2
عدتُ إلى حانة "القمر الأحمر"، وحرارة الأدرينالين ما زالت تتدفق في عروقي بجرعات صاخبة بعد ما حدث في زقاق روب ستريت.
دفعتُ الباب الثقيل ودخلتُ المكتب، لأجد "فكتوريا" واقفة هناك بانتظاري، ملامحها غارقة في وجوم القلق والترقب. بمجرد أن رأتني، تقدمتْ نحوي بخطوات لاهثة وسألتني بنبرة مرتجفة:
- دانيال.. ماذا فعلت؟ هل ذهبتَ إليه حقاً؟
لم أمنحها إجابة. تقدمتُ نحوها ببطء شديد، وبحركة مباغتة، قبضتُ على فكيها بقوة، ضاغطاً بأصابعي حتى سحبتُ وجهها نحوي وعيناي تلمعان بتحدٍّ حارق، ثم طبعتُ على شفتيها قبلةً عنيفة، جافة، وخالية من أي مشاعر، قبل أن أنفضها عني بقسوة جعلتها تترنح للخلف.
نظرتُ إلى ملامحها المصدومة ببرود، والتفتُّ متجهاً نحو السلالم الخشبية، وقبل أن أخطو الدرجة الأولى، التفتُّ برأسي وقذفتُ كلماتي بنبرة ساخرة تردد صداها في أرجاء المكان:
- هكذا تُدار الأمور هنا يا فكتوريا.
~ • ~
صعدتُ درجات السلم بخطوات ثقيلة، والغضب والرعب من نظرة تلك الطفلة يمتزجان بضجيج أفكاري. وقبل أن أدخل الممر العلوي للشقق، رأيتُ إحدى الفتيات اللواتي يعملن في المبنى تقف عند الزاوية تراقبني بنظرات حذرة.
رمقتُها بنظرة آمرة وقلت بجفاف:
- أنتِ.. أحضري زجاجة مشروب باردة وعلبة سجائر، واصعدي إلى غرفتي فوراً.
أومأت الفتاة برأسها ولحقت بي مطأطئة، بينما دخلتُ غرفتي وأنا أشعر برغبة عارمة في أن ينتشي جسدي بالخمر، لعلّي أطرد طيف تلك الابتسامة المرعبة التي انطبعت في عقلي، وأستعيد هدوئي البارد.
~ • ~
استيقظتُ في الصباح التالي، وكان جسدي ما زال مثقلاً بتأثير السُّكر، لكن عقلي استعاد بروده المعتاد. لم أضع وقتاً؛ ارتديتُ ثيابي ونزلتُ لأركب دراجتي "التريومف" متجهاً من جديد نحو قصر عائلتي في مايفير.
كانت ذكريات ليلة البارحة؛ تهشيم رأس جيمس هيل، وتلك الابتسامة المريبة من طفلته، تدور في رأسي بالتزامن مع زئير المحرك وسط الضباب اللندني الكثيف.
عندما اقتربتُ من القصر، خففتُ السرعة فجأة وانقبض صدري؛ لم تكن الأجواء كالمعتاد. لمحْتُ سيارة شرطة سوداء ضخمة تتحرك ببطء خارجةً من البوابة الأمامية. تتبعتُها بنظراتي حتى اختفت في المنعطف، ثم قدتُ الدراجة بهدوء نحو الممر الجانبي المعتم، ودخلتُ من باب المطبخ الخلفي كعادتي دائماً.
بمجرد أن دفعتُ الباب، وجدتُ كبيرة الخدم "مارتين" واقفة هناك، ملامحها الفرنسية الوقورة كانت باهتة تماماً، ويدها ترتجف وهي تمسك بقطعة قماش. خطوتُ نحو الداخل مرخياً جسدي المتعب، ورميتُ التحية بنبرة مقتضبة:
- صباح الخير يا مارتين.. ماذا يريد هؤلاء هنا؟
التفتتْ إليّ بذعر وهمست بنبرة متقطعة:
- دانيال! إنهم يسألون عنك.. جاءوا يبحثون عنك تحديداً! لقد أخبرناهم أنك غير موجود بالمنزل ولا نعرف أين قضيت ليلتك.
