وضع القراءة:

الفَصْلُ الثّانِي: الفَتى الَّذي لا يَضْحَكُ

«لَمْ أَكُنْ أُؤْمِنُ بِالبِداياتِ الجَمِيلَةِ، وَخُصوصًا تِلْكَ الَّتي تَأْتِي بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَكَ أَحَدُهُمْ أَنَّ حَياتَكَ سَتَتَغَيَّرُ.»
في صَباحِ اليَوْمِ التّالي، اسْتَيْقَظْتُ عَلى صَوْتِ جَدِّي يَضْرِبُ بابَ غُرْفَتِي.
«لُونَا! إِنْ لَمْ تَنْهَضِي الآنَ، فَسَأَتْرُكُكِ هُنا حَتّى تَأْكُلَكِ الدَّجاجاتُ!»
فَتَحْتُ عَيْنًا واحِدَةً، وَنَظَرْتُ إِلَى السّاعَةِ.
السّادِسَةُ صَباحًا.
كانَ هٰذا الرَّجُلُ يَكْرَهُ النَّوْمَ، وَيَبْدو أَنَّهُ يَكْرَهُهُ أَيْضًا عِنْدَ الآخَرِينَ.
صَرَخْتُ مِنْ وَراءِ البابِ: «دَعِ الدَّجاجاتِ تَجْرِبُ حَظَّها!»
سَمِعْتُ ضَحِكَتَهُ، ثُمَّ ابْتَعَدَتْ خُطُواتُهُ.
بَعْدَ نِصْفِ ساعَةٍ، كُنْتُ أَجْلِسُ أَمامَ جَدِّي عَلى مائِدَةِ الفَطُورِ، وَأَنا أَتَمَنّى لَوْ أَنَّ أَحَدًا يَخْتَرِعُ طَريقَةً لِإِعَادَةِ النّاسِ إِلى أَسِرَّتِهِمْ بِالقُوَّةِ.
وَضَعَ جَدِّي كَأْسَ الحَليبِ أَمامِي، ثُمَّ قالَ: «سَتَذْهَبِينَ مَعَ ماتْيُو إِلى الحَقْلِ اليَوْمَ.»
رَفَعْتُ رَأْسِي.
«مَنْ ماتْيُو؟»
«الشّابُّ الَّذي أَخْبَرْتُكِ عَنْهُ أَمْسِ. يَعْمَلُ هُنا مُنْذُ مُدَّةٍ، وَيُساعِدُنِي في كُلِّ شَيْءٍ.»
«وَلِماذا لا يَذْهَبُ مَعَ نَفْسِهِ؟»
«لِأَنَّهُ لَيْسَ مَجْنونًا مِثْلَكِ، وَيَعْرِفُ أَنَّ العَمَلَ يَحْتاجُ إِلى شَخْصَيْنِ أَحْيانًا.»
ابْتَسَمْتُ بِاسْتِفْزازٍ.
«سَأُحاوِلُ أَنْ لا أُفْسِدَ لَكَ المَزْرَعَةَ.»
أَجابَ بِجِدِّيَّةٍ مُصْطَنَعَةٍ: «هٰذا ما أَخْشاهُ بِالفِعْلِ.»
بَعْدَ الفَطُورِ، وَصَلَتْ أُمِّي إِلى المَزْرَعَةِ لِتَأْخُذَ بَعْضَ أَغْراضِها قَبْلَ عَوْدَتِها إِلى المَدِينَةِ. كانَ عَلَيْها أَنْ تَرْجِعَ إِلى عَمَلِها، وَقَدْ أَصَرَّ جَدِّي أَنْ أَبْقى مَعَهُ مُدَّةً أَطْوَلَ مِنَ الأُسْبُوعَيْنِ اللَّذَيْنِ اتَّفَقْنا عَلَيْهِما.
لَمْ أَعْتَرِضْ.
بِالحَقيقَةِ، لَمْ أَكُنْ أُريدُ الرُّجوعَ إِلى البَيْتِ.
