْلَمِينَ مَا الَّذِي أَخَافُ مِنْهُ الآنَ؟»
رَفَعَتْ حَاجِبَهَا.
«أَنْ أَفْشَلَ فِي الِامْتِحَانِ؟ لِأَنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكْتُبَ لَكَ وَصِيَّةً مِنَ الآنِ.»
اِبْتَسَمَ، ثُمَّ عَادَ وَجْهُهُ إِلَى الجِدِّيَّةِ.
«أَخَافُ أَنْ أَقْضِيَ عُمْرِي أُؤَجِّلُ شَيْئًا مُهِمًّا، ثُمَّ أَكْتَشِفَ أَنَّ الوَقْتَ قَدْ انْتَهَى.»
تَوَقَّفَتْ أَصَابِعُهَا عَنِ العَبَثِ بِالقِلَادَةِ.
«وَمَا هُوَ هَذَا الشَّيْءُ؟»
نَظَرَ إِلَيْهَا، وَبَدَا كَأَنَّهُ يَجْمَعُ شَجَاعَتَهُ لِأَمْرٍ أَصْعَبَ مِنْ كُلِّ مَا مَرَّ بِهِ.
«أَنْ أَقُولَ لَكِ إِنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَرَاكِ كَمَا كُنْتُ أَرَاكِ مِنْ قَبْلُ.»
شَعَرَتْ لُونَا بِأَنَّ قَلْبَهَا تَوَقَّفَ لِثَانِيَةٍ.
«كَيْفَ تَرَانِي إِذًا؟»
اِبْتَلَعَ رِيقَهُ، ثُمَّ قَالَ:
«أَرَاكِ الشَّخْصَ الَّذِي أُرِيدُ أَنْ أَعُودَ إِلَيْهِ فِي نِهَايَةِ كُلِّ يَوْمٍ. أَرَاكِ مَنْ أَخَافُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي، وَمَنْ أُرِيدُ أَنْ أُشَارِكَهَا أَفْرَاحِي وَخَوْفِي وَكُلَّ مَا سَيَأْتِي.»
لَمْ تَتَكَلَّمْ لُونَا.
كَانَتْ قَدْ سَمِعَتْ كَلِمَاتٍ كَثِيرَةً فِي حَيَاتِهَا، وَرَأَتْ وُجُوهًا تَعِدُهَا بِأَشْيَاءَ ثُمَّ تَرْحَلُ، وَلَكِنَّ كَلَامَ مَاتْيُو كَانَ مُخْتَلِفًا؛ لَمْ يَكُنْ جَمِيلًا فَقَطْ، بَلْ كَانَ صَادِقًا، مَحْمُولًا عَلَى سَنَوَاتٍ مِنَ الخَوْفِ وَالوَفَاءِ وَالوُقُوفِ إِلَى جَانِبِهَا.
نَظَرَتْ إِلَى يَدَيْهَا، ثُمَّ إِلَيْهِ.
«أَنَا لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَكُونُ حَبِيبَةً جَيِّدَةً، مَاتْيُو. أَنَا لَا أَعْرِفُ حَتَّى كَيْفَ أَكُونُ إِنْسَانَةً عَادِيَّةً.»
قَرَّبَ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا، وَلَمْ يُجْبِرْهَا عَلَى إِمْسَاكِهَا.
«لَا أُرِيدُكِ أَنْ تَكُونِي شَخْصًا آخَرَ. أُرِيدُكِ أَنْ تَكُونِي أَنْتِ، وَلَكِنْ أَنْ نَتَعَلَّمَ مَعًا كَيْفَ نَعِيشُ دُونَ أَنْ نُؤْذِيَ أَنْفُسَنَا.»
نَظَرَتْ إِلَى يَدِهِ المَمْدُودَةِ، ثُمَّ وَضَعَتْ يَدَهَا فِيهَا.
«أَنَا خَائِفَةٌ.»
اِبْتَسَمَ بِحَنَانٍ.
«أَنَا أَيْضًا.»
«وَإِذَا أَفْسَدْتُ كُلَّ شَيْءٍ؟»
«سَنَتَحَدَّثُ.»
«وَإِذَا غَضِبْتُ مِنْكَ؟»
«سَأَسْتَمِعُ إِلَيْكِ.»
«وَإِذَا هَرَبْتُ مِنْكَ؟»
شَدَّ عَلَى يَدِهَا بِرِفْقٍ.
«سَأَطْلُبُ مِنْكِ أَنْ تَعُودِي، وَلَنْ أَجْعَلَكِ تَعْتَقِدِينَ أَنَّكِ مُضْطَرَّةٌ إِلَى الهَرَبِ حَتَّى تَجِدِي مَكَانًا لَكِ مَعِي.»
ظَلَّتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَالَتْ نَحْوَهُ وَوَضَعَتْ رَأْسَهَا عَلَى كَتِفِهِ.
«أَظُنُّ أَنَّنِي أُحِبُّكَ أَيْضًا، يَا طَبِيبَ المُسْتَقْبَلِ.»
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَضَحِكَ بِخِفَّةٍ.
«أَظُنُّ؟»
رَفَعَتْ رَأْسَهَا وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِتَحَدٍّ.
«لَا تَطْمَعْ. هَذَا أَكْبَرُ اعْتِرَافٍ سَتَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنِّي.»
«سَأَقْبَلُ بِهِ مُؤَقَّتًا.»
«مُؤَقَّتًا؟»
«حَتَّى تُحِبِّينَنِي بِشَكْلٍ أَوْضَحَ.»
ضَرَبَتْ كَتِفَهُ بِكَفِّهَا، فَضَحِكَ، وَضَحِكَتْ مَعَهُ.
أَسْنَدَتْ لُونَا جَبِينَهَا إِلَى جَبِينِهِ.
«إِيَّاكَ أَنْ تُخْبِرَ أَحَدًا أَنَّنِي أَصْبَحْتُ رُومَانْسِيَّةً.»
«سَأَحْفَظُ السِّرَّ، يَا لُونَا.»
«وَإِيَّاكَ أَنْ تُصْبِحَ مُغْرُورًا.»
«هَذَا سَيَكُونُ أَصْعَبَ.»
ضَحِكَتْ، وَفِي دَاخِلِهَا شَعَرَتْ بِأَنَّ شَيْئًا جَدِيدًا يَنْبُتُ فِي مَكَانٍ ظَنَّتْ أَنَّهُ لَنْ يَعُودَ صَالِحًا لِلْحَيَاةِ.
لَمْ يَكُنْ حُبُّهُمَا نِهَايَةً لِكُلِّ مَا عَانَيَاهُ. لَمْ يَمْحُ مَوْتَ أُمِّهِ، وَلَا فَقْدَ جَدِّهَا، وَلَا الأَخْطَاءَ الَّتِي ارْتَكَبَاهَا. لَكِنَّهُ مَنَحَهُمَا سَبَبًا جَدِيدًا لِيَخْتَارَا طَرِيقًا مُخْتَلِفًا.
