تحذير المحتوى

هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.

العودة
وضع القراءة:

4

الفصل الرابع
فتح جونغ سو باب الغرفة، ليجد «هان» شاحب الوجه، والارتباك يغلف ملامحه بشكلٍ لا يخطئه بصره. استجمع بقايا صبره، كابحًا رغبته في الصراخ بوجه مساعده أو جذبه من ردائه، خشية أن يثير ذعر إيلينا القابعة خلفه، وسأله بنبرةٍ حادة وهمسٍ مسموع:
– ماذا تريد؟
ابتلع هان ريقه بصعوبة، وأجاب بصوتٍ منخفض يملؤه الحذر بعد أن لمح طرف فستان إيلينا من فتحة الباب:
– سيدي… لقد اتصل والدك.
تبلّدت ملامح جونغ سو فورًا، وكأن جليدًا أصاب عروقه، ثم همس وهو يصرّ على أسنانه بضيق:
– ألم آمرك أن تخبره بأنني نسيت هاتفي عندك؟
أطرق هان رأسه إلى الأرض عاجزًا، فسأله جونغ سو مجددًا بحدّةٍ مكبوتة:
– وماذا يريد الآن؟
– إنه يطلب حضورك في مكان العمل فورًا؛ طلاب دفعتك أحدثوا فوضى هناك، ويريدك أن تتولى الأمر بنفسك.
انقبض صدر جونغ سو بضيقٍ لا يوصف، والتفت نحو إيلينا التي كانت تراقب المشهد بصمتٍ حزين من مكانها؛ بدت وكأنها أدركت كل ما يدور قبل أن يُنطق به حرفٌ واحد. أعاد نظره نحو مساعده وأمره بجمود:
– اذهب أنت. سألحق بك بعد قليل.
أومأ هان وانسحب بهدوء، بينما أغلق جونغ سو الباب واستند بظهره إليه للحظة، مغمضًا عينيه كأنه يتشبث بآخر ذرات السكينة في هذه الليلة. تقدم نحو إيلينا بخطواتٍ مثقلة، وعيناه تفضحان حزنًا لم يعد يملك القدرة على مواراته خلف قناعه.
سألته بهدوء وهي تراقب حاله:
– ما بك؟ لِمَ تبدو هكذا؟
أجاب بصوتٍ خافتٍ متهدج:
– ثمة فوضى في مقر العمل. يجب أن أذهب الآن.
نهضت إيلينا ببطء، وفي محاولةٍ شجاعة منها لمواساته، التقطت سترته وتقدمت نحوه بابتسامةٍ تحاول جاهدةً أن تبدو طبيعية. بدأت تساعده في ارتدائها، وأغلقت أزرارها واحدًا تلو الآخر برقةٍ متناهية، بينما كان يحدق في تفاصيل وجهها بصمتٍ عميق، وكأن عينيه تبوحان بكل كلمات الوداع التي غصّت بها حنجرته.
وحين انتهت من الزر الأخير، اقتربت منه بخفة، ووضعت قبلةً سريعةً على خده، ثم تراجعت خطوة إلى الخلف بخجل من تصرفها. لكن جونغ سو لم يمهلها فرصة الابتعاد؛ إذ أحكم قبضته على يدها فورًا وشدّها نحوه ليغمرها في حضنٍ قوي ودافئ، دون أي كلمة. طال عناقهما لثوانٍ، كأن كليهما كان يحاول الاحتفاظ باللحظة أطول ما يمكن.
دخلت إيلينا السيارة إلى جانب جونغ سو، فانطلق بها مترددًا، بينما كانت خطته التي رسمها لليلة التخرج قد تهاوت أمام عينيه دون حولٍ منه أو قوة.
أوقف السيارة أمام منزلها، وساد صمتٌ عميق محمّل بكل ما عجزت الألسن عن قوله. نظرت إليه إيلينا بهدوء، بعينين لامعتين بفيضٍ من المشاعر، تحاولان الشبع من ملامحه وتفاصيل وجهه قبل أن يغيب عنها، بينما ارتسم على وجه جونغ سو مزيجٌ مرير من الندم والقلق وثقل المسؤولية التي جثمت على صدره فجأة.