وقبل أن أستفسر أكثر، دُفع باب المطبخ الداخلي بقوة، ودخلت أمي "سارة". كانت عيناها متسعتين بفزع مفرط، والدموع تكاد تفر من جفنيها. تقدمتْ نحوي بخطوات متسارعة، وقبضت على ذراعي بقوة وهي تسألني بنبرة لاهثة ومذعورة:
- ماذا فعلت يا دانيال؟ في أي مصيبة ورطت نفسك هذه المرة؟ الشرطة كانت هنا وتسأل عن تحركاتك ليلة البارحة! كيف ستواجه أباك إذا علم بهذا الأمر؟
ساد صمت ثقيل في أرجاء المطبخ. نظرتُ إلى عينيها الباكيتين بجمود، ولم يهتز فيّ عرق واحد، ثم أجبتها بنبرة مطمئنة:
- لا تخافي يا أمي.. أبي يقوم برشوتهم دائماً، إنهم يعملون لدينا تقريباً.
سحبتُ ذراعي من يدها بلطف، وتجاوزتُ الطاولة نحو الثلاجة ببرود لا مبالٍ، ثم التفتُّ إليهما قائلاً:
- أنا جائع.. هل هناك ما يؤكل؟
ومارتين.. أخبريني، متى سيعود زوجكِ غابرييل وأبي ونوحه المدلل من سفرهم؟
~ • ~
لم أنتظر إجابة أخرى. تناولتُ بضع لقمات سريعة وقفت بها في المطبخ، ثم خرجتُ إلى الباحة، وشغلتُ محرك دراجتي. انطلقتُ بها بسرعة أشق بها شوارع لندن الباردة، متجهاً من جديد نحو مركزي المظلم في حي لايم هاوس.
عندما دفعتُ باب حانة "القمر الأحمر" ودخلت، كان المكان يغرق في ذات السكون الباهت الذي يسبق الصخب. العمال يتحركون كالأشباح ينظفون ما خلفته الطاولات، بينما كانت فكتوريا تجلس عند طرف البار، ملامحها هادئة ومترقبة.
تقدمتُ نحوها بخطوات وئيدة. لم يكن في وجهي أي أثر لقسوة ليلة البارحة. مددتُ يدي نحو جيبي، وأخرجتُ علبة السجائر، ثم سحبتُ منها واحدة وقدمتُها إليها. نظرتْ إلى السيجارة بتردد قبل أن تأخذها، فأشعلتُها لها ثم أشعلتُ سجارتي، ونفثتُ الدخان ببطء قبل أن أقول بنبرة منخفضة:
- فكتوريا.. ليلة البارحة كانت مشاعري متخبطة وضجيج الأفكار يملأ رأسي.. لقد أرعبتني ابنة جيمس هيل.
اتسعت عيناها بقلق مفاجئ، والتفتتْ إليّ بكامل جسدها قائلة بنبرة لاهثة:
- ماذا فعلتَ لها يا دانيال؟ أرجوك أخبرني!
أخذتُ رشفة عميقة من سيجارتي وأجبتها بجمود:
- لا شيء.. لم أفعل لها أي شيء.
تنفست الصعداء قليلاً، لكن ملامحها سرعان ما عادت للجدية، واقتربت مني لتهمس بنبرة حذرة وعينها تراقب العمال:
- رئيس الشرطة جاء إلى هنا قبل قليل.. كان يبحث عنك، وعندما علم بغيابك ترك لك ظرفاً مغلقاً.. لقد وضعته فوق مكتبك في الأعلى.
~ • ~
تركتُ فكتوريا عند البار وصعدتُ السلالم الخشبية الضيقة نحو مكتبي في الشقق العلوية. أغلقْتُ الباب خلفي، وتوجهتُ مباشرة نحو المكتب الخشبي حيث كان يربض ذلك الظرف الأبيض المغلق بعناية.
سحبتُه ببرود، وشققتُ غلافه الورقي لأخرج الرسالة المكتوبة بخط يد رئيس الشرطة الجاف والمألوف لديّ. بسطتُ الورقة وبدأتُ أقرأ سطورها التي تفوح منها رائحة الخبث والنذالة:
"دانيال..
لقد تعاملنا مع صبيانياتك وطيشك في المرات السابقة وتسترنا عليك، لكن الأمر هذه المرة مختلف تماماً يا بني.
