1
بريطانيا - 1943
استيقظتُ اليوم في بيت البغاء المملوك لعائلتي. لم يكن مكاناً غريباً عليّ، بل كان المكان الذي قضيتُ فيه معظم ليالي الثلاث سنوات الماضية بعد تركنا لمنزلنا وأعمالنا في فرنسا بسبب الحرب.
اعتدتُ هنا في لندن أن أراقب السكارى والمجرمين، وأدير تجارة أبي المظلمة برأسٍ بارد.
نزلتُ السلالم الخشبية الضيقة متجهاً إلى الأسفل.. حيث تقع حانتنا "القمر الأحمر" تماماً تحت شقق بيت الدعارة.
كان المكان في هذا الصباح الباكر يغرق في سكونٍ باهت، والعمال يتحركون كالأشباح ينظفون ما خلفته ليلة البارحة الصاخبة؛ يرفعون الكراسي المقلوبة، ويمسحون بقايا الخمر المسكوب على الطاولات الخشبية الخشنة، بينما تفوح في الأرجاء رائحة التبغ الرخيص الممتزجة بالرطوبة.
~ • ~
لم أنتظر كثيراً. خرجتُ إلى الشارع البارد، وركبتُ دراجتي النارية "التريومف"، وانطلقتُ بها أشق ضباب لندن متجهاً نحو قصر عائلتي في حي مايفر الفخم.
عندما وصلت، لم أتوجه نحو البوابة الأمامية الضخمة حيث تصطف سيارات الأثرياء؛ بل قدتُ الدراجة نحو الممر الجانبي المعتم، ودخلتُ القصر من باب المطبخ الخلفي كعادتي دائماً.
وبمجرد أن دفعتُ الباب، كانت كبيرة الخدم "مارتين" واقفةً هناك.. امرأة عجوز بملامح فرنسية وقورة.
خطوتُ عتبة المطبخ مرخياً جسدي المتعب. رميتُ التحية بنبرة مقتضبة، ودون أن أنتظر رداً، مددتُ يدي نحو السلة لألتقط تفاحةً حمراء، وجذبتُ زجاجة مشروبٍ باردة من الطاولة.
التفتدتْ إليّ "مارتين" فوراً. لم تكن نظرتها ناعمة هذه المرة؛ بل انمحت ملامح الرقة من وجهها وحلت مكانها تلك القسوة الحازمة التي ترتديها دائماً لتلقين الدروس. تنهدتْ بحدة وقالت وهي تشير إلى التفاحة في يدي بنبرةٍ لا تقبل الجدال:
- كم مرةٍ أخبرتُك يا دانيال؟ الأرستقراطيون لا يأكلون هكذا وقوفاً كالمشردين في الأزقة! اجلس، واستخدم الشوكة والسكين، وتعلم آداب المائدة التي تليق بقصر بقصر بحي مايفر، قبل أن يراك أبوك ويجد سبباً جديداً لتوبيخك!
قاطعتُ كلامها الحاد ببرودٍ وشربت رشفةً من الزجاجة، ثم قضمْتُ التفاحة بقوةٍ مسبباً صوتاً مقصوداً لإثارة حنقها، وأجبتُها وعيني مثبتة على الباب الخلفي:
- وفري نصائحكِ للمظاهر يا مارتين.. الأهم الآن، ألا تخبريهم أنني نمتُ بالخارج ليلة البارحة.
تراجعتْ خطوة، ونظرتْ إلى معطفي المتسخ بغضبٍ يمتزج بالخوف عليّ، ثم همست بقهر:
- عليك أن تترك هذه العادة اللعينة.. النوم في الأزقة وبين السكارى سيوردك المهالك يا بني. لستَ طفلاً، والعيون في هذا البيت تتربص بكل حركاتك، والشكوك حولك تكاد تخترق الجدران. إن لم تحمِ نفسك من هذا الطيش، فلن يرحمك أحد هنا.
~ • ~
لم أهتم لكلامها، وصعدتُ درجات السلم بخطواتٍ وئيدة وهادئة، أحمل تفاحتي المتبقية وزجاجتي.
