وضع القراءة:

الفَصْلُ الأَوَّلُ: قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ الجُنُونُ

لَمْ أَكُنْ أُؤْمِنُ بِالبِداياتِ الجَمِيلَةِ، وَلا بِالصُّدَفِ الَّتي يَتَحَدَّثُ عَنْها النّاسُ كَأَنَّها رَسائِلُ خَفِيَّةٌ مِنَ القَدَرِ. كُنْتُ أَرَى أَنَّ الحَياةَ لا تَحْمِلُ لَنا خُطَطًا سِرِّيَّةً، وَأَنَّ الأَشْياءَ تَحْدُثُ فَقَطْ، ثُمَّ نَقِفُ نَحْنُ أَمامَ نَتائِجِها، نُحاوِلُ فَهْمَها أَوِ التَّظاهُرَ بِأَنَّنا نَفْهَمُ.
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ اللَّحَظاتِ تَبْدو عاديَّةً جِدًّا حينَ نَعيشُها، ثُمَّ نَقْضي بَقِيَّةَ أَعْمارِنا نَتَذَكَّرُها، وَنَتَساءَلُ عَمّا كانَ سَيَحْدُثُ لَوْ أَنَّنا اخْتَرْنا طَريقًا آخَرَ.
وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ رِحْلَةً لَمْ أَرْغَبْ فيها، إِلى مَكانٍ لَمْ أُرِدْ زِيارَتَهُ، سَتَكونُ البِدايَةَ الَّتي سَتُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ.
كانَ اسْمي لُونا فيغا، وَكُنْتُ في عُمْرٍ يَظُنُّ فيه النّاسُ أَنَّ أَحْلامَهُمْ يَجِبُ أَنْ تَكونَ واضِحَةً، وَأَنَّ مُسْتَقْبَلَهُمْ يَجِبُ أَنْ يَكونَ مَرْسومًا، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْتاروا طَريقًا مُناسِبًا، ثُمَّ يَسيروا فيه بِهُدوءٍ حَتّى يَصِلوا إِلى النِّهايَةِ الَّتي رَسَمَها لَهُمُ الآخَرونَ.
أَمّا أَنا، فَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ ماذا أُريدُ مِنَ الحَياةِ، وَكُنْتُ أَشُكُّ في أَنَّ الحَياةَ نَفْسَها تَعْرِفُ ماذا تُريدُ مِنّي.
لَمْ أَكُنْ فَتاةً سَيِّئَةً بِالمَعْنى الَّذي يَتَصَوَّرُهُ النّاسُ، لَكِنَّني لَمْ أَكُنْ سَهْلَةَ الفَهْمِ أَيْضًا. كُنْتُ أَضْحَكُ في أَوْقاتٍ لا يَجِدُ فيها الآخَرونَ سَبَبًا لِلضَّحِكِ، وَأَصْمُتُ حينَ يَنْتَظِرُ الجَميعُ مِنّي أَنْ أَتَحَدَّثَ، وَأَقولُ أَشْياءَ صَريحَةً لا يَجْرُؤُ غَيْري عَلى قَوْلِها، ثُمَّ أَتَصَرَّفُ كَأَنَّني لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا.
كانَتْ أُمّي تَقولُ إِنَّني أُصَعِّبُ الأُمورَ عَلى نَفْسي، وَإِنَّني أَتَعامَلُ مَعَ الحَياةِ كَأَنَّها عَدُوٌّ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَنْتَصِرَ عَلَيْهِ.
وَكُنْتُ أُجيبُها دائِمًا:
«رُبَّما لِأَنَّها تَتَعامَلُ مَعي بِالطَّريقَةِ نَفْسِها.»
لَمْ تَكُنْ تَضْحَكُ عِنْدَما أَقولُ ذَلِكَ.
كانَتْ تَنْظُرُ إِلَيَّ بِتِلْكَ النَّظْرَةِ الَّتي تَجْمَعُ بَيْنَ القَلَقِ وَالحُزْنِ، كَأَنَّها تَرى في داخِلي شَيْئًا لا أَراهُ أَنا، أَوْ كَأَنَّها تَخْشى أَنْ يَأْتيَ يَوْمٌ لا تَسْتَطيعُ فيه الوُصولَ إِلَيَّ.
