وضع القراءة:

|| 2 : و في غـارِ الـيشـم ||

'ٰ❅ٰ'
'. ٰ
.'
ٰ❅ٰ
. ٰ
لم أكن أنوي الركض , أو أنوي قضاء الليلة في الهروب أسفل البرد و المطر برسالة حمراء.
أو تسليم نجاتي للخطر المجلل بالسواد مثل ما فعلتُ الآن بكل حماقة ممكنة.
و لكنه ما حدث..
لأن لا أحد ستسير حياته كما يرغب ، كلها أقدار لا حكمَ لكَ فيها ، حتى لو ظننت أن لكَ خيارٌ من أي نوع فهو محبوكٌ بدقة لتسير كما أُريدَ لك.
لهذا الهراء بداية..
و قد كانت عندما عدنا من احتفالٍ سخيف بمرور سبعة أعوام على إقامة دولة الإحتلال على أرضٍ لم تجف دمائها ، و أُجبرنا على قدومه بل و الظهورِ بمظهرٍ يقطرُ ابتهاجًا و فخامة ليليقَ برموزٍ لأطلالِ المملكة المهدومة.
و اللّٰه يعلم أنني لستُ براغبة في السب و لكنه الشئ الوحيد المصر على التردد في رأسي طوال الليلة ؛ حتى كاد ينزلق من لساني في وجوههم و التسبب في مصيبة ..
مددت ذراعي لماما لتنزل من المركبة فغمغمت شاكرة ، بينما كنت مشغولة بالتحديق في الحارس الذي قربنا ؛ لأنه لم ينزل عينيه عنها و فارت دمائي.
أنزل عينيك عنها أيها القذر..
لكن لم يكن لي احترامٌ ما ليشيح ببصره حتى مع تحديقي المزمجر ، حرص جوشز على أن يعلم جميع من يعمل في دائرتنا أن يعلم أنه يمتلكُ إرادةً عنا ، أن كل خادمٍ و عامل يمتلك نفسه أكثر مما نفعل...
عملًا بقاعدة المحتل الأزلية ، فلِكسر أسيرك لا سبيل أفضل من تذكيره يوميًا بأنه تحت رحمتك و لا أمل له فيها الفكاك !
و على ذلك نادى الوغد المذكور عليه و انصرف مهرولًا إثر نداء جوشز له ، كأي كلبٍ ألقيت له عظمة فركض إليها ..
ناداه سيده و هو مجرد كلبٍ لسادة أُخر لأنه خاف أن يُجن جنوني أمام العدسة الخطأ .
و غضبتُ أكثر لأنه كان عليّ الصراخ فعلًا و فضحه بين آل أورشيليم و غازاتوا و العالم كله ، و لكنني لم أستطع فعلها..
سأثير ضجةً إعلامية لأيام ، أقصاها؟ بضعة أسابيع؟ ثم ستخبو الشعلة و لن يتحرك أحدٌ فعليًا لإنقاذنا سيعرفون بمعاناتنا و حسب و سأدفع ثمن معرفتهم تلك كل يوم.
بل ربما يصلُ الأمر لأن أُجبر على الخروجِ مجددًا و إكمال التظاهر القذر ، و البشر بقسوتهم المعتادة سيقولون أنني مجنونة أو أسوأ حتى..
أنها كانت مسرحيةً لإثارة الرأي العام للعالم و لفت الإنتباه.
« لا يعقل أننا سنواصل الحضور لهذا الهراء » غمغمت بخفوتٍ مشمئزٍ مني ، من دمجي بكل هذا الفساد و عجزي عن صد فجوره ..
و أجابت هي بنبرة التقطتُ متعبة رغم تجلدها للثبات
« و كذلك أنا يا موج .. و لكن ماذا ؟ هل لديك مخرج ما من هنا ؟ نحن مقيدون لجوشز و سلاسل أورشيليم ، لا تستطيعين رفض الحضور ببساطة ! ».
نبست بعدم جدوى شكواي بوجهي.
و كنتُ أعلم أنها لن تقدر على شئ في هذا الصدد و لكنني كنت أفرغ قليلًا من حمولتي عندها و حسب ، و لا يبدو أنها تحتمل ذلك الآن.
لم تكن ماما و هي أميرة آريڤان لتتزوج بالشيطان الذي وقف متحدثًا مع أحد ممثلي آل أورشيليم قبالتنا ، إلا أن هناك شيئًا غامضًا حدث ليختفي أبي فجأة و نجدها زوجة الآخر رغمًا عن أنوفنا جميعًا بينما أبي الذي لم يكن ليغيب عنها أكثر من يومين اختفى فجأة ...
ثم صرخوا بها في وجهي لأتوقف عن السؤال .. إنه منفي ، بلا زوجة ولا أولاد .. بدوننا.
و الآن ذلك الوغد "جوشز" ادعاها زوجته رغمًا عنها مع علمِ الجميع بأن بابا لم يتركها و حدقتُ به حاقدة..
كان يقف متحدثًا بودٍ مرح و باله مرتاح كأنه يحادث صديقًا عزيزًا و ليس ممثل محتلي بلاده ؛ الذين يستبيحون إراقة دماء أبناء مملكته بإسم مكافحة الإرهاب بينما الإرهاب الحقيقي هو وجودهم وسطنا بتمهيد أمثاله من المسوخ.
جوشز .. جوشز .. جوشز ..
لا أدري كيف له أن يعيش بعدما خان مملكته و قد كان شخصيًا جنرال الجناح الثاني في الجيش ، أو كيف ينام ليلًا و يداه غارقتان بدم ملكيهِ و أبنائهم .
أنهى أيًا كان ما يتحدثان فيه ليقترب منا ، و ظلت أمي متأبطة ذراعي بثباتٍ عنيد ، تتجاهل تبسمه لها بلزوجة بينما ينتظر منها أن تعانق ذراعه الممدودة ؛ لإكمال عروض هذه الليلة أمام عدسات المصورين الذين يتتبعون مهزلة زواج الخائن من أميرة المملكة التي خانها..