هناك شهود عيان رأوا دراجتك النارية 'التريومف' تدخل زقاق 'روب ستريت'، ورأوا ملامحك بوضوح وأنت تغادر بيت جيمس هيل الملطخ بالدماء. أنت تعلم جيداً طبيعة حي لايم هاوس؛ المكان يغص بالمتعصبين من أبناء الحي الذين يكنّون كراهية عميقة وجاهزة للاشتعال ضد عائلتك اليهودية النازحة من فرنسا.
لو انتشر خبر أن شاباً يهودياً هشم رأس رجل مسيحي فقير من أبناء الحي، فلن ترحمكم الشرطة، ولن تحمي قصركم في مايفير نيران الغضب التي ستلتهم كل شيء.
أنا مستعد لدفن هذه القضية، وإخفاء تقرير الوفاة، وإسكات الأفواه في المرفأ.. لكن هذا سيكلفني الكثير.
أريد مائتي جنيه إسترليني تُسلم لي نقداً وقبل غروب الشمس.. وإلا، فإن تقرير القتل سيوضع مباشرة فوق مكتب والدك جايكوب، أو الأسوأ.. فوق مكتب عمك أبراهام في بلغرافيا.
تصرف بحكمة"
جُنّ جنوني فور انتهائي من قراءة الرسالة. شعرتُ بغليان السّم الأسود في عروقي، وضاق صدري بنيران الغيظ حتى بدأتُ أصرخ بغضب عارم حطّم سكون الغرفة، مبعثراً الأوراق فوق المكتب الخشبي بعشوائية.
دُفع الباب فجأة ودخلت فكتوريا بذعر، وقد شحب وجهها وهي تستمع إلى صرخاتي المتتالية. تقدمتْ نحوي بخطوات لاهثة وقالت بنبرة مرتجفة:
- دانيال! ماذا حدث؟ ما الذي كُتب في ذلك الظرف اللعين؟
التفتُّ إليها وعيناي تشتعلان بالغل، ثم لوّحتُ بالورقة في وجهها قائلاً بصوت هادر:
- هذا المفتش اللعين.. هذا الجشع المرتشي يريد ثروة! يريد أن يمتص دماءنا مستغلاً ما حدث ليلة البارحة!
اقتربتْ خطوة وسألتْ بصوت منخفض ومترقب:
- كم.. كم هو المبلغ الذي يطلبه؟
- مائتا جنيه إسترليني!
أجبتُها وأنا أهوي بقبضتي فوق سطح المكتب. اتسعت عيناها بذهول، وتراجعت خطوة وهي تمسك برأسها من صدمة الرقم، ثم نظرتْ إليّ وقالت بحيرة وقلق:
- مائتا جنيه؟ هذا مبلغ خيالي! ماذا ستفعل الآن يا دانيال؟
نظرتُ إليها بملامح جامدة وعقلي يتبنى فكرة مجنونة:
- هل قمتِ بدفع أجور الفتيات وعمال الحانة للشهر الحالي؟
- لا، ليس بعد..
أجبت بتردد، فتابعتُ على الفور:
- إذن لا تدفعي شيئاً! سأجمد الأجور بالكامل.. نحن بحاجة إلى كل شلن في هذا الوقت العصيب!
انمحت ملامح الخوف من وجه فكتوريا وحلت مكانها صدمة عارمة تحولت سريعاً إلى غضب عاصف. رفعت صوتها رافضة بنبرة لا تقبل الجدال:
- لا يا دانيال! لن أفعل هذا ولن أسمح به أبداً! لن نلمس أجور العمال!
استشاط غضبي من تحديها السافر لسلطتي، وتقدمتُ نحوها بخطوات سريعة ومهددة لأفرض سيطرتي، لكنها لم تتراجع هذه المرة؛ بل مدت يديها ودَفَعتْ صدري بقوة غير متوقعة، ونظرت في عينيّ بصلابة وقهر وهي تصرخ في وجهي:
- إذا لم ندفع لهم فلن يجدوا ما يأكلونه! ألا ترى الوضع المعيشي؟ ألا ترى الفقر المدقع الذي ينهش شرق لندن بسبب الحرب? حتى الرواتب الزهيدة التي تدفعها لهم لا تكفيهم! هؤلاء المساكين يختارون يومياً بين شراء كسرة طعام لسد جوع أطفالهم، أو شراء بضعة كتل من الفحم لتدفئة بيوتهم الباردة! أصلاً.. كل أجور العمال والفتيات في هذا المبنى لا تصل إلى عشرين جنيهاً، فكيف تفكر في سرقة قوتهم؟!