مَرَّتِ السَّنَوَاتُ، وَمَاتْيُو يَجْتَازُ مَرَاحِلَ دِرَاسَتِهِ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى. كَانَتْ لُونَا تَنْتَظِرُهُ أَحْيَانًا وَهُوَ يَعُودُ مُتْعَبًا مِنَ الجَامِعَةِ، وَتُعِدُّ لَهُ الطَّعَامَ، ثُمَّ تَسْرِقُ كُتُبَهُ لِتُخْفِيَهَا عَنْهُ حِينَ يُبَالِغُ فِي الدِّرَاسَةِ.
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَسْأَلُهَا فِيهَا عَمَّا فَعَلَتْ، كَانَتْ تُجِيبُهُ بِبَرَاءَةٍ مُصْطَنَعَةٍ:
«لَا أَعْرِفُ عَمَّا تَتَحَدَّثُ.»
«لُونَا، أَعِيدِي كِتَابِي قَبْلَ أَنْ أَفْقِدَ عَقْلِي!»
ضَحِكَتْ وَهِيَ تَتَرَاجَعُ نَحْوَ البَابِ، وَالكِتَابُ مَخْبُوءٌ خَلْفَ ظَهْرِهَا.
«أَتَقْصِدُ هَذَا؟»
رَفَعَتْهُ فِي الهَوَاءِ، فَأَطْلَقَ مَاتْيُو تَنَهُّدًا طَوِيلًا، ثُمَّ نَهَضَ وَتَقَدَّمَ نَحْوَهَا.
«أَنْتِ لَا تُدْرِكِينَ أَنَّنِي سَأَرْسُبُ بِسَبَبِكِ.»
«وَأَنْتَ لَا تُدْرِكُ أَنَّنِي أُحَاوِلُ إِنْقَاذَكَ مِنَ الجُنُونِ الَّذِي سَيُصِيبُكَ إِذَا ظَلَلْتَ تَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ الصَّفَحَاتِ حَتَّى الصَّبَاحِ.»
«أَعْطِينِيهِ.»
«قُلْ مِنْ فَضْلِكِ.»
«لُونَا.»
«هَذَا لَيْسَ مِنْ فَضْلِكِ.»
حَاوَلَ أَنْ يَأْخُذَ الكِتَابَ مِنْهَا، فَرَفَعَتْهُ فَوْقَ رَأْسِهَا، وَتَحَوَّلَ الأَمْرُ إِلَى مُطَارَدَةٍ صَغِيرَةٍ دَارَتْ فِي أَنْحَاءِ الغُرْفَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ، تَعَثَّرَتْ لُونَا بِحَافَّةِ السَّجَّادَةِ، فَأَمْسَكَ مَاتْيُو بِخَصْرِهَا قَبْلَ أَنْ تَسْقُطَ.
تَوَقَّفَا فِي مَكَانِهِمَا.
كَانَتْ يَدَاهُ تُحِيطَانِ بِهَا، وَكَانَتْ عَيْنَاهَا تَنْظُرَانِ إِلَى وَجْهِهِ القَرِيبِ، وَفَجْأَةً نَسِيَتْ مَا كَانَتْ تَسْتَعِدُّ لِقَوْلِهِ.
اِبْتَسَمَ مَاتْيُو بِمَكْرٍ.
«أَظُنُّ أَنَّنِي اسْتَطَعْتُ أَخِيرًا إِمْسَاكَكِ.»
اِسْتَعَادَتْ لُونَا عِنَادَهَا، وَدَفَعَتْهُ عَنْهَا بِرِفْقٍ.
«لَا تَفْرَحْ كَثِيرًا. كُنْتُ أُشْفِقُ عَلَيْكَ فَقَطْ.»
أَخَذَ الكِتَابَ مِنْ يَدِهَا، ثُمَّ طَبَعَ قُبْلَةً عَلَى جَبِينِهَا.
«وَأَنَا أُشْفِقُ عَلَى مَنْ سَيَضْطَرُّ إِلَى التَّعَامُلِ مَعَكِ بَعْدَ أَنْ أُصْبِحَ طَبِيبًا.»
«إِذًا، مِنَ الأَفْضَلِ أَنْ تَبْقَى طَالِبًا إِلَى الأَبَدِ.»
خَرَجَ مِنَ الغُرْفَةِ وَهُوَ يَضْحَكُ، وَتَبِعَتْهُ بِخُطُوَاتٍ سَرِيعَةٍ، تُهَدِّدُهُ بِأَنَّهَا سَتُخْفِي كُتُبَهُ كُلَّهَا فِي المَرَّةِ القَادِمَةِ.
لَمْ تَعُدْ ضَحِكَتُهُمَا نَادِرَةً كَمَا كَانَتْ فِي الأَشْهُرِ الأُولَى بَعْدَ الفَقْدِ. صَارَتْ جُزْءًا مِنْ أَيَّامِهِمَا، تَظْهَرُ فِي المَطْبَخِ، وَفِي الحَدِيقَةِ، وَفِي الطَّرِيقِ إِلَى المَدِينَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَتْ هُنَاكَ لَيَالٍ يَسْتَيْقِظُ فِيهَا مَاتْيُو عَلَى ذِكْرَى أُمِّهِ، وَلَيَالٍ تَجْلِسُ فِيهَا لُونَا أَمَامَ صُورَةِ جَدِّهَا، وَتَشْعُرُ بِأَنَّ الحَنِينَ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ تَحْمِلَهُ.
لَكِنَّهُمَا تَعَلَّمَا أَلَّا يَخْجَلَا مِنْ حُزْنِهِمَا، وَأَلَّا يَعُدَّا السَّعَادَةَ خِيَانَةً لِمَنْ رَحَلُوا.
وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، وَصَلَتْ إِلَى مَاتْيُو رِسَالَةٌ مِنَ الجَامِعَةِ، تُخْبِرُهُ بِمَوْعِدِ امْتِحَانَاتِهِ النِّهَائِيَّةِ. قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى الطَّاوِلَةِ وَجَلَسَ صَامِتًا.
كَانَتْ لُونَا تُرَاقِبُهُ مِنْ طَرَفِ الغُرْفَةِ.
«مَاذَا حَدَثَ؟ هَلْ قَرَّرُوا أَنَّكَ لَا تَصْلُحُ لِلطِّبِّ؟»
لَمْ يَبْتَسِمْ.
فَاقْتَرَبَتْ مِنْهُ، وَجَلَسَتْ عَلَى حَافَّةِ الكُرْسِيِّ المُقَابِلِ.
«مَاتْيُو؟»
رَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَيْهَا.