كانَ البَيْتُ هادِئًا بِطَريقَةٍ تُصيبُنِي بِالاخْتِناقِ، وَكانَتِ الأَيّامُ تَمُرُّ هُناكَ كَأَنَّها نُسَخٌ مُكَرَّرَةٌ مِنْ يَوْمٍ واحِدٍ. أَمّا هُنا، فَكُلُّ شَيْءٍ يَبْدو مُخْتَلِفًا، حَتّى الصَّباحُ الَّذي يَجْعَلُنِي أَكْرَهُ الحَياةَ أَقَلَّ قَليلًا.
عانَقَتْنِي أُمِّي قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ، وَقالَتْ: «لا تُتْعِبي جَدَّكِ، وَحاوِلي أَنْ تَكُونِي مُهَذَّبَةً.»
نَظَرْتُ إِلى جَدِّي، ثُمَّ إِلَيْها.
«أَيُّ جُزْءٍ مِنْ هٰذِهِ النَّصيحَةِ تُريدينَني أَنْ أَتَجاهَلَهُ أَوَّلًا؟»
ضَرَبَتْ ذِراعِي بِخِفَّةٍ، وَرَحَلَتْ وَهِيَ تَهُزُّ رَأْسَها.
وَبَعْدَ أَنْ اخْتَفَتْ سَيّارَتُها خَلْفَ الطَّريقِ، الْتَفَتَ إِلَيَّ جَدِّي وَقالَ:
«حَسَنًا، يا حَفيدَتي العَزيزَةَ. لَدَيْكِ الآنَ وَقْتٌ كافٍ لِتُسَبِّبي لِي الصُّداعَ.»
«أَخِيرًا، شَخْصٌ يَفْهَمُ قُدُراتِي.»
وَجَّهَنِي إِلى المَخْزَنِ القَريبِ مِنَ الإِسْطَبْلِ، وَطَلَبَ مِنِّي أَنْ أَنْتَظِرَ ماتْيُو هُناكَ.
لَمْ أَنْتَظِرْ طَويلًا.
كانَ شابًّا طَويلًا، يَرْتَدي قَميصًا داكِنًا وَسِرْوالَ عَمَلٍ قَدِيمًا، وَيَحْمِلُ صُنْدوقًا ثَقيلًا بِكِلْتا يَدَيْهِ. كانَتْ مَلامِحُهُ هادِئَةً، وَعَيْناهُ مُنْشَغِلَتَيْنِ بِما يَفْعَلُهُ، كَأَنَّهُ لا يَمْلِكُ وَقْتًا لِمُلاحَظَةِ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ.
وَقَفَ أَمامِي، وَنَظَرَ إِلَيَّ لَحْظَةً.
«أَنْتِ لُونَا؟»
«لا، أَنا الشَّبَحُ الَّذي يَسْكُنُ الغُرْفَةَ القَديمَةَ.»
رَفَعَ حاجِبَهُ.
«مُمْتازٌ. إِذًا سَأَطْلُبُ مِنَ الشَّبَحِ أَنْ يَحْمِلَ هٰذا الصُّنْدوقَ.»
أَشارَ إِلى الصُّنْدوقِ الَّذي كادَ يَسْقُطُ مِنْ يَدَيْهِ.
حَمَلْتُ طَرَفَهُ بِدُونِ كَلِمَةٍ، وَساعَدْتُهُ في وَضْعِهِ عَلى الطّاوِلَةِ.
قالَ: «شُكْرًا.»
«لا تَعْتَدْ عَلى ذٰلِكَ.»
«لَمْ أَكُنْ أَنْوي.»
لَمْ أُحِبَّهُ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ كانَ وَقِحًا، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَرَّفْ كَما يَتَصَرَّفُ الآخَرونَ مَعي. لَمْ يُحاوِلْ إِرْضائِي، وَلَمْ يَسْأَلْني عَنْ سَبَبِ شَكْلي، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيَّ كَأَنَّني مَشْروعُ كارِثَةٍ يَحْتاجُ إِلى إِنْقاذٍ.
وَهٰذا أَغاظَني.
قُلْتُ وَأَنا أَتْبَعُهُ: «هَلْ تَتَكَلَّمُ كَذٰلِكَ مَعَ الجَميعِ؟»
«كَيْفَ؟»
«كَأَنَّكَ تُريدُ أَنْ تَنْتَهيَ مِنَ الحَديثِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ.»
«فَقَطْ عِنْدَما يَكونُ الحَديثُ غَيْرَ ضَرورِيٍّ.»