مدّ ذراعه ومسح بكفه على خدها برفقٍ متناهٍ، ثم قال أخيرًا بصوتٍ هادئ:
– عندما تدخلين، أغلقي الباب خلفكِ جيدًا.
أومأت له بابتسامةٍ شاحبة، ثم ترجلت من السيارة، وودعته بنظرةٍ أخيرة قبل أن تتوارى خلف باب منزلها. وما إن أُغلق الباب وغابت عن ناظريه حتى تبدلت ملامحه الهادئة إلى بركانٍ من الغضب المكتوم.
انطلق بسيارته مخلفًا وراءه غبار خيبته، وضرب مقود السيارة بحنقٍ شديد، بينما كانت تنهال في رأسه ألف شتيمةٍ على عمله ووضعه الذي يجبره دومًا على الخضوع للأمر الواقع والرضوخ لطلبات والده.
زفر بضيقٍ وهو يزيد من سرعة المحرك، وتمتم بنبرةٍ يملؤها السخط:
– تبًا.
وبعد أن وصل إلى حيث نداء الواجب، دخل جونغ سو المبنى بخطواتٍ واسعة ونظراتٍ حادة تخترق الزحام، متجهًا نحو قاعة المناسبات العامة التي كانت تعجّ بالحركة والصخب.
جال بعينيه في الأرجاء متفقدًا وضع طلاب دفعته، لكنه لم يكد يبتعد كثيرًا حتى استوقفه أحد النادلين بانحناءةٍ سريعة. كان الرجل يفرك بإبهامه طرف خاتمٍ فضي في خنصره، فيما وضع جونغ سو سماعة الاتصال الداخلية في أذنه وشغّلها، قبل أن يقول النادل بنبرةٍ خفيضة:
– سيدي، هدأت الفوضى بين الطلاب، والوضع في القاعة تحت السيطرة الآن.
أومأ جونغ سو باقتضاب، وهمّ بمتابعة طريقه، إلا أن النادل استوقفه مرةً أخرى:
– سيدي...
التفت إليه جونغ سو بضيق.
أشار النادل نحو الممر الطويل وقال:
– عمّك بانتظارك في الغرفة السادسة عشرة.
عقد جونغ سو حاجبيه، وشعر بانقباضٍ في صدره؛ فها هو يعود مجددًا إلى ذلك السجن المذهّب الذي حاول الهروب منه طوال المساء. لكنه لم يجد في الأمر ما يثير شكّه؛ فقد ظنه جزءًا آخر من الواجب الذي استُدعي من أجله.
تجاوز جونغ سو النادل ببروده المعهود، واتجه نحو الممر الطويل دون أن ينبس بكلمةٍ واحدة.
ظلّ النادل واقفًا في مكانه لثوانٍ يتابع ابتعاده، ثم عاد إلى عمله.
أما جونغ سو، فكان يخطو مسرعًا وكأنه يسابق الزمن للانتهاء من هذا الكابوس، فيما كانت الموسيقى الصاخبة المنبعثة من القاعات تضغط على أعصابه المشتعلة أكثر مما يحتمل، محوّلةً ضجيج المكان إلى طنينٍ مزعج في رأسه، لا يقطعه إلا صدى كلمات إيلينا الرقيقة وصورة وجهها وهي تودّعه.
اخترق صوت هان السماعة في أذنه:
– سيدي… هيو وان موجود في الغرفة السادسة عشرة مع شقيقه. عندما ترى هيو وان، حاول أن تضبط أعصابك. أنت في غنى عن مصيبةٍ أخرى.
لم يجبه جونغ سو، واكتفى بطحن فكيه وهو يواصل طريقه.
صعد إلى طابق كبار الشخصيات، ودخل غرفة جانبية برقم «ستة عشر» في آخر الممر الواسع والمفروش بسجاد فرنسي فخم. بمجرد أن دفع الباب، تجمّد الدم في عروقه وبهتت ملامحه كمن سُكب عليه دلو ماء بارد؛ إذ تسمّر بصره على من ينتظره في الداخل.
لم يحتج وقتًا ليتعرّف إليه؛ إنه يوبين، الشاب نفسه الذي تشاجر معه في الحفلة، جالسًا إلى جانب هيو وان براحةٍ مستفزة. انتقلت عينا جونغ سو بينهما للحظة، قبل أن تستقر الحقيقة في ذهنه: إذن يوبين هو شقيق هيو وان.