«سَتَنْتَهِي هَذِهِ المَرْحَلَةُ قَرِيبًا. وَبَعْدَهَا سَيَبْدَأُ عَمَلِي الحَقِيقِيُّ، وَسَتَكُونُ هُنَاكَ مَسْؤُولِيَّاتٌ أَكْبَرُ. أَخَافُ أَلَّا أَكُونَ بِمُسْتَوَى مَا يَنْتَظِرُهُ النَّاسُ مِنِّي.»
أَمْسَكَتْ لُونَا يَدَهُ.
«هَلْ تَذْكُرُ كَيْفَ كُنْتَ تَجْلِسُ فِي المَزْرَعَةِ وَتُخْبِرُنِي أَنَّكَ سَتُصْبِحُ طَبِيبًا، حَتَّى عِنْدَمَا لَمْ يَكُنْ لَدَيْكَ مَا يَكْفِي لِتَسْدِيدِ رُسُومِ دِرَاسَتِكَ؟»
أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ.
«وَهَلْ تَذْكُرُ كَمْ مَرَّةً ظَنَنْتَ أَنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ المُوَاصَلَةَ، ثُمَّ وَاصَلْتَ؟ أَنْتَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَكُونَ خَالِيًا مِنَ الخَوْفِ لِتَكُونَ طَبِيبًا جَيِّدًا. تَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَعْرِفَ كَيْفَ تَعْمَلُ رَغْمَ خَوْفِكَ، وَكَيْفَ تَتَعَلَّمُ مِنْ أَخْطَائِكَ.»
نَظَرَ إِلَيْهَا بِامْتِنَانٍ.
«مَتَى أَصْبَحْتِ حَكِيمَةً إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ؟»
اِبْتَسَمَتْ.
«مُنْذُ أَنْ اضْطُرِرْتُ إِلَى قَضَاءِ سَنَوَاتٍ أُرَاقِبُكَ وَأَنْتَ تَتَحَوَّلُ إِلَى مُسْتَشَارٍ مَجَّانِيٍّ.»
ضَحِكَ، وَشَدَّ عَلَى يَدِهَا.
«لَا أَعْرِفُ كَيْفَ كُنْتُ سَأَصِلُ إِلَى هُنَا مِنْ دُونِكِ.»
أَجَابَتْهُ بِصِدْقٍ:
«وَأَنَا لَا أَعْرِفُ كَيْفَ كُنْتُ سَأَبْقَى وَاقِفَةً مِنْ دُونِكَ.»
ثُمَّ اِنْحَنَتْ وَقَبَّلَتْ يَدَهُ، وَقَالَتْ بِجِدِّيَّةٍ مُصْطَنَعَةٍ:
«وَلِذَلِكَ أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَنْجَحَ. فَقَدْ أَنْفَقْتُ سَنَوَاتٍ مِنْ عُمْرِي فِي إِزْعَاجِكَ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ تَضِيعَ جُهُودِي سُدًى.»
ضَحِكَ حَتَّى اِنْحَنَى رَأْسُهُ، وَعَادَ إِلَى كُتُبِهِ بِقَلْبٍ أَخَفَّ.
وَجَاءَ يَوْمُ الامْتِحَانِ.
وَقَفَتْ لُونَا أَمَامَ البَابِ فِي الصَّبَاحِ، تَحْمِلُ لَهُ فِنْجَانَ قَهْوَةٍ وَقِطْعَةً مِنَ الخُبْزِ الَّذِي أَعَدَّتْهُ مُبَكِّرًا.
«كُلْ. لَا أُرِيدُكَ أَنْ تُغْمَى عَلَيْكَ فِي وَسَطِ الامْتِحَانِ، فَأَضْطَرَّ إِلَى شَرْحِ الأَمْرِ لِلْجَمِيعِ.»
أَخَذَ مَاتْيُو الطَّعَامَ وَهُوَ يَبْتَسِمُ.
«وَمَاذَا سَتَقُولِينَ لَهُمْ؟»
«سَأَقُولُ إِنَّكَ تَظُنُّ أَنَّ القَهْوَاءَ وَالنَّوْمَ قَرَارَانِ طِبِّيَّانِ مُتَعَارِضَانِ.»
«هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ.»
«إِذًا، أَثْبِتْ لِي ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَنْجَحَ.»
قَبَّلَ جَبِينَهَا، ثُمَّ غَادَرَ.
وَظَلَّتْ لُونَا وَاقِفَةً عِنْدَ البَابِ بَعْدَ رَحِيلِهِ، تُحَرِّكُ قِلَادَتَهَا بَيْنَ أَصَابِعِهَا، وَتَهْمِسُ بِدُعَاءٍ صَغِيرٍ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ.
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ لِمَاذَا كَانَتْ أَكْثَرَ تَوَتُّرًا مِنْهُ، مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلِ الامْتِحَانَ، وَلَمْ تَحْمِلْ كُتُبَهُ عَلَى كَتِفَيْهَا، وَلَمْ تَسْهَرْ مَعَهُ لَيَالِيَ طَوِيلَةً تُحَاوِلُ فَهْمَ المُصْطَلَحَاتِ الطِّبِّيَّةِ الَّتِي كَانَ يُرَدِّدُهَا بِلا نِهَايَةٍ. لَكِنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ كَمْ تَعَبَ لِيَصِلَ إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ، وَكَمْ مَرَّةً كَادَ يَتَخَلَّى عَنْ حُلْمِهِ، ثُمَّ عَادَ وَتَمَسَّكَ بِهِ مِنْ جَدِيدٍ.
وَعِنْدَمَا عَادَ فِي المَسَاءِ، كَانَ وَجْهُهُ مُتْعَبًا، وَعَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ تِلْكَ اللَّمْعَةَ الَّتِي تَعْرِفُهَا جَيِّدًا؛ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يُخْفِي خَبَرًا سَعِيدًا.
رَكَضَتْ إِلَيْهِ.
«نَجَحْتَ؟»
اِبْتَسَمَ دُونَ أَنْ يُجِيبَ.
ضَرَبَتْ ذِرَاعَهُ بِخِفَّةٍ.
«مَاتْيُو! لَا تَجْعَلْنِي أَنْدَمُ عَلَى أَنَّنِي لَمْ أُخْفِ كُتُبَكَ هَذِهِ المَرَّةَ!»
ضَحِكَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَأَمْسَكَ وَجْهَهَا.
«نَجَحْتُ يَا لُونَا. لَقَدْ أَكْمَلْتُ دِرَاسَتِي.»
ظَلَّتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ لَحْظَةً، كَأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى وَقْتٍ لِتَسْتَوْعِبَ الكَلِمَاتِ، ثُمَّ أَطْلَقَتْ صَرْخَةَ فَرَحٍ وَأَحَاطَتْ عُنُقَهُ بِذِرَاعَيْهَا.
«كُنْتُ أَعْرِفُ ذَلِكَ! كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّكَ سَتَفْعَلُهَا!»
ضَمَّهَا إِلَيْهِ، وَهَمَسَ فِي أُذُنِهَا:
«لَوْ كَانَتْ أُمِّي هُنَا...»