سخيف .. أليس كذلك يا فلستيا ؟
حدق بوعيدٍ خطر يجز على أسنانه ، و التهديد لا يمكن تجاهله في صوته و هو يطحن من بين فكيه رغم ضحكته الخطرة
«هيا يا عزيزتي أنت لا تريدين أن أُذلكِ علنًا ؛ لابد أن عزيزك يشاهد من مكانٍ ما و لن يسره اهانتي لك »..
حدقَت به ، و لو كانت عيونها داكنة الزرقة تبث نارًا لاحترق بمكانه ، و خفت أن يؤذيها حقًا فأفلتها لقبضته أجز أسناني بعجز ؛ لأنني لا أستطيع صده عنها.. عنا..
لا أستطيع تهشيم وجهه و كسر عظامه..
ثم أخيرًا غادر الأوغاد و محررو الأخبار ليتركونا في حالنا بعد ليلة مكللة بالهراء..
و علق هو بتبجحٍ أجج رغبتي في طحنه بيديّ
«لا يروق لي صمتكما كان يجب أن تندمجا في الحديث.. خاصة و أنها كانت حفلة موج الأولى ».
فتح الباب و أطل رأس شقيقي الأصغر مورس من خلفه بشقاوة ، فكرتُ في غرابة عدم فتح أحد الخدم بينما ردت أمي بجملةٍ ساخرةٍ بغضب
« لا حاجة لنا بمنحهم سببًا آخر للضحك ، العالم كله يعلم أن حضورنا بحد ذاته مهزلة ! ».
ذكرته بالدم الذي يقطرُ من يدّيه بحقد ، و شدت ذراعها منه بقرفٍ و إباء..
و رأيته ، الغضب..
في كل تفصيلة منه.
لكنه حاول مداراته بتباهٍ بائس ، و قال بتسلط مثيرًا بشياطين غضبها
« هذه المهزلة أنت غير قادرة على ردعها لذا فلتمتثلي لأوامري كي تمر أيامُ أطفالكِ على خير يا شانيل ».
و يميلُ نحوها قليلًا و رأسه خفيف الصلع يشع بنور الثريا ليبدو كمن يحترق بشياطين رأسه يتابع بتحدٍ و سخرية
« سيعلم العالم كله أن آل أورشيليم موجودون برضا آل آريڤان .. و لا يحق لأي أحدٍ التحدث و الأميرة و أحفاد الملكة يباركونهم بالحضور ».
اشتعلت نظرات أمي بعجزٍ مكبوت ترتسم على وجهها رغبة مماثلة لرغبتي بتمزيق ملامح وجهه.
و تبسم هو برضا على غضبها الذي أثاره ، ثم دخل تاركًا إياها تتلظى في شعورها بالعار و القهر.
و قطرتُ السماء فجأة تدمعُ لحالنا .
تنكسر لأننا لن نفعل أمامهُ ما استطعنا.
و رفعتُ وجهيَ للمياه التي قبلت وجهيَ بمواساةٍ صامتة تسكنُ كبتًا سأنتظرُ طويلًا قبل أن أفجره.
أتنفسُ بكاءها عني بحرقة و كأنني أبكي بحق ، ثم نظرت لماما التي بدت كأنها على وشكِ قتلِ نفسِها لأربتَ على مرفقها بخفة أحثُها برفقٍ على الدخولِ إتقاءًا للمطرِ كيلا تمرض.
لن أحب نوبات الغضب و اليأس مع رقادِ الزكام يجتمعانِ عليها سويًا ..
إنه إجتماعٌ سئ .
و بينما وقفنا ننزع أكفاننا تقافز مورس حول أمي متهللًا بحماسة شديدة « مرحبًا أمي، احزري ماذا وجدت و أنت بالخارج؟ » كان من الواضح أنه يخبئ كشفه العظيم أسفل سترته بينما يترقب تخميناتها بجذل.
و نذير السوءِ صرخ برأسي قلقًا كغرابٍ يرى ملك الموتِ ، لم أكن أرى ما الذي حدسته..
فقط أدركتُ أنه أحمر و مستطيل.
و رحبت ماما بالإلهاء تسأله مترفقة ، تحاول إظهار شعورٍ غير الفتور الذي اعتراها..
«أرجو أنه يستحقُ سهرك ، لأنني غاضبة يا مورس ».
لففت عيناي و كأنها لا ترى رأس مِيارا خلف الستارة..
كلاهما مستيقظ !
بدأ مورس يرفع سترته يتحجج بدفاعٍ لم يشفع اختراقه القوانين «هيا يا أمي موج لا زالت صغيرة و أخذتموها معكم لذلك الاحتفــ... »
ثم تحول صوته لطنين في رأسي و أنا أحدق للظرف القاني الحمرة بين يديه ببرودة تسللت لجسدي فجأة بينما انتفض قلبي يتعثرُ في نبضه ..
ذلك الظرف مألوفٌ بشكلٍ مرعِب ، كنتُ أعرفُ بالظبطِ من أين جاء و مِن مَن..
كانت هذه الأظرف الشئ الوحيدُ الثابت بين ماما و بابا في طفولتي و لو كانا متخاصمان ، و هذا يعني أنه يُراسلها ...
لم أكن أعلم بمراسلاتهما ، غير أني علمتُ الآن بذعرٍ خنق حلقي ، لأنه لو وقع في يدي جوشز سيعلمُ هو الآخر.
و أدركتُ تجمدها جواري ، و دون أن أرى أحسستُ شحوب وجهها الذي تعاظم عندما حدق جوشز في الظرفِ كأنه يستنطقهُ شكوكه..
« ناولني الظرف يا مورس ».
أمره جوشز بنبرة لا تناقش ، و مجرد التفكير في اطلاعه على ما بين أمي و أبي يثير ذعرًا غاضبًا في.
ربما ذكر أبي مكانه ، ربما كتب معلومة مهمة ...
و حسمت قراري في لحظة..
و ركضت .
و قد كان هذا منذ ساعات..
و هذا القرار هو ما جرني لسلسلة من القرارات التي تضمنت الركض بلا توقف .