تشنّج فكه لا إراديًا، واستقرت في حلقه غصّةٌ مريرة. أيّ مصادفةٍ لعينةٍ تلك التي تجمع أكثر شخصين يكرههما في عائلةٍ واحدة؟ وجهان مختلفان، لكن الأذى واحد؛ أحدهما أعاد إلى ذاكرته صورة تلك الفتاة التي وجدها تحت بطش هيو وان، وما دفعه لاحقًا من ثمنٍ قاسٍ على يد أبيه بسبب تدخله لإنقاذها، والآخر تجرأت يده على إيلينا في الحفلة.
استحوذ وجود الأخوين على انتباه جونغ سو، فلم يلحظ عمّه كيونغ في البداية؛ فقد ظلّ الأخير يراقبه بصمت، مستمتعًا برؤية الغضب يتصاعد في ملامحه. عندها اخترق صوت جونغ سو هدوء الغرفة بنبرةٍ جافة يملؤها الاستنكار:
– ماذا تفعلان هنا؟
رفع هيو وان نظره إليه، وأمال رأسه جانبًا ببرودٍ مقيت، قبل أن يقول بنبرةٍ مستفزة:
– ما خطبك؟ أم أن شقيقي الصغير «يوبين» أزعجك هو الآخر؟
غلى الدم في رأس جونغ سو؛ فكلمة «إزعاج» التي نطق بها هيو وان بذلك البرود اختزلت قبح ما فعله أخوه في مجرد مضايقة عابرة، فبدت له إهانةً متعمدة لإيلينا. ودون أن يشعر، تقدّم نحوهما بخطواتٍ ثابتة، وكأنه سيقلب الطاولة فوق رأسيهما في أية لحظة. لم يكن الأمر استفزازًا له وحده؛ فقد شعر أن في تلك الكلمة انتقاصًا من كرامة إيلينا، وهذا ما لا يسمح لأحدٍ، كائنًا من كان، بتجاوزه.
وزّع نظراته على الشبان الجالسين حولهما، ولمح بطرف عينيه وجود عمّه، لكنه لم يكلّف نفسه عناء النظر إليه حتى، وقال بصوتٍ يقطر اشمئزازًا ثقيلًا:
– لا يهمني نفوذ أبيكما ولا منصبه السابق، فلن يتمكن أيٌّ منهما من إخفاء القبح الذي يتطاير في الأرجاء بمجرد حضوركما. أشعر بالقرف حقًا بمجرد النظر إلى هذه الوجوه.
ابتسامةٌ صفراء شاحبة لاحت على وجه يوبين، فحاول أن يداري خلفها خوفه الشديد من غضب جونغ سو، الذي بدا وكأنه على وشك الهجوم، وقال بنبرةٍ مترددة:
– ومن طلب رأيك أصلًا، جونغ سو؟
كان جونغ سو يحتفظ بزر أمانٍ واحد يمنعه من اللجوء إلى العنف، وهو تحذير هان الذي لا يزال يتردد في أذنه. لكن ذلك الزر تلاشى تمامًا بمجرد أن سمع يوبين ينطق اسمه. كان كرهه لهذا الشخص أعمق من أي انضباطٍ ذاتي، فاندفع نحوه دون وعيٍ أو تفكير.
لم يدرك يوبين ما يحدث إلا وقد انقضّ عليه جونغ سو، قابضًا على تلابيب ردائه، ورفعه بعنف عن الأرض حتى أصبحا وجهًا لوجه.
وفي اللحظة نفسها، ضربت موضع الجرح في بطن جونغ سو وخزةٌ حادة، فكتم تأوهًا بين أسنانه، لكنه لم يُرخ قبضته.
شدّ جونغ سو يده بقوةٍ جعلت عروقها تبرز، وهتف بنبرةٍ يملؤها الحنق والوعيد:
– وتجرؤ أيضًا على نطق اسمي؟
كاد يوبين يختنق تحت قبضته المُحكَمة. نهض هيو وان مندفعًا نحوه، بينما أسرع كيونغ ليخلّص يوبين من بين يدي ابن أخيه وهو يصرخ بجنون:
– دعه! هل تريد قتله؟ جونغ سو، ماذا تظن نفسك فاعلًا؟!
