|| 1 : أقنعيني ||
. ٰ
. '
ٰ❅ٰ
. ٰ
. '
ٰ❅ٰ
.
. ٰ'
أحيانًا يكون الإرتجال هو أفضل قرارٍ متاح ، رغم أن ربما كان بإمكاني الحصول على نتائج أفضل لو فكرت قليلًا بعد.
غير أنني لم أكن أملك الوقت لأفكر بشكل سليم ...
أو في دفاعٍ لا أحتاجُ له أنا لا أظنُّ أنني كنتُ أستطيع أن أوقف لحاجتي للتفكير ثانيةً حتى ، لأنقضَ و أختطف الظرف الأحمر فاخر النقش من يد شقيقي ؛ ثم أستدير لا ألوي على شئٍ و أركض..
شهقت أمي متفاجئة خائفة و عيونها تراقبني بجزعٍ و مذعورةً بندم ، غمزت لها أدفعها بينما أندفع للباب ، أحاول طمئنتها عليّ و على الظرف ، سأكون بخيرٍ يا ماما .
أنا أعلم من مَن هذا الظرف و ماذا سيحل بها و بنا لو وقع في يده.
« توقفي حالًا يا هذه ... موج أقسم إن لم تتوقفي سوف… ! »
فليهدد كما يشاء و لن أتوقف بالطبع .
سأدمر هذا الظرف أولًا ، ثم سأفكر في التوقف للسماح لك بتمزيقي.
اخترقتُ فناء الحديقة في ثوان ، و دهستُ بغير قصدٍ الزهور و الأعشاب - أنا آسفة يا زهور الحديقة ، آسفة للغاية..
واللّٰهِ لم أكن لأدوسكِ عمدًا في ظرفٍ عادي..
لكنني بظرفٍ أحمر !
تابعتُ الركض بينما أحارب فستاني الطويل عديد الطبقات ، الخياطة بالتأكيد لم تضع في حسابها أنني أنوي الركض به في الودقِ على برك الماء.
في حين أنا نفسي لم أكن أنتوي الركض به أو بغيره الليلة..
يثقب صراخه في الحراس و الجنود أذني ، يهتف مجنونًا بهم أن يدركوني و هؤلاء مهنتهم الركض و المطاردة.
و أملي الوحيد في الهرب منهم ، تضليلهم حتى أختفي ، أحتاج عقلي و نفسًا طويل و لربما جسدًا أقوى.
و عن بعد لمحتُ وميض اللافتة المضيئة بالأصفر الدافئ ، و قررتُ اللجوء للجدرانٍ المرصوفة بالكتب.
دخلت المكتبة…
فبعد كلِّ شئٍ لقد كانت المكتباتُ من أفضل ما قد يلجأ إليه أي إنسانٍ عبر العصور و المجرات..
و كنتُ أعلمُ من زياراتي المتكررة أن لها بابان أحدها يطل على حارة صغيرة خلفها و لطالما حاولت اقتراح بعض العبث عن طريقهما لأمي و لطالما رفضت لفرط توجسها ، و مرقت كخنجرٍ مقذوف بين الأرفف و الطاولات هاتفة باعتذار على الأرضية التي لابد أنني دمرت صفاء رخامها الأبيض بأهداب ثوبي الطينية
«أنا آسفة للغاية... أنا حقًا أعتذر ».
و مستمتعةً بشكلٍ مريبٍ من خلف الطاولة ، هتفت بلا عتاب و بلا غضب ، تمتزج نبرتها راقصة مع الموسيقى الصاخبة الحماس في الجو « لا بأس عودي بعدما تنتهي الدراما ؛ لأنني شغوفة بمعرفةِ لماذا تركضين ».
التفتُ لأحدق ثانيةً في وجهها المغطى بكمامةٍ بنفسجية ، أتعجبُ لغرابةِ طلبها ثم أومأت و استدرتُ أفر يقودني صوت المكبرات المسعور لمتابعة ركضي.
يبدو أنني صنعتُ عرضًا لسكان الحي و حراس ِالبوابات الكبيرة السوداء و أنيابها المغطاة بالأسلاك الشائكة المكهربة و قد يكون أصحابها من النبلاء _لقبًا لا حقًا _ قد تنبهوا بالفعلِ للضجة التي نشأت بسبب ركضي ، يجبُ أن يكون آرثر فخورًا بي عندما يعرف !
أُطلقت النيران عليّ بغتة لأضحك بخوف ، و تفجر الرصاص بوميضٍ برتقالي على الشارعِ المعبدِ بالأسفلتِ الأبيض أسفلي..
صاح أحدهم في المكبرات ، و لعله تولى قيادة طليعة محاولة الإمساكِ بي و التي ستكون _فاشلةً بإذن اللّٰه لأنهم لن يفلحوا_
« لا تطلقوا النار عليها أيها الأغبياء ، الجنرال يريدها حيّةً و سليمة ».
توقف الطلقُ لأطمئن جزئيًا أنني لن أسقط بإصابةٍ ما أو رصاصة بجسدي..
انعطفت لشارعٍ آخر بعده ، ثم آخر بعده ثم ثالثًا ألعنُ ثوبي و ظروفي و أخيرًا خرجتُ لزقاقٍ أعلم أنه يؤدي للميدان العام و منه إلى بقية أحياء المنطقة و جسر بحر آلاريك.
حيث الحدود الفاصلة بين فلستيا و شبه جزيرة فيروزيا ،
و حيث لا يسمح لجنود أورشيليم و من معهم بالدخول..
أو من المفترض ذلك.
لأنهم إن أمسكوا بي هناك ، فعلى الأقل سيكونون في مشكلة دولية جديدة .
و اندفعتُ لحارة أضيق و أحلك بالجهةِ الأخرى من الميدان و لم أكد أهنأ بتباعد أصوات المطاردة خلفي حتى وجدتُ نفسي قد تعثرتُ لينزلق طرف فستاني الثقيل المبتلُ من أصابعيَّ ، ثم دست على حاشية ثوبي الأمامية.
و انقلبتُ للأمام على ركبتاي و كفاي في سقطة مدوية.
كان تمزق القماش الأزرق لثوبي الفاخر و اتساخه بشكلٍ يستحيل معه تنظيفه ؛ كارثةً صغيرة جوار الشئ الذي كسرته بكفاي بينما أسقط ..