و هو شئٌ يبدو أنني سأفعله طوال ما بقي من هذة الليلة ، إلا أنه سيكونُ برفقتي هذا القرار رجلٌ يتفرجُ على المآسي ثمَ يقيمُها بمعاييرٍ لا يعرفها وغدٌ سواه..
أما الآن فأنا قد اخترت رفقته بكامل قواي العقلية ، و التي أشكُ في وجودها الآن ؛ لأنها لو كانت موجودة و لو بنسبٍ ضئيلة لما انغمستُ في هذا..
وضعتُ كفي بكفه ، و سحبني بصمتٍ في دورانٍ سلس لأواجه الأفق و لقاء السحبِ الراعدة و الأمواج الهائجة بالمحيط.
ثُم سكن لثوانٍ مرت كالدهر عليّ و أنا أنتظرُ أن يلتقطنا أنفُ أجهزتهم المتعقبة فيعوي جهتنا...
و تململتُ بقلق لسكونه ؛ ما خطبه بجدية !
ثم يخطرُ شئٌ ببالي و أتجمدُ و أنظرُ له بشكٍ مرتاع من فوق كتفي ، ثم أعود في ثانيةٍ نحو البرق الذي أنار المكان للحظة فظيعة يتحالف معه و معهم في جعل الليلة أسوأ مما هي عليه بالفعل..
هل استبقاني حتى يستطيعوا الإمساك بي ؟
و أنا الحمقاءُ التي وثقت للحظة !
و التويتُ أشدُ نفسي منه بعنف ، لأنني سأرمي الآن بنفسي ما تبقى من السلالم ، و سأسحبه معي لسقوطٍ حقيقي و سأقيمه بصفرٍ من خمسة لو لم يتحرك الآن..
و هذا اغتيالانِ بطلقة ، سيتلقى جسدهُ العضلي صدمة السقوط و يموت بينما أنجو أنا فوق جثته و حتى لو لم يقتله السقوط ؛ سيقتله خنجره الذي سينغرسُ في قلبه أثناء السقوطِ بالخطأ طبعًا..
ثم سأدمر ظرفي و لا بأس إن لم أقرأه..
المهم ألا يقرأه أحدٌ آخر !
و قاومني و مع أنني لم أكن أسمع صوتًا له ؛ إلا أنه بتلك الحاسة الغامضة أدركتُ إستياءًا لوى خط شفتيّه أسفل تلثمهِ و هو يثبتني لجسده بسهولة ، ثم ضغط براحته على ثغري بإحكامٍ يكادُ يكسر فكي..
و الكثيرُ من الحبر ،
كان الجلد أمام أنفي مشبعًا في تلك الرائحة الحادة الإدمانية لسائل الكتابة الداكن ..
و لا أدري إن كان العبق الأزرق هو ما هدأني أم كان شعوري المتزايد بالحماقة و أنا لم أعد أدري هل يحاول الإختباء منهم أو جعلهم يمسكون بي..
لقد نزفتُ بما فيه الكفاية لأفقد بوصلتي و أجنّ أخيرًا.
و حريصًا على عدمِ إصدار أدنى إهتزازٍ صوتي سحبني برفعة رشيقة جعلتني شبه طافية لا أستندُ سوى لصدره المحفور في ظهري ، و قد امتدت ذراعه تحاذي خاصتي و تنتهي بقبضته تكبلُ يدي و تضغط أصابعي حول خنجره في محاكاةٍ لرقصةٍ خطرة.
هل هكذا يراقصُ ملكُ الموتِ الأرواح بينما ينتزعها من صدورِ أصحابها ؟
عاد بنا للخلف بخفة الأطياف يجبرني على الشك بأنه ترعرع بين الأشباحِ في عالم الخوارقِ بالفعل ، حتى شعرتُ أنه إلتصق بالجدار في الزاوية التي يلتقي بها في أسفل السلم.
و أراح كعبا حذائي تقريبًا على أمشاط قدميه ، ليحركنا نحو الجهة حيث انزوينا أكثر بالأسفل..
ثم اقترب من الحافة الخطيرة و كأنه يتخذُ نيةٍ بالقفزِ للرمالِ المبتلة منها إذا تأزمت الأوضاع...
« هل تظنُ أنها قد تكون لجأت للحدود هنا ؟ » سمعتُ السؤال يحوم مع الكشافات التي مسحت السهل الرملي أمامي شبرًا شبرًا ؛ و موجهها لم يُكلف نفسه بربعِ جنيه أن يمسح السلالم و ما تحتها..
« لا أعتقد أنها ذكية بما يكفي لذلك يا نيتن ، ربما يخشى الجنرالُ تمردها و لكنها في النهاية أميرة قد تستطيع الإختباء و لكنها قد لا تعرف حتى أين هي » أجاب صوتٌ خشن و مستهزأ أثار سخريتي ، و تسليةُ خفيفة رغم الرعبِ الذي تلبسني من كشفِ أمرنا..
لأننِي لولا سلسلة سقوطي الغير منتهي و هذا الظلُ خلفي لكنتُ على الحدود الآن ، أدمرُ الأوراق التي بجيب فستاني.
و لكنها الأقدار يا عزيزي !
« جهازي لا يلتقطُ أي صوت ، هل أتاكدُ بالكاشف الحيوي ؟ »
« و تشعل حربًا بيننا و بين إيكيبتيا ؟ لديهم رادرات سترصدها كمحاولةِ تجسس أيها الغبي » كلاهما غبي بلا أي جدال..
« إنها أتفهُ من أن تصل لهنا يا نيت » انضم صوتٌ ثالث بخبثٍ يسخر صاحبه أكثر سلطة و حقارة ممن سبقه ،
و تعرفتُ تلك النغمة النشاز فورًا بقرف.