وَالحَقيقَةُ أَنَّني لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كَيْفَ أَشْرَحُ لَها ما يَحْدُثُ في داخِلي. لَمْ أَكُنْ حَزينَةً طَوالَ الوَقْتِ، وَلَمْ أَكُنْ سَعِيدَةً أَيْضًا. كُنْتُ أَشْعُرُ أَحْيانًا بِأَنَّني أَراقِبُ حَياتي مِنْ بَعيدٍ، كَأَنَّني شَخْصٌ غَريبٌ يَجْلِسُ في آخِرِ غُرْفَةٍ، وَيَنْظُرُ إِلى الجَميعِ وَهُمْ يَعيشونَ، بَيْنَما يَنْتَظِرُ هُوَ أَنْ يَحْدُثَ شَيْءٌ يَجْعَلُهُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ هَذا العالَمِ.
لَكِنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ.
لِذَلِكَ، تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكْتَفي بِنَفْسي.
كانَتْ غُرْفَتي المَكانَ الوَحيدَ الَّذي لا يُطالِبُني بِتَبْريرِ تَصَرُّفاتي. جُدْرانُها الرَّمادِيَّةُ، وَسَتائِرُها السَّوْداءُ، وَالمَلابِسُ المُبَعْثَرَةُ فَوْقَ الكُرْسِيِّ، وَالكُتُبُ الَّتي تَرَكْتُها مَفْتوحَةً عَلى صَفَحاتٍ لَمْ أَعُدْ أَتَذَكَّرُها؛ كُلُّ ذَلِكَ كانَ يُشْبِهُني أَكْثَرَ مِمّا يَشْبِهُ أَيَّ شَيْءٍ آخَرَ.
لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ تَرْتيبَ الأَشْياءِ، لِأَنَّني لَمْ أَفْهَمْ لِماذا يَجِبُ أَنْ يَبْدو كُلُّ شَيْءٍ جَمِيلًا مِنَ الخارِجِ، حَتّى لَوْ كانَتِ الفَوْضى تَمْلَأُ ما في داخِلِهِ.
وَكانَ شَعْري الأَسْوَدُ القَصيرُ، وَكُحْلي الَّذي أَضَعُهُ حَوْلَ عَيْنَيَّ، وَمَلابِسي الدّاكِنَةُ، تُكْمِلُ الصُّورَةَ الَّتي رَسَمَها النّاسُ عَنّي. بَعْضُهُمْ كانَ يَظُنُّني مُتَكَبِّرَةً، وَبَعْضُهُمْ كانَ يَظُنُّني غَريبَةً، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَكُنْ يَرْغَبُ في مُحاوَلَةِ مَعْرِفَتي أَصْلًا.
وَلَمْ أَكُنْ أَلومُهُمْ.
فَقَدْ كُنْتُ أَحْيانًا أَتَعَمَّدُ أَنْ أَجْعَلَ الاقْتِرابَ مِنّي أَصْعَبَ مِمّا يَنْبَغي.
كانَتْ هُناكَ عادَةٌ واحِدَةٌ تُرافِقُني أَيْنَما ذَهَبْتُ؛ سِلْسِلَةٌ فِضِّيَّةٌ رَقيقَةٌ تَتَدَلّى مِنْها قِطْعَةٌ صَغيرَةٌ .
لَمْ أَكُنْ أَرْتَديها حَوْلَ عُنُقي، بَلْ كُنْتُ أَلُفُّها حَوْلَ أَصابِعي، وَأُحَرِّكُها كُلَّما شَعَرْتُ بِالتَّوَتُّرِ أَوِ المَلَلِ.
أَحْيانًا كُنْتُ أَشُدُّها حَتّى تَتْرُكَ أَثَرًا أَحْمَرَ عَلى جِلْدي، ثُمَّ أُرْخيها.
لَمْ أَكُنْ أُخْبِرُ أَحَدًا بِما أُفَكِّرُ فيه، حَتّى أُمّي.
وَخاصَّةً أُمّي.
فَبَعْضُ الأَشْياءِ يَصْعُبُ شَرْحُها لِلأَشْخاصِ الَّذينَ يُحِبّونَنا، لِأَنَّنا نَخْشى أَنْ نَرى الخَوْفَ في عُيونِهِمْ بَعْدَ أَنْ نَتَحَدَّثَ.