كان صندوقًا لزجاجاتِ مشروبٍ ما ، تحطم خشبه الرقيق أسفل وزني و طعنتني شظايا الزجاجِ في بطني و ركبتيّ و انغرست بشكلٍ مؤلم في كل مكانٍ ممكن من جسدي ، و بالأخصِ راحة يداي و ساعداي اللذان مددتهما أمامي لأتقي الصدمة ..
كان هذا سيئًا للغاية..
و على الأغلب قد يكون سامًا ؛ فمن يعلمُ حتى ما الذي كان فيه بالضبط !
نهضت مع حرارةِ ألم الطعن الفظيعة و نزعتُ بتهور الشظايا المغروسة عميقًا ؛ و لو أنني كنتُ أمتلكُ كامل تركيزي لما فعلت...
و علي الآن أن أتابع الهرب منهم بنافورةٍ متدفقة و لزجة من دمائي !
مسحتُ البلل المنهمر على وجهي ، و من خصلات شعري الشعثاء ألوثهما بالأحمر و التراب.
« أسمع ضجةً هناك في الشارع الثاني »
استقمت مع غلظة الصوتِ الذي صاح ينبه.
« جهاز المسح التقط وجود أحدٍ هناك ، اذهبا و تحريا ربما تكون تلك الموج ».
إنهم قريبون.
لا يجبُ أن تفزعي ، لكن الهلع من إمساكهم لي استمر بالتصاعد رغمًا عني و أنا أستقيم لأتابع الركض بينما أقبض على الظرف بحياتي.
و يهبط علي وعيٌ مفاجئ لعنفِ ضجيج ضرب كعباي للرصيف الرخامي ، و تمنيت لو يصمت أو يعلو صوت سيل السماء أكثر ليخفيني.
زخات المطر طرقت رأسي بقوة و استمرار تغرقني في سيلٍ كفيلٍ بتمزيقي إربًا لو اشتد قليلًا بعد ، تنورة الفستان ذو الطبقات تلتف حول ساقاي في تواطئٍ صريح مع جنود ذلك الوغد الأصلع لإبطائي و عرقلة خطواتي ، و يداي تلسعانني وكأن هناك حريقًا اشتعل في جسدي و نبضت جروحي و ما حولها …
أنا بحاجة لتمزيق هذا الفستان و التخلص من إطباقه على ساقاي ؛ لأنجو و أنقذنا من عواقب اكتشاف أنها لا زالت تتواصل مع زوجها .. أبي ...
جوشز لو أمسك بدليلٍ عليها..
سيعتبره الإشارة الخضراء لإطلاق رغباته المكبوتة عليها.
لم أكن خائفة منه على نفسي بعد هربٍ فاضح كهذا ، لابد و أن الصحافة التقطته ، أو شمته حتى و يتم تعتيمه رغمًا عن فضولهم..
كنت خائفة على أمي ، بإمكاني تخيله من الآن يدهس الورق في يده ، و لن يصرخ ،
جوشز لا يصرخ حين يغضب أو على الأقل ليس في البداية..
ضحكته المستاءة ،
هذا هو المخيف بحق.
تلك الضحكة التي تبدو كأنها تصوّر في رأسه تفاصيل ما سيفعله بنا لاحقًا .
جززت على أسناني أحسُ أنني سأكسر فكي في سبيل أن أحاول تحمل الألم.
و لكن قليلًا بعد..
لا بأس يا موج ، يجب أن أحصل فقط على بضع دقائق هادئة و بعيدة عنهم لقراءة الرسالة .
ثم سأدمرها ..
رمشت الدموع المشوشة في عيناي .. قليلًا بعد ..
تحملي يا موج..
خرجت من الشارع لأجد نفسي وجهًا لوجه مع الجسر و الشارع المقفر من البشر العامر بالسيارات و المركبات و السيارات المحلقة فوقي بسرعاتٍ خاطفة .
عبرت الشارع بتهور و نجوت..
أو كدت أفعل .
لأن المطر _كذب عليّ _ أوهمني أنني أرى ، حتى جاء ما جاء من حيث لم أرى ليدفع ظهري بقوة نحو الأمام فارتميتُ في ثانيةٍ على وجهي للمرة الثانية و لكن هذه المرة من أعلى السلالم ، تسرقني الدرجة الأولى لتسلمني للثانية و لما بعدها بقسوة .
و تدحرجتُ أتحطم على السلالم المؤدية لشاطئ آلاريك متحولةً من إنسانة لكرة لحمٍ من الأزرق و الأرجواني ، و غطيتُ وجهي أكتمُ صياحي و أستسلم لأنه على الأغلب تبدو محاولة استعادة توازني عبثيةً كليلتي بالكامل ..
و كذلك محاولة إيقاف السقوط و التمسك في أي نتوء على هذه السلالم الحجرية و لديه استعداد للتفاهم معي و السماح لي بإمساكه مقابل كسر أظافري حتى ، كانت أكثر عبثية و فشلًا.
و لكن رغمًا عني تمزق حلقي بصرخة ألمٍ عندما ارتطم كتفي بدرجة حادة و قاسية ثم قضمت لساني بعنفٍ أتذوق نكهة الدماء مرة و معدنية بملوحة بينما أسقطُ بقسوة ، قبل أن يصدني رصيف فناءٍ صغير وسط السلالم..
استطعمتُ ملوحةً معدنية على لساني و ملأ فمي السائل ممزوجًا بلعابي ، و طعم الدم يذكرني أنني لازلت أحسُّ و حيّة ، مع كامل الأسى و الأسف.
و عندما انتهت سنواتُ سقوطي في ثواني سريعة و مؤلمة ، اطمئننت أنني لن أكمل التدحرج حتى الرمال ، و أن عظامي لم تتحول رغم تصدعها لشظايا مشلولة .
ثم زالت الطمأنينة في غمضة عين يا إلهي ، الظرف هل لا يزالُ معي ؟
و في فزعٍ رحتُ أغلق كفاي المرتجفان عدة مرات للتأكد من وجود الظرف و الورق ، و الحمدُ للَّهِ كان موجودًا يتجعدُ بابتلالٍ بين أصابعي المتشنجة ..
و قررتُ أخذ فيمتو ثانية للراحة ، و لثوانٍ استلقيت في سكونٍ رغم ضجيجِ صفعِ الماء للبركة المتجمعة على الحجارة الباردة أسفل خدي المخدوش المتكدم .
و أخذتني الصدمة فأخذتُ أضحك بذهولٍ فكاهي لكيف صارت ليلتي مليئة بالإثارة و التحطم و السقوط..