« لو أنك كنتَ معنا منذُ ساعتين لصدقتنا إنها ضعيفة حتى مع كونها خطرة ، جوشز يمسكُ بلجامها كما يجب ، لن تجرؤ على تعدي حدودها دون تفكيرٍ فيما قد يحدث »
لجامي؟
أمي ؟ ميارا ؟ هل يتفاخرُ الآن بكوني غير قادرة على عصيانه بسبب خوفي عليهما أمام الجميع ، اشتدت قبضتاي برغبة عمياء في طعنه بما في يدي.
و تجاوبت معي قبضته القاسية بضغطٍ تحذيريّ ، اصمتي..
و لم أكن لأصدرُ صوتًا و أنا أدرك عبر الحوارِ أنهم لن يلتقطوا جسدينا إلا بالتقاطهم لتردد أدنى صوتٍ بشري و ساعتها سيقتحمون الحد الفاصل لجلبي و لن يؤاخذوا قانونيًا..
و سيمسكون بالرسالة.
فالتزمتُ الصمت طواعية ، إلا أنني لم أتوقف عن عصر أصابعهِ في كفهِ ، أفرغُ فيها ما اعتراني دون أن يرد الضغط ..
ضاعف الممسكُ بحزمة الضوء مجهوداته و تكشفت أمامي الزوايا التي يصعُب إمساكها ، تبدد آخر ما تبقى من سكوني..
بدا الأمر و كأنه النور سيسلطُ علينا في لحظة ، و في اللحظة التي تليها سنعود للركض ..
أو سنموت.
و عاود التحدث مشككًا ما سبق من قوله و كأنه يتذكر كابوسًا « و لكنك محق فبينما كنتُ مع جوشز و زواره بقصره منذ شهرين و حسب أُشعلت قاعة الإجتماعات علينا و كأننا في الجحيم اللعين » انكمش النور متجمدًا على بقعة في الماء ليصغي مع من يحركه للقصة ..
« و رغم أنه ظهر كعطلٍ فني و خرج الجميعُ حيًا مع بعض الحروق إلا أنني لا أظنها تافهة لذلك الحد بل و أقسم بالحائط البكاءِ أن الــ... من دبرتها »
انكمش جسدي من السبة التي مستني بوقاحة و تضاعفت رغبتي في طعنه.
« و كيف تكون متأكدًا و الجنرالُ جوشز نفسه لم يشك بها » سأل نيتن ذاك متشككًا بحيرة.
« كان عليك رؤية النار الزرقاء في عينيها و هي تحدق فينا عندما أُخرجنا ، كان واضحًا أنها مستاءة لأننا لم نتحول لخنازير مشوية بالكامل »
أجابه بنبرة إخضرت من الحقد الحانق..
تعرفته من القصة التي رواها ، كان نائب ممثل آل أورشيليم العقيد خافير ، و تشكلت بفمي بسمة خفيفة لما تذكرتُ إصابته الممتدة من عنقه حتى يده اليسرى.
و ترائت لي ذكرى الدمار الذي حل في عرين جوشز و خروجه من الغرفة راكضًا ، و النار ممسكة بذيل بذلته و بنطاله بالكامل يذكرني بالنعجةِ التي نجت لتوها من الفرن غير أن النار أمسكت في مؤخرتها..
و كان التذكرُ كافيًا لمنحي سلامًا تمكن من أن يثلج غضبي مؤقتًا ، لقد كنتُ قادرة على أذيتهم كما تأذيت تمامًا و ألحقتُ بهم أضرارًا من نوعٍ ما.
« هيا نحنُ نضيع الوقت هنا يا نيتن ربما علينا أن نعود للبحثِ حول القصر لابد أنها هناك »
قال بثقة الأحمق الذي يعتقدُ أنه عبقري.
و ارتعش عامود النورِ باحتجاجِ متردد للمرة الأخيرة قبل أن يبتعد ساخطًا و كأنه كان يُبصرنا و لا يعرف كيف يشي ببقعتنا..
غاضبًا على غباء ممسكيه ، يكادُ يصيح بهم أن يوجهوه بشكلٍ صحيح.
« هيا بنا إذن اجمع الفرقة عند النقطة السادسة ».
ثم تلاشت خطواتهم المبتعدة حتى لم أعد أسمعُ سوى صدىً أجوف لحديثهم..
و حل الصمت التام.
سحبتُ نفسًا عميقًا أو كدتُ أسحبه لأنني وجدتُ نفسي فجأة طافيةً على ذراعيه ، و لم يتسن لي إستيعاب حمله إياي لأنه قفز.
بينما أنا بين يديه قفز من فوق حافة السلم ما يقربُ من الثلاثين مترًا ، و هي مسافة كافية لقتله أو قتلي حسب من سيتلقى السقطة .
وقفز قلبي في صدري ، لم أكن حِمل سقطةٍ أخرى الليلة.
انتزعت القفزة الهواء من صدري حتى شعرت أن أحشائي سبقتني إلى الهاوية.
و لم يُسمح لي بمساحة لأكون مذعورة كما ينبغي فعندما أفلتت صرختي خنقها ، يحشرُ وجهي بعنفٍ و غشومية في طياتِ سترته لأبتلعها مجددًا رفقة نكهة الخشب المحترق...
و في خفةٍ مفزعة استقر على أطرافِ قدميه و كأنه مجردُ وشقٍ بري يلهو عند مرتفعاتِ فيروزيا و يؤكد لي نظرية ترعرعه مع الأشباح ككائنٍ خارق للطبيعة..
و ارتد لي شعوري بما داخلي من أحشاء ، و رغم أنه يقفُ أخيرًا على أرضٍ صلبة ؛ إلا أن الدوار يلتفُ في رأسي إعصارًا نخر بمركزه في عظمِ جمجمتي..
و خرج السؤال رغمًا عني مني جادًا باهتزاز « اصدقني القول ، هل أنت بشريٌ حتى ؟ »
تنفس ضحكةً ساخرة ، أشعرُ بحاجبهِ يرتفع باستنكارٍ مستهجنِ و لم يُجب هرائي ، و لا أعتقد أنني راغبة في جوابٍ حقيقي.