تَوَقَّفَ صَوْتُهُ، وَشَعَرَتْ لُونَا بِجَسَدِهِ يَتَصَلَّبُ بَيْنَ ذِرَاعَيْهَا.
فَابْتَعَدَتْ قَلِيلًا، وَوَضَعَتْ كَفَّهَا عَلَى خَدِّهِ.
«هِيَ لَيْسَتْ هُنَا كَمَا كُنْتَ تَتَمَنَّى، وَلَكِنَّنِي أَعْلَمُ أَنَّهَا كَانَتْ تَتَمَنَّى هَذَا اليَوْمَ لَكَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ.»
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَتَرَكَ دَمْعَةً تَنْزِلُ عَلَى خَدِّهِ.
«كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ تَرَانِي وَأَنَا أُحَقِّقُ حُلْمَهَا.»
«وَرُبَّمَا كَانَتْ تَرَاكَ بِطَرِيقَةٍ لَا نَفْهَمُهَا. وَرُبَّمَا كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّكَ سَتَصِلُ حَتَّى قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ أَنْتَ ذَلِكَ.»
ضَمَّهَا مَاتْيُو مُجَدَّدًا، وَبَقِيَا عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ طَوِيلًا، حَتَّى خَفَّ وَجَعُهُ قَلِيلًا، وَبَقِيَ الفَرَحُ فِي قَلْبِهِ مَكَانَهُ.
وَبَعْدَ أَشْهُرٍ، حَصَلَ مَاتْيُو عَلَى فُرْصَةِ عَمَلٍ فِي مُسْتَشْفًى فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى، بَعِيدَةٍ عَنِ المَزْرَعَةِ بِسَاعَاتٍ. كَانَتْ فُرْصَةً جَيِّدَةً لِبِدَايَةِ حَيَاتِهِ المِهْنِيَّةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَّخِذَ القَرَارَ وَحْدَهُ.
جَلَسَ مَعَ لُونَا فِي الحَدِيقَةِ، وَوَضَعَ الرِّسَالَةَ أَمَامَهَا.
قَرَأَتْهَا بِتَأَنٍّ، ثُمَّ رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا.
«إِنَّهَا فُرْصَةٌ رَائِعَةٌ.»
«نَعَمْ، وَلَكِنَّنِي لَا أُرِيدُ أَنْ أَطْلُبَ مِنْكِ تَرْكَ المَزْرَعَةِ وَكُلَّ مَا تَعْرِفِينَهُ.»
نَظَرَتْ لُونَا إِلَى الأَرْضِ المُحِيطَةِ بِهِمَا. إِلَى الأَشْجَارِ الَّتِي زَرَعَهَا جَدُّهَا، وَإِلَى النَّافِذَةِ الَّتِي كَانَ يُطِلُّ مِنْهَا فِي الصَّبَاحَاتِ، وَإِلَى المَقْعَدِ الَّذِي حَمَلَ سِرَّهَا وَدُمُوعَهَا وَبِدَايَةَ حُبِّهَا.
لَمْ يَكُنِ الرَّحِيلُ سَهْلًا. لَقَدْ كَانَتِ المَزْرَعَةُ مَلَاذَهَا حِينَ فَقَدَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَالمَكَانَ الَّذِي تَعَلَّمَتْ فِيهِ أَنَّ الحَيَاةَ يُمْكِنُ أَنْ تَبْدَأَ مِنْ جَدِيدٍ. لَكِنَّهَا فَهِمَتْ أَنَّ الحِفَاظَ عَلَى ذِكْرَى جَدِّهَا لَا يَعْنِي أَنْ تَبْقَى حَبِيسَةَ الجُدْرَانِ الَّتِي عَرَفَتْهَا.
قَالَتْ بَعْدَ صَمْتٍ:
«لَنْ أَتْرُكَ المَزْرَعَةَ تَضِيعُ. سَأَتَّفِقُ مَعَ العُمَّالِ عَلَى أَنْ يُوَاصِلُوا العَمَلَ، وَسَأَتَابِعُ الحِسَابَاتِ وَالأُمُورَ المُهِمَّةَ مِنْ هُنَاكَ. يُمْكِنُنِي أَنْ أَزُورَهَا، وَأَنْ أَحْتَفِظَ بِهَا دُونَ أَنْ أَجْعَلَهَا السَّبَبَ الَّذِي يَمْنَعُنِي مِنَ العَيْشِ.»
نَظَرَ مَاتْيُو إِلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنَ الدَّهْشَةِ.
«هَلْ أَنْتِ مُتَأَكِّدَةٌ؟»
اِبْتَسَمَتْ، وَلَكِنَّ عَيْنَيْهَا بَقِيَتَا مُتَعَلِّقَتَيْنِ بِالمَزْرَعَةِ.
«لَا. أَنَا خَائِفَةٌ، وَسَأَشْتَاقُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ هُنَا. لَكِنَّ جَدِّي قَالَ لِي إِنَّ هَذَا البَيْتَ مَكَانٌ أَعُودُ إِلَيْهِ كُلَّمَا أَتْعَبَنِي العَالَمُ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ مَكَانٌ يَجِبُ أَنْ أَبْقَى فِيهِ إِلَى الأَبَدِ.»
مَدَّ مَاتْيُو يَدَهُ وَأَمْسَكَ يَدَهَا.
«لَا أُرِيدُكِ أَنْ تَتْرُكِي شَيْئًا تُحِبِّينَهُ مِنْ أَجْلِي.»
اِلْتَفَتَتْ إِلَيْهِ.
«وَأَنَا لَا أُرِيدُكَ أَنْ تَتْرُكَ حُلْمًا تَعِبْتَ كُلَّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ لِتَصِلَ إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِي. لَقَدْ وَقَفْتَ إِلَى جَانِبِي حِينَ لَمْ يَبْقَ لِي أَحَدٌ، وَحَانَ الوَقْتُ لِأَقِفَ أَنَا إِلَى جَانِبِكَ.»
وَفِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، بَدَأَتْ لُونَا تُرَتِّبُ أُمُورَ المَزْرَعَةِ. وَضَعَتْ خُطَّةً لِإِدَارَتِهَا، وَاتَّفَقَتْ مَعَ أَحَدِ العُمَّالِ القُدَامَى عَلَى مُتَابَعَةِ شُؤُونِهَا اليَوْمِيَّةِ، وَاحْتَفَظَتْ بِمِفْتَاحِ البَيْتِ القَدِيمِ فِي قِلَادَةٍ صَغِيرَةٍ إِلَى جَانِبِ قِلَادَةِ جَدِّهَا.