أعلم أنه من الأجدر بي أن أبكي.
لكن عقلي أخرج رد الفعل هكذا ، لربما الدموع طاقة أكبر مما يتحمله جسدي الآن و الضحك أرخص بكثير !
تنهدت انتهت الراحة ،
إلا لو أردتُ أن تلتقطني ملشيات جوشز اللعينة.
مع أنينٍ مكتوم رفعتُ ساعداي الداميان حتى المرفق في مستوى عيني بجهد ، و تأملتُ بدهشة ساخرةً من حظي الغير مفهوم ..
فمع كل هذه الدماء التي نزفتها لم أفقد الوعي أو أشعر بالدوار حتى ، هل هذا يعني أن جروحي ستترك ندوبًا و لن تقتلني ؟
كان من المفترض أن أكون قد نزفت حتى الموت ، أم أن روحي جُنت و يعز عليها فراق جسدي ؟؟
و أنا من ظننتُ أنها رغبت في الموتِ بقدر ما رغبتُ به ، لا يعقلُ أنها تحاولُ البقاء على قيدِ الحياة !
صاحت صفارة بعيدة لدورية قريبة ، جرسُ إنذار..
اعتدلت أحاول النهوض لأختبأ عنهم قبل أن يلتقطوني بتكنولوجياهم السخيفة في تطورها تلك ، و ساعتها البحر خلفي ، و لا مكان لأختفي..
لهثت مع أولِ حركة و جسدي بدا و كأنه يزدادُ تحطمًا مع أدنى جهد ، و لكنني عافرتُ لأحتمل الألم حتى وقفتُ بصعوبة و دموعي تنزلق بغدرٍ من معقلها رغمًا عني من فرط الألم ، و جسدي كله يرتجف بردًا بشكلٍ تناقض مع حرارة جروحي ، و ترنحتُ دوارًا لأتمايل للخلفِ لثانيةٍ مؤرقة ظننت أنني سأسقط فيها مرةً أخيرة لألقى حتفي على ما تبقى من الدرجات..
إلا أنني تنفستُ براحة أكاد أنشجُ ببكاء الشكر لأنني استطعتُ أن أجبر عضلاتي على التمسكِ بجسدي ثابتًا ، و الحمد للَّه.
و تحايلتُ أقفُ على ساقاي للعثور على توازني بجهد ،
أنا أريد فقط بقعة ضوءٍ لأقرأ هذه الأوراق ثم سأدمرها و لا بأس لو مِت معها أنا لا أمانع ..
بل سيكون هذا رائعًا جدًا.
فما كل هذه الدراما باللّٰهِ عليكم.
و لكن..
و على الرغم من كل ما حاولتُ إجباره من قوة ، تبددت ساقاي مع أولى خطوتين على السلم ، ثم عانقت ركبتاي الأرض و أرعبني اليأس.
لأن جسدي المتخلف قرر أنني عاجزة حتى عن الزحفِ للإختباء..
كم أنا بائسة.
« أقنعتني ، أنا بدأتُ أصدق أنكِ بائسة بالفعل ».
انساب هتافٌ خافت لرجلٍ نحو أذني ، له صوتٌ أجش و عميق ببحة دخانية كخيطٍ انساب من فوهةٍ بعد طلقة نارية ، نبرة مشفقة بزيفٍ ساخر لمشاهدٍ شاهد الكثير حتى صدق أن الميت ميت.
هادئ و يثير الرعب ، و جاء أعلاي تمامًا..
و رفعت رأسي للأعلى .
نحو سور الجسر خائفة و قد تجمدت الدماء بعروقي..
بل لعل جروحي نفسها قد توقفت عن النزيف من الرعب.
يا ربِّ لماذا لم أدمر الظرف و حسب ؟
أكان يجبُ أن أكون بائسة هكذا من أجل بضع حروفٍ من بابا ؟
كان ظلًا داكنًا لشابٍ فاحت رائحة الخطر من وقفته المسالمة و مسحتُ المطر عن عينيّ لأتمعن في إطلالة طوله الفارع الرشيق عليّ ، لم يكن هناك شئ خطر بادٍ على مظهره ..
مجرد رجلٍ يقف عند الشاطئ..
ليس بالتأكيد أحد حراس الأمن أو تابع لجوشز.
أو أنا استمررت في إخماد ذعري بتصديق ذلك ، أمال رأسه قليلًا عليٍ لأشعر بعينيه في كل مكان..
لأبدأ في جزءٍ عميق برأسي لا زال الكبرياء و الأنفة تحكمان عقاله ، هل حالي مزرٍ لذلك الحد ؟
ثم تشوش جسده لثلاث نسخ أخذت تندمج و تتباعد عن بعضها..
و أغلقتُ عيناي لثوانٍ سريعة و رمشتُ حتى يعود لنسخة واحدة أمامي ، أشعر بفقدان حلقةٍ ما مع الغرقِ في التفكير ..
أليس هادئًا للغاية بالنسبة لرجلٍ يتجول بعد حظر المشاة و بلا مظلات ؟
و حدقت بصمت بينما نزل نحوي في سرعة رغم أنه كان يتحرك بخفة و رشاقة أوحت لي بنبلٍ أرستقراطي طبيعي كالنبل الذي يتمتع به فردٌ من حاشيةٍ ولدت في بلاط عرشِ ملكٍ ما .
و انتظرت كارثةً ما ، لأن لدي إيمان بفكرة أنه لا مصائب تنزل على أي فتاة في الدنيا إلا و الأسبابُ معلقةٌ بيدِّ رجل.
و يبدو هذا الرجل أمامي بسواده و ظهوره كبداية لأحد أحدث مصائبي.
و سأل بهدوءٍ جاد و لا يبدو عليه أنه ساخرٌ عمدًا و لكنني تذوقت سواد تهكّمه في قناتي السمعية ، خفيًا و ثقيلًا بترنمٍ مستمتع
« تبدين كما تعلمين _أشار نحوي بإصبعٍ متكبر من أعلى و لأسفل_ في مأزق ؛ فهل تحتاجين شيئًا ؟ ».
حقيقي ؟ كلُّك نظر بالتأكيد .
المساعدة !
أحتاج للمساعدة يا من وهبك اللَّهُ عينًا ، و لم يهبكَ أي فطنةٍ لمعرفة كيف تنظرُ عبرها .