رأسي يدورُ حتى أنني بتُ أرى المحيط مظلمًا و يزأرُ كمقبرةٍ سائلة فُتحت أجداثها توًا ، و قد خرجت جثثها لتلفظَها أمواجه العاتية نحو عاصفة السماء..
تعيد أرواح من غرقوا لحيثُ يستطيعون محاولة الصعودِ للسماء و الإرتياح أخيرًا.
أما أنا فلم يكتب لي الإرتياح و لن يكتب حتى تقريبًا.
فقبل أن أستعيد هدوء أنفاسي ، اختار المعتلُ أن يحيل ما تبقى من توازني إلى عدم..
بدأ يركض و كأن عقاب خطاياه يلاحقه.
لم يحملني ككائنٍ حي..
بل كأننِي تكفيرٌ لتلك الخطايا و سيرمي بي قربانًا في اللحظة التي يدرك فيها أن عفوه مُنح و أنا لم أعد سوى ظلالٍ ثقيلة لخطيئة قديمة.
و بسرعةٍ عجيبة بلا تعثرٍ حتى و كأنه أخضع الشاطئ ليعاف إبتلاع قدميه ، والرياح المبتلة تكنسُ آثاره قبل أن تولد .
اختفت أعمدة الجسر عن بصري لا زلنا على الشاطئ ، إلا أنه ظهر ما أطل عليه من عدةُ مبانٍ متلاحقة قصيرة و كبيرة فوق الهضبة ، بلونٍ كالح لا يشبه نمط البيوت أو المنشئات في غازاتوا..
ثم أرضٌ فضاء شبه مهجورة استمرت لدقائق ، تبعها كتلٌ صخرية أو كثبان رملية..
و كان قد مرَّ علينا زمنٌ عجز رأسي المرتج عن حسابه..
و وجهي يختبأ طواعيةً في كتفه إتقاءًا لِصفعاتِ المطرِ و لسعِ الهواء.
و في لحظةٍ توقف.
و في اللحظة التي تبعتها أسقطني من بين ذراعيه أرضًا بدون سابق نذير..
لألتحمُ مع الأرض في صرخةٍ اختنقت في الأخير فخرج صوتي مشوهًا بالألم الذي استيقظ بكل جرحٍ و كدمة ، يعاقبني على تجاهلي إياه .
الوغد ألقى بي قبل أن أتمكن حتى من الإمساكِ بنفسي أو تخفيف الصدمة على ساقاي الخدرتين .
رفعتُ رأسي له أرغب في الصراخِ و ضربه ، بينما شمخ هو فوقي بعنجهية باردة لا يدين لي بشئٍ أو إعتذار.
عيونه تلمع بوهجٍ قاتل ، كفوهة المسدس .. باردة ،
غير أنالموت يطل برصاصهِ المحترق من عينيها.
ثم تقدم نحوي مجددًا ..
فتراجعت عنهُ أتركُ الظلمة التي يفرضها ظل شئٍ كبير تبتلعني ، و أنظرُ حولي لأولِ مرة و أتبينُ أنني أدخلُ.. كهفًا ؟!
و لكن... ، لا توجد كهوفٍ أو جبال في غازاتوا !
يا ربي كيف لم ألاحظ طول ركضه مبتعدًا..
و نبض قلبي في حلقي و أنا أسأله محتدة
« أين نحن بحقِ اللّٰه ؟ »
أجال عينيه فيما حولنا ببطءٍ ، ثم عاد إلى عيناي مجيبًا ببرودة « في غار اليشم ».
أبتلعُ بعنف و سألتُ للتيقن علّي لا زلتُ أهذي من الدوار « هل خرجنا من... » كانت غازاتوا على الحدود ، لا يعقل أننا مررنا من حدودٍ ما.
و لم يدعني هو أكملُ سؤالي و أجاب على البقية التي لم تقال ببرودٍ عابث « خرجنا من فلستيا بالكامل أيتها الأميرة ، لضمانِ عدم إزعاجك ».
و يتابع بنبرة ذات قصدٍ مظلم « أو مقاطعتي ».
« فإذًا هل تدركين حجم ديونكِ لي أم أنكِ أسقطتِ رأسك في الطريق لهنا ؟ » حدقتُ فيه أدرك المعنى بينما أكبحُ لساني عن أي تهور يختمرُ بعقلي.
و زحفتُ بكفاي للخلف أستند للجلوسُ على ساقاي ، و خشخشة الظرفِ بأوراقه في جيب فستاني تبعثُ براحةٍ عميقة لقلبي ، مع كل هذا التشقلب لم يضع مني و الحمدُ للَّه.
ثم أجبتُ ببرودٍ متهكم و قلقٌ مبهم يعتملُ بداخلي « حتى لو سقط فهذا سيكون ذنبك أيها الإنتحاري المختل ».
ما الثمنُ الذي قد أتكلفه لمساعدته لي.
زفر ضحكةً هازئة جمدت أذناي ، و رغبةٌ قهرية تأمرني بالوقوف و إلغاء هيمنة وقوفه علي كالمسيطر الوحيد عليّ..
و استسلمتُ لإلحاحها أقفُ بساقٍ ترتعش في توقٍ للسقوطِ بي أرضًا.
و أخرجتُ ما يعتملُ بداخلي بحنقٍ اشتعل رغم تهكمي « ثم عن أي دَينٍ تتحدثُ ؟ ، ألم تكن حصلتَ ما يكفي مقدمًا بالاستماع بمشاهدة سقوطي بل و تقييم جراحي ؟ »
مال رأسه قليلًا لليمين يتأملني بتقييمٍ آخر بارد و بنبرته الثقيلة نبس « كان العرض بملئ إرادتك و على الرغم من أنني تسليتُ به ؛ إلا أنني أسعى وراء أشياء أخرى ».
تقدم بخطوة و ستأنفَ ببطءٍ قاس « مثلًا ، جواب أسئلتي التي شوشتِ عليها بحوارٍ آخر ».
كان من المريح أن الرجل الذي لا أعرفهُ و يعرف اسمي لا يزال يمتلك جهلًا عني بشكلٍ ما ، غير أن إصراره على إنتزاع ما قادني لهذا الجنون مريب..