ساد صمت قاتل في أرجاء الغرفة. تراجعتْ أصوات الغضب في عقلي وحلّ مكانها جمود حارق. نظرتُ إليها لثوانٍ طويلة دون أن ينطق لساني بحرف، بينما كان كبرياؤي يرفض الخضوع لابتزاز المفتش أو إظهار العجز أمامها.
أنزلتُ يدي، وسحبتُ معطفي الجلدي ببرود أشد من ضباب المرفأ، وقلت بجفاف:
- لن أدفع قرشاً واحداً لهذا الغبي من أموال الحانة.. سأعود إلى البيت.
التفتُّ عنها ودخلتُ الممر، متجهاً بخطوات ثقيلة نحو دراجتي "التريومف"، تاركاً فكتوريا وسط ذهولها، بينما كان عقلي يغلي بخطة جديدة لمواجهة المفتش "ويليام هارت" بعيداً عن أرزاق أولئك الفقراء.
~ • ~
قدتُ دراجتي عائدًا إلى قصر مايفير، والغضب يغلي في صدري كمرجلٍ أسود. دفعتُ الباب الخلفي ودخلتُ القصر بخطوات ثقيلة وعنيفة، وعيني مثبتة على الأرض، مصمماً على الصعود إلى غرفتي لأفرغ هذا الشحن السام بمفردي.
ولكن، وقبل أن أطأ الدرجة الأولى من السلم، تناهى إلى مسامعي صوت أمي "سارة" الحنون وهي تنادي باسمي من غرفة الجلوس الصغيرة:
- دانيال.. تعال إلى هنا يا بني.
زفرتُ بضيق، وغيرتُ مساري نحوها برأس ممتلئ بالضجيج. وجدتها تجلس بجانب مائدة العشاء الدافئة الفاخرة. نظرتْ إليّ بابتسامة هادئة وقالت وهي تشير إلى المقعد المقابل لها:
- اجلس يا دانيال.. لم نجلس معاً على مائدة العشاء منذ أشهر طويلة.
جلستُ على الكرسي بجسد متصلب، ولم أنطق بحرف. كنتُ صافناً في الفراغ، وعقلي مغيب تماماً، يتأرجح بين جثة جيمس هيل في زقاق روب ستريت ومكتب لايم هاوس.
مددتُ يدي نحو الأطباق الممتدة رخاءٍ مفرط، وبدأتُ آكل بطريقة عشوائية وغريبة، كجسد هامد يتحرك مجرداً من الروح والحياة. راقبتني أمي لثوانٍ بعينين يملأهما الشجن، ثم انحنيتُ قليلاً نحو الطاولة وقالت بنبرة خفيضة:
- دانيال.. هل حدثت معك مشكلة حقيقية مع الشرطة؟ أخبرني يا حبيبي.
رفعتُ نظري إليها ببطء، وفي تلك اللحظة بالذات، ولمعت في عقلي فكرة خاطفة؛ نظرتُ إلى ملامحها الطيبة وكأنني وجدْتُ أخيراً المخرج الذي سأجلب منه المال، دون الحاجة لسرقة أبي أو إخباره بأنني دخلتُ في صدام مع متعصبي الحي. قلتُ لها ببرود قاطع وبدون أي مقدمات:
- مائتا جنيه إسترليني.
اتسعت ابتسامة أمي برقة، وتقدمت بحنان أمومي دافئ لتلمس خدي بكفها الناعم قائلة بنبرة مليئة بالحب:
- هذا هو المبلغ الذي يشغل بال طفلي إذن؟
نفضتُ وجهي عن يدها بلطف وجفاف، وأجبتُها بنبرة حادة:
- لا تقولي طفلي يا أمي.. عمري سبعة عشر عاماً، وأنا رجل بالغ!
ضحكتْ بخفة وهزت رأسها قائلة بعاطفة امرأة لا تهزمها السنون:
- ستظل طفلاً في عيني حتى وإن رأيتُ أولادك يا دانيال.
