اليوم الأول: زهرة الياقوت
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
هنا بدأ اللقاء....
"لقد اخبرتك انها طماطم عضوية لذلك ثمنها أغلى"
أمسكتُ حبة الطماطم بين أصابعي، أدرسها بتمعن قبل أن أدفعها نحو وجه البائع
"انظر جيدًا، ما الفرق بينها وبين تلك العادية؟ كلتاهما حمراوان، لكن هذه شكلها غريب"
تنهد البائع وكأني أطلب منه المستحيل
"خذي الأخرى إذن، لماذا تصرين على هذه بالذات؟"
لأنها الوحيدة المتبقية أخبرتك بذلك ثلاث مرات"
شعرتُ بأنفاسي تتسارع من شدة الإحباط، تابعت الحديث لعله يتنازل قليلًا
"لو كان لدي خيار، لكنت اشتريت أرخص طماطم لديك"
تنهد البائع بدوره توسلته بعيناها ليقبل عرضها
بعد دقيقتين
" انا لا أعلم ما الفرق بين هذه وتلك كلها نفس الطماطم " زفرت انفاسي بغضب القيت الطماطم في الكيس بقوة
" بالنهاية لم يشفق علي ذلك الرجل العجوز لا يهم يجب ان أعود مبكرًا لصنع العشاء"
في ذلك الزقاق المعتم، حيث كان عامود الإنارة الوحيد يحاول عبثًا صد الظلام، مشيتُ أُمايل الكيس بين أصابعي، لم أسمع سوى صوت حذائي الرياضي يُدق على الرصيف كإبرة ساعة في غرفة فارغة، حتى.....
بعد ربع ساعة
انقضَّ الظلام فجأةً كذئب جريح
"اترك يدي! مَن أنت؟"
لكنَّ يداً خشنةً سدَّت فمي قبل أن تكتمل الكلمات
"اشش... صوتُكِ سيُهلكنا"
همسَ بصوتٍ أشبه إبرة تسقط على أرضية خشبية في منتصف الليل حاولتُ التحدث، لكنَّ أنفاسي تَحشرجت في حلقي
"ما شأني أنا بك؟"
نظر إليَّ بعينين كالفحم المُشتعل، وكأنَّ غضبه يلتهمُ ظلام الزقاق، أنا من تم سحبي إلى هذا الموقف العبثي، ومع ذلك هو من يلقي نظرات القتل كم هو مثير للإعجاب منطقه، أصوات رصاصٍ متلاحقةٌ اخترقتْ صمتَ الليل. تذكرتُ فجأةً كيس الطماطم بين أصابعي المرتعشة، همست داخليا هل ما زالت سليمة؟ التفتُّ إليه بسرعة الحمدلله انه بخير، وجهه نظراته نحوي بأستهزاء
"الي أين تنظرين؟"
"الطماطم، أيها الأبله هل تظنُ أن همّي هو سرقة نقودك التافهة؟"
فلتت ضحكةٌ مُرٌّ من صدره، لكنَّه تحوَّلَ فوراً إلى قهقهة موت، طلقةٌ قريبةٌ جعلت جسدي يتصلَّب كالخشب، أما هو فقد تحوَّل إلى تمثالٍ من ذهول عيونُه، وكأنَّ روحه تتردَّد بين البقاء والفرار
"بأيِّ جحيمٍ جررتَني؟ دَعني أذهب"
همستُ بأسنانٍ كأنها تُنذر بزلزالٍ في أعماقي
ثمَّ...صمتٌ قاتل
حتى الزقاقُ نفسه حبس أنفاسه
لكنَّ الهدنةَ لم تَدُم
صوت طلقة كانفجار مصباح كهربائي في غرفة مظلمة
تلتها صوتُ زجاجٍ يُحطَّم
صرخةٌ تمزِّقُ الظلام
الفتى أمامي ارتجف كورقةِ خريف، وعيناه تحدِّثاني بلغةٍ لا تحتاج كلمات
"لا تتحرَّكي... أو سنموت"
رأيت في عيناه الانكسار ونيته بالذهاب أمسكتُ بذراعه بقوة.
لا يُمكنني تركه يموت حتى لو كان مجنوناً، حتى لو كان غريباً، فالموتُ لا يختارُ ضحاياه ،سمعنا صوت خطوات كسقوط قطع نقدية على رخام بارد تفرقت، ثم تلتها صوت صافرات الشرطة، أردتُ النظرَ إلى مصدر الضوضاء، لكنَّه جذبني بعنفٍ إلى الخلف وضعَ إصبعه على شفتيه بالرعب يردني ان اصمت، تسألت في نفسي هل سيجرُّني معه إلى الهاوية؟هل سأصبحُ غريق وسط كل هذه الموجات؟ الرصاصُ لا يُفرِّق بين بريءٍ ومذنب...