و لم أكن لأجيب أسئلته دون جوابٍ لأسئلتي على الأقل « لماذا تسأل ؟ »
ينحني لليسارِ قليلًا و كلماته تدوي في خفوتٍ حلو كالسم في قلب قطعة الشوكولاتة « يبدو أنكِ نسيت من يسأل بالظبط ، و تتخذين الحق في سؤالي بينما هو حقي وحدي ».
أتراجع بحذر أهربُ و يتبعني هو بخطوة منتصرة يغمغم بتهكمٍ مستمتعٍ بمحاصرتي
« غير أن بعض أسألتي قد أُجيب ، فأنا الآن أستطيع فهم لماذا قد يرسل جوشز فرقتين خلفك كحالة طوارئ » أشار بمرحٍ أسود لحوار خافير و الجنديان.
و ابتلعتُ أدركُ أنه لن يتركني في حالي قريبًا إن لم أُسكت إلحاحه على الشئ الآخر الذي يسعى إليه ، و لكن قبل أي شئ ..
الرسالة...
أنا يجب أن أقرأها فلا يعقلُ أن يحدث كل هذا ، ثم أدمرها دون أن أرى أي لمحةٍ من أبي .
و خطر لي أن أساوم لأبتعد خطوةً لا ترتعش هذه المرة ، و نبستُ أدعيّ أي تماسكٍ حاسم ، أي ما يمنحني سيطرةً بشكلٍ أو بآخر « أتريد جوابًا لأسئلتك و أنا لم أجب عليها لنفسي حتى ؟ »
عقدتُ ذراعاي لصدري و تقاطع الخنجر و الظرف على جاناباي ، أرتاحُ لكونه لم يطاردني بخطوة أخرى « لدي ما أريد قرائته أولًا ، ثم قد أفُكر إن كنت سأجيبُ أسئلتك ».
يضحك و كأنني ألقيتُ نكتة ، سخر « بالطبعِ فكري و لكن ضعي باعتبارك أنه .. »
سكت لوهلة يمرر بصره عليّ ثم تابع بتهكمٍ لطيف ، كأن الشفقة أخذته عليّ « لا توجد لديك خيارات في الأصل يا جلالة الدوقة ».
طرفتُ أرفع وجهي له ، حقًا ؟
و ماذا لو اخترتُ أن لا أجيبه أصلًا ؟
« ما المصيبة التي جعلت جوشز يبذلُ أي شئٍ في سبيل عودتك ؟ ».
و لأنه خياري في إجابته ، و الأمرُ الوحيد الذي لا دخل له به أو هكذا أخذتُ أقنعُ نفسي ، ابتسمت له بأدبٍ بارد مع ردٍ مبطن بقدر لا بأس به من السخرية
« ربما عليك أن تذهب لسؤال جوشز بنفسه ، ربما قد يجيب إن تأكد أنك لن تعيش بعدها ».
ثم تابعت بسخرية مهذبة ؛ أقرر أن لا أكتسبه عدوًا جديدًا تمامًا و أقذفهُ نصيحةً ثانية
« و مع أنني أعتقد أن هذا ليس من شأنك ، إلا أنكَ قد ترغبُ في التخلصُ من أي أداة تصنتٍ قبل التطفل على ما يحدث خلف سورنا ؛ فلو رُصدَت ستذهب لقبركَ لحظتها بلا جوابٍ على أسئلتك ».
رمقني من أسفل حافة قبعته و عيناه تضيقان عليّ بحسابٍ يمتزج بشبح ضحكةٍ باردة ..
« أنا من أحدد إذا كان الأمر من شأني أم لا ».
و باستمتاع وضَّح بنبرةٍ لا مبالية ، يفرض هيمنةً ليست له و يُسقط القدر القليل من أي تحكمٍ خلتُ أنني أملكه
« ثم أنكِ أنتِ من ستجيب عليّ لنوفر مخاطر الموت في بداية شبابي جراء بعض التجسس ، و لتقرئي أوراقكِ البالية قبل أن تفقدي الوعي و التي أستطيع - كالشرير للغاية الذي أنا عليه - أن أخذها رغمًا عنكِ ».
المناورة ليست شيئًا أجهل كيف أصده في العادة ،
و لكنه يتفنن في تحطيم حدود كل ما أعرف .
« إذن هل هذا يجيب بما فيه الكفاية لتجيبي ؟ »
« لا ، لا يكفيني ؛ فمثلًا ما الذي يضمنُ لي أنك لستَ تابعًا و تتجسسُ لجوشز بشكلٍ ما ؟ » أجبته ببرود غير مهتمة بكونه _ شريرًا للغاية _ فلا منطقية فيما يحدثُ الآن .
إنه جنون.
صدر منه هدير منخفض فضح حنقه من عنادي الذي لا أدري غير أنه مضيعة للوقت أو محاولة إكتسابِ تفاوضٍ ما ، أرضاني فشله في إخفاء ذلك الحنق.
يجيب بفحيح ساخر
« كلا ، لا أعتقدُ أنني فقدتُ عقلي بما يكفي لأتبعَ كلبًا أصلع ».
تبسمتُ مرغمة لملائمة التشبيه ، غير أنني لم أكن غبيةً تمامًا لأطمئن له ، لابد أن يظن فيّ ألف ظنٍ آخر و يضمر بسببها ألفَ نية سوداء..
« و لا أورشيليم أو حلفائهم ؟ »
تحركت عيناه برفعة نفاذ صبر « كلا ».
حسنًا إذن سأصدقه و نبستُ لا أبالي حقًا لمن ينتمي طالما ليس هم « إذًا سأجيبك ، إلا أنني سأقرأ أولًا ».
عدو عدوي صديقي كما يقولُ بابا ، لا بأس أن يكون المرء ساذجًا مرة أو مرتين بحياته .
و إلا فلا حل آخر أمامي لقد أدركتُ بالفعلِ أنني تافهة جدًا ، أصغرُ بالنسبة لرجلٍ مسلح و يقف قبل الفجر بساعات وحده بعد حظر التجوال..