«إِذًا سَنَكُونُ صَدِيقَيْنِ رائِعَيْنِ.»
تَوَقَّفَ عَنِ المَشْيِ، وَنَظَرَ إِلَيَّ بِاسْتِغْرابٍ.
«مَنْ قالَ إِنَّنا سَنَكُونُ صَدِيقَيْنِ؟»
«أَنا. أَتَحْتاجُ إِلى تَوْقيعٍ مِنْ جَدِّي؟»
هَزَّ رَأْسَهُ، وَتابَعَ سَيْرَهُ.
«أَظُنُّ أَنَّ هٰذا اليَوْمَ سَيَكونُ طَويلًا.»
لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ كَمْ كانَ مُحِقًّا.
بَعْدَ أَقَلَّ مِنْ ساعَةٍ، كُنْتُ أَتَسَلَّقُ سُلَّمًا خَشَبِيًّا لِأَصِلَ إِلى غُصْنٍ مُتَدَلٍّ فَوْقَ السِّياجِ، بَيْنَما كانَ ماتْيُو يَصْرُخُ مِنَ الأَسْفَلِ:
«اِنْزِلي مِنْ هُناكَ!»
نَظَرْتُ إِلَيْهِ.
«لِماذا؟ هَلْ تَخافُ أَنْ أَسْرِقَ التُّفّاحَ؟»
«أَخافُ أَنْ تَسْقُطي عَلى رَأْسِكِ!»
«رَأْسي مُتِينٌ.»
وَفي اللَّحْظَةِ نَفْسِها، اِنْزَلَقَتْ قَدَمِي.
لَمْ أَجِدْ وَقْتًا لِلصُّراخِ؛ تَعَلَّقْتُ بِالغُصْنِ، وَتَأَرْجَحْتُ فَوْقَ السِّياجِ، ثُمَّ اِنْكَسَرَ الغُصْنُ تَحْتي.
قَفَزَ ماتْيُو إِلى الأَمامِ، وَأَمْسَكَ بِذِراعي قَبْلَ أَنْ أَرْتَطِمَ بِالأَرْضِ. سَقَطْنا مَعًا، وَارْتَطَمَ كَتِفُهُ بِالتُّرابِ، بَيْنَما وَقَعْتُ فَوْقَهُ.
لَحِقَتْ بِنا ثَوانٍ مِنَ الصَّمْتِ.
ثُمَّ قالَ بِصَوْتٍ مَخْنوقٍ: «هَلْ أَنْتِ حَيَّةٌ؟»
رَفَعْتُ رَأْسِي.
«أَظُنُّ ذٰلِكَ.»
«جَيِّدٌ. لِأَنَّني لَنْ أَكْتُبَ تَقْريرَ وَفاةٍ بِسَبَبِ تُفّاحَةٍ.»
اِنْفَجَرْتُ ضاحِكَةً، وَرَغْمَ أَنَّهُ حاوَلَ أَنْ يَحْتَفِظَ بِجِدِّيَّتِهِ، فَقَدْ ظَهَرَتْ عَلى وَجْهِهِ ابْتِسامَةٌ خاطِفَةٌ.
لَحَظْتُها.
«آه! إِذًا أَنْتَ تَعْرِفُ كَيْفَ تَبْتَسِمُ!»
عَادَ وَجْهُهُ إِلى هُدوئِهِ.
«تَوَهُّمْ.»
«سَأُثْبِتُ العَكْسَ.»
مَدَّ يَدَهُ لِيُساعِدَني عَلى الوُقوفِ، وَقالَ: «أَفْضَلُ ما يُمْكِنُكِ فِعْلُهُ هُوَ أَنْ تَبْقي بَعِيدَةً عَنِ الأَشْجارِ.»
«وَأَنْتَ؟»
«وَأَنا سَأَبْقى بَعِيدًا عَنْكِ.»
لَمْ يَصْمُدْ وَعْدُهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ دَقائِقَ.
فَجْأَةً، سَمِعْنا صَهِيلًا حادًّا مِنْ جِهَةِ الإِسْطَبْلِ، تَبِعَهُ صَوْتُ شَيْءٍ يَتَحَطَّمُ. اِلْتَفَتَ ماتْيُو بِسُرْعَةٍ، وَتَغَيَّرَتْ مَلامِحُهُ.