في ذَلِكَ الصَّباحِ، كُنْتُ مُسْتَلْقِيَةً عَلى سَريري، أُحَدِّقُ في السَّقْفِ، وَأُحَرِّكُ السِّلْسِلَةَ بَيْنَ أَصابِعي. كانَتْ عُطْلَةُ نِهايَةِ السَّنَةِ قَدْ بَدَأَتْ، وَكُنْتُ أَخَطِّطُ لِقَضائِها كَما أَقْضي مُعْظَمَ أَيّامي: في غُرْفَتي، بَعيدًا عَنِ الأَسْئِلَةِ وَالمُجامَلاتِ وَالمَواعيدِ الَّتي لا أَرْغَبُ فيها.
لَكِنَّ طَرَقاتٍ مُتَتالِيَةً عَلى البابِ أَفْسَدَتْ هُدوئي.
«لُونا؟»
كانَ صَوْتُ أُمّي.
تَظاهَرْتُ بِأَنَّني لَمْ أَسْمَعْها.
عادَتْ تَطْرُقُ البابَ، ثُمَّ قالَتْ بِصَوْتٍ أَعْلى:
«أَعْرِفُ أَنَّكِ مُسْتَيْقِظَةٌ. اِفْتَحي البابَ.»
نَهَضْتُ بِضَجَرٍ، وَفَتَحْتُهُ، ثُمَّ وَقَفْتُ أَمامَها وَأَنا أُشْبِكُ أَصابِعي بِبَعْضِها.
قالَتْ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلى وَجْهي:
«أُريدُ أَنْ أَتَحَدَّثَ إِلَيْكِ.»
«إِنْ كانَ المَوْضوعُ عَنْ غُرْفَتي، فَأَنا أَعْتَرِفُ بِأَنَّها فَوْضَوِيَّةٌ، وَلا أَنْوي تَغْييرَ ذَلِكَ اليَوْمَ.»
لَمْ تَبْتَسِمْ.
«لَيْسَ عَنْ غُرْفَتِكِ.»
تَنَحَّيْتُ عَنِ البابِ لِتَدْخُلَ، فَجَلَسَتْ عَلى الكُرْسِيِّ القَريبِ مِنَ النّافِذَةِ، وَبَقِيتُ أَنا واقِفَةً أَمامَها.
قالَتْ:
«تَحَدَّثْتُ إِلى جَدِّكِ أَمْسِ. إِنَّهُ يُريدُ أَنْ نَزورَهُ في المَزْرَعَةِ، وَقَدْ دَعانا لِنَقْضي هُناكَ عُطْلَةَ نِهايَةِ السَّنَةِ.»
حَدَّقْتُ فيها بِلا تَعْبيرٍ.
«وَماذا قُلْتِ لَهُ؟»
«قُلْتُ إِنَّنا سَنَذْهَبُ.»
ضَحِكْتُ ضَحْكَةً قَصيرَةً، وَهَزَزْتُ رَأْسي.
«رائِعٌ. أَصْبَحَتْ لَدَيَّ خُطَّةٌ لِلْعُطْلَةِ لَمْ أُشارِكْ في اخْتِيارِها.»
«لُونا، لا تَبْدَئي بِهَذِهِ الطَّريقَةِ.»
«بِأَيِّ طَريقَةٍ تُريدينَني أَنْ أَبْدَأَ؟ أَأُصَفِّقُ؟»
أَطْلَقَتْ أُمّي تَنَهُّدًا طَويلًا، ثُمَّ قالَتْ:
«لَمْ نَزُرْ جَدَّكِ مُنْذُ مُدَّةٍ، وَهُوَ يَشْتاقُ إِلَيْكِ. أُريدُ أَنْ نَقْضي بَعْضَ الوَقْتِ مَعَهُ.»
أَدَرْتُ السِّلْسِلَةَ حَوْلَ إِصْبَعي، وَأَشَحْتُ بِوَجْهي نَحْوَ النّافِذَةِ.
«وَلِماذا لا تَذْهَبينَ أَنْتِ؟»
«لِأَنَّني أُريدُكِ أَنْ تَأْتي مَعي.»