وَأَمَّا المَالُ الَّذِي جَمَعَاهُ مِنَ السَّرِقَاتِ القَدِيمَةِ، فَلَمْ يَكُونَا قَادِرَيْنِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ كَأَنَّهُ مَالٌ عَادِيٌّ. فَقَدْ بَقِيَتْ أَفْعَالُهُمَا جُزْءًا مِنْ مَاضٍ لَا يُمْكِنُ مَحْوُهُ بِقَرَارٍ وَاحِدٍ. اِسْتَشَارَا مُحَامِيًا لِيَعْرِفَا كَيْفَ يُوَاجِهَانِ مَا عَلَيْهِمَا بِطَرِيقَةٍ قَانُونِيَّةٍ، وَقَرَّرَا أَلَّا يَبْنِيَا مُسْتَقْبَلَهُمَا عَلَى مَالٍ يَحْمِلُ فِي ذَاكِرَتِهِمَا الخَوْفَ وَالأَذَى.
لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الخُطْوَةُ سَهْلَةً، وَلَمْ تَكُنْ كُلُّ العَوَاقِبِ قَدِ انْتَهَتْ، لَكِنَّهُمَا تَوَقَّفَا عَنِ الهَرَبِ، وَبَدَآ يَتَعَلَّمَانِ كَيْفَ يَتَحَمَّلَانِ مَسْؤُولِيَّةَ مَا فَعَلَاهُ.
وَبَعْدَ أَنْ اِنْتَقَلَا إِلَى المَدِينَةِ الجَدِيدَةِ، اسْتَأْجَرَا شَقَّةً صَغِيرَةً فِي طَابِقٍ عُلْوِيٍّ، لَهَا شُرْفَةٌ تُطِلُّ عَلَى شَارِعٍ تَضِجُّ فِيهِ الحَيَاةُ. لَمْ تَكُنِ الشَّقَّةُ فَاخِرَةً، وَلَمْ تَكُنْ فِيهَا حَدِيقَةٌ وَاسِعَةٌ أَوْ أَشْجَارٌ عَتِيقَةٌ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ بَدَايَةً جَدِيدَةً لَهُمَا.
فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ، وَقَفَتْ لُونَا فِي وَسَطِ غُرْفَةِ المَعِيشَةِ، وَنَظَرَتْ إِلَى الصَّنَادِيقِ المُتَرَاكِمَةِ حَوْلَهَا.
«أُعْلِنُ أَنَّنِي أَكْرَهُ الِانْتِقَالَ.»
كَانَ مَاتْيُو يُحَاوِلُ تَرْكِيبَ رَفٍّ صَغِيرٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا مِنْ فَوْقِ كَتِفِهِ.
«لَقَدْ قُلْتِ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُنْذُ الصَّبَاحِ.»
«وَسَأَقُولُهَا مَرَّةً رَابِعَةً إِذَا لَمْ تَضَعْ هَذَا المِسْمَارَ فِي مَكَانِهِ الصَّحِيحِ.»
نَظَرَ إِلَى الرَّفِّ المَائِلِ، ثُمَّ إِلَيْهَا.
«أَنَا طَبِيبٌ، لَسْتُ نَجَّارًا.»
«وَهَذَا يُفَسِّرُ كَثِيرًا مِنَ الكَوَارِثِ الَّتِي أَرَاهَا أَمَامِي.»
«اِعْتَذِرِي عَنِ الإِهَانَةِ الَّتِي وَجَّهْتِهَا إِلَى مَهَارَاتِي.»
«لَنْ أَعْتَذِرَ عَنْ حَقِيقَةٍ عَلْمِيَّةٍ!»
«حَسَنًا، سَأَتَعَلَّمُ.»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِرِضًا.
«هَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَتَصَرَّفَ الطَّبِيبُ.»
وَمَعَ مُرُورِ الأَسَابِيعِ، تَحَوَّلَتِ الشَّقَّةُ الصَّغِيرَةُ إِلَى بَيْتٍ حَقِيقِيٍّ. عَلَّقَتْ لُونَا صُورَةً لِلمَزْرَعَةِ فَوْقَ المِدْفَأَةِ، وَوَضَعَتْ عَلَى الرَّفِّ صُورَةً لِجَدِّهَا، وَاحْتَفَظَ مَاتْيُو بِصُورَةِ أُمِّهِ قُرْبَ مَكْتَبِهِ.
كَانَ مَاتْيُو يَقْضِي سَاعَاتٍ طَوِيلَةً فِي المُسْتَشْفَى، يَعُودُ أَحْيَانًا مُتْعَبًا إِلَى حَدِّ الصَّمْتِ، وَكَانَتْ لُونَا تَتَعَلَّمُ كَيْفَ تَبْنِي حَيَاتَهَا خَاصَّةً فِي المَدِينَةِ، وَتُدِيرُ شُؤُونَ المَزْرَعَةِ عَنْ بُعْدٍ.
لَمْ تَكُنْ كُلُّ أَيَّامِهِمَا جَمِيلَةً. تَشَاجَرَا أَحْيَانًا بِسَبَبِ غِيَابِهِ الطَّوِيلِ، وَبِسَبَبِ قَلَقِهَا عَلَيْهِ، وَبِسَبَبِ عِنَادِهَا الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ كَثِيرًا.
وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي، عَادَ مَاتْيُو بَعْدَ نَوْبَةٍ طَوِيلَةٍ، فَوَجَدَهَا جَالِسَةً عَلَى الأَرِيكَةِ، وَذِرَاعَاهَا مَعْقُودَتَانِ أَمَامَ صَدْرِهَا.
«مَسَاءُ الخَيْرِ؟» قَالَ بِحَذَرٍ.
«لَا.»
تَوَقَّفَ عِنْدَ البَابِ.
«هَلْ حَدَثَ شَيْءٌ؟»
«نَعَمْ. أَنْتَ.»
أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لَحْظَةً، ثُمَّ خَلَعَ مِعْطَفَهُ وَعَلَّقَهُ.
«لُونَا، لَقَدْ أَخْبَرْتُكِ أَنَّنِي سَأَتَأَخَّرُ.»
«أَخْبَرْتَنِي أَنَّكَ سَتَتَأَخَّرُ سَاعَةً، لَا أَنَّنِي سَأَكْتَشِفُ أَنَّ الصَّبَاحَ قَرِيبٌ وَأَنَا لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتَ قَدْ أَكَلْتَ أَوْ نِمْتَ أَوْ مَا زِلْتَ تَعْمَلُ.»
جَلَسَ أَمَامَهَا، وَبَدَا عَلَى وَجْهِهِ الإِرْهَاقُ.
«كَانَ هُنَاكَ مَرِيضٌ يَحْتَاجُ إِلَى المُسَاعَدَةِ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتْرُكَ العَمَلَ وَأَرْحَلَ.»
سَكَتَتْ، وَانْخَفَضَ غَضَبُهَا قَلِيلًا، لَكِنَّ القَلَقَ بَقِيَ فِي عَيْنَيْهَا.
