وضع القراءة:

اليوم الثاني : اللاوعي

سبحان الله وبحمده

فتحت الباب بتردد... أصابعي ترتعش على المقبض المعدني البارد. كان العالم خلف ذلك الباب قد تحول إلى جحيم خلال دقائق. أخرجت رأسي بحذر، الهواء الثقيل بالرصاص والدماء دخل أنفي، ذهب رجال الشرطة خلف العصابة.
وهناك... في منتصف المتجر المهجور، مرمي مورينو كشبح متألم. شعره الأسود الفاحم الذي كنت أعرفه قد تحول إلى لهيب أحمر قاني، كأن النار التهمت كل ما كان طيبًا فيه. ضوء القمر الشاحب جعل الدم على جسده يلمع كحلي مزيف، اقتربت اتفقده
"يبدو وجهكِ قبيحًا عن قرب..." سمعت همسً، شهقت ورجعت للخلف خطوتين، ظهري اصطدم بالحائط الخشن
"أنت... لا زلت حيًا؟"
صوتي تحطم في حنجرتي كزجاج مكسور، ضحكته الممزوجة بالسعال خرجت صدئة
"يبدو أنكِ تمنيت موتي حقًا"
"كيف أُساعدك؟ أين يؤلمك؟"
أشار إلى كتفه بثقل، كأنما يرفع جبلًا. اقتربتُ، فشعرتُ بحرارة جسده كفرنٍ محترق
"الحقيبة... أين هي؟"
هسهس بصوتٍ أشبه بزئير أسير.
"هناك..." أشرتُ إلى الزاوية، حيث بدا الكيس كجثةٍ مظلمة
"إنها ثقيلة كأحلامي الميتة"
داخل المتجر، أنين الرجل العجوز اخترق ضباب ذهني. هرعت إليه، جسيت على الأرض الملطخة بالزجاج المكسور الذي اخترق بنطالي الجينز. يداه الباردتان تشبثتا بمعطفي الأبيض الذي تحول إلى لوحة من الدماء.
"سيدي... سأساعدك، أصبر قليلاً" حاولت إخفاء رعشتي بينما أخرج هاتفي.
لكن مورينو انتزعه من يدي، أصابعه الدموية تترك آثارًا على الشاشة "أجننتِ؟ سيخبر الشرطة عنا"
حاربتُه، أظافري حفرت في ساعده الجريح
"إنه يموت! انظر إليه"
صرختُ في وجهه، ركعت بجانب العجوز نظر إليّ بعينين غائبتين، شفتاه تتحركان بكلمات لم أسمعها. دماؤه الدافئة تسللت بين أصابعي المحتشدة حول جرحه
"لا... أرجوك لا تموت"
بكيتُ بلا صوت، مورينو أمسك معصمي بقوة
"حمقاء ماذا ستخبرينهم؟ أنكِ تساعدين مجرمًا بينما دمه يلوّث يديكِ؟"
"سأخبرهم الحقيقة، ليس لدي ما أخاف منه " صرختُ، لكن صوتي تحطم على جدران الخوف.
ضحك كمن يسمع نكتةً مظلمة
"أنتِ الآن في قائمتي السوداء... مثل طماطمكِ الفاسدة"
"ساساعد هذا الرجل المسكين شئت ام أبيت ما دخلك انت ابتعد ماذا تفعل ابتعد"
مورينو أمسك خصري بقوة وحملني بعيدًا. آخر ما رأيته كان يد الرجل المسنة الممتدة نحوّي، كغصن مكسور يتوسل للنجاة.