كانَتْ إِجابَتُها بَسيطَةً، لَكِنَّها جَعَلَتْني أَصْمُتُ لَحْظَةً. لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ أَنْ أَشْعُرَ بِأَنَّ أَحَدًا يَحْتاجُ إِلَيَّ، لِأَنَّني لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كَيْفَ أَتَعامَلُ مَعَ هَذا الشُّعورِ.
قالَتْ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ:
«أَعْرِفُ أَنَّكِ تُفَضِّلينَ البَقاءَ في البَيْتِ، وَأَعْرِفُ أَنَّكِ لا تُحِبّينَ التَّغْييرَ، لَكِنَّني أَخْشى أَنْ تَمُرَّ الأَيّامُ وَأَنْتِ تُبْعِدينَ نَفْسَكِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ.»
نَظَرْتُ إِلَيْها، وَشَعَرْتُ بِانْزِعاجٍ خَفيفٍ يَتَصاعَدُ في داخِلي.
«أَنا لَسْتُ ضائِعَةً يا أُمّي.»
أَجابَتْني بِحَنانٍ:
«لَمْ أَقُلْ إِنَّكِ ضائِعَةٌ. أَنا فَقَطْ أُريدُ أَنْ تَمْنَحي نَفْسَكِ فُرْصَةً لِتَرَيْ أَشْياءَ جَديدَةً.»
لَمْ أَجِدْ إِجابَةً تُنْهي الحَديثَ بِسُرْعَةٍ، فَجَلَسْتُ عَلى حافَّةِ السَّريرِ، وَأَخَذْتُ أُحَرِّكُ السِّلْسِلَةَ بَيْنَ أَصابِعي.
«كَمْ سَنَبْقى هُناكَ؟»
«أُسْبوعَيْنِ تَقْريبًا.»
أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ.
«أُسْبوعانِ كامِلانِ في المَزْرَعَةِ؟»
«نَعَمْ.»
«أَظُنُّ أَنَّني سَأَموتُ مِنَ المَلَلِ.»
ابْتَسَمَتْ أُمّي هَذِهِ المَرَّةَ، وَقالَتْ:
«أَتَمَنّى أَنْ يَكونَ أَكْبَرُ هَمِّكِ هُوَ المَلَلُ.»
لَمْ أَفْهَمْ لِماذا قالَتْ ذَلِكَ، لَكِنَّ نَبْرَتَها كانَتْ مُخْتَلِفَةً، كَأَنَّها تُفَكِّرُ في شَيْءٍ لا تُريدُ أَنْ تُخْبِرَني بِهِ.
وَلِأَنَّني لَمْ أَكُنْ أُريدُ أَنْ أَفْتَحَ بابًا لِحَديثٍ آخَرَ، وافَقْتُ أَخيرًا.
«حَسَنًا. سَأَذْهَبُ. لَكِنْ لا تَطْلُبي مِنّي أَنْ أَتَظاهَرَ بِأَنَّني سَعِيدَةٌ بِالأَمْرِ.»
مَدَّتْ أُمّي يَدَها وَرَبَتَتْ عَلى رُكْبَتي.
«لا أُريدُ مِنْكِ أَنْ تَتَظاهَري بِأَيِّ شَيْءٍ.»
وَقَفَتْ، ثُمَّ غادَرَتِ الغُرْفَةَ، وَتَرَكَتْني أَنْظُرُ إِلى البابِ بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَتْهُ.
لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّني، بِتِلْكَ المُوافَقَةِ البَسيطَةِ، كُنْتُ أَخْطو أَوَّلَ خُطْوَةٍ نَحْوَ حَياةٍ لَمْ أَخْتَرْها، وَأَنَّني سَأَتَذَكَّرُ هَذا الصَّباحَ في أَيّامٍ قادِمَةٍ، وَأَتَمَنّى لَوْ أَنَّني اسْتَطَعْتُ أَنْ أَعُودَ إِلَيْهِ وَأُغَيِّرَ شَيْئًا واحِدًا.
وَلَكِنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَسْمَحُ لَنا بِالعَوْدَةِ.
وَكُلُّ ما نَمْلِكُهُ هُوَ تِلْكَ اللَّحْظَةُ الَّتي نَعيشُها، قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ ذِكْرى.