وعندما وصلتُ إلى الممر العلوي ومددتُ يدي لأفتح باب غرفتي، تناهى إلى مسامعي صوتٌ طفوليٌّ بريء ينبض بالحياة وسط هذا الكفن البارد.
التفتُّ لأجد أختي الصغيرة "ليا" تقف عند زاوية الممر، وتنظر إليّ بعينين تلمعان بالشقاوة وهي تبتسم قائلة:
- أمسكتُ بك يا دانيال!
تلاشت قسوتي بلمحة، وانمحت ملامح "القمر الأحمر" من وجهي. اقتربتُ منها، وانحنيتُ لأطبع قبلةً دافئة على جبينها الصغير، وهمستُ لها بلغةٍ سرية لا يعرفها سوانا:
- ششش.. إن لم تخبري أحداً بأنني كنتُ بالخارج، سآخذكِ في جولةٍ صاخبة على دراجتي النارية "التريومف" هذا المساء.. اتفقنا؟
أومأت برأسها بفرحٍ عارم، فدخلتُ غرفتي وأغلقتُ الباب خلفي متنفساً الصعداء.
~ • ~
تقدمتُ نحو النافذة الكبيرة المطلة على الباحة الأمامية للقصر، وجذبتُ الستائر المخملية الثقيلة لأفتحها.
نظرتُ إلى الأسفل، وكان المشهد بمثابة صفعةٍ تغذي ذلك السّم والدفء الأسود في صدري.
هناك، في الباحة المضيئة، كان أبي "جايكوب ايزنبرغ" وأخي الأكبر "نوح" يقفان بطلةٍ بهيةٍ وفخامةٍ تليق بلوردات لندن، يتبادلان الضحكات والدفء.
تقدم السائق "غابرييل ديبون" بخطواتٍ خاضعة، وفتح لهما باب سيارة "البنتلي" الفارهة باحترامٍ جم. ركبا معاً بوقار، وأُغلق الباب، وتحركت السيارة الفخمة تشق طريقها خارج القصر وتتركنِي وحيداً خلف الزجاج.
أغلقتُ الستارة ببطء والغضب ينهش قلبي.
"نوح" يركب "البنتلي"، يرتدي ثوب الواجهة النظيفة، ويحظى بابتسامة أبي وحضنه.. بينما أنا؟
أنا من يلوّث يده في عتمة حانة "القمر الأحمر"، وأنا من يكسر الرؤوس ويجمع الديون ليظل هذا القصر قائماً. الغيرة لم تكن لأنني أكره أخي، بل لأنني كنت أشعر أنني خادم مأجور لرفاهيتهم وليس ابناً ينتمي لهم.
ثم خلعتُ معطفي، غسلتُ بقايا ليلتي المجهدة في الحانة، وأبدلتُ ثيابي بأخرى نظيفة، ونزلتُ السلالم بهدوء متجهاً نحو غرفة الطعام الكبيرة.
كانت المائدة ممدودة رخاءٍ مفرط. كانت أمي "سارة" تجلس هناك، وبجانبها "ليا".
تقدمتُ نحو أمي ببطء، وانحنيتُ لأطبع قبلةً دافئة على رأسها، ثم تجاوزتُ الطاولة وجلستُ مباشرةً على الكرسي الضخم الذي يقع في رأس المائدة.
اتسعت عيناها بقلقٍ خفيف، ونظرت إليّ بنبرةٍ تحمل عتاباً هادئاً وقالت:
- دانيال.. هذا كرسي أبيك، تعلم أنه لا يحب أن يقترب أحدٌ من مكانه.
اتكأتُ بظهري على مسند الكرسي الفخم ببرود، وأجبتُها وأنا أنظر إلى الأطباق:
- هو ليس هنا على أي حال.. أين ذهب بطلته البهية ونوحه المدلل؟
- سافر في عملٍ يخص تجارته ليومين وسيعود.
أجبتُها بنبرةٍ جافة مقتضبة وباردة:
- العمل كالعادة يا أمي.. قذر، ومربح، ويسير كما يريد أبي تماماً.
~ • ~
وفي تلك اللحظة، دخلت كبيرة الخدم "مارتين" تحمل أطباق الطعام الساخنة ووضعتها أمامنا بوقار على مائدة الطعام الكبيرة.