«ابْقَيْ هُنا.»
بِالطَّبْعِ، لَمْ أَبْقَ.
رَكَضْتُ خَلْفَهُ، وَما إِنْ وَصَلْنا حَتّى رَأَيْنا بابَ الإِسْطَبْلِ مَفْتوحًا، وَحِصانًا أَسْوَدَ يَنْدَفِعُ نَحْوَ السّاحَةِ. كانَ أَحَدُ العُمّالِ يُحاوِلُ إِمْساكَ اللِّجامِ، لَكِنَّ الحِصانَ رَفَعَ قائِمَتَيْهِ الأَمامِيَّتَيْنِ وَكَادَ يُسْقِطُهُ.
«اِبْتَعِدي يا لُونَا!» صَرَخَ ماتْيُو.
لَمْ أُفَكِّرْ.
كانَ هُناكَ حَبْلٌ مُلْقى بِجِوارِ السِّياجِ. الْتَقَطْتُهُ وَرَكَضْتُ نَحْوَ البَوّابَةِ الجانِبِيَّةِ، ثُمَّ جَذَبْتُها بِقُوَّةٍ لِأُغْلِقَ المَمَرَّ الَّذي كانَ الحِصانُ يَنْدَفِعُ نَحْوَهُ.
اِرْتَطَمَ الحِصانُ بِالبَوّابَةِ، وَارْتَفَعَ صَهِيلُهُ، وَانْتَفَضَ الحَبْلُ مِنْ يَدِي. تَراجَعْتُ خُطْوَتَيْنِ، وَشَعَرْتُ بِقَلْبِي يَضْرِبُ صَدْرِي بِعُنْفٍ.
وَصَلَ ماتْيُو مِنَ الجِهَةِ الأُخْرى، وَنَجَحَ في إِمْساكِ اللِّجامِ بَعْدَ أَنْ هَدَأَتْ حَرَكَةُ الحِصانِ قَليلًا.
اِسْتَغْرَقَ الأَمْرُ دَقائِقَ قَلِيلَةً، لَكِنَّها بَدَتْ أَطْوَلَ مِنْ ساعَةٍ.
بَعْدَ أَنْ أَعادَ ماتْيُو الحِصانَ إِلى الإِسْطَبْلِ، اِلْتَفَتَ إِلَيَّ. كانَ غاضِبًا، وَهٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ يُحاوِلْ إِخْفاءَ ذٰلِكَ.
«هَلْ فَقَدْتِ عَقْلَكِ؟ كانَ يُمْكِنُ أَنْ يُصيبَكِ بِأَذًى!»
مَسَحْتُ الغُبارَ عَنْ مِرْفَقِي.
«لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ.»
«هٰذا لَيْسَ جَوابًا!»
«وَأَنْتَ لَمْ تَسْأَلْ سُؤالًا يَحْتاجُ إِلى جَوابٍ.»
حَدَّقَ فِيَّ، ثُمَّ مَرَّرَ يَدَهُ عَلى وَجْهِهِ بِضِيقٍ.
«أَنْتِ مُسْتَحيلَةٌ.»
«هٰذا ما قالَتْهُ أُمِّي قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ.»
لَمْ يَضْحَكْ هٰذِهِ المَرَّةَ، لَكِنَّ غَضَبَهُ خَفَّ.
قالَ بَعْدَ لَحْظَةٍ: «شُكْرًا لِأَنَّكِ أَغْلَقْتِ البَوّابَةَ. لَوْ لَمْ تَفْعَلي، لَكانَ مِنَ الصَّعْبِ إِعادَتِهِ.»
أَخْفَيْتُ ابْتِسامَتي.
«هَلْ هٰذا يَعْني أَنَّني أَحْسَنْتُ التَّصَرُّفَ؟»
«لا تُبالِغي.»
«سَأَعْتَبِرُها إِجابَةً بِنَعَمْ.»
وَمِنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ يَعُدْ ماتْيُو يَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أَذْهَبَ بَعِيدًا كُلَّما بَدَأَ العَمَلَ. بَدَلًا مِنْ ذٰلِكَ، أَخْبَرَني بِما يَجِبُ أَنْ أَفْعَلَهُ وَما يَجِبُ أَلّا أَفْعَلَهُ، وَكانَتْ تِلْكَ القائِمَةُ طَويلَةً جِدًّا.