مد يده نحوي و ترددت من جديد أزنُّ الموقف للحظة مكثفة..
و خفت من التمسكِ بكفه المغلفِ بالأسود ، من طلب العون أو قبوله حتى بلا سؤال ..
فبغض النظر عن وقاحته الخفية أو دناءة سخريته من مأزقي كما يدعي ، هناك أنه قد يرتاب لدمائي و هيئتي المزرية ، سيشك في كل إحتمال ممكن و غير ممكن .
أو قد يشك فيّ هويتي فيتعرف عليّ ، الأميرة الساقطة من عرش أجدادها ، و التي صارت تمكث في أعينهم التي لا تعلم الحقيقة على عرش الإحتلال أسفل مظلة سافك دماء مملكتها و مملكتهم طواعية و تشرب أنخاب موتاهم ..
بلعتُ لعابي ، و في حذر أحاول النهوض دون مساعدته الممدودة بهزءٍ واضح.
وغمغمتُ في برودة ، أتجاهل ببسالة غير موجودة في الواقع أنني أكاد أسقط مجددًا
« كلا شكرًا جزيلًا لسؤالك » .
صوتي بالكاد يخرج ..
هل سمعه ؟
و لكن لثوانٍ فكرت ثانيةً ،
و الفكرة الثانية أحيانًا تكون أكثر جنونًا من الأولى لكنها أكثر واقعية ، و خالية من كبريائنا الغبية .
و أنا أحتاج لإيقاف نزيفي بشكلٍ ما ،
و إيقاف سقوطي المتكرر..
خنجر...
تمزيق…
ثوبي...
و المساعدة.
راجعت نفسي ثم بغباء ، و بإدراكٍ مرعب لشبهي بليلى و هي تسلم عنقها لذئب الغابة بنفسها ، طلبتُ من رجلٍ التحف الظلام ثيابًا بينما أتأرجح على حافة الإنهيار و السقوط مجددًا ..
« أو من فضلــك… » ترددت لوهلة و مال هو برأسه المغطى بإنتظارٍ ثلجي و تحديقٍ ساخر أشد ثلوجة..
ابتلعت أخرج الكلام بسرعة قبل أن تخونني جرأتي بغدر
« هل أستطيع استعارة آممـ سكين أو أي نصلٍ حاد ؟! »
كنت واعيةً حقًا لتحديقه نحوي و لكن عندما أنهيتُ سؤالي له أحسست بتركيز نظرته علي يتكاثف ، لأبتلعَ بتوتر و قد تبخرت جُرأتي كما توقعت منها بالظبط ، و رفع هو رأسه قليلاً لألمح بريقًا حادًا لعيون مجهولة..
اللون كان داكنًا , لم أستطع تمييزه من أسفل الحافةِ الأمامية لقبعته التي كانت بين قبعة ظباط البحرية و بين قبعة الفنانين ..
و لمعَ نصلٌ حاد و هو يتراقصُ بين أصابعه بلا مبالاة مبهرة .
« أقنعيني ».
نبس صوته الدخاني بخفة باردة ليجعلني أحدقُ بعدّمِ فهم.
« أقنعيني أنكِ تحتاجينه » أوضح بهدوءٍ و كأنه أمرٌ بسيط للغاية و قمة في المنطقية .
كان هناك _إستهبالٌ_ من نوعٍ ما في نبرته الهادئة السوداء..
عرض علي المساعدة ثم يطلب مني أن أقنعه أنني بحاجة إليها؟
هل هذه مزحة ما؟
هل هو يراني أصلًا في حالٍ تسمح لي بتحمل هراءه على آخر الليل؟
و طرفتُ أسألُ بتعجبٍ غير مصدق « ألا يبدوا مظهري مقنعًا ».
هز الجليدي كتفيه يتظاهرُ بالتعامي ، رائع..
كان السيد الملثم الذي عرض المساعدة يقدم شروطه لتقديم تلك المساعدة ، و لولا أنني في شدة الحاجة لذلك النصل الملعون لرددت عليه بإهانةٍ أسوأ كما تصرخ نفسي عليّ أن أفعل ؛ ثم سأرحل عنه عله يتعثر بشئٍ ما فيسقط على شئٍ حاد و يموت..
و لكنني بحاجة له ، لذا تنهدت أقنعهُ..
« أنا أنزفُ من جروحٍ كثيرة ».
_ أرفعُ كفاي لثوانٍ كأنه سيرى جروحي و سيميز النزيف الأحمر عن المطر الأسود _
« و أحتاج أن أمزق من ثوبي ضمادًا لأمنع استمرار ذلك النزيف » أسهبتُ شرحًا عله يقتنع.
« و إن لم أوقف سيل الدم سأفقد الوعي و هناك شئٌ أو إثنين أحتاجُ لفعلهما قبل ذلك ».
و سكتُ هنية قبل أن أستأنف بسخرية رغمًا عني
« أم أنكَ ستقتنعُ عندما أسقطُ أرضًا ؟ »
هناك حافة حادة لإبتسامة ساخرة في صوته و هو يقول بكسلٍ بارد « في الواقع ؟ ، أنا لا أقتنع بمثل هذه الحجج الواهية ، كما أنني لن أعيرُ خنجري لطفلة تهربُ بنزيفٍ من المشاكلِ خلفها و يعلم اللَّهُ وحده أنها آتت مصطحبةً مصيبة ».
أخرج خنجرًا بالتَّزامن مع حديثه و أداره في يديّه بسرعة صفرت في الهواء.
حقًا ؟
حدقتُ به بعدم تصديق أرمشُ بشعورٍ من بوادر شللٍ حائر ..
ثم نظرتُ له مجددًا و درسته في سرعة قدر ما تسمح لي الإضاءة الخافتة رغمًا عن الضباب و العاصفة و المطر..
و فطنت فجأة لسواد ثيابه السمراء المبتلة و ياقة معطفه الأسود الطويلة للغاية ، و للوشاح الذي يخفي ملامحه عني إلا عيناه و قبعته التي تشبه قبعة الفنانين الباريسية و قبعة البيسبول في ذات الوقت و حافتها الأمامية الطويلة تكاد تخفي وجهه كليًا ...
ثم لماذا لا يمتلك مظلة في هذا الجو؟
و لماذ يحملُ خنجرًا أصلاً ؟
لماذا ؟ هل سبق و قتل الليلة أحدًا ؟
أم أنه يخطط لذلك ؟
أم أنها ستكون أنا ؟
إن كان كذلك فلابد أنه يضحك عليّ في سره الآن لأنني النعجة التي طلبت ساطور ذبحها بلسانها في ليلٍ لا شهود به و لا يُشهد فيه على شئ ؟
بل و كنت أقنعه !