والطماطمُ العضويةُ ما زالت في الكيس يجب علي العودة للمنزل ينتظرني الكثير من التوبيخ، زفرت أنفاسي محاولة التحرر من يده أصابعه الخشنة تشبثت بي كأغلال نظرت في عينيه فحمتان متوهجتان في وجه شاحب وصررت أسناني
"دعني أذهب لا حاجة لي بمتاعبك"
رأيت الدماء تنساب من جبهته أشرتُ بإصبع مرتعش نحو جرحه فتلمس جبينه بأطراف أصابعه لتمتلئ هي الأخرى بالدماء مبتسمًا كما لو كان خدش قطة عابث
"هذه لا شيء"
ثم أخرج من جيبه منديلاً ممزقاً وضغطه على جبهته ضحك بخفة
ضحكته تلك... كسرت أعصابي أكثر من الطلقات. كان يضحك وكأننا في مقهى لا في زقاق الموت. نظرتُ حولي باحثة عن مخرج، لكنه أمسك بمعصمي بقوة، همس بصوت أجش موجها نظراته المظلمة نحوي
"غريبة أنتِ... تهربين من رصاص ولا تسألين إلا عن طماطم هل بداخلها مخدرات؟"
أحسستُ بغثيان مفاجئ. كأن معدتي اكتشفت قبل عقلي أننا في ورطة لا مخرج منها ضحكتُ ساخرة
"لو كنتُ مهربة مخدرات لكنت الآن تحت شمس (إسبانيا) لا في هذا الزقاق المقرف"
لكن نظرة الاستهزاء في عينيه جعلت كلماتي تذبل في الهواء دفعته بعيدًا، مواصلةً سيري في الشارع. تمنيتُ لو كنتُ مهربة مخدرات في تلك اللحظة، لأريتُ سقف قصرٍ من بعيد. تبِعني مجددًا وهو يحمل حقيبته المليئة بالأموال. زفرتُ أنفاسي بتعب، بينما هو يتحدث معانقًا تلك الحقيبة
"أريد تحذيرك فقط هم لم يرو وجهكِ بعد، لذلك ما زلتِ في أمان"
التفت للخلف مقاطعته ضربت قدمي بالأرض
"تبا لك وللهراء الذي تتحدث به ما شأني بمصائبك حتى اسمك! لا أعرفه وجهك هذا بالكاد سأتذكره!"
هز شعره الفحمي نظر إلي بعينين قاتمتين تخترقهما ظلمة الليل لم يدم ذلك الهدوء طويلا إذ تبعته طلقة جعلتني أتجمد في مكاني أمسك بمعصمي وسحبني كدمية، حقيبته الجلدية تصطدم بظهره مع كل خطوة كقلبٍ يعاني
"أخبرتكِ أن صوتكِ سيهلكنا لكنكِ لم تصدقيني ها أنتِ ذا الآن عرفوا شكل وجهكِ"
"مورينو" صرخ أحدهم من الخلف الاسم انعكس في ذهني كصدى غريب، من يكون هذا المجنون الذي ورطني في جحيمه؟
واصلنا الركض في ذلك الشارع المظلم نبحث عن أي ضوء بالصدفة وجدنا متجر بقالة ركضنا نحوه بقوة كان البائع على وشك الإغلاق مورينو كما نادوه اتجه سريعا نحو البائع مخرجا رزمة من المال
"سيدي لا وقت للحديث دعنا ندخل وأغلق علينا يمكنك أخذ هذه الأموال حسنا؟"
البائع بعينين كعملتين نحاسيتين نظر إلينا ثم إلى المال في يد مورينو فتح الباب. دخلنا المتجر كعاصفة، اختبأنا في الظلام تحت الطاولة، شفتي كانت ترتجفان كفراشة محاصرة ،مورينو أطبق كفه على فمي رائحة دمه اختلطت برائحة العرق والخوف. سمعنا أصوات الرجال بالخارج خافتة
"هل مرَّ من هنا أشخاص؟"
نظرتُ إلى مورينو مستنجدةً، لكنه أشار إليَّ أن أهدأ تحدث البائع من خارج المتجر وصلنا الصوت خافتً
"أعتقد أني رأيت شابًا وفتاة يركضان من ذلك الاتجاه"
سمعنا أقدامهم تبتعد تحررت أنفاسي لم أشعر بتوتر جسدي حتى ضرب مورينو كتفي نظرت إليه بغضب لكننا فوجئنا بفتح الباب المعدني همس البائع "لقد ذهبوا، يمكنكم الخروج"
"يا عم كان عليك الذهاب بعدما أخبرتهم أتخاف أن نسرق متجرك"