استجاب جونغ سو أخيرًا لصوت عمّه الصاخب، وأفلت يوبين بحسرةٍ شديدة نابعة من رغبته في سحقه تمامًا. ثم استدار نحو عمّه ببطءٍ قاتل، وقال بنبرةٍ تخلو من أي احترام:
– بالطبع أنت ستكون هنا... دائمًا في المكان الصحيح.
ثم أشار بإصبعه باتجاه الأخوين، وأردف ببرود:
– هذان لا مكان لهما هنا، ولا أريد رؤيتهما في هذا المبنى.
خلع هيو وان نظارته واضعًا إياها على الطاولة، كمن يستعد لمعركةٍ طاحنة، وقال بوعيد:
– يبدو أنك لم تتعلّم شيئًا بعد.
همّ بالتحرك نحو جونغ سو، لكن يوبين تدخّل سريعًا، ممسكًا بذراعه وهو لا يزال يلتقط أنفاسه بصعوبة، وهمس في أذن أخيه:
– كفى. لسنا هنا لافتعال مشكلة معه. أبي لا يريد صدامًا مباشرًا مع عائلته الآن، ونحن بغنى عن فضيحةٍ أخرى.
ضحك جونغ سو ضحكةً قصيرة جافة، وتساءل في قرارة نفسه عن أيّ جرمٍ اقترفه في حياته ليجد نفسه محشورًا وسط هذه المجموعة: حفنة من الشبان المدللين يفوح منهم الفساد، وعمّه يتربع بينهم كأنه جزءٌ أصيل من هذا المستنقع.
ارتسمت نظرة احتقارٍ حادة في عيني جونغ سو، وتنقّلت بين وجه عمّه والأخوين؛ لم تكن مجرد نظرة عابرة، بل حملت وعدًا صامتًا بأن ما بينه وبينهم لم ينتهِ بعد. لم يحتمل كيونغ وقعها، فرفع صوته حاسمًا الموقف:
– انتهى الأمر! إن لم يعجبك الوضع، يمكنك المغادرة فورًا.
هزّ جونغ سو رأسه بازدراء، ثم قال لعمّه قبل أن ينصرف:
– شكرًا لك. لو بقيت دقيقةً أخرى، سأخنق أحدهما بالتأكيد.
ثم غادر الغرفة الخاصة والغضب لا يزال يغلي في صدره. وما إن ابتعد عنها حتى عادت إلى ذهنه كلمات النادل عند وصوله؛ الفوضى بين طلاب دفعته كانت قد هدأت، والوضع في القاعة العامة أصبح تحت السيطرة. إذن، لماذا وصل الأمر إلى والده بهذه الصورة حتى يأمره بالعودة بنفسه؟
لم يجد جوابًا واضحًا، لكن توقيت كل شيء أثار في نفسه شكًّا مزعجًا بأن أحدهم كان حريصًا أكثر مما ينبغي على وجوده في «ليل ونهار» تلك الليلة. ومع ذلك، لم يغادر المبنى مباشرة؛ بل عاد إلى قاعة المناسبات العامة ليتأكد بنفسه من استقرار الوضع، وظل يتابع ما تبقّى من الأمر مع العاملين ورجال الأمن حتى بدأ طلاب دفعته يتفرقون واحدًا تلو الآخر. وحين اطمأن إلى أن وجوده لم يعد ضروريًا، شعر بثقل الإرهاق يهبط على جسده دفعةً واحدة، وذكّره الألم المستمر في بطنه بأنه تجاوز حدود احتماله منذ وقتٍ طويل.
ضغط جونغ سو على سماعة الاتصال وقال لهان:
– أنا عائد إلى المنزل. تولَّ أنت ما تبقى هنا.
جاءه صوت هان سريعًا:
– حاضر، سيدي.
عندها نزع جونغ سو سماعة الاتصال من أذنه وأطفأها، ثم غادر «ليل ونهار» عائدًا إلى المنزل ليستريح.
أما داخل الغرفة السادسة عشرة، فلم يطل الوقت حتى وصلهم خبر مغادرة جونغ سو للمبنى، فتنفسوا الصعداء وتجمع بعضهم حول يوبين للاطمئنان عليه.