«أَعْرِفُ أَنَّ عَمَلَكَ مُهِمٌّ. وَأَعْرِفُ أَنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتْرُكَ مَرِيضًا يَحْتَاجُ إِلَيْكَ. لَكِنَّنِي أَحْتَاجُ إِلَى أَنْ تَتَذَكَّرَ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَنْتَظِرُكَ فِي البَيْتِ أَيْضًا.»
تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، وَمَدَّ يَدَهُ إِلَى يَدِهَا.
«أَنْتِ مُحِقَّةٌ. لَمْ أُرِدْ أَنْ أَجْعَلَكِ تَقْلَقِينَ، وَلَكِنَّنِي انْشَغَلْتُ بِالعَمَلِ وَنَسِيتُ أَنْ أُرْسِلَ لَكِ رِسَالَةً. أَعْتَذِرُ.»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَتْ تَنْتَظِرُ مِنْهُ أَنْ يُجَادِلَهَا أَوْ يُخْبِرَهَا أَنَّهَا تُبَالِغُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ.
تَنَهَّدَتْ، ثُمَّ اِنْحَنَتْ وَأَسْنَدَتْ رَأْسَهَا إِلَى كَتِفِهِ.
«أَكْرَهُ أَنَّنِي أَخَافُ عَلَيْكَ هَكَذَا.»
«وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَكُونَ سَبَبًا فِي خَوْفِكِ. سَأُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَ انْتِبَاهًا.»
رَفَعَتْ رَأْسَهَا، وَقَالَتْ بِجِدِّيَّةٍ:
«وَسَتَأْكُلُ الطَّعَامَ الَّذِي أَعْدَدْتُهُ لَكَ.»
اِبْتَسَمَ.
«هَذَا شَرْطٌ صَعْبٌ، لَكِنَّنِي سَأُحَاوِلُ.»
ضَرَبَتْ صَدْرَهُ بِكَفِّهَا، ثُمَّ ضَحِكَتْ، وَعَادَ إِلَيْهَا ذَلِكَ الشُّعُورُ الدَّافِئُ الَّذِي كَانَتْ تَظُنُّ أَنَّهُ لَنْ يَسْكُنَهَا مَرَّةً أُخْرَى.
لَمْ يَكُنْ حُبُّهُمَا قَائِمًا عَلَى أَنْ يُنْقِذَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، بَلْ عَلَى أَنْ يَتَعَلَّمَا كَيْفَ يَسْتَمِعَانِ، وَيَعْتَذِرَانِ، وَيَتَغَيَّرَانِ دُونَ أَنْ يَفْقِدَا أَنْفُسَهُمَا.
وَبَعْدَ عَامٍ مِنَ الحَيَاةِ فِي المَدِينَةِ الجَدِيدَةِ، أَخَذَهَا مَاتْيُو فِي نُزْهَةٍ إِلَى مَكَانٍ يُشْرِفُ عَلَى البَحْرِ. كَانَتِ السَّمَاءُ تَتَلَوَّنُ بِأَلْوَانِ الغُرُوبِ، وَكَانَتِ الرِّيحُ تَحْمِلُ رَائِحَةَ المِلْحِ، وَكَانَتْ لُونَا تَمْشِي إِلَى جَانِبِهِ وَتُخْبِرُهُ عَنْ مَطْعَمٍ رَأَتْهُ فِي الطَّرِيقِ وَتُرِيدُ تَجْرِبَتَهُ.
لَمْ يُجِبْهَا، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ.
«مَاتْيُو؟ هَلْ تَسْمَعُنِي؟»
تَوَقَّفَ، وَأَمْسَكَ يَدَيْهَا.
«أَسْمَعُكِ.»
«إِذًا، لِمَاذَا تَنْظُرُ إِلَيَّ كَأَنَّنِي عَلَى وَشْكِ القَفْزِ مِنْ فَوْقِ جَبَلٍ؟»
اِبْتَسَمَ بِتَوَتُّرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ عُلْبَةً صَغِيرَةً مِنْ جَيْبِهِ.
تَوَقَّفَتْ كَلِمَاتُهَا فِي حَلْقِهَا.
«مَاتْيُو...»
جَثَا عَلَى رُكْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَمَامَهَا، وَفَتَحَ العُلْبَةَ، فَظَهَرَ خَاتَمٌ بَسِيطٌ تَلْمَعُ فِيهِ حَجَرَةٌ صَغِيرَةٌ
«لُونَا، لَمْ تَكُنْ حَيَاتِي سَهْلَةً قَبْلَ أَنْ أَلْتَقِيَ بِكِ، وَلَمْ تُصْبِحْ سَهْلَةً بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُلِّ مَا مَرَرْنَا بِهِ. لَقَدْ أَخْطَأْنَا، وَخِفْنَا، وَفَقَدْنَا أَشْخَاصًا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّنَا لَنْ نَتَعَلَّمَ العَيْشَ مِنْ دُونِهِمْ. وَلَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ مَعَكِ أَنَّ المَاضِيَ، مَهْمَا كَانَ ثَقِيلًا، لَا يَجِبُ أَنْ يَكْتُبَ نِهَايَتَنَا.»
اِمْتَلَأَتْ عَيْنَا لُونَا بِالدُّمُوعِ، وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى فَمِهَا.
تَابَعَ مَاتْيُو:
«أُحِبُّ عِنَادَكِ، وَضَحِكَتَكِ الَّتِي تَأْتِي فِي أَغْرَبِ الأَوْقَاتِ، وَقَلْبَكِ الَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يَبْدُوَ قَاسِيًا مَعَ أَنَّهُ يَشْعُرُ بِكُلِّ شَيْءٍ. أُحِبُّكِ حِينَ تَكُونِينَ قَوِيَّةً، وَحِينَ تَكُونِينَ خَائِفَةً، وَحِينَ لَا تَعْرِفِينَ مَاذَا تَفْعَلِينَ. لَا أَعِدُكِ بِحَيَاةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الأَلَمِ، وَلَكِنَّنِي أَعِدُكِ أَنْ أَكُونَ صَادِقًا مَعَكِ، وَأَنْ أُصْغِيَ إِلَيْكِ، وَأَنْ أَخْتَارَكِ كُلَّ يَوْمٍ مَا دُمْنَا نُرِيدُ أَنْ نَسِيرَ مَعًا.»
اِنْحَنَى قَلِيلًا، وَارْتَجَفَ صَوْتُهُ.