"فقط دعني اساعد الرجل ربما يمتلك عائلة تحتاجه"
استطعت التقاط الهاتف والاتصال بالإسعاف
"مرحبا الطواريء بماذا نساعدك؟"
استعدت انفاسي بسرعة متحدثتً قبل ان يتدخل مورينو
" مرحبا سيدتي نحن في الشارع هناك رجلا يموت سيدتي"
لم استطيع اكمال حديثي قام بسحب الهاتف صرخت بآخر كلماتي لعلها تسمعني اغلق الهاتف ورماه داخل حقيبته. بالنهاية انهرت في الأرضية المتسخة في الزقاق بعيد عن المتجر اتحدث بقهر
"ربما يموت خاطر لحمايتنا ربما يمتلك عائلة تحتاجه وقد كنا السبب في حرمانهم"
انهالت دموعي على حال الرجل شعرت بالذنب والندم يتغلل داخلي تحدث وهو يعافر انفاسه منهكً ساند نفسه على الجدار
"لم يساعدنا لحسن نيته بل لأنني اعطيته المال"
صرخت في وجهه عديم الضمير الاناني
" مع ذلك كان يمكننه ان يخوننا ولن يخسر حياته ثم كيف علمو بخدعته أولئك الحثالة"
زفر انفاسه بصعوبة اغمض عيناه يتحدث بألم
"من المال انهم يعرفون شكل مالهم جيدًا"
حدقت به بصدمة
"هل سرقت أولئك الرجال ؟"
نفي بيده بسرعة
" لا هذا مالي اخذت ما استحق فقط ثم ما دخلك انتِ"
ضحكت بسخرية "صحيح بالتأكيد ما دخلي بعدما جررتني لهنا "
توقفتُ فجأة عن الضحك، ذاكرتي تعيد شريط اللحظة التي أعطى فيها الرجل العجوز حزمة المال
"انتظر... لقد استخدمته كطُعم"
واجهته مباشرةً مورينو حاول تحويل وجهه لكني أمسكت ذقنه بالقوة
"أنت علمت أنهم سيتعرفون على أموالهم أعطيته المال المسروق عمداً"
"كان سيشي بنا" هز كتفي
"بل جعلته هدفاً بدلاً عنك" صرختُ وأنا أهزّه، "أخذت ما تستحق؟ كذبت أنت لص ومنحط"
سخرية مورينو تحولت إلى غضب أسود، عيناه تضيئان في الظلام
"وهل تعرفين ما فعلوا بآخر لص قبضوا عليه؟"
مد يده لجيبه الداخلي
"لن يموت العجوز فقط... بل سيموت بصمت"
ابتعدت بغضب ناوية الخروج من هذا الجحيم
" هل يمكنكِ مساعدتي انا اموت هنا كذلك"
" لا ساعد نفسك ما دخلي انا بذلك" ابتسمت بحقد احمل كيس الطماطم
" ستندمين على ذلك "
لم التفت له واصلت طريقي
بعد ساعتين من التيه في الزقاق المظلم وشراء الثياب...
وجدته متكئًا على حائط مهترئ، أنفاسه الثقيلة تملأ المكان. قميصه الممزق كشف عن جروح غائرة كأنها أبواب مفتوحة على الجحيم.
""عدتِ... لماذا؟" سأل بينما الدم يتساقط من ذراعه المثقوبة على الأرض الترابية.
أخرجت عبوة المطهر من الحقيبة، صوت السائل بداخلها كالجرس البعيد "لأن أحدنا يجب أن يكون إنسانًا"
ضحك ساخرًا وهو يمد يده المرتعشة "تأخرتِ كثيرًا على هذه المهمة"
اشرت له ان يحني رأسه صبتت له الماء ليغسل الشعر الناري الذي عاود لخموده رميت المنشفه في وجهه. راحت يدي تلمس ذراعه المثقوبة، الجلد المحروق حول الجرح كان يشبه فوهة بركان صغيرة. فجأة انفجر ضحكي دون سيطرة، دموعي من الألم النفسي اختلطت بدموع السخرية
"انظر!"
