أولي ثانوي
أولي ثانوي
جزء 3 من 3
وضع القراءة:

منة

بعد أن مضى وقت قضته ندى وهي تفكر بالجلوس على الأرض من تعب رجلها، وزهراء تقوم بتصبيرها وإقناعها أن الفرج قريب، جاء الباص أخيراً وأوقفَتْه هنا بالإشارة إليه ليرکن جانبا، ويودّعوا زهراء ليركبوا هم بعد ساعة إلا ربع من الانتظار.
كان الباص الذي ركبوه هو باص الطلبة، الذي بالطبع فيه جميع فئات المجتمع ما عدا الطلبة.
لم تكتمل فرحتهم فلم يجدوا كرسياً شاغراً، فاضطروا للوقوف بعد أن كادت هَنا تقع أربع مرات بسبب مناورات سائق الباص مع ميكروباص متهور، بينما هي تحارب لإخراج الفكة من حقيبتها.
قام أحدهم من كرسي وقال لهنا وهو يشير لها للكرسي في موقف يراه هو نبيلاً:
"اتفضلي يا طنط."
نظرت هنا له لثانية بينما ندى تحاول ألا تضحك حتى لا تكون نهايتها على يد هنا، بينما منة مركزة على الرجل الذي دخل إلى الباص مع قفص كتاكيت وقفص آخر به بط صغير.
جلست هنا فوقفت ندى ومنة جانبها لتهمس هنا:
"طنط مش طنط مش فارق، المهم إني قعدت، في واحد قبل كده قالي يا حجة، مجتش على دي."
"هقولك طنط من النهاردة."
أدركت ندى متأخرة أن سخريتها ستنقلب عليها، فقد قرصتها هنا على يدها محذرةً:
"وربنا يا ندى لو سمعتك قلتيها تاني هـ..."
"خلاص، خلاص، آسفة وربنا."
همست لها لتتوقف عن قرصها وتنظر إلى يدها التي احمرت أثر عقاب هنا.
التفتت هنا إلى منة لتسألها:
"منة، أنتِ كويسة؟"
أشارت لها رافعة إبهامها بمعني نعم، لتعيد النظر إلى هاتفها مجدداً.
بعد دقائق نزل بعض الركاب الآخرين فجلسوا معاً في الكنبة الخلفية للحافلة.
فتحت هنا الكلام موجهةً إياه لندى:
"ندي، أنا عارفة إنك متقصديش حاجة وأنك مش قاصدة تتريقي على زهراء، وأن زهراء مرتبطة بيكي جداً واخذاكي قدوة، بس... مكنش ينفع تقاطعيها لما المِيس سألتها، كان لازم تخليها هي اللي تتكلم، علشان حتى لو هي بتحبك أكيد هتحس بكسرة نفس لما تحس أنها بتأخر في الكلام، أنتِ مش هتكوني فرحانة لما تشوفي حد بيتكلم بدالك، مش كده؟"
صمتت ندى لثانية تستوعب كلامها، وابتسامتها بهتت قليلاً لتقول بتردد:
"بس أنا مكنش قصدي أني..."
"عارفة إن مش قصدك، بس زهراء محتاجة يتسبلها مساحتها للكلام مش حد يتكلم بدالها."
ربتت على كتف ندى وهي تقول:
"أنا مش قصدي أتهمك، أنتِ شخص عفوي في كلامك وبتتكلمي قبل ما تفكري، بس عايزكي مع زهراء بالذات، حتى لو عارفة هي عايزة تقول إيه متتكلميش بدالها، لأنها بجد بتحبك أكثر مننا كلنا وبتعتمد عليكي، بس متخليش دا يأثر في تحسنها، تمام؟"
أومأت ندى وهي تدير كلماتها في عقلها، لتقاطعهم منة قائلةً:
"ندى، أنتِ هتنزلي هنا."
انتبهت ندى لترتدي حقيبتها وترسم الابتسامة مجدداً على وجهها وهي تودعهن، لتحذرها هنا من النزول بسرعة قبل أن يقف الباص تماماً حتى لا تقع على وجهها مثل المرة الفائتة.
"هو أنا كنت شديدة شوية؟ حاساها زعلت مني."
وجهت سؤالها لمنة التي ردت عليها ببساطة:
"أبداً، كانت طريقته كويسة، هي تلاقيها متضايقة من نفسها مش أكثر."
"أنتِ كده مش بتدعميني على فكرة، وخليتني أحس بتأنيب ضمير."
"ندى كانت هتزعل أكثر لو حست أن زهراء متضايقة منها، أنتِ عملتِ الصح."
تنهدت بتعب لتقول بعدها وهي ترى منة تجهز حقيبتها للنزول:
"هي اسمها إيه عاملة إيه دلوقتي؟"
" اسمها(مش اسمها إيه)، عموماً هي كويسة."
"مقصدش والله، أنا بس مش بفتكر الأسامي كويس، سلميلي عليها."
أومأت لها بنعم لتودعها هي الأخرى وتنزل من الباص وتكمل طريقها إلى بيتها.
(منة)
سرت إلى بيتي بخطى متزنة بعد أن قررت السير في الطريق الطويل لكونه بعيداً عن المحلات ذات الصوت المزعج.
وصلت إلى العمارة الصغيرة التي أسكن في الطابق الرابع منها وأنا أشتكي كل مرة من طلوع السلم، مع أنني من المفترض في سن الزهرة... أعتقد أن زهرتي أكلتها ماعز أو نسي المزارع أن يزرعها أساساً.