وبعد دقائق، اقترح أحد الشبان الانتقال إلى طاولةٍ خاصة منعزلة في البار ليكملوا سهرتهم بعيدًا عن التوتر الذي خلّفه جونغ سو وراءه.
وافق البقية، وانتقل هيو وان ويوبيـن وأصدقاؤهما إلى البار، وبقي كيونغ معهم؛ فلم تكن علاقته بأبناء كيم وانغ أمرًا يستهين به، خصوصًا وهو يسعى إلى تعزيز موقعه داخل «ليل ونهار».
جلس يوبين بينهم شارد الذهن، تتخبط الأفكار في رأسه بلا هدفٍ محدد، حتى قطعت شروده فتاةٌ اقتربت منه ولمست وجهه قائلة:
– هل تحتاج شيئًا، سيدي؟ أنت تجلس هنا منذ أكثر من نصف ساعة دون أن تتحدث.
استقرت كفّه أسفل ذقنها، فقرّبها منه وهو يتفحّص ملامحها بملل، ثم دفعها عنه قائلًا باشمئزاز:
– لقد سئمتُ من هذه الوجوه المقرفة.
التفت بعدها إلى كيونغ، ولم يغب عنه ما بينه وبين جونغ سو من عداوة، إلا أن وجوده بينهم في تلك اللحظة بدا له فرصة يمكن استغلالها، فقال مراوغًا:
– سيد كيونغ، ألا يوجد شيء جديد؟ شيء نادر؟
ابتسم كيونغ بسخرية، وقد فهم ما يرمي إليه يوبين، لكنه لم يُظهر شيئًا مما دار في ذهنه. اكتفى بأن أمال رأسه قليلًا وقال بنبرةٍ مراوغة:
– وهل بقيت فتاةٌ في هذا البار لم تُدجَّن بعد؟
تأفّف هيو وان، وأرخى ظهره على الأريكة محدقًا في السقف، قبل أن تطرأ على ذهنه فكرةٌ جعلته يعتدل فجأة. التفت إلى أخيه مبتسمًا بخبث، فتعجّب يوبين من نظرته وسأله:
– ما بك؟ لماذا تنظر إليّ وتضحك كالمجنون؟
قال هيو وان:
– هل لديك رقم حبيبة جونغ سو؟
اندهش يوبين، والتفت بعض الشبان إليهما باهتمام، فسأل أحدهم:
– لماذا؟ هل تفكر في اللعب معه بهذه الطريقة؟
اتسعت ابتسامة هيو وان قليلًا، لكنه لم يجب مباشرة. نظر حوله إلى الزبائن المتفرقين، ثم قال:
– ليس هنا.
نهض من مكانه، فتبعته المجموعة عائدةً إلى الغرفة السادسة عشرة، بينما سار كيونغ معهم دون أن يعرف بعد إلى أين ستقودهم الفكرة التي بدأت تتشكل في رأس هيو وان.
مضى الوقت بينهم حتى قاربت الساعة الثالثة صباحًا، وتحوّلت الفكرة العابرة إلى حديثٍ أكثر جدية خلف باب الغرفة المغلق.
وزّع هيو وان نظره بين الموجودين قبل أن يسأل:
– هل هي جميلة؟
أجابه أحد الشبان:
– مجرد رؤيتها تشعرك بالانتعاش يا رجل.
شعر يوبين بغيرةٍ سريعة، لكنه قمعها، بينما كان يراقب شقيقه الذي سحب الدخان إلى صدره ونفثه بضحكةٍ تفضح نواياه:
– اللعنة، هذه هي الفتاة التي أبحث عنها إذن.
قال يوبين بضيق:
– لن تأتي إلى هنا.
التفت إليه هيو وان.
– لماذا؟
– إيلينا عنيدة جدًا، وتبغض هذه الأماكن. وحتى لو حصلتُ على رقمها، لن تأتي لمجرد أنني طلبت منها ذلك.
قطّب يوبين حاجبيه، وأضاف بجديةٍ مفاجئة:
– وأنا أحبها منذ زمن، حتى لو كان ذلك من طرفي وحدي... وإن جاءت إلى هنا، فلن يقترب منها أحدٌ قبلي.
اتسعت ابتسامة هيو وان، وربت على كتف أخيه قائلًا:
– دعها تأتي أولًا... ولن نختلف.