أم أنني أفرط بخيالي و يفكرُ عقلي المنهكُ بذعرٍ أكثر مما ينبغي ..؟
و فجأة لم أعد مهتمة بخوفي من أن يهرب مني مرتابًا من هيأتي أو من الدم في كل مكان علي أو من أن يتعرفني..
لأنه كان من المفترض مني أنا أن أرتاب و أهرب منه !
ذلك الرجل يصرخ بكل ما فيه بالخطر ، ففي أي كارثة أوقعت نفسي؟
ابتلعت ..
التراجع عن الخطأ نصف الشجاعة حتى و إن رماني الآخرون بالجبن ، كل ما أحتاجه هو خطوة صغيرة للخلف ثم سأرحل..
« حسنًا إذًا ، طابت ليلتك .. ».
قفز خنجرٌ فجأة بحافة نصله الحاد و لمع المعدنُ القاتل في وجهي لأحدق مذعورةً في يده المغلفة بالجلد الأسود..
« خذيه ، ألم تكوني تطلبينه للتو ؟ »
و كقرع النذير كانت النبرة التي انسابت في صوتٍ أجش تعبث في أذناي ببرودٍ يخيف..
صوته مكتوم و مغلف بتكتكاتِ وابل المطر ، عميقٌ و ثقيل ، غير أن لكنته تفشي حقيقة أنه ليس من هنا في هذه المدينة على الأقل .
و حدقت عيناه في عيناي كالسلاح .. كفوهاتِ المسدسات ..
فارغة و بلا قرار.. تهديدٌ صارخ بإسالة الدماء مع أقل خطوة خاطئة .
و شعرتُ بأنه لم يكن هناك مجال للتراجع هربًا فها هو يساعدني لسببٍ في نفسه الشريرة و لا يعلمه إلا اللَّهُ وحده ، و أعطاني خنجر حتى لو كان يوجهه في وجهي كأنه وعدٌ بالموت ..
« و لكنك قلت.. » تمتمت مرتبكة ، أتأكدُ أنه لا يمده بغرض طعني في النهاية.
غير أنه قاطع جملتي و المللُ يصبغ نبرته الجامدة
« و لم أقل أنني لن أعطيكِ إياه ».
« إلا لو كنتِ تراجعتِ عن طلبك ؟ » استأنف يسخرُ بتحدٍ غير معلن .
و هززت رأسي ليرتج مخي في جمجمتي نافية باستسلام
« لا ، شكرًا .. أريده »
و تسائلتُ في تحدٍ للحذر الذي صرخ داخليًا يُحارب تهوريَ بالبقاء و قبول نصْله ، ماذا لو ذبحني حتى ؟ أنا سأموت في أي حالٍ في الأخير و حين أفعلُ لن آسف على شئٍ سوى ليلة فظيعة ذهبت هباءًا دون أن أقرأ الرسالة..
و لعنت البروتوكولات التي كانت تمنحني هيبةً كاذبة سحقها الطين و الدم الآن ، و رفعتُ يدي نحو كفه لأخذ الخنجر منها ، غير أنه ألقاه عند قدماي كما تلقى القروش للشحاذين مثيري الإشمئزاز بعد طول الإلحاح ليسقط أرضًا.
كنتُ أهان بشكلٍ ما.
تنفست أرمشُ مندهشة و رفعتُ عيناي لعينيه بغضبٍ مشدوه ..
تجاهله و أشار لي بطرف أصابعه و للخنجر ينبس ساخرًا بما جعل الدماء تفور بعروقي « مع أنني لا أظنك قادرة على حمل ظلكِ لتطلبي سلاحًا حتى »
ثم أدخل يديه في جيوبه و كانت نبرته مصبوغة باحتقار لي أو إشمئزاز من حالي ..
و في وقتٍ آخر كنت سأرمقهُ ببرودٍ لأحذره من الأسلوب و قلة أدبه لكنني لن أجرأ على ذلك الآن ، ليس و أنا شبه تحت رحمته.
و لأنه لم يعد أبي هنا لأثق بوجوده خلفي مهما حدث و حمايتي من أي نظرة أو قول ..
و في أي حال أنا لم أكن في حالة تسمح لي بالتفكير في نبل تصرفاته المعدوم ، أو في وقاري كسليلة عائلة ملكية و هو ينهار ، و ربما لا يجدرُ بي أن أبالي من الأساس.
فتهاويت أركع على ركبةٍ ألتقط النصل البارد و قلبته أدمجهُ بيدي ، ثم مزقت طبقات القماش الفاخر من أسفل فخذي إلى آخر الحاشية ...
ثم مزقت قطعتين شريطتي الشكل و صوت أنين القماش أسفل وطأة النصل الحاد يمنحني شيئًا يشبه وهم السلام ..
لا زال هناك من يستطيع الإعتراض في هذه الأرض..
و القماش يعترض على استخدامه كضمادة.
أسقطت الخنجر و حاولت يائسة لف القطع المبتلة الملوثة بقوة على نزيف كفي و ساعدي ، لأنني لو استمررت في فقدان الدماء ؛ سأفقد الوعي .
و هذا ليس شيئًا أريده الآن..
ربما فيما بعد.
هناك ماهو أهم بكثير.
لدي شوقٌ عارم لرؤية ما كتبه أبي ..
هل ذكرني ؟
هل أنا هناك ؟
و تجاهلت الرجل الشامخ على رأسي بإصرار ، مستمرةً بتجاهل إمكانية أذيته لي منه و خطورته الصارخة ، هذا ليس أذكى تصرفاتي بالتأكيد و لكنه حتمية لما أنا فيه.
و فزعتُ مترنحة للخلف عندما قرفص بمحاذاتي ، و رائحة دافئة لخشب محروق ناقضت برودة رائحة المطر و الحجارة القاسية ، ضحكته الهازئة واضحة لأذناي ، و لا أدري كيف كان بإمكانه استدعاء هذه التسلية في هذا الموقف.
« هل كنتِ تحاولين الإنتحار ؟ » تنفست من فمي بذهول أتعثر في لف القماشة بينما أرفع بصري لعينيه القاسيتين أشعر بالدفء المرعب لحرارة جسده الذي اقترب.