تناولتُ بضع لقماتٍ سريعة بنهم، وكانت أمي سارة تنظر إلى طريقتي الهمجية في الأكل، لكنها لم توبخني؛ بل ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة ممتلئة بالحب الصادق الذي تعوضني به دائماً عن جفاء هذا البيت.
تنحنحت "مارتين" بحدة، ونظرت إليّ بعتابٍ حازم قائلة:
- دانيال.. كل مثل الأمراء والنبلاء، أرجوك!
ابتلعتُ لقمتي ببرود، ونظرتُ إليها قائلاً وعيني تلمع بالتمرد:
- ذاك هو نوح يا مارتين.. وليس أنا.
نهضتُ عن الكرسي، مسحتُ يدي، وانحنيتُ أقبل رأس أمي، ثم التفتُّ نحو "ليا" التي كانت ما زالت تبتسم بخبث، فغمزتُها بخفة وقلتُ لها متظاهراً بالجدية:
- لقد خسرتِ الجولة يا صغيرة.. حتى لو لم تكوني أنتِ من اعترف، فقد كُشف أمري في النهاية.
ضحكتْ "ليا" ببراءة وأجبتني برضا:
- حسناً، ليس اليوم.. لكن عليك أن تعدني بتلك الجولة على أي حال!
قاطعتُها "مارتين" وهي ترفع الأطباق ونبرتها صارمة:
- الفتيات النبيلات لا يركبن الدراجات النارية يا آنسة ليا!
لكن أمي تدخلتْ بلطف لتكسر حدة كلامها وقالت مبتسمة:
- لا بأس يا مارتين.. ليا ما زالت صغيرة، دعيها تمرح.
~ • ~
تركتُهم وسط دفء غرفة الطعام الذي لا أنتمي إليه، وخرجتُ إلى الباحة الخارجية حيث كانت دراجتي "التريومف" تنتظرني تحت ضباب لندن البارد. شغلتُ محركها، وانطلقتُ بها بسرعة متجهاً نحو مركزي المظلم.. حانة "القمر الأحمر" في حي لايم هاوس.
قطعتُ المسافة الطويلة والدراجة تزمجر تحتي، تاركاً خلفي شوارع مايفير الهادئة والمنظمة بقصورها الشامخة، لأدخل تدريجياً إلى جحيم الشرق الأقصى للندن.
كلما اقتربتُ من أرصفة الموانئ في "لايم هاوس"، كان الضباب يزداد كثافة والروائح تتبدل؛ تلاشت رائحة العطور الأرستقراطية وحلت مكانها رائحة مياه نهر التايمز العفنة الممتزجة بدخان المصانع والرطوبة الخانقة.
الشوارع هنا كانت تحمل ندوب الحرب بوضوح؛ مبانٍ مهدمة جزئياً بفعل القصف الألماني، وأزقة ضيقة معتمة لا تجرؤ الشرطة على دخولها في مثل هذا الوقت.
خفضتُ السرعة وأنا أعبر المنعطف الأخير نحو شارع الأرصفة المهجورة، حيث تتصاعد أصوات الضحكات المكتومة ومشاجرات البحارة السكارى من بعيد.. وهناك، في زاوية معتمة تحت سقف متهالك، كانت لافتة "القمر الأحمر" النحاسية تتمايل ببطء معلنةً عودتي إلى عالمي الحقيقي؛ عالم القمار، والديون، والوجوه التي لا تعرف الرحمة.
~ • ~
أوقفتُ دراجتي "التريومف" في الأزقة الخلفية لحي لايم هاوس، ودفعتُ باب الحانة الثقيل ليدخل معي تيار من ضباب الموانئ البارد. كان المكان يغرق في سكون ما بعد العاصفة، ورائحة الخمر المسكوب والتبغ الرخيص تخنق الأنفاس.
لم ألتفت للعمال، بل صعدتُ مباشرة نحو المكتب العلوي بصفتي المدير الفعلي لهذا المكان. جلستُ خلف المكتب الخشبي الضخم، وضغطتُ على الجرس النحاسي الصغير.