أمسكتُ ذراعه المرفوعة "أصبح لديكِ الآن ثقب "
نظر إليّ بذهول بينما الدم يتقطر على بنطاله "هل أصبتِ بالجنون؟ أنا أنزف هنا"
"لا بل هذا مثالي"
ضحكتُ وأنا ألوّح بيديه في الهواء
"الآن يمكنك تعليق مفاتيحك كإكسسوار أو ربما..." توقفتُ لأضيف بنبرة متحمسة." سلسلة لعبة أنيقة"
لحظة صمت. ثم... زاوية شفتيه ارتفعت رغم أنفه
"هل تقترحين أن أضع به أقراطاً؟"
قال وهو يرفع حاجبه ببطء
"أم أنكِ وجدتِ أخيراً مكاناً لعلّاقة المفاتيح"
انفجرنا معاً في ضحك مجنون، دموعه تختلط بالدم على ذراعه. لكن فجأة توقف، وجهه يعود جاداً بينما يضغط على جرحه
"عندما تصل الشرطة... سيكون هذا أقل ثقوبنا إحراجاً"
ضحكتنا تحولت إلى صمت ثقيل، كأنما تذكرنا أن الجروح الحقيقية ليست تلك التي نراها. امسكت يده لسكب المطهر
"مهلًا مهلًا ذلك سيؤلم وكثيرا هل يمكنني ان اعض شيء او امسك شيئا"
"لا يوجد شيء يمكنك عضه غير رزم المال التي تحملها وبعض الطماطم التي فسدت"
عندما سكب المطهر على جرحه، جسده تقوس كقوس مشدود. أصابعه تشبثت بكتفي بقوة أذهلتني
"تبًا هل تريدين قتلي؟ أنتِ تستمتعين بهذا"
اتهمني بين أنفاس متقطعة
"لو أردت ذلك لتركتك تنزف حتى الموت"
أجبتُ بينما أضغط على الجرح بعنف متعمد زفرت مكملة اطبب على جرحه
"ثم كلنا نستمتع بشيء ما... أنت بالمال، وأنا برؤيتك تعاني"
نظر إليّ فجأة بتعبير غريب، عيناه الذهبيتان تلمعان في الظلام. "تعرفين... في سجون بلدي، كنا نسمي هذا 'حب الضرورة'."
أجبته وأنا أكمل تضميد جرحه
"في بلدتي، نسميه 'الغباء المطلق'."
تنهد مواصلتً التحدث
"هل يمكنني الآن العودة إلى المنزل؟ اريد الذهاب وطبخ هذه الطماطم الذي اعتقد انه فسدت كنت أعلم أن ذلك العجوز غير راضي عن بيعها لي بسببه مررت بهذه المهزله"
اسند نفسه معدلًا حقيبته اخرج رزمة مال هل سيعطني لها لمعة عيناي هدأت نفسي
"رأيت حماستك للمال رأيت ذلك"
هقهقه بسعادة كأنه محتال تمكن من رصد فريسته كشرت في وجهه
" لا اريد انه ملوث دعه لك"
"لم أقل اني ساعطيك المال"
مستهزئ احمق معدوم الضمير اناني في اللحظة التي أغمض فيها عينيه ليهز رأسه، رمت الطماطي الفاسدة مباشرة على جرحه وغادرت المكان بغضب، تردد همس مورينو في الزقاق "في بلدتي، كانوا يسمونني 'مو'... لأني أمثل ما لا يريدون رؤيته"
عقد حاجباي ما معنى ذلك؟ ماذا يقصد أو ماذا يريد؟
-نهاية الفصل-

لقد وضعت بعض التلمحيات في هذا الفصل حول فتاة الطماطم خاصتنا.
كذلك حول مو، هل تعملون معنى اسم مورينو في ايطاليا؟ او إلى ماذا يرمز عامةً؟ يجب عليكم البحث عن ذلك ;)
لا مزيد من التلمحيات.
الفصل القادم ستبدأ أحداث أكثر تشويق، المزيد من الهروب ومعرفة عائلة فتاة الطماطم.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.