« تعجبني طريقتك المبتكرة في التخلص من حياتك بائسة ، أم كنت تحاولين الهرب من إنقاذهم لكِ ؟ »
كانت حافة صوته تحمل عدم تصديقه لافتراضه الساخر بوضوح و لكنه كان يسخر مني و يستمتع بالوضع.
وغد.
ألا يبدو مظهري و أنا أضمد رسغي كمحاولة لعكس كلامه ؟ أو كإنقاذ نفسي ؟
كان لا يصدق افتراضه السخيف ، لكنه يستمتع بصياغته و إزعاجي.
و هناك نوع من الناس يجد في تسمية الكوارث ترفيهًا فكريًا - ويبدو أنني وقعتُ على أحدهم في أسوأ ظرفٍ ممكن !
أو ربما حظي أوقعني مع قاتلٍ مأجور ، وجد لنفسه متعةً في حالي بعدما أنهى إنهاء حياة أهدافه المساكين و يُحلي بي !
بللت شفتاي أعاود اللف و إيقاف النزيف ، لأتدارك خطورة الموقف و إيقاف وفاة لم أخطط لها.
و وجدت كفه تتحرك كأفعى استيقظت بغتة لتهبط على أصابعي بقوة حازمة توقف محاولتي البائسة لإيقاف أنفاسي الحمراء النازفة..
« ألا تعرفين حتى كيف تنقذين نفسكِ أيتها الدوقــة ؟ »
هزأ بينما تشتد قبضته حول معصمي ؛ لتسيل من بين أصابعه دمائي ..
«أم أن التعثرَ في فساتينك هو الشئ الوحيد الذي أفلحوا في تعليمك إياه يا موج..»
لهثت من الصدمة أكثر من الألم ..
بينما تنتشر في عروقي برودة زادت إحساسي بالبرد سوءًا...
هو يعرف اسمي..
يعرف أنني حفيدة دوقة آل آريڤان ..
شددت فكي و همستُ بصوتٍ جاف و مختنق..
أحاول أن أكون ثابتة و ألا أبدو مرعوبة كغزالٍ اكتشف أنه كان يركض لعرين الأسدِ بنفسه..
« كيف ؟ ... أنت تعرف اسمي ! »
ثم تابعت السؤال بحدة أخفي إهتزازي ..
« أأنت منهم ؟ جنود جوشز ؟ »
سكت قليلًا بينما يلتقط الخنجر الملقى قرب ركبتي ثم مزق ثوبي من جديد و كأن الخرق التي مزقتها لم تكن تكفي ، و بذلت من ظبط النفسِ ما أنهكني كي لا أبتعد راكضة عنه بينما أهسهس بعنف « ما الذي تفعـ…؟ »
سكتُ أفهمُ عندما ربطها على ساعدي يشدها بإحكامٍ شعرت معه بأن عظمتيّ ساعدي على وشك التحطم و بقوةٍ رهيبة أخرجت تأوهًا فشلت في كبحه..
ثم توقفت نافورة روحي عن التدفق لأنه خنق ذراعي ليرد الحياة عنوةً لعروقي..
« لستُ بحاجة أن أكون جرذًا لوغدٍ ما لأتعرفك ، غير أن لا أحد سيعجز عن معرفة من تكونين ، و ثوبك الذي كنت به على الشاشات يصرخ بهويتكِ حتى للجاهلِ بك »..
أجل صحيح لقد كان بإمكان العالم كله عبر الشاشات و البثوث اللعينة رؤية كفني الفاخر ؛ بينما أظهر كتوحيدٍ بين الأطلال و ما قام عليها جورًا..
و لكن..
« و أنت تعرفتني حتى بهيئتي تلك ؟ في الظلام و المطر »
منذهلة تلعثمت بتمتمة أطرف تحت نظراته الباردة ، و ابتلعت في فزع ..
ربما يكون من المقاومة ..
ربما سيقضي علي إنتقامًا لما يفعله زوج أمي بهم ..
أو لصمتي على ما يفعل ..
« لن يخفى عليّ من تكونين في كل الأحوال أيتها الأميرة ».
نبس بثقلٍ خبيث واثق أكثر مما ينبغي و صوته يوقظ كوابيسًا لم أعرف أنها موجودة بي إلا عندما مال و شممت رائحة الخشب المحترق منه بكثافة أكبر.. و كأنني أشمُ..
بحق هل هذا عبق شوكولاتة كاكاو و قهوة ؟
تعثرت أنفاسي أنسى ما شممته ، ثم توقفت محبوسةً حينما تابع هو بنبرة أظلمت بقسوة مفاجئة
« و لا أحتاج لرؤيتك حتى لأعرف أنها أنت ».
حدد نفسه و كأنما يعرفني و الفستان مجرد حجة لإلباس الأمر بعض المنطقية ، و لكنه يمنحني بعض الطمأنينة الكاذبة ليفترسني فيما بعد.
نظرتً نحوه بصمت مشتتةً داخلي بضياعٍ حذر ، و ربط هو خرقة أخرى حول الجرح بعدما مسحه عدة مرات بإبهامٍ قاسي.
ثم استقام و شدني لأعلى لأقف بتمايلٍ طفيف ، يرفع وتيرة خوفي بينما أحدق فيه مأخوذةً بمقدرته الإستثنائية على إخافتي .
يعرفني ..
سيتعرفني أيًا كان !
و أنا لا أعرف من هو..
أو على أي جانبٍ مني .
و أخذَ هو يحدق بي بشدة و حدقتاه الجليديتان تجمدني لينفذُ عبر جوهر عيناي ، و يلامس كيانًا مجهولًا في عمقي ، بينما يدس النصل في يدي و أقسم أنه تعمد ترك خدوشٍ لاسعة..
« حاولي احسان إستعماله ما تبقى من الليلة ، و يا حبذا لو عاد أحمرًا ».
استقرت برودة النصل في كفي المرتجفة ، و نظرتُ إلى المعدن الذي اختلط عليه ماء المطر بدمائي ، و بدا المشهد كلوحةٍ سريالية رسمها فنانٌ سادي قرر اللعب بالألوان الدافئة فوق قماشٍ بارد.
و سألتُ في سخرية بينما أستندُ للخلفِ بوهن
« ألا يكفيك أحمري لتستعيده ؟ أم أنكَ تخافُ عدوى دمائي الملكية ، أو تخشى مصلحة الضرائب إن ضُبطتَ بخنجرٍ غير مشحوذ ؟ »
لا أدري ما الذي دهاني و لكنه دهاني..