مَعَ ذٰلِكَ، لَمْ أَلْتَزِمْ بِها كُلِّها.
مَعَ غُروبِ الشَّمْسِ، كُنْتُ أَجْلِسُ عَلى سُورٍ مُنْخَفِضٍ قُرْبَ الحَقْلِ، بَيْنَما كانَ ماتْيُو يُرَتِّبُ أَدَواتِ العَمَلِ. لاحَظْتُ أَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ جَيْبِهِ دَفْتَرًا صَغيرًا، وَيُراجِعُ بَعْضَ الصَّفَحاتِ بِتَرْكيزٍ.
«ما هٰذا؟»
أَغْلَقَ الدَّفْتَرَ.
«دُروسٌ.»
«أَيُّ دُروسٍ؟»
«الطِّبُّ.»
اِلْتَفَتُّ إِلَيْهِ بِسُرْعَةٍ.
«أَنْتَ تَدْرُسُ الطِّبَّ؟»
«نَعَمْ.»
«وَتَعْمَلُ هُنا في المَزْرَعَةِ؟»
«كَمَا تَرَيْنَ.»
«هَلْ تُريدُ أَنْ تُصْبِحَ طَبيبًا حَقًّا؟ أَمْ أَنَّكَ تُحِبُّ حَمْلَ الصَّناديقِ فَقَطْ؟»
نَظَرَ إِلَيَّ بِهُدوءٍ.
«أُريدُ أَنْ أُصْبِحَ طَبيبًا.»
كانَ في صَوْتِهِ شَيْءٌ اخْتَلَفَ عَنْ كُلِّ ما سَمِعْتُهُ مِنْهُ في ذٰلِكَ اليَوْمِ. لَمْ يَكُنْ حُلْمًا يَتَكَلَّمُ عَنْهُ لِيُعْجِبَ أَحَدًا؛ بَلْ كانَ قَرارًا تَمَسَّكَ بِهِ رَغْمَ أَنَّ الحَياةَ لَمْ تَجْعَلْ طَريقَهُ سَهْلًا.
سَأَلْتُهُ: «إِذًا، لِماذا لا تَدْرُسُ فَقَطْ؟»
سَكَتَ قَليلًا، ثُمَّ قالَ: «لِأَنَّ الحَياةَ لا تَنْتَظِرُ حَتّى نَنْتَهِيَ مِنْ دُروسِنا.»
لَمْ أَفْهَمْ ما قَصَدَهُ تَمامًا، وَلَمْ أُصِرَّ عَلى السُّؤالِ.
لَكِنَّني لاحَظْتُ أَنَّهُ أَعادَ الدَّفْتَرَ إِلى جَيْبِهِ بِحَرَكَةٍ حَذِرَةٍ، كَأَنَّهُ يُخْفي شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ مُجَرَّدِ كُتُبٍ.
في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَلَسْتُ مَعَ جَدِّي عَلى مائِدَةِ العَشاءِ، وَبَيْنَما كانَ يَسْأَلُني عَنْ يَوْمِي، وَجَدْتُ نَفْسِي أَتَحَدَّثُ عَنْ ماتْيُو أَكْثَرَ مِمّا تَوَقَّعْتُ.
«إِنَّهُ مُزْعِجٌ»، قُلْتُ.
ابْتَسَمَ جَدِّي.
«وَأَنْتِ؟»
«أَنا مُزْعِجَةٌ بِطَريقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.»
«إِذًا سَتَتَفاهَمانِ.»
لَمْ أُجِبْهُ.
في اليَوْمِ التّالي، وَفي اليَوْمِ الَّذي بَعْدَهُ، صِرْتُ أَذْهَبُ إِلى المَزْرَعَةِ مُبَكِّرًا، وَأَبْقى مَعَ ماتْيُو حَتّى يَنْتَهِيَ العَمَلُ. كُنّا نَتَجادَلُ عَلى أَتْفَهِ الأُمورِ، وَنَضْحَكُ عَلى أَخْطاءٍ لا يَفْهَمُها أَحَدٌ غَيْرُنا، وَأَحْيانًا كُنْتُ أُساعِدُهُ في العَمَلِ، وَأَحْيانًا أَكُونُ أَنا السَّبَبَ في إِعادَةِ العَمَلِ مِنْ جَديدٍ.