لم تمر دقائق حتى دُفع الباب ودخلت فكتوريا مساعدتي الشخصية ومديرة الحانة وبيت الدعارة، المرأة الوحيدة التي أثق بها لإدارة هذا الوكر في غيابي والشخص الوحيد الذي أأتمنه على أسراري.
كانت ملامحها تحمل إرهاق ليلة البارحة، لكنها وقفت باحترام أمام نظراتي الباردة. رمقتُها بجمود وقلت بنبرة حاسمة:
- فكتوريا.. أحضري دفاتر الحانة فوراً، ودفاتر الديون الخاصة بأبي.
أومأت برأسها وغابت لثوانٍ قبل أن تعود حاملةً الدفاتر الجلدية الثقيلة وتضعها أمامي. فتحتُ دفتر الديون، وبدأت أصابعي تتحرك فوق الأسماء والأسعار بحذر، بينما كانت عيناي تشتعلان بالشك.
توقفتُ عند الصفحة الأولى، ورفعتُ نظري إليها قائلاً:
- هنا.. "توماس لوكاس"، لماذا لم يدفع كامل فائدته هذا الشهر؟ ما زال بذمته نصف المبلغ!
تنحنحت فكتوريا بتوتر وحاولت الشرح، لكنني قاطعتها مقلباً الصفحة بحدة نحو اسم آخر:
- وماذا عن "آرثر ميلر"؟ كيف استطاع الدفع وإغلاق دينه بالكامل منذ أسبوع؟ رأيته وهو مفلس ومطارد من عصابات المرفأ؟ من أين أتى بالمال؟
لم أنتظر إجابتها، بل أشرت بإصبعي بقسوة إلى اسم ثالث في أسفل الصفحة:
- وهذا.. "جيمس هيل"، اسمه لم يظهر في السجلات منذ أسابيع ولم يسدد سنتاً واحداً، أين هو؟
أغلقتُ الدفتر بقوة أحدثت صوتاً مدوياً في المكتب الساكن، ثم التفتُّ إليها ودفعتُ بقية الأوراق نحوها قائلاً بنبرة لا تقبل النقاش:
- اسمعي يا فكتوريا.. خذي أنتِ دفاتر الحانة والشقق العلوية واحسبي أرباحها بدقة، أما دفاتر الديون هذه.. فاتركيها لي، أنا من سيتعامل مع جشع أبي بطريقتي.
تراجعت فكتوريا خطوة، ونظرت إلى الدفتر الجلدي بين يديّ بقلق، ثم بلعت ريقها وقالت بنبرة هادئة غلفها تعاطف واضح لم تستطع إخفاءه:
- دانيال.. بالنسبة لـ جيمس هيل.. أرجوك، اترك أمره لي هذه المرة. الرجل يمر بظروف قاسية ومأساوية؛ لقد أنفق كل ما يملك على مشفى زوجته.
شعرتُ بدمي يغلي. نظرتُ إليها بعينين متسعتين ببرود حارق، واستقمتُ في جلستي مقاطعاً إياها بقسوة تليق بمدير هذا الوكر:
- تعاطفكِ هذا سيفلسنا يا فكتوريا! إن كان أبي مرابياً جشعاً، فأنا لستُ جمعية خيرية لتمسحي دموع المدينين. وفري رقتكِ لزبائن الحانة.. أما جيمس هيل، فأنا من سيذهب إليه ليرى كيف تُحصّل أموال عائلتنا!
~ • ~
لم أنتظر رداً ثانياً منها. سحبتُ معطفي الجلدي الثقيل، وتأكدتُ من وجود مسدسي في غمده خلف ظهري، ثم نزلتُ السلالم بخطوات سريعة متجاهلاً نظراتها القلقة.
انطلقتُ بدراجتي "التريومف" أشق ضباب لايم هاوس العفن بسرعة جنونية، والغضب ينهش صدري، حتى وصلتُ إلى زقاق روب ستريت خلف المرفأ؛ زقاق ضيق وموحش، تفوح منه رائحة الفقر والرطوبة الخانقة.
أوقفتُ الدراجة وتقدمتُ نحو بيت "جيمس هيل" المتهالك. لم أكلف نفسي عناء الطرق؛ بل رفعتُ قدمي وضربتُ الباب الخشبي المهترئ بكل قوتي لينخلع من مفصلاته محدثاً دويّاً صاخباً وسط السكون.