لا يبدو خائفًا من شئ و كيف و هو يبدو كالـ..
كالخطرِ نفسه.
بينما أنا مجرد أميرة اعتادت أن تكون محمية و على الرغم من كل ما تعرضت له ؛ لا أزالُ أجهلُ كيف أتعامل في موقفٍ كهذا..
يتلاعب بي نفسيًا لشئ لا أفهمه تمامًا ، و ببراعة يُديرني على حافة الانهيار بعدما ظننت أنني هربتُ من براثن رقصه على أعصابي.
و لعله يُدرك ما توصلتُ إليه ؛ لميله برأسه يمينًا و بنفسٍ ساخر قال « لا تعتقدي أننب تساهلتُ لتكسبي هذه الجولة ، أنا فقط أخشى عبثية موتكِ قبل قرائتها بعد كل هذا الجنون ».
حدقتُ به أرطبُ شفتي بإدراكٍ محير ، إنه يدري أيضًا بأن الرسالة ما جرني لهنا فما الذي يرغبُ به أيضًا بهذا الإلحاحِ إذًا ؟
إلا تركتُ التفكير لأنني أشعرُ أنني بحاجة للتوقف بشكلٍ ملح و إلا جننت..
و مزقتُ الظرف بخنجره ثم دسسته في حزامي ، و تراجعتُ حتى ابتلعني الغار بالكامل و لم يعد للمطرِ سبيلٌ علي ، أفتحُه و أحمد اللّٰه أنه سميكٌ بما يكفي لعزل الماء و إلا كان الحبرُ مجرد لونٍ داكن على ورقٍ مبتل.
ثم أدركت شيئًا.
أردتُ الضحك أو الصراخ..
لا أستطيعُ القراءة في الظلام.
يا ربي..
ضحك بتهكم يلحظ بوادر شللي في الظلام
« يبدو أنكِ لا تستطيعين قرائتها ».
خرج مني زفيرٌ حانق ، و رفعتُ رأسي أنوي رميه بلاذع الكلام ليصمت ، لا تنقصني سخريته .
إلا أنني لم أكد أرفعه حتى رماني هو بشئٍ صفر في الهواء لألتقطه متعثرةً..
و حدقت أتحسسُ هيكل قلمٍ أسمك من المعتاد له رأسٌ لامع لحدٍ يشع ببريقه الذهبي في العتمة...
و مررت إبهامي بخفة حائر على هيكله لأتبين أنه منقوشٌ بتمويجات ناعمة ، و همستُ بإستيضاحٍ مغلف بالسخرية
« لا أفهم ، هل تريدني الآن أن أخط جوابًا لخطابٍ لم أقرأه بعد ؟ »
تنهد بخفة و عيونه تومض بإزدراءٍ خففته ظلالُ إبتسامٍ متسلي
« فِكرة ظريفة للتسلية ، و لكن كلا أردتُ مِنك ضغط رأس التنين ثلاث مرات ».
تحرك أصبعي ثلاثًا على الرأس المذهب للوحش المجنح ليخرج من بين فكيه شعاعٌ مضئ و انتشر على الأوراق في هالة صفراء متقطعة كشفرة مورس ..
لأبتسم مع نفس راحة و قلتُ بتلقائية « شكرًا جزيلًا لك ».
إلا أنني إنتبهتُ لشئٍ آخر ، ثقل القلم..
هل يحوي شيئًا آخر غير الـ..
أبعدتُ النور فورًا عن الورق و عدتُ أناظره « هذا لا يحوي أي أداة تصوير ؟ ».
أصدر صفير إعجابٍ خافت و قال بدهشة ساخرة بسفورٍ مهين
« لم تحبطيني بالأخير ظننتُ أن تفكير رأسك توقف عند هذا الظرف » وهو مخطأ ، لقد توقف عند حمايته.
عبست لمراوغته و أعدتُ السؤال بسأمٍ « ما هذا بالظبط ؟ »
« قلمٌ متعدد الإستعمالات به نصلٌ صغير للقتل السريع و للإضاءة أحيانًا ، لا أتذكرُ أنني أكتب به حتى كما يفترض في المقام الأول » لم يذكر الكاميرا و لم ينفها.
قرأ الشك في عيناي فتنهد « ولو أردتُ أن أقرأها بهذه الإستماتة لأخذتها منكِ مُنذ كان الظرف يتدلى من جيبك وأنت بين يديّ ».
أحدق فيه مقرةً بصحة كلامه.
أنحني راكعةً في جوف الغار و أقرأها أخيرًا ، أدرك الشوق المستعر الجائع لإلتهام أي شئ قد يعطيني إياهُ أي شئٍ منه..
لم أرهُ منذُ سنوات.
لتتسلل رائحة الورق المعطر بالياسمين.
و تبسمت رغمًا عني وعن عدم قدرتي على تمييز الكلمات عبر غمامة عيناي و تشوشها..
لا زال بابا يعطر رسائل ماما بتلك العطور..
لأنها كانت عاطفية و أحبت الفكرة !
مررتُ بقعة النور على الحروف ألتهمها ، شوقه لأمي ، سؤاله عن حالها و سرده لأحواله.
"أعتقدُ أنني فقدتُ السعادة منذُ أربعِ أعوام يا عزيزتي لم أعد أبتسمُ سوى لمرأى رسائلك و حتى هذا مشوب بخوفي عليك ، لو اكتشفها أي أحد ستتأذين و لن أكون موجودًا حتى لحمايتك منه"
" ما يهون علي أنه بقي قليلٌ فقط و سأعود لأخذكن يا حبيبتي شانيل من هنا حافظي عليك و على موج إلى أن أعود.. "
أبي..
" " كذلك كدتُ أنسى أن أخبرِك كم بدت فتاتنا الصغيرة موج رائعة بينما تتجاهل أولئك الأوغاد القذرين ببرودي و احتقارك" ..
تسيل الدموع على خدي بسخونة ثم ذقني و حتى قلبي المتألم إشتياقًا.
إنه يراني..