ابتسمَ هو أسفل وشاحه الكاحل ، لم أرَها بل أدركتُ ظلها الثقيل و هو يتهكم عليّ كالنكتة الأكثر رداءة لمهرج ملكِ دولةٍ منهارة ، ثم طرق بلسانه و هو يجيب بسخرية
« ذلك الغيرُ مشحوذ أبقى على ترددِ أنفاسِك التي تستهلكينها بالسخرية منه الآن ، و دمائكِ الملكية ليست سوى حبرٍ رخيص في كتاب تاريخٍ سيدفنونه لأنه كان الحقيقة التي يحاولون طمسها ».
« مثل الحقيقة التي تختفي خلف هربكِ في ثوبِ رقصٍ ثم جمع الكدمات و الجراح كمن يجمعُ التذكارات من جولة سياحية بالجحيم ».
فغرتُ فمي أشهق نفس صدمةٍ بصمت بينما هو تابع التحدث
« قولي لي ما الذي استحق كل هذه الدماء و الطين و السقوط الدرامي في كل لحظة ممكنة ؟ لماذا تهربين ؟ »
سكت للحظة ثم أوضح
« ما الذي يجعل جوشز زوج أمكِ يرسل خلفك فرقتين عبر الحي لإيجادك ؟ »
« لا تقرن ذلك الوغد و أمي بنفسِ جملة واحدة » هسهستُ بحقد و يدي تشتدان حول خنجره بتفكيرٍ جدي في طعنه به !
« و لكن هذا ما بدوتم عليه عبر الشاشات ، ما تبقى من الأسرة ملكية صار سعيدًا مع أبٍ و زوجٍ جديدان »
دندن معترضًا يستفزني..
لم يكن يخبرني بمعلومة ، كان يضغط على جراحي و هي حيّة بمخلبٍ بارد ليرى كم سأحتمل قبل أن أصرخ عليه بالجواب..
إلى ماذا يريد أن يصل بي ؟
هل يريدني أن أبدأ في ضربه بالخنجر مرارًا و تكرارًا ليصمت ؟
أمسكُت نفسي أكظمُ غيظي قبل أن أفعل و نبست بشهادتي في جفاف أبرر أمام قاضٍ غير نزيه
« في بعض الأحيان يكون الناس حمقى بما فيه الكفاية ليصدقوا ما يرونه فحسب و جهلهم ليس مشكلتي »
و لكنني تحت محاولة التماسك كنت غاضبة و في قمة الألم الجسدي و النفسي.
الإدرينالين انحسر عن دمي لأشعر بكل ذرة ألمٍ كبحتها لأتابع تدمير أثر الرسالة ؛ مع أنني كنت أستطيع تخطي هذه الليلة المؤلمة و خلال عشر دقائق كنتُ لأعود للمنزل.
و لكنني اخترت أن أقرأ الست ورقاتٍ و الركض طوال الليل كعزاءٍ لشوقي المستعر لبابا ، و ذلك الوغد الأحمق يقول لي بكل بساطة " أبٍ و زوج جديدين ".
شددت فكي أجز على ضروسي أكبت رغبتي في التأوه مع الترنح الذي هاجمني إثر موجة ألمٍ أخرى في كتفي و رأسي النابض أو الصراخ عليه من خلال غيظي و رؤيتي المشوشة..
و كأنه رأى كل ما اختلجت به ملامحي رفع كفيه باعتذارٍ زائف و ساخر ، لكنني لمحته في نبرته الدخانية كان هناك سوادٌ لغضبٍ مشتعل لا يخفى أسفل برودة جمره
« لا داعي للغضب فأمثال الحمقى الذين ذكرتهم لا يستطيعون رؤية الحقائق التي تعرفينها أيتها الأميرة الزريقاء »
ها هو يكرر اللقب السخيف مثيرًا خوفي و انزعاجي.
و خفض كفيه يكورهما في جيبه يرفق بنبرة هازئة سماعها مُر
« و لكن كل ما يعلمونه أنكِ مجرد أميرة تعايشت مع محتل مملكتهم و لم تثر مثلهم »
« ثم أخيرًا ظهرت رفقة أمها في حفلةٍ على مرور سبعة أعوامٍ في الجحيم ، لتشرب نخب قتلاهم و تبارك قاتليهم ».
أنهى كلامه بحافة حادة قتلني طعنًا في كل مكانٍ ممكن ، و لم يكن يهاجمني.
كان يرسم لي الصورة التي يراها العالم بنا - بدقة تشريحية ، بلا رحمة يخبرني كيف ينظر العالم لي بعدما قتلت كل مبادئ مملكتهم و شاركت في سلب كل غالٍ عليهم.
كيف تبدو خطيئة صمتي ، و حقارة موقفي حتى لو كنت عاجزة عن سواه أو مهددة بكل ما تبقى لي .
و عصرت يدًا على أهداب فستاني ؛ فلا أحد يعرف ما الذي يحدث خلف أسوارنا العالية ، كم مرة ضربت ماما و صفعت بالجدار حتى أمتثل لما يريد مني و أصمت بلا ضجة .
كيف كسر تمردها بإجبارها على مشاهدتي أضربُ حتى أفقد الوعي و أنزف ،
كل ما يرونه هو ما يختار جوشز إظهاره.
و كرهت أن كان محقًا بغض النظر عمن يكون أو أسلوبه ، بل لوهلة بدا أسلوبه المزدري منطقيًا للغاية مع شخصٍ بحقارتي.
أنا شخصيًا فكرتُ بهذا الشكل في ما انصرم من الليلة قبل أن تحتدم بظهور الظرف و شكوت ذلك.
و لكن ما الذي أستطيع فعله مجددًا !
أنا لا شئ.
و رمشت لا أدري أكان تشوش الرؤية من دموعي أم من جراحي التي تصيح في الخلف ؟
كل ما أدريه أنني أكره نفسي و أكره عجزي عن ردع أي شئ..
و انفعلتُ في دفاعٍ يائس و عاطفي أحمق
« و كأننا نملكُ شيئًا آخر غير هذا ، نحن جميعًا نحترقُ في ذاتِ الجحيم و لا أحد يستطيع إخراج أحد ».
تبًا.
ندمتُ فورًا على انفجاري الكاشف أمام استفزازه ، من هو؟ لا أعلم و الآن أنا أرضيت مكيدته بجوابٍ يكشف عن ما يحدث و لا يعلمه هو..