أول ما وقعت عليه عيناي داخل الغرفة المعتمة الباردة، كان جيمس هيل يجلس على الأرض وبجانبه ابنته الصغيرة ذات الثلاثة عشر عاماً. جفل برعب وهو يراني، وتراجعت الطفلة للخلف وهي ترتجف من مظهر الباب المحطم.
خطوتُ نحو الداخل ببرود، وعيني مثبتة عليه وقلت بنبرة جافة:
- جيمس.. الفوائد تتراكم فوق رأسك منذ أسابيع ولم تسدد سنتاً واحداً من ديون أبي. أين المال؟
زحف جيمس على ركبتيه نحوي، وامتدت يداه المرتعشتان لتمسك بطرف معطفي وهو يتوسل بنبرة مخنوقة بالدموع:
- أرجوك يا دانيال.. أرجوك ارحمني! لقد دفعتُ كل ما أملك في هذا العالم.. كل سنت ادخرته ذهب لدفع فاتورة مشفى زوجتي.. لكنها ماتت هناك وتركتني مفلساً لا أملك قوتاً لهذه الطفلة، أرجوك امنحني مهلة بضعة أسابيع أرجوك.
في تلك اللحظة، وبينما كان الرجل يتوسل ويبكي متمسكاً بطرف معطفي، تلاشت أصوات الغرفة الباردة فجأة من مسمعي، ولم أعد أسمع توسلاته. حلّ مكانها صدى صوت أبي الصارم والجاف، وهو يتردد في عقلي كأمر عسكري قديم:
"من يجرؤ على لمس أموالنا ولا يدفع يا دانيال، لا يستحق أن تلمسه الرحمة.. حطّم رؤوسهم لتظل لافتة عائلتنا قائمة".
نظرتُ إلى يديه المتشبثتين بي بقرف، ثم نفضتُ معطفي بقسوة ليتراجع إلى الوراء، ثم انحنيتُ نحوه قليلاً، ولم تتغير نبرتي الباردة وأنا أجيبه:
- فاتورة المشفى وزوجتك الميتة.. هذه ليست مشكلتي يا جيمس.
ودون أي تردد، سحبتُ مسدسي من خلف ظهري، وقبل أن يستوعب ما يحدث، ضربتُه بمقبض المسدس الحديدي الثقيل على رأسه بكل قسوة.
سقط أرضاً، وكررتُ الضربات الممتلئة بالغل والسم الأسود حتى تهشم رأسه تماماً، وتدفق دمه القاني ليلطخ أرضية الغرفة الباردة. مات في ثوانٍ وسط دمائه.
كانت الطفلة تصرخ بهستيريا، وتتوسل بكلمات غير مفهومة وهي تنظر إلى جثة والدها الممزقة. لم يهتز لي جفن؛ مسحتُ الدماء عن مقبض مسدسي ببرود، والتفتُّ لأغادر المكان تتبعني صرخاتها الممزقة.
~ • ~
لكن، وبمجرد أن خطوتُ عتبة الباب مديراً ظهري، انقطع صوت بكائها وصراخها فجأة. حل سكون غريب وقاتل في الغرفة.
توقفتُ في مكاني، وعقدت الشكوك حاجبيّ. التفتُّ ببطء لأنظر خلفي، وما رأيته جعل الدماء تتجمد في عروقي..
الطفلة لم تكن تبكي، بل كانت تقف منتصبة وتنظر إليّ مباشرة بنظرة مريبة.. عينان واسعتان وخاليتان من أي مشاعر إنسانية، وكأن طفولتها قد انمحت في تلك اللحظة.
والأسوأ من ذلك.. أنها ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، مرعبة ومختلة وهي تثبت عينيها في عيني.
لأول مرة في حياتي، شعرتُ برعب حقيقي يتسلل إلى أعماقي من طفلة.. تراجعتُ خطوة للخلف، ثم استدرتُ مسرعاً وركبتُ دراجتي وانطلقتُ بها، بينما صدى تلك الابتسامة المختلة يلاحقني.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!