الفصل الأول: ليلة العاصفة، عظمٌ مبتلَع
موسم العاصفة في ميناء مرسى، مثل وحشٍ عنيدٍ لا يرحل.
حمّل كريم آخر قفصٍ من أسماك الهامور على العربة حين أظلمت السماء تمامًا. كانت أسقف سوق السمك ترتجّ بالصفيح تحت ضربات الريح، وباع الباعة أكشاكهم مبكرًا وغادروا، ولم يبقَ سواه يصارع الطقس.
«كريم، توقف عن النقل! عين العاصفة تعبر، من يأكل السمك في هذه الليلة!» صاحت زهراء من أمام كشكها، وقد رفعت الريح وشاحها، وابتلع نصفَ صوتها.
«هناك صندوقان مجمّدان في المخزن البارد، إن لم أنقلهما أصبحا عفنًا غدًا.» مسح كريم ماء المطر عن وجهه وابتسم لها قائلًا: «عودي أولًا، واقفلي الباب.»
«يا ولدي...» ترددت زهراء قليلًا، ثم أخرجت من تحت المنضدة مفتاحًا عتيقًا ورمته إليه: «مفتاح المخزن. انقل ثم أغلق الباب، ولا تطمع في أكثر من هذين الصندوقين.»
أمسك كريم بالمفتاح، وراقب ظهر زهراء المتحدّب وهو يغوص في ستارة المطر، ثم قاد العربة نحو المخزن البارد في عمق السوق.
كان المخزن البارد في أقصى زاوية من الميناء، بجوار الرصيف القديم المهجور. وفي ليلة العاصفة، طغى ماء البحر على السدّ، وتكسّرت الأمواج على حاجز الأمواج، فتقذف رذاذًا يكاد يبتلع الإنسان.
أوقف كريم العربة أمام باب المخزن، وكان يهمّ بإخراج المفتاح، إذ فجأةً انطلق صدىً باهت — كأن شيئًا ضخمًا، من تحت سطح البحر، اصطدم بالرصيف.
تجمد في مكانه.
صوت ثانٍ. صوت ثالث. كل صوتٍ أقرب وأثقل من سابقه. كانت الأرض الإسمنتية تحت قدميه تهتز، وألواح السقف الحديدية ترتجّ في انسجامٍ صاخب.
وقفت شعرة رأس كريم. لقد أبحر مع أبيه، ويعرف أن هذا ليس موجًا.
إنه كائنٌ حي.
«دَقّ —» هذه المرة، كان الصوت خلف المخزن مباشرة، على الرصيف القديم.
دار كريم حوله بدافعٍ غريب.
في ستارة المطر، كان قاربٌ شراعيٌّ ذو صارٍ واحد مقلوبًا على جانب الرصيف، وقد انفتح في قاعه ثقبٌ بحجم صحنٍ كبير. وفوق الثقب مباشرة، كان يجثم وحشٌ لم يره قط —
بطول مترين تقريبًا، جسمه أخضر داكن، قشوره أثخن من ألواح الحديد، زعنفته الظهرية كصفّ من الأسنان المنشارية، وفمه المفتوح صفوفٌ من الأسنان الملتفّة إلى الداخل. كان يقضم القارب كأنه يقضم رغيف خبز.
عيناه، في ليلة العاصفة، تلمعان بضوءٍ كهرماني.
كانت رجلا كريم ترتجفان، لكنه لم يهرب. لأنه في اللحظة التي رفع فيها الوحش رأسه، رأى ما يحتجز في فمه —
عظمةً بحجم قبضة اليد، متوهجةً.
على العظمة خطوطٌ دقيقة تنبض كالأوردة. بمجرد النظر إليها، أحسّ كريم جوعًا غامضًا لا يمكن تفسيره.
جوعًا يُجنّ المرء.
رآه الوحش أيضًا. زمجر زمجرة منخفضة، وترك القارب، وانقضّ عليه.
استدار كريم وركض، ركض ثلاث خطوات، فتعثّر بحبلٍ مهمل وسقط بثقلٍ في الماء الذي بلغ ركبتيه.
انقضّ الوحش، وفمه الدموي مفتوحٌ كغطاءٍ ينزل على رأسه —
وبشكلٍ تلقائي، دفع في فمه الشيء الذي كان يقبض عليه في يده.
كان عظمةً التقطها من الماء حين سقط. رطبة، دافئة، كأنها خرجت للتو من شيء ما، تحمل حلاوةً لحميةً لا توصف.
تحجر الوحش.
وتحجر كريم أيضًا.
ذابت العظمة في حلقه. ككرةٍ من نارٍ حيّة، احترقت عبر المريء فالحلق فالمعدة حتى العظام. سمع دقات قلبه تتحول إلى طبلٍ متصاعد، وانفجر العالم أمام عينيه بضوءٍ كهرماني —
تباطأ المطر فوق رأسه. تباطأت الرياح. حتى انقضاض الوحش، أصبح كأنه حركةٌ بطيئة.
ارتفع صوتٌ خافت في رأسه، بمعدنٍ كالمعدن:
«نواة الهاوية · الملتهم» — تمّ الربط بنجاح.
الحامل: كريم فهمي. الحالة: محتضر.
رصد عاملٍ خارق: لحم آكل العظام (وحش أدنى مستوى).
تقدّم الالتهام: 0.3%.
الحكم: قابل للالتهام. هل نبدأ التطوّر الأول؟
كان كريم يتألم فلا يستطيع الكلام، لكنه سمع نفسه يدفع من حلقه كلمةً واحدة:
«التهام.»
في اللحظة التالية، فتح فاه.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!