وصلت إلى باب بيتي وأنا أخرج المفتاح وأدخل بهدوء.
دخلت غرفتي ووضعت حقيبتي بعيداً، وقمت بتغيير ملابسي وترتيب شعري على شكل ذيل حصان لأعيد ارتداء السماعات مجدداً.
"منة، أنتِ رجعتي؟"
"أيوه يا ماما."
رددت على أمي التي دخلت الغرفة بعد أن استأذنتني للدخول لتكمل:
"إتأخرتِ كده ليه النهارده؟"
"صحابي كان عندهم درس، مش حابة أرجع لوحدي."
"تمام يا حبيبتي، المهم لو حسيتِ أنك تعبانة اتصلي بيا أجي أوصلك بدال ما تستني كل دا."
"حاضر."
فتحت هاتفي مجدداً وأنا أرى الواجبات التي من المفترض أن أقوم بحلها، واتصلت بهاجر مجدداً حتى نحلھا معاً.
"آه، كنت عايزة أقولك، خالتك وبناتها جايين النهارده يقعدوا معانا شوية."
وقفت لثانية بدون حراك لأفكر ماذا أستطيع أن أفعل، فرجعت لوضع الكتب في الحقيبة مجدداً وقمت بارتداء الإسدال وفوقه السماعات وأقول لأمي:
"أنا طالعة إذاكر عند تيته، لما يمشوا اتصلي بيا."
"منة... هم نفسهم يشوفوكي، هأكد عليهم ميعلوش صوتهم و..."
قاطعتها بسرعة حتى لا تفتح الأمر مجدداً:
"ماما، هم جايين يشوفوكي أنتِ مش أنا، هم شايلين مني من المرة اللي فاتت، وأنا أصلاً مصدعة بسبب المدرسة، فلو سمحتِ سبيني أطلع عند تيته."
نظرت إليّ بتلك النظرة المعتادة، مزيج من اللوم والشفقة، لتحاول قول شيء لكنني أردفت:
"ماما، أنا حاولت أتأقلم بس أنا تعبانة، النهارده كانت حصة المدرس اللي كل مرة يجبرني أخلع السماعة أو أطلع برة الفصل، والمرة دي زعق فيا ومهما المشرفة حاولت تفهمه مش بيفرهم... أنا تعبت، ما تقدريش على الأقل تفتحي الموضوع بتاع السماعة الطبية مع بابا؟ مش هتكون ظاهرة تحت الحاجات ومحدش هيضايقني و..."
قامت باحتضاني فجأة لأفهم أنها لن تستطيع مساعدتي في مطلبي، لتفول بصوت خفيض فيه ما يكفي ليجعلني أحزن على حالنا:
"آسفة يا منة، أنا عمري ما كنت حابة أحسسك بنقص مادياتنا، بس أبوكي وأنا مش عارفين نجمع سعر السماعة حالياً، آسفة لأن مش عارفة أخليكي مرتاحة وتخلصي من كلام المدرسين ولا عارفة تعيشي حياتك، آسفة."
لم أتكلم، أومأت لها فقط وقمت بأخذ حقيبتي لأقول قبل أن أخرج:
"أنتِ وبابا مش السبب، ملوش لزوم تعتذري على حاجة."
خرجت من البيت وأنا أعدل السماعة مجدداً وأحكم إغلاقها على أذني في محاولة لتقليل الأصوات من حولي قدر المستطاع.
صعدت السلالم للطابق الذي فوقنا ودققت الجرس لأجد جدتي تفتح الباب في ثانية كأنها كانت تنتظرني، قلت بصوتها الحنون:
"إتأخرتِ يا منة، كده تسيبي تيته لوحدها متسأليش عني بقالك يومين؟"
راضيتها بالكلمات بينما هي تفتح الباب على مصرعيه لأدخل:
"حقك عليا يا تيته، مذاكرة وكده."
"خلاص مادام مذاكرة فمفيش مشكلة، عايزكي تطلعي من الأوائل زي كل سنة."
"إن شاء الله يا تيته."
دخلت ووضعت حقيبتي على الأرض لأجلس جانبها على السجادة في مكاني المعتاد، لتجلس جدتي على كرسيها وتغلق صوت التلفاز بينما تتركه مفتوحاً على قناة تعرض المسجد النبوي، الذي أظن أنها لم تغير القناة منذ أن اشترت التلفاز إلا لمشاهدة قناة الطبخ التي لم تعد شيئاً واحداً مما رأته يطبخ عليها.
عاودت الاتصال بهاجر التي ردت عليَّ أخيراً لنقوم بحل واجباتنا وأشرح لها الدروس التي تضيع عليها.
"هي دي هاجر؟ سلميلي عليها يا منة."
فعلت ما قالت جدتي وأخبرت هاجر بسلامها، لترد السلام على جدتي في الشات بيننا، بدأت أُحس أنني حمام زاجر يوصل الرسائل، لكن حسناً لا حل آخر فهي لا تحب الكلام مع أحد... أرجو أن تتشجع وتكلم الأشخاص الآخرين مثلما تفعل معي.
"نفسي هاجر تيجي زي ما كانت بتعمل زمان، كانت بنت زي العسل وطيبة."
"وهي بتحبك يا تيته، بس عارفة الظروف."
"عارفة يا بنتي، عارفة... ربنا معاها وإن شاء الله تبقا أحسن علشان هي إنسانة كويسة، إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، وهي إن شاء الله بتأجر على تعبها."
كانت جدتي من النوع الذي يريح كلامها أي شخص أياً كانت مشاكله.
يتبع...
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.