ثم أضاف يوبين وهو ينظر إلى كيونغ:
– لكنها قد تأتي إن اعتقدت أن جونغ سو يحتاج إليها.
استقرت عينا هيو وان على كيونغ، وكأن المعنى وصل إليه في اللحظة نفسها.
قال ببطء:
– وأنت عمّه.
لم يجب كيونغ، وبقي صامتًا لوهلة.
فتح يوبين هاتفه، ودخل إلى مجموعة الدفعة الجامعية، ثم بحث بين الأسماء حتى وجد رقم إيلينا. أدار الشاشة نحو كيونغ وقال:
– اتصل بها أنت. أخبرها أن جونغ سو في وضعٍ صعب، ولن يغادر إلا إذا جاءت.
نظر كيونغ إلى الهاتف، ثم إلى الوجوه المحيطة به. كان يعرف تمامًا أن الأمر تجاوز حدود المزاح، وأن استدراج فتاةٍ بمفردها إلى غرفةٍ مغلقة مع هؤلاء الشبان لن ينتهي بخير. كان يستطيع الانسحاب في تلك اللحظة، لكنه لم يفعل؛ فقد كان طموحه في الإدارة أثقل في ميزانه من تردده.
لاحظ هيو وان صمته، فابتسم وقال:
– ساعدنا في إحضارها، وسأضمن لك دعم أبي عندما يحين وقت اختيار من يتولى إدارة هذا المبنى. لقد سئمتُ من قيود جونغ سو وتدخله المستمر.
بقي كيونغ صامتًا لثوانٍ أخرى، ثم أخرج هاتفه ونقل إليه الرقم من شاشة يوبين. بذلك، لم يعد مجرد مستمع إلى ما يدور أمامه؛ لقد اختار أن يشارك فيه.
وقبل أن يضغط زر الاتصال، توقّف فجأة، وكأن خاطرًا متأخرًا انتزعه من اندفاعه، وقال:
– وماذا لو اتصلت به؟
ساد الصمت للحظة. نظر هيو وان إلى أخيه، ثم عاد ببصره إلى كيونغ، الذي بحث عن رقم جونغ سو واتصل به بنفسه. انتظر ثوانٍ قبل أن يبعد الهاتف عن أذنه وينظر إلى الشاشة.
– هاتفه مغلق.
ارتسمت على وجه هيو وان ابتسامةٌ راضية، وقال باقتضاب:
– أفضل.
أعاد كيونغ نظره إلى رقم إيلينا وضغط زر الاتصال، لكنها لم تُجبه. تبادلوا النظرات قبل أن يقول يوبين بضيق:
– أظنها نائمة. كرر الاتصال حتى ترد.
اتصل كيونغ مرةً ثانية، وكل رنّة كانت تزيد التوتر في الغرفة، إلى أن فُتح الخط أخيرًا بصوتها النعسان:
– مرحبًا… من المتصل؟
اعتدل كيونغ في جلسته، وتبادل مع يوبين نظرةً سريعة قبل أن يتحدث وفق ما اتفقوا عليه:
– إيلينا، أليس كذلك؟
– نعم. من أنت؟
ضبط كيونغ نبرته قبل أن يقول:
– أنا عمّ جونغ سو… أعتذر إن أزعجتك.
تفقدت إيلينا الوقت؛ كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحًا، فشعرت بالخوف:
– هل جونغ سو بخير؟
نظر كيونغ إلى الشبان من حوله قبل أن يجيب:
– نعم… إنه بخير، ولكن...
تصاعد القلق في صوتها:
– ولكن ماذا؟ أخبرني، أرجوك… هل حدث له مكروه؟
قال محاولًا تهدئتها:
– لا تقلقي، لقد ثمل فقط، وقال إنه لن يذهب إلى المنزل إلا إذا أتيتِ.
مسحت إيلينا وجهها كمن أُزيح عنها حملٌ ثقيل، ثم تنهدت:
– ذلك الأحمق! لكن… أيها العم، كيف سآتي في هذا الوقت؟
– لا تقلقي، إن رغبتِ بالمجيء، سأرسل لك سائقًا.
ترددت قليلًا:
– لكن، أنا…
قاطعها مستعطفًا:
– أرجوكِ يا إيلينا. والده في طريقه إلى هنا، وإذا رآه بهذه الحالة، سيطرده من العمل بلا شك.