ضحك مورينو كمن يُخفي وراء ضحكته أنينًا، بينما ردّ البائع بقهقةٍ مكسورةٍ "بهذا المال.. يمكنك حتى سرقة جنازتي"
سمعتُ صوت الرصاصة تُنهي ضحكاتهم.. تدفق دم البائع الذي سقط كدميةٍ مقطوعة الخيط. تجمدتُ في مكاني، نصف صرخةٍ انطلقت من فمي قبل أن يجرني مورينو مجددًا إلى زاوية المتجر وجدنا بابًا دفعني إلى الداخل دفع الحقيبة نحوي بقوةٍ كأنها جثةٌ هامدة
"احتفظي بهذا.. ولا تفتحيه أبدًا"
قبل أن يغلق الباب، التفتَ مورينو نحوي.. غَمَزَ بعينه اليسرى بينما كان الدم يُنزف من جبينه
صوته كان كشخصٍ يُودّع قبل أن أتمكن من الرد، انطلقَ عائدًا إلى العصابة، يصرخُ بكلماتٍ غير واضحةٍ كأنه يستدرجهم بعيدًا عن المخزن، تزاحمت المشاعر بداخلي، انسابت دموعي دون تحكم أنا في موقف لا يُحسد عليه. سمعت الرجال يصرخون بالخارج فانحشرت في الزاوية رائحة العفن في المخزن اخترقت أنفي كسكين صدئ... الطماطم في الكيس بدأت تذبل من رطوبة الخوف
سمعت مورينو يتحدث
"لتعرفوا مكان الأموال يجب أن تتركوني على قيد الحياة وإلا خسرتم كل شيء"
انطلقت ضحكة عالية وقاسية
"أأنت أحمق؟ يمكننا قتلك ولتذهب الأموال إلى الجحيم أخبرنا صديقك شيئا أفضل"
ارتعش صوت مورينو شعرتُ بذلك من نبرته "إنه يكذب لا يوجد المزيد من البضاعة لقد باعها كلها وهو يحتفظ بالنقود يجب أن تصدقوني... "
انقطع صوته فجأة مع شرارة نارية اخترقت الظلمة أحدثت ضوضاء. ازداد بكائي حدة هل مات هل سيأتون لأجلي. زفرتُ محاولةً إسكات دقات قلبي، ثم سمعت الرجال يتحدثون مجددًا
"ابحثوا في الأرجاء حقيبة الأموال لن تكون بعيدة"
سمعت همسة مورينو كانت خافته
"أخبرتكم أنها ليست هنا ولن تجدوها أتريدون معرفة مكانها حقا"
"أما زلت حيا سأقتلك هذه المرة"
صرخاته المتألمة مع صوت الضرب ارتفعت بوضوح أطبقت على أذني عضضت شفتي بكيت بصمت ضغطتُ على كيس الطماطم كأنه حبل نجاة، بينما تدفق الدم من تحت الباب
توقّفتْ الأصواتُ فجأةً..
حتى أنفاسي توقفت... يبدو أنهم رحلوا تقدمت ببطء نحو نافذة المخزن لأرى ما حدث لم أكد أن أرفع رأسي بالكامل حتى انطلقت طلقة تجاهي سقطت على الأرض بقوة، تصلب جسدي "لقد وجدوني سأموت اليوم من سيعتني بأمي وأخواتي اشتريت اليوم هذه الطماطم التافهه لتذكر طبخ والدي وآنا تُحبها" بكيت بشدة انسابت الدموع بغزارة
لكن أحدهم صرخ
"آسف يبدو أنها جرذة"
سمعت صفارات الشرطة من بعيد تبعها صراخ الرجال وهم يهربون استعد انفاسي. في الظلام.. لم أعد أعرف إن كان مورينو قد مات حقًا، أم أن صمته كان خدعةً أخيرةً
لكنّي عانقتُ الحقيبة، وكيس الطماطم بداخلها، كأنهما الرهان الوحيد على أنني ما زلتُ حيةً
هل مات مورينو؟ وصاحب المتجر أي مأساة هذه؟
-نهاية الفصل-
اسئلة لكم
ما سبب تمسك هذه الفتاة السخيفة بكيس الطماطم؟
البائع المسكين لم يصدق امتلاك المال لم يتهنأ به
هل تتوقعون موت مورينو؟ فتى إيطاليا اسود العينان والشعر الفحمي كما وصفته فتاة الطماطم
لماذا أخبرها ان لا تفتح الحقيبة ما سرها؟
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!