في صَباحِ السَّفَرِ، وَقَفْتُ أَمامَ المِرْآةِ أُحاوِلُ تَرْتيبَ شَعْري القَصيرِ، لَكِنَّني تَرَكْتُهُ في النِّهايَةِ كَما كانَ. ارْتَدَيْتُ قَميصًا أَسْوَدَ، وَبِنْطالًا واسِعًا، وَسُتْرَةً داكِنَةً، ثُمَّ وَضَعْتُ سِلْسِلَتي الفِضِّيَّةَ في جَيْبِ السُّتْرَةِ، قَبْلَ أَنْ أُعيدَ إِخْراجَها وَأَلُفَّها حَوْلَ إِصْبَعي.
حَمَلْتُ حَقيبَتي، وَنَزَلْتُ إِلى الطّابِقِ السُّفْلِيِّ، حَيْثُ كانَتْ أُمّي تَنْتَظِرُني بِجِوارِ السَّيّارَةِ.
قالَتْ:
«هَلْ أَحْضَرْتِ كُلَّ ما تَحْتاجينَ إِلَيْهِ؟»
أَجَبْتُها:
«أَحْضَرْتُ ما أَحْتاجُ إِلَيْهِ لِلنَّجاةِ مِنْ أُسْبوعَيْنِ في البَرِّيَّةِ.»
هَزَّتْ رَأْسَها وَهِيَ تَبْتَسِمُ، ثُمَّ وَضَعْتُ حَقيبَتي في السَّيّارَةِ وَجَلَسْتُ في المَقْعَدِ المُجاوِرِ لِها.
بَدَأْنا الرِّحْلَةَ، وَتَراجَعَتِ المَدينَةُ خَلْفَنا شَيْئًا فَشَيْئًا. اخْتَفَتِ المَباني المُرْتَفِعَةُ، وَقَلَّتِ السَّيّاراتُ، وَحَلَّتْ مَحَلَّ الشَّوارِعِ المُزْدَحِمَةِ طُرُقاتٌ أَطْوَلُ تُحِيطُ بِها الحُقولُ وَالأَشْجارُ.
أَسْنَدْتُ رَأْسي إِلى النّافِذَةِ، وَأَخَذْتُ أُراقِبُ المَشاهِدَ وَهِيَ تَمُرُّ أَمامي. لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ السَّفَرَ، لَكِنَّ الطَّريقَ كانَ يَمْنَحُني شُعورًا غَريبًا بِأَنَّني أَبْتَعِدُ عَنْ كُلِّ ما يَعْرِفُني، وَأَنَّني، لَوْ أَرَدْتُ، يُمْكِنُني أَنْ أَبْدَأَ مِنْ جَديدٍ في مَكانٍ لا يَعْرِفُ أَحَدٌ فيه اسْمي.
لَمْ أَكُنْ أُريدُ بِدايَةً جَديدَةً، لَكِنَّ فِكْرَةَ أَنْ أَكونَ مَجْهولَةً لِلْجَميعِ بَدَتْ مُريحَةً بِشَكْلٍ لا أَسْتَطيعُ إِنْكارَهُ.
بَعْدَ ساعَتَيْنِ، انْعَطَفَتْ أُمّي في طَريقٍ ريفِيٍّ ضَيِّقٍ، وَبَدَأَتْ تَظْهَرُ مِنْ بَعيدٍ أَسْوارُ المَزْرَعَةِ وَحُقولُها الخَضْراءُ. كانَتِ الأَشْجارُ تَتَمايَلُ مَعَ الهَواءِ، وَكانَتِ السَّماءُ غائِمَةً، وَيَبْدو المَكانُ كَأَنَّهُ يَعيشُ في زَمَنٍ مُخْتَلِفٍ عَنِ الزَّمَنِ الَّذي أَعْرِفُهُ.
تَوَقَّفَتِ السَّيّارَةُ أَمامَ البَيْتِ الرِّيفِيِّ، وَنَزَلْتُ مِنْها بِبُطْءٍ. اسْتَقْبَلَني هَواءٌ بارِدٌ تَخْتَلِطُ فيه رائِحَةُ التُّرابِ الرَّطْبِ بِرائِحَةِ العُشْبِ، وَسَمِعْتُ أَصْواتَ الحَيَواناتِ تَأْتي مِنْ جِهَةِ الحَظائِرِ.