و أدركُ على الأقل أنه يفتش عن أي معلومة ينتشلها مني كغرة ساذجة !
« و لا يحقُ لك السؤال و أنت قد ظهرت فجأة و كأنك تعلم تمامًا أن ضحيتك تختبأُ هنا.. » خرستُ فجأة أرمشُ في سوادهِ مذهولة أستوعبُ ما تفوهتُ به في لحظة وعيٍ صرخت بما حاولتُ تجاهله في عقلي الباطن..
تنفستُ بعمقٍ بينما انحسر الخوف ببطء موجة غباء تنسحب عن صخرة ليست سوى تلميحٍ لجبلٍ جليدي في الأعماق أو أسوأ..
جزيرة بركانية تتربصُ بالسطح !
وجوده ليس بصدفة...
كنت أعلم ، فقط لم أدرك أبكرَ قليلًا...
لم يكن ظهوره من فراغ بكل تأكيد ، هذا الرجل يسعى خلفي منذ البداية.
سماحهُ لي بأن أظنَ أنه مجرد عابر سبيلٍ انتبه لشعلة في ليلة باردة مجرد حبلٍ مرخي على الغارب.
لأطمئن له بينما يلتف حولي ليخنقني بغتة بوحشية و بلا رحمة..
و لمعت عيناهُ تحت غطاء رأسه كجذوة نارٍ تحت رمادٍ خادع بينما يلتقطُ إدراكي المرّ ، و ضحك..
ضحكةٌ منخفضة ، تشبه صريرَ بابٍ متشققِ الأخشاب بينما يُفتح على قبوٍ لا يريد أحد استكشافه.
« قد لا تدركين ذكائك ، ولكنني ظننتُ الدوقات يذبلن في الدقائق الأولى من القطف » يسكتُ عمدًا مع إيحاءٍ بوجودِ المزيدِ من الهراءِ المخيف بحلقه ، يستمتع بتعليق النَفَس المذعورِ في صدريَ..
« و لكنكِ لم تذبلي للآن و هذا قياسيٌ عمَن سبقك ، سيروقُ لي سقوطك في الأخير » تمتم بابتهاجٍ شرير.
« و أنا التي ظننتُ أنكَ عدوٌ خطير يحتار بين إنقاذي و قتلي » سخرتُ بنبرة محقونة بالسمِّ الذي أجرعني إياه رعبًا و أعترفُ أنني جننتُ كليًا هذه المرة « و أنت مجرد متفرج ؟! »
ضحك بعمقٍ هازئ و الرنين مخمليٌ و داكن كحلوى بها بحّة شوكولاتة مُرّة و بقايا قهوة سوداء..
« أنا أسوأُ من ظنونكِ الواهِمة يا زريقاء » قالها بنبرة جليدية جمّدت معها قطرات الودقِ بيننا للحظة.
« أنا هنا لأنتقدَ فصول حياتكِ المأساوية ، و حتى الآن لا أعتقدُ أنَ الليلة تستحق أكثر من اثنانٍ من خمس..
واحدة لفطنتك الاستثنائية ، و الثانيةُ لأنكِ لم تموتي بعدُ رغم محاولاتكِ الدؤوب في رمي نفسكِ بأي قبر ».
اثنان من خمسة إذًا ؟
فمي على وشكِ أن ينفجر من ذلك النوع من الغضب الذي يأتي حين تكتشف أن أحدهم يراك أداءًا لا إنسانًا ، هل يستمتعُ بتقييم بؤسي ؟
كدتُ أردُّ له الصاع طعنتين لو أن اقتربت أضواءُ الكشافات تمسح واجهة الجسر أعلانا بلا هوادة ، و تصرخُ بصمتٍ
تخبرني أنني انغمستُ أكثر مما ينبغي في تراجيديا جانبية و أهملتُ المسرحية الكبرى.
أنا !
تبًا لقد اقتربوا أسرع مما توقعت..
و وثب نظري بين الأسفل و بينه و بين الموكبِ الباحثٌ عني بكل جنودهِ و مركبتيه و أخيرًا لظرفي الأحمر ، إلى أين أذهب الآن؟
نظر هو نحو الضوء بلا مبالاةٍ استفزتني ، ثم عاد إليّ بابتسامةٍ لا تحمل الخير أو الشر ، بل ذلك المزيج الغامض الذي يجبرُ المرء على توقيع عقوده دون قراءة الشروط الصغيرة أو حتى الأساسية..
تحملُ مزيجه هو..
و مد يده إليْ كنبيلٍ يبحثُ عن رقصة عنيفة تمتدُ طوال الليل ، بلا سخرية و بلا رحمة كحد الخنجر الذي بيدي الآن ، و نظرتُ إلى يده الممدودة كأنها فخٌّ منصوب على هيئة سؤالٍ لا يحتملُ تأجيلًا ، ثم إلى الظرف الأحمر تحت ذراعي ، ثم إلى الأضواء المجنونة خلفه..
هو و جنونه الأسود أو وحشية جوشز قبل أن أقرأ رسالة بابا ؟
تنقيبه الماهر عن جوابٍ لأسئلته الغامضة أثناء كمالِ ضعفي و تشتتي ، أو أن تبقى أسألتي عن ذلك الجوابِ بلا جواب..
و بمرارةٍ تشبه طعم الدم في فمي ، و الليالي الكارثية لا تمنحكِ خيارات جيدة - فقط خيارات عنوانها أحسنُ السيئين ، ثم تتنكر في ثوب القرار بوقاحة .
و في صمتٍ آملُ معه بحماقة أن لا أندم وضعت راحتي الملطخة بالدم في كفه المكسو بالجلدِ الأسود..
و قبض عليّ السوادُ يسحبني لأعمق ما بشغافِ قلب ظلمةِ عدمه ، و كأن حلكتهُ السطحية لم تكن كافية.
و سقطتُ لأسفل و أسفل .
و هناك..
تنفستُ بكثافة أنفاسه الباردة و دفئهُ المربك..
و الكاكاو الممزوج بالخشب المحترق..
و القهوة الحادة.
كأن أحلى ما في جوهره احترق..
حتى استحال جمرًا مرًا.
**
**
. ٰ
. '
ٰ❅ٰ
. ٰ
**
**
يتبع
**
**
. ٰ
. '
ٰ❅ٰ
. ٰٓ
مِ
مِير
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!