حسمت إيلينا أمرها بعد تفكير. ظنت أنه تلقّى توبيخًا بعدما فعله في الحفلة، وربما زاد الأمر سوءًا بسبب الفوضى التي استُدعي من أجلها إلى «ليل ونهار».
تنهدت باستسلام:
– حسنًا… سأأتي وآخذه.
انفرجت شفتا كيونغ عن ابتسامةٍ صامتة وهو يحدق في الوجوه المحيطة به، ثم رفع إبهامه لهم وقال:
– سأراقبه من أجلك إلى أن تصلي، حتى لا يفتعل مصيبةً ما.
أغلقت إيلينا الهاتف، ثم حاولت الاتصال بجونغ سو، لكن هاتفه كان مغلقًا.
لم تنتظر السائق الذي عرضه عليها كيونغ؛ فقد دفعها قلقها إلى ارتداء ملابسها على عجل، ثم طلبت سيارة أجرة وانطلقت نحو «ليل ونهار».
أما داخل الغرفة، فرفع هيو وان كفه بانتصار، وتعالت صيحات أصدقائه من حوله كأنهم ربحوا ورقة يانصيب. احتضن يوبين كيونغ بنشوةٍ غامرة بعدما تسللت الممنوعات إلى رأسه، وقال:
– كم أحبك!
دفعه كيونغ عنه ساخرًا:
– لست بحاجةٍ إلى حبك؛ أحتاج دعمك فقط.
لم تمضِ سوى لحظات حتى نهض كيونغ من مكانه، تاركًا الشبان خلفه، ثم خرج إلى الممر وأشار إلى النادل الذي كان قد استقبل جونغ سو في وقتٍ سابق. اقترب الرجل سريعًا ووقف أمامه منتظرًا تعليماته.
خفض كيونغ صوته وقال:
– ستأتي فتاة بعد قليل. عندما تصل، أبلغني فورًا، ولا تدعها تتجول في المكان أو تتحدث مع أحد.
أومأ النادل، لكن كيونغ لم ينهِ حديثه بعد:
– وعندما أعطيك الإشارة، ستصطحبها إلى الغرفة السادسة عشرة بنفسك. إذا سألتك عن جونغ سو، أخبرها أنه في الداخل. لا تقل شيئًا آخر.
تردد النادل للحظة، ثم رفع عينيه إليه:
– مفهوم، سيدي.
ثبت كيونغ نظره عليه لثانية قبل أن يضيف:
– ولا أريد أي خطأ.
أومأ الرجل مرةً أخرى، ثم ابتعد لتنفيذ ما أُمر به. فظل كيونغ مكانه يراقبه حتى اختفى عند نهاية الممر، ثم عاد إلى الغرفة السادسة عشرة وأغلق الباب خلفه.
بعد وقتٍ قصير، نزلت إيلينا مسرعةً من سيارة الأجرة وهرعت إلى داخل المبنى، وما إن اجتازت المدخل حتى اتصلت بعمّ جونغ سو.
نظر كيونغ إلى شاشة هاتفه وأسكت الموجودين:
– إنها هي… أظن أنها وصلت.
ربت هيو وان على كتفه إشارةً إلى أن يجيب، فضغط كيونغ على أيقونة الرد:
– مرحبًا؟
جاءه صوتها:
– مرحبًا يا عمي، أنا في الأسفل. أين أجدك؟
قال كيونغ دون تردد:
– لا تتحركي من مكانك. سأحضر إليك بنفسي.
– حسنًا، أنا في انتظارك.
أغلق كيونغ الخط، وأرسل تعليماتٍ مقتضبة إلى رجاله عند الدرج بألا يسمحوا لأحد بالصعود إلى الطابق الخاص، باستثناء من يأذن لهم هو بذلك.
نهض يوبين كأنه سيخرج معه، لكن كيونغ أوقفه قبل أن يصل إلى الباب:
– ابقَ هنا. إن رأتك، فقد ينتهي كل شيء قبل أن يبدأ.
توقف يوبين للحظة، ثم عاد إلى مكانه على مضض، بينما خرج كيونغ وحده من الغرفة.
ما إن لمح إيلينا من بعيد حتى رتّب بذلته وأخذ نفسًا عميقًا، ثم خطا نحوها بخطواتٍ ثابتة، مزينًا وجهه بابتسامةٍ هادئة.