وَقَفْتُ أَنْظُرُ إِلى المَكانِ، ثُمَّ تَمْتَمْتُ:
«هَذا أَسْوَأُ مِمّا تَخَيَّلْتُ.»
قالَتْ أُمّي وَهِيَ تُنْزِلُ الحَقائِبَ:
«لَمْ تَمْنَحيهِ فُرْصَةً بَعْدُ.»
«لَقَدْ مَنَحْتُهُ نَظْرَةً كامِلَةً. أَظُنُّ أَنَّها كافِيَةٌ.»
في تِلْكَ اللَّحْظَةِ، خَرَجَ جَدّي مِنَ البَيْتِ، وَكانَتِ ابْتِسامَتُهُ أَوَّلَ شَيْءٍ دافِئٍ أَشْعُرُ بِهِ مُنْذُ بَدَأَتِ الرِّحْلَةُ.
«لُونا! أَهْلًا بِكِ يا حَفيدَتي!»
اقْتَرَبَ مِنّي وَاحْتَضَنَني، فَتَرَكْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ نَظَرَ إِلى وَجْهي بِفَرَحٍ.
«لَقَدْ كَبِرْتِ كَثيرًا.»
قُلْتُ:
«هَذِهِ مُلاحَظَةٌ عَظِيمَةٌ. سَأَكْتُبُها في مُذَكِّراتي.»
ضَحِكَ جَدّي، وَهَزَّ رَأْسَهُ.
«ما زِلْتِ كَما أَنْتِ.»
لَمْ أُجِبْهُ، لَكِنَّني شَعَرْتُ بِشَيْءٍ مِنَ الرّاحَةِ عِنْدَما دَخَلْتُ البَيْتَ. كانَتْ رائِحَةُ الخَشَبِ القَديمِ تَمْلَأُ المَكانَ، وَكانَتِ الجُدْرانُ مُزَيَّنَةً بِصُوَرٍ عائِلِيَّةٍ قَديمَةٍ. في إِحْدى الصُّوَرِ، رَأَيْتُ نَفْسي طِفْلَةً صَغيرَةً، أَضْحَكُ بِفَمٍ مَفْتوحٍ، وَأُمسِكُ بِيَدِ جَدّي أَمامَ الحَظيرَةِ.
تَوَقَّفْتُ أَمامَ الصُّورَةِ لَحْظَةً.
لَمْ أَكُنْ أَتَذَكَّرُ تِلْكَ الضَّحْكَةَ.
لَمْ أَكُنْ أَتَذَكَّرُ مَتى تَوَقَّفْتُ عَنِ الضَّحِكِ بِتِلْكَ الطَّريقَةِ، وَلا مَتى أَصْبَحَتِ الابْتِسامَةُ شَيْئًا أَحْتاجُ إِلى التَّفْكيرِ قَبْلَ أَنْ أَفْعَلَهُ.
لَكِنَّني أَبْعَدْتُ نَظَري عَنِ الصُّورَةِ، وَتابَعْتُ السَّيْرَ، كَأَنَّني لَمْ أَرَ شَيْئًا.
كانَتْ غُرْفَتي في الطّابِقِ العُلْوِيِّ، وَتُطِلُّ نافِذَتُها عَلى جُزْءٍ مِنَ الحُقولِ وَعَلى المَمَرِّ المُؤَدّي إِلى الحَظائِرِ. وَضَعْتُ حَقيبَتي فَوْقَ السَّريرِ، وَفَتَحْتُ النّافِذَةَ قَليلًا، ثُمَّ جَلَسْتُ أُراقِبُ المَكانَ.
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّني سَأَحْفَظُ تَفاصيلَ هَذِهِ النّافِذَةِ، وَهَذا المَمَرِّ، وَهَذِهِ الحُقولِ، وَأَنَّني سَأَرْجِعُ إِلَيْها في ذِهْني في أَيّامٍ سَتَكونُ فيها الذِّكْرياتُ أَثْقَلَ مِنَ الحَقيقَةِ.
في ذَلِكَ المَساءِ، جَلَسْتُ مَعَ جَدّي وَأُمّي لِتَناوُلِ العَشاءِ. تَحَدَّثَ جَدّي عَنِ المَزْرَعَةِ وَعَنْ أَعْمالِها، وَأَخْبَرَنا أَنَّ بَعْضَ العُمّالِ سَيَكونونَ مَوْجودينَ في الصَّباحِ الباكِرِ.