«هَلْ تَقْبَلِينَ أَنْ تَكُونِي شَرِيكَةَ عُمْرِي، يَا لُونَا؟»
لَمْ تُجِبْ فَوْرًا. نَظَرَتْ إِلَى الخَاتَمِ، ثُمَّ إِلَى وَجْهِهِ، وَشَعَرَتْ بِأَنَّ كُلَّ مَا مَرَّ بِهَا يَمُرُّ أَمَامَ عَيْنَيْهَا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لَيْلَةُ السَّرِقَةِ الأُولَى، وَالرَّصَاصَةُ الَّتِي كَادَتْ تَسْلُبُهَا حَيَاتَهَا، وَالأَيَّامُ الَّتِي خَافَتْ فِيهَا عَلَى أُمِّهِ، وَالمَقْعَدُ الخَشَبِيُّ الَّذِي بَكَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ رَحِيلِ جَدِّهَا، وَيَدُ مَاتْيُو الَّتِي لَمْ تَتْرُكْ يَدَهَا حِينَ ظَنَّتْ أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَمْلِكُ شَيْئًا.
ثُمَّ ضَحِكَتْ وَهِيَ تَبْكِي.
«لَدَيَّ شَرْطٌ وَاحِدٌ.»
رَفَعَ رَأْسَهُ بِقَلَقٍ.
«أَيُّ شَرْطٍ؟»
«أَلَّا تَسْمَحَ لِي أَبَدًا بِإِخْفَاءِ كُتُبِكَ بَعْدَ أَنْ نَتَزَوَّجَ.»
حَدَّقَ فِيهَا لَحْظَةً، ثُمَّ انْفَجَرَ ضَاحِكًا، وَهُوَ يَمْسَحُ دَمْعَةً عَنْ خَدِّهِ.
«لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعِدَكِ بِهَذَا.»
مَدَّتْ يَدَهَا إِلَيْهِ.
«إِذًا، عَلَيْكَ أَنْ تَتَحَمَّلَ العَوَاقِبَ.»
أَلْبَسَهَا الخَاتَمَ، ثُمَّ نَهَضَ وَضَمَّهَا إِلَى صَدْرِهِ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ تَكُنْ لُونَا تَعِدُهُ بِأَنْ تَكُونَ إِنْسَانَةً مِثَالِيَّةً، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ يَعِدُهَا بِأَنْ يَحْمِيَهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. كَانَا فَقَطْ يَخْتَارَانِ أَنْ يَخُوضَا مَا تَبَقَّى مِنَ الحَيَاةِ مَعًا.
وَحِينَ تَزَوَّجَا، لَمْ يُقِيمَا حَفْلًا فَاخِرًا. اِكْتَفَيَا بِحَفْلٍ صَغِيرٍ حَضَرَهُ أَصْدِقَاؤُهُمَا وَبَعْضُ العَامِلِينَ الَّذِينَ عَرَفُوا لُونَا فِي المَزْرَعَةِ، وَزُيِّنَ المَكَانُ بِأَزْهَارٍ بِيضَاءَ وَأَضْوَاءٍ دَافِئَةٍ.
اِرْتَدَتْ لُونَا فُسْتَانًا بَسِيطًا، وَحَمَلَتْ قِلَادَةَ جَدِّهَا حَوْلَ عُنُقِهَا. وَقَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ لِتَلْتَقِيَ بِمَاتْيُو، وَقَفَتْ أَمَامَ المِرْآةِ وَأَمْسَكَتِ القِلَادَةَ بَيْنَ أَصَابِعِهَا.
هَمَسَتْ:
«لَوْ كُنْتَ هُنَا، لَسَخِرْتَ مِنْ فُسْتَانِي، ثُمَّ لَبَكَيْتَ أَكْثَرَ مِنِّي.»
اِبْتَسَمَتْ وَهِيَ تَمْسَحُ دَمْعَةً عَنْ خَدِّهَا.
«أَتَمَنَّى لَوْ كُنْتَ تَرَانِي الآنَ، جَدِّي. لَقَدْ وَجَدْتُ طَرِيقًا لِلْعَوْدَةِ إِلَى الحَيَاةِ.»
وَعِنْدَمَا ظَهَرَتْ أَمَامَ مَاتْيُو، بَقِيَ يُحَدِّقُ فِيهَا دُونَ كَلَامٍ.
رَفَعَتْ حَاجِبَهَا.
«مَاذَا؟ هَلْ تَرَى شَيْئًا غَرِيبًا؟»
هَزَّ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ.
«أُحَاوِلُ أَنْ أَفْهَمَ كَيْفَ سَأَسْتَطِيعُ قَضَاءَ بَقِيَّةِ عُمْرِي وَأَنَا أَرَاكِ هَكَذَا.»
ثُمَّ تَرَكَتْ يَدَهُ تَحْمِلُ يَدَهَا إِلَى مَكَانِ الحَفْلِ.
وَعِنْدَمَا وَقَفَا أَمَامَ مَنْ حَضَرُوا، وَتَعَاهَدَا عَلَى أَنْ يَكُونَا مَعًا فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، شَعَرَتْ لُونَا بِأَنَّهَا لَا تَتَخَلَّى عَنْ مَاضِيهَا، بَلْ تَحْمِلُهُ مَعَهَا دُونَ أَنْ تَسْمَحَ لَهُ بِأَنْ يَسْحَبَهَا إِلَى الوَرَاءِ.
وَمَعَ انْقِضَاءِ الحَفْلِ، خَرَجَا إِلَى الشُّرْفَةِ الصَّغِيرَةِ، وَوَقَفَا وَحْدَهُمَا تَحْتَ سَمَاءٍ مُزَيَّنَةٍ بِالنُّجُومِ.
أَمْسَكَ مَاتْيُو يَدَهَا، وَنَظَرَ إِلَى الخَاتَمِ فِي إِصْبَعِهَا.
«هَلْ أَنْتِ سَعِيدَةٌ؟»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا.
«لَسْتُ سَعِيدَةً فِي كُلِّ لَحْظَةٍ. مَا زَالَ هُنَاكَ أَيَّامٌ أَشْتَاقُ فِيهَا إِلَى جَدِّي، وَأَيَّامٌ أَخَافُ فِيهَا مِنَ المُسْتَقْبَلِ، وَأَيَّامٌ أَشْعُرُ فِيهَا بِأَنَّنِي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَتَصَرَّفُ. لَكِنَّنِي سَعِيدَةٌ لِأَنَّنِي لَسْتُ مُضْطَرَّةً إِلَى إِخْفَاءِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ عَنْكَ.»
اِبْتَسَمَ مَاتْيُو، وَقَرَّبَ جَبِينَهُ مِنْ جَبِينِهَا.
«وَأَنَا سَأَبْقَى هُنَا، حَتَّى فِي الأَيَّامِ الَّتِي لَا تَعْرِفِينَ فِيهَا كَيْفَ تَكُونِينَ سَعِيدَةً.»
أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا، وَهَمَسَتْ:
«إِذًا، أَظُنُّ أَنَّنِي اخْتَرْتُ الشَّخْصَ الصَّحِيحَ.»
«أَظُنُّ؟ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ؟»
فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا، وَضَحِكَتْ.
«لَا تَطْمَعْ يَا طَبِيبِي.»
قَبَّلَهَا، وَتَعَالَى ضَحِكُهُمَا فِي اللَّيْلِ الهَادِئِ.