" أستطيع معرفة أنها ستكون نسخة طبق الأصل منك في بدايات شبابك و لا أقصد بذلك أن شبابك ولى بل أنت لا زلتِ زهرته ، و لكن أحاول الإشارة لما كنت تبدين عليه في عندما نعمتُ برؤيتك أول مرة يا حبيبتى و الذي لا زلت تبدين عليه بالمناسبة "
ضحكت بخفوت لطول التبرير والذعر المكتوم الذي شممته في الحروف..
و لا أدري لماذا تحولت لحشرجة نشيجٍ فجأة بينما رمشت البلل بألم أتبين بقية أسطره
" قبلا بعضكما لأجلي بالنيابة عني لأنني لا أستطيع إيصال شعوري عبر تقبيل صوركما أشتاق لكما كثيرًا .. كثيرًا "
و كلتانا نشتاق لك كثيرًا..
غير أننا لم نعد نعرف طعم العناق دون أجنحتك حولنا.
تابعت قراءة أخباره و حتى الأجزاء التي لم أفهمها في نهم لكل التفاصيل..
حتى تفاصيل سوء خطه.
يسخن وجهي و أهسهس لمغازلاته ، ورغم أنني بصدقٍ حاولت تخطيها إلا أن عشوائية أبي في الكتابة منعتني من ذلك ، لم يكن يروق له أن يكتب ، و لا أن يصوغ كلماته على الورق رغم براعته في إلقاء الحديث ... لكن بمجرد أن تضع قلمًا بين أصابعه يصبح الحديث مستحيلًا..
إلا أنني أحببت الأمر ...
أحببت التنقل بين أحواله و كيف هو و كيف يشعر و كم هو يحبنا كل سطرين بلا حساب.
و لم أدرك أنني كنت أستعبر بجدية ، إلا عندما تنفست فتحولت لشهقة محترقة.
الآن هو على بعد أميال مني في بلد آخر ، يحارب ليجمعنا بعيدًا عن آل أورشيليم و جوشز و الخونة و الجنود..
لم أرى وجهه منذ سنوات ، منذ أن نفوه من البلاد ليلجأ لفريديوم ، و نفينا نحن عن أحضانه و صدره الواسع..
عرفت أنه يساعد المقاومة بينما يحاول جاهدًا العودة و الدخول للمملكة ، وأن هناك من يساعده في فريديوم من السلطات هناك..
ابتسمت أحن بألم لمرأى يده في خيالي ، و هو يكتب ذلك بتلك الرموز المشفرة التي كرهتُ قضاء ساعة كل يوم قبل النوم في تعلمها بالغصب ، و مهما تظاهرت بالنوم و تذمرت و عبست كنت آخذ الدرس إن لم يكن ليلًا فصباحًا بعد دروس المبارزة ، و الكثير الكثير الذي لم أفهمه من الكلام عن الإستراتيجيات و السياسة..
و لا زلت لا أعرف كيف أفهمه تمامًا..
بعد كل شئ ، كنت لا أزال في الرابعة عشرة من عمري .
و كنت مشغولة في محاولة النجاة بحياتي داخل قصر صوب جوشز ، أكثر من انشغالي في المطالعة و التثقف و متابعة تلك الدروس ، خاصة وأن جوشز كان يجن جنونه عندما يقرأ أحدنا أو يلمح كتبًا غير دراسية.
لرعبه من تفكيرنا ، من أن نعي أكثر مما يريد ثم نهزمه بذلك الوعي ؛ لذلك كان يحطم عظمًا في كل مرة يكتشف معي كتبًا أو يلمحني أقرأ..
طويت الوريقات بألمٍ و أمزقها لنصفين ، ثم أربعة ثم ثمانية ، ألا ليت دروسه تعود.
و نهضت أخرج من الغار نحو المياه الجائعة أتابع التمزيق و قد غشيتني برودة مفاجأة ،
لم يعد هناك شئ لأقرأه و ذراعاه لن تمدا من الورقِ تدفئني.
فركت الورق بعصبية أحاول تشويه الحبر و مسحه قبل أن أنثره في المياه ، راجيةً من الموجِ أن يبتلعه ، أن لا يغدر بي و يتقيأه للجنود عندما يبحثون.
يا اللّٰه .
التفت أضم نفسي متعبة و لكن مرتاحة ،
لا أحد يعرف عن بابا شيئًا ،
و لن يعرف .
كان يراقبني بصمت ، وبلا تعليق..
و نظرتُ له أدرك مطالبته الخرساء بتسديد أجوبته ، لأغمغم ببرود أرمي نحوه القلم ، ولا زال فكُ قلمِ التنين يضئُ بخفة
« أسئلتك ».
طار القلمُ من أسفل لأعلى يرسم حدود المكان أكثر لعيني ، جدران الغار الذي تفوح منها رطوبةٌ مالحة بها صخورٌ خضراء زجاجية ، الأرض بها حصىً بلون اليشم لأفهم التسمية.
سقط القلم بمحاذاةِ وجهه ليلتقطه ، و النور يضربه لتضح معالمه ..
وجهه محاطًٌ بلثامٍ من وشاحه البندقيّ ، و ليس كمامةً سوداء و لمعطفه الأسود ياقةٌ عالية تغطي أذنيه ، و تبين هيكلُ قبعته بإنتفاخ رأسها الطفيف ، غير أن حافتها الأمامية استطالت كثيرًا لتغطي جبهته و تظلل عينيه اللتان لمعتا ببردٍ خطير ، و بلونٍ داكن لم اتبينه.
صدحت ثلاث تكتكات..
ثم عاد الظلام ليبتلعه .
❞ النهاية للفصل الثاني ❝
. . '
ٰ❅ٰ
. ٰ. '
ٰ❅ٰ
. ٰ
إذًا؟
هل أطمعُ بمعرفة رأيكم ٓ ِ ٓ ؟
لا تتركوا نجمي منطفئًا
و طابت أرواحكم.
مِ
مِـيـٓر
. '
ٰ❅ٰ
'٠
ٰ𓏲ּ𝄢
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.