التفتتْ أمي فوراً ونادت بصوت مرتفع:
- مارتين! احضري الصندوق الخشبي الموجود في خزانتي بالأعلى.
لم تمر دقائق حتى عادت كبيرة الخدم مارتين حاملة الصندوق الخشبي العتيق ووضعته أمام أمي. فتحتْه سارة بوقار، ومدت يدها لترفع رزمة من الأوراق النقدية الثقيلة؛ عدّت منها ثلاثمائة جنيه إسترليني، ثم دفعتها نحو يدي قائلة برضا:
- خذها يا بني.. واقضِ بها حاجتك.
نظرتُ إلى المال في يدي، وحاولتُ الحفاظ على كبرياؤي البارد أمام كرمها الفائض الذي يشعرني دائماً بالصغر، فقلتُ بنبرة جافة:
- لا تشعري بالفخر يا أمي.. أنا من يجوب شوارع لايم هاوس القذرة يومياً لإحضار الديون التي تبقيكِ في هذا الترف.
لم يحزنها كلامي الجاف؛ بل ابتسمتْ بحنان أكبر وقالت:
- كما تحب يا دانيال.. كما تحب.
استقمتُ واقتربتُ منها، ولأول مرة تحركت في داخلي عاطفة حقيقية دفينة؛ انحنيتُ وعانقتُها بقوة وطبعتُ قبلة دافئة على رأسها.
وفي تلك اللحظة، ركضت أختي الصغيرة "ليا" نحوي ممسكة بثيابي وهي تقفز قائلة بشقاوة:
- دانيال! لا تنسَ وعدك لي.. الجولة الصاخبة على الدراجة النارية!
التفتُّ إليها، وارتسمت على شفتي ابتسامة حقيقية وأنا أداعب شعرها:
- غداً يا صغيرة.. أعدكِ أن نذهب غداً.
تركتُهما وصعدتُ إلى غرفتي بخطوات خفيفة هذه المرة. وضعتُ المال فوق الطاولة، وتنفستُ الصعداء وأنا أحدث نفسي بجرعة من الراحة: (غداً سأوصل المائتي جنيه إلى المفتش ويليام هارت وينتهي هذا الكابوس اللعين).
استلقيتُ على سريري الوفير، ولأول مرة منذ سنوات، أغلقتُ عيني واستسلمتُ لنوم عميق وهادئ لم تخلله طيوف لايم هاوس أو ابتسامة تلك الطفلة المرعبة.
~ • ~
استيقظتُ في الصباح التالي متأخراً، والشمس قد توسطت كبد السماء. لم يشغل بالي أمر فوات المهلة التي حددها رئيس الشرطة؛ فقد انتهت مهلته ليلة البارحة في ذات الوقت الذي كنتُ فيه مسترخياً أتناول العشاء مع أمي، ولم أهتم مطلقاً بتهديداته الجوفاء ظناً مني أن المال سيمحو كل شيء متى شئت.
ارتديتُ ثيابي على عجل، وحملتُ رزمة المال في جيبي، ثم نزلتُ السلالم قاصداً الخروج وإيصال المبلغ لإنهاء الأمر.
لكن، وقبل أن أصل إلى الباب، تيبستْ قدماي في مكاني؛ كان المفتش "ويليام هارت" يخرج في تلك اللحظة بالذات من باب مكتب أبي الخاص في نهاية الممر!
انقبض صدري بصدمة مفاجئة شلت حركتي.. (أبي؟! كيف عاد من سفره بهذه السرعة؟!)
توقفتُ وتلاقت أعيننا في الممر، فارتسمت على شفتي المفتش ابتسامة خبيثة ومتعجرفة حملت كل معاني النصر والشماتة؛ لقد نفذ تهديده فور انتهاء الوقت وتجاوزني خارجاً من القصر دون أن ينطق بحرف واحد.
وقفتُ في صمتٍ مريب والدم يتجمد في عروقي، حتى اخترق سكون المكان صوتٌ هادر كضربة برقٍ عنيفة هزت جدران القصر، صوت أبي الذي عاد باكراً وهو يصرخ بغضب أعمى زلزل أركان نفسي:
- دانيال! ادخل إلى هنا فوراً!
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!