وَبَعْدَ سَنَوَاتٍ، عَادَا إِلَى المَزْرَعَةِ فِي أَحَدِ أَيَّامِ الرَّبِيعِ. كَانَ مَاتْيُو قَدْ أَصْبَحَ طَبِيبًا يَعْرِفُهُ زُمَلَاؤُهُ بِهُدُوئِهِ وَصَبْرِهِ، وَكَانَتْ لُونَا قَدْ بَنَتْ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، وَحَافَظَتْ عَلَى المَزْرَعَةِ وَعَلَى ذِكْرَى جَدِّهَا، دُونَ أَنْ تَجْعَلَ المَاضِيَ يَسْرِقُ مِنْهَا حَقَّهَا فِي المُسْتَقْبَلِ.
مَشَيَا فِي الحَدِيقَةِ الَّتِي تَرَكَاهَا خَلْفَهُمَا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً. وَقَفَتْ لُونَا عِنْدَ المَقْعَدِ الخَشَبِيِّ القَدِيمِ، وَمَرَّرَتْ يَدَهَا عَلَى سَطْحِهِ الَّذِي غَيَّرَتْهُ السِّنُونَ.
جَلَسَ مَاتْيُو إِلَى جَانِبِهَا، وَتَرَكَ لَهَا بَعْضَ الوَقْتِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا:
«هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ؟»
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا.
«نَعَمْ. أَشْعُرُ بِأَنَّنِي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ هُنَا.»
نَظَرَ إِلَى الأَشْجَارِ، ثُمَّ إِلَى البَيْتِ.
«أَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ سَيَفْرَحُ بِمَا أَصْبَحْتِ عَلَيْهِ.»
اِبْتَسَمَتْ، وَأَخْرَجَتْ مِنْ جَيْبِهَا الرِّسَالَةَ القَدِيمَةَ الَّتِي تَرَكَهَا جَدُّهَا لَهَا. كَانَتْ قَدْ حَافَظَتْ عَلَيْهَا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً، وَأَعَادَتْ قِرَاءَتَهَا فِي أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ، خَاصَّةً حِينَ تَشْعُرُ بِأَنَّهَا تَفْقِدُ طَرِيقَهَا.
فَتَحَتْهَا وَقَرَأَتْ كَلِمَاتِهِ فِي صَمْتٍ، ثُمَّ طَوَتْهَا وَأَعَادَتْهَا إِلَى جَيْبِهَا.
«لَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي إِذَا فَقَدْتُهُ، فَسَأَفْقِدُ كُلَّ شَيْءٍ مَعَهُ. لَكِنَّنِي فَهِمْتُ أَنَّنَا لَا نَفْقِدُ الحُبَّ بِرَحِيلِ أَصْحَابِهِ. إِنَّهُ يَبْقَى فِينَا، وَيَتَغَيَّرُ مَعَنَا، وَيُعَلِّمُنَا كَيْفَ نُوَاصِلُ الطَّرِيقَ.»
أَمْسَكَ مَاتْيُو يَدَهَا.
«وَهَذَا مَا فَعَلْتِهِ.»
نَظَرَتْ إِلَيْهِ، وَفِي عَيْنَيْهَا هُدُوءٌ لَمْ تَعْرِفْهُ فِي أَيَّامِهَا القَدِيمَةِ.
«لَا، يَا مَاتْيُو. هَذَا مَا فَعَلْنَاهُ مَعًا.»
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، مَرَّتْ نَسْمَةٌ خَفِيفَةٌ بَيْنَ الأَشْجَارِ، وَتَحَرَّكَتْ أَوْرَاقُهَا كَأَنَّ المَزْرَعَةَ تُحَيِّيهِمَا بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ.
أَسْنَدَتْ لُونَا رَأْسَهَا إِلَى كَتِفِ زَوْجِهَا، وَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا.
لَمْ تَعُدْ تَخَافُ مِنَ الصَّمْتِ كَمَا كَانَتْ تَخَافُ مِنْهُ فِي المَاضِي، وَلَمْ تَعُدْ تَظُنُّ أَنَّ الوَحْدَةَ تَنْتَظِرُهَا خَلْفَ كُلِّ بَابٍ. لَقَدْ فَهِمَتْ أَنَّ الحَيَاةَ لَا تَعِدُ أَحَدًا بِأَلَّا يَفْقِدَ، وَلَا بِأَلَّا يَتَأَلَّمَ، وَلَكِنَّهَا تَمْنَحُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فُرْصَةً لِيَخْتَارَ مَا سَيَفْعَلُهُ بِمَا تَرَكَهُ الأَلَمُ فِي قَلْبِهِ.
وَقَدِ اخْتَارَتْ لُونَا أَلَّا تَجْعَلَ مَاضِيَهَا قَيْدًا، وَأَلَّا تَجْعَلَ خَوْفَهَا سَيِّدًا عَلَى قَرَارَاتِهَا، وَأَلَّا تَنْسَى أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُحِبَّ وَأَنْ تُحَبَّ، حَتَّى بَعْدَ كُلِّ مَا حَدَثَ.
وَأَمَّا مَاتْيُو، فَقَدْ وَجَدَ فِي طَرِيقِهِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ حُلْمٍ مِهْنِيٍّ؛ وَجَدَ إِنْسَانَةً تُذَكِّرُهُ بِأَنَّ الحَيَاةَ لَيْسَتْ عَمَلًا وَوَاجِبَاتٍ فَقَطْ، بَلْ هِيَ أَيْضًا أَيْدٍ نَمْسِكُ بِهَا حِينَ نَتْعَبُ، وَأَصْوَاتٌ تُعِيدُ إِلَيْنَا الأَمَلَ حِينَ نَنْسَاهُ.
وَبَيْنَ أَشْجَارِ المَزْرَعَةِ الَّتِي شَهِدَتْ بَدَايَةَ حِكَايَتِهِمَا، وَتَحْتَ السَّمَاءِ الَّتِي رَأَتْ دُمُوعَهُمَا وَضَحِكَاتِهِمَا، ظَلَّا جَالِسَيْنِ مُتَعَانِقَيْنِ، لَا يَحْتَاجَانِ إِلَى كَلِمَاتٍ كَثِيرَةٍ لِيَفْهَمَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ.
فَقَدْ بَدَأَتْ حِكَايَتُهُمَا بِالخَوْفِ وَالأَخْطَاءِ وَالهَرَبِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَنْتَهِ عِنْدَهَا.
بَلْ وَصَلَتْ إِلَى مَكَانٍ اخْتَارَا فِيهِ أَنْ يَتَوَقَّفَا عَنِ الهَرَبِ، وَأَنْ يَبْنِيَا حَيَاةً لَا تَخْلُو مِنَ الصُّعُوبَاتِ، وَلَكِنَّهَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعَاشَ.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.