لَمْ أُبْدِ اهْتِمامًا بِالأَمْرِ، حَتّى قالَ جَدّي:
«ماتيو سَيَكونُ هُنا مُبَكِّرًا كَعادَتِهِ. إِنَّهُ يَتَحَمَّلُ مَسْؤوليّاتٍ كَثيرَةً، وَمَعَ ذَلِكَ لا يَتَأَخَّرُ عَنْ عَمَلِهِ.»
رَفَعْتُ رَأْسي.
«مَنْ ماتيو؟»
أَجابَ جَدّي:
«شابٌّ يَعْمَلُ في المَزْرَعَةِ. يَدْرُسُ الطِّبَّ، وَيُساعِدُ أُمَّهُ المَريضَةَ. إِنَّهُ مِنَ الأَشْخاصِ الَّذينَ يَسْتَحِقّونَ فُرْصَةً أَفْضَلَ في الحَياةِ.»
عُدْتُ إِلى طَعامي، وَقُلْتُ بِلا اكْتِراثٍ:
«يَبْدو أَنَّكَ تُحِبُّهُ كَثيرًا.»
«لِأَنَّهُ شابٌّ مُجْتَهِدٌ، وَلا يَشْتَكي مِنْ شَيْءٍ، مَعَ أَنَّ لَدَيْهِ ما يَكْفي مِنَ الهُمومِ.»
لَمْ أُعَلِّقْ، لَكِنَّني تَذَكَّرْتُ اسْمَهُ. ماتيو. اسْمٌ عاديٌّ، لِشَخْصٍ لَمْ أَرَهُ بَعْدُ، وَلَمْ يَكُنْ لَدَيَّ أَيُّ سَبَبٍ لِلاهْتِمامِ بِهِ.
بَعْدَ العَشاءِ، عُدْتُ إِلى غُرْفَتي، وَأَغْلَقْتُ البابَ، ثُمَّ جَلَسْتُ عَلى السَّريرِ وَأَخْرَجْتُ سِلْسِلَتي الفِضِّيَّةَ.
كانَتِ العُطْلَةُ قَدْ بَدَأَتْ، وَكُنْتُ أَتَوَقَّعُ أَنْ تَمُرَّ أَيّامُها بَطيئَةً، مُتَشابِهَةً، وَمُمِلَّةً. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّني سَأَقْضي أُسْبوعَيْنِ في تَجَنُّبِ العُمّالِ، وَتَجَنُّبِ أَسْئِلَةِ جَدّي، وَالعَدِّ التَّنازُلِيِّ لِلْعَوْدَةِ إِلى المَدينَةِ.
لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ الصَّباحَ التّاليَ سَيَحْمِلُ لِي أَوَّلَ حَديثٍ مَعَ ماتيو وَأَنَّ ذَلِكَ الحَديثَ الصَّغيرَ سَيَكُونُ بِدايَةَ صَداقَةٍ لَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنْها.
وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ الشَّخْصَ الَّذي سَأَلْتَقيهِ بِلا تَوَقُّعاتٍ سَيُصْبِحُ أَحَدَ أَهَمِّ الأَشْخاصِ في حَياتي.
فَفي بَعْضِ الأَحْيانِ، لا يَدْخُلُ النّاسُ حَياتَنا وَهُمْ يَحْمِلونَ مَعَهُمْ أَجْوِبَةً، بَلْ يَدْخُلونَ وَهُمْ يَحْمِلونَ أَسْئِلَةً جَديدَةً، وَيَتْرُكونَنا نُواجِهُ أَنْفُسَنا بِطَريقَةٍ لَمْ نَخْتَبِرْها مِنْ قَبْلُ.
وَكانَ ماتيو، دُونَ أَنْ أَعْلَمَ، أَوَّلَ سُؤالٍ حَقيقيٍّ سَتَضَعُهُ الحَياةُ أَمامي.
أَمّا الإِجابَةُ، فَسَتَكْتُبُها أَيّامٌ لَمْ تَكُنْ قَدْ بَدَأَتْ بَعْدُ.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.