وَلَمْ يَكُنْ يَشْكو كَثيرًا.
في أَحَدِ الأَيّامِ، وَبَيْنَما كُنّا نُرَتِّبُ أَدَواتِ الحَديقَةِ، رَنَّ هاتِفُهُ. نَظَرَ إِلى الشّاشَةِ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ فَوْرًا.
ابْتَعَدَ خُطْوَتَيْنِ وَأَجابَ.
«أَلو، أُمِّي؟»
لَمْ أَكُنْ أَتَنَصَّتُ، لَكِنَّ صَوْتَهُ كانَ مُنْخَفِضًا وَمُضْطَرِبًا، وَبَعْدَ لَحَظاتٍ سَمِعْتُهُ يَقولُ:
«أَعْرِفُ، أَعْرِفُ... سَأَجِدُ حَلًّا. أَعِدُكِ.»
أَغْلَقَ الهاتِفَ، وَبَقِيَ واقِفًا في مَكانِهِ.
لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيَّ.
لَمْ يُحاوِلْ أَنْ يَبْتَسِمَ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَنْ عَرَفْتُهُ، بَدا ماتْيُو كَأَنَّهُ لا يَعْرِفُ ما الَّذي يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَهُ.
اقْتَرَبْتُ مِنْهُ.
«ماتْيُو؟»
أَجابَ بِسُرْعَةٍ: «أَنا بِخَيْرٍ.»
«لَمْ أَسْأَلْكَ إِنْ كُنْتَ بِخَيْرٍ.»
رَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَيَّ، وَبَدَتْ فيهِما تَعَبٌ لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْلُ.
«إِذًا، ماذا تُريدِينَ؟»
لَمْ أَعْرِفْ ماذا أَقولُ. لَمْ أَكُنْ بارِعَةً في مُواسَاةِ الآخَرينَ، وَلَمْ أُحِبَّ يَوْمًا أَنْ يَراني أَحَدٌ أُحاوِلُ فِعْلَ ذٰلِكَ.
لِذٰلِكَ قُلْتُ: «أُريدُ أَنْ أَعْرِفَ لِماذا تَتَصَرَّفُ كَأَنَّكَ تَحْمِلُ العالَمَ كُلَّهُ عَلى ظَهْرِكَ.»
أَشاحَ بِوَجْهِهِ.
«لِأَنَّ أَحَدًا يَجِبُ أَنْ يَحْمِلَهُ.»
ثُمَّ أَخَذَ أَدَواتِهِ وَعادَ إِلى العَمَلِ، كَأَنَّ المُحادَثَةَ لَمْ تَحْدُثْ.
لَكِنَّني لَمْ أَنْسَ وَجْهَهُ.
وَلَمْ أَنْسَ وَعْدَهُ لِأُمِّهِ.
في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنْ عُدْتُ إِلى غُرْفَتي، وَقَفْتُ أَمامَ المِرْآةِ وَأَدَرْتُ السِّلْسِلَةَ الفِضِّيَّةَ حَوْلَ أَصابِعي.
لَمْ أَعْرِفْ لِماذا بَقِيَتْ كَلِماتُ ماتْيُو تَدُورُ في رَأْسي.
وَلَمْ أَعْرِفْ لِماذا شَعَرْتُ بِأَنَّ هُناكَ شَيْئًا يَخْتَبِئُ خَلْفَ صَمْتِهِ، شَيْئًا لَنْ يَقْدِرَ عَلى إِخْفائِهِ طَويلًا.
كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّني جِئْتُ إِلى المَزْرَعَةِ لِأَهْرُبَ مِنْ حَياتي.
لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ حَياةَ شَخْصٍ آخَرَ سَتَبْدَأُ بِتَغْييرِ حَياتي أَيْضًا.
وَأَنَّ اليَوْمَ الَّذي سَيَغيبُ فيهِ ماتْيُو عَنِ المَزْرَعَةِ، لَنْ يَكونَ يَوْمًا عاديًّا أَبَدًا.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.