كانت متكئةً على الحائط، تراقب ساعة هاتفها بقلق، وكأن الثواني تمر عليها أثقل مما ينبغي.
نقر كيونغ بخفة على كتفها، فأجفلها قبل أن تستدير نحوه متعجبة.
كانت تلك أول مرة تراه فيها؛ وجدته رجلًا ضخمًا ذا مظهرٍ أنيق، فسألته بحذر:
– العم؟
ابتسم وأومأ:
– نعم.
ثم مدّ يده لمصافحتها، فبادلته مصافحةً خاطفة.
ارتسم القلق على وجهها، وسألت فورًا:
– كيف حال جونغ سو؟
أجابها بابتسامةٍ متصنعة:
– إنه ثملٌ ولا يقوى على الوقوف، ولا يستطيع الحرس الاقتراب منه حتى لا يثيروا غضبه.
خرج صوتها خافتًا:
– أين هو؟ أريد رؤيته.
كانت تعرف أن جونغ سو يعاني من ضيق التنفس، ولم يكن يشغلها في تلك اللحظة سوى احتمال أن يصيبه مكروه.
أشار كيونغ إلى النادل الذي كان ينتظر بالقرب من الممر. وما إن لمح إشارته حتى تقدم الرجل نحوهما فورًا، ومرّر إبهامه على حافة الخاتم الفضي المحيط بخنصره بحركةٍ خاطفة.
قال كيونغ لإيلينا:
– سيأخذك إليه. إنه في إحدى الغرف الخاصة، وسألحق بكما بعد قليل.
ثم التفت إلى النادل وقال باقتضاب:
– الآن. أوصل الآنسة إلى الغرفة.
أومأ الرجل:
– من هنا، آنستي.
نظرت إيلينا إلى كيونغ للحظة، ثم أومأت وتبعت النادل. لم يخطر ببالها أن تشك في الأمر؛ فكل ما عرفته حتى تلك اللحظة أن عمّ جونغ سو طلب منها المجيء لأنه يحتاج إليها، وكل ما كان يدور في رأسها هو الوصول إليه بأسرع ما يمكن.
أما كيونغ، فبقي واقفًا يراقب ابتعادها حتى اختفت مع النادل عند الممر، بينما استقر في ذهنه وعد هيو وان بالدعم الذي ينتظره عندما يحين وقت اختيار من يتولى إدارة «ليل ونهار».
ومن الطرف الآخر للقاعة، وقعت عينا هان على إيلينا وهي تسير خلف النادل صاحب الخاتم الفضي نفسه نحو الممر المؤدي إلى الطابق الخاص.
توقف مكانه لوهلة، غير مصدق ما يراه. لم يسبق لإيلينا أن جاءت إلى «ليل ونهار»، فما الذي أتى بها إلى هنا في الثالثة صباحًا، بعدما أخبره جونغ سو بنفسه أنه عائد إلى المنزل؟ والأغرب أنها لم تكن في القاعة العامة، بل تتبع النادل نحو الطابق الخاص.
انتقلت عيناه إلى الخلف، فرأى كيونغ واقفًا في مكانه يراقب ابتعادهما.
انعقد حاجبا هان على الفور. لم يعرف ما علاقة كيونغ بالأمر، ولا لماذا جاءت إيلينا إلى المكان بعد مغادرة جونغ سو، لكن المشهد كله بعث في نفسه شعورًا سيئًا لم يستطع تجاهله، فاندفع خلفها دون تردد.
كان النادل قد وصل بها إلى الدرج، فتراجع رجال كيونغ جانبًا وسمحوا لهما بالمرور. وما إن حاول هان اللحاق بهما ووضع قدمه على أولى الدرجات حتى تحرك الرجال من أماكنهم وسدوا الطريق أمامه.
توقف هان ونظر إليهم بحدة:
– ابتعدوا عن طريقي.
لم يتحرك أحد.
اشتدت نبرته:
– قلت دعوني أمر!
أجابه أحد الرجال بجمود:
– لدينا أوامر من السيد كيونغ بعدم السماح لأحد بالصعود.
ازداد اضطراب هان، ورفع رأسه محاولًا رؤية إيلينا. كانت قد ابتعدت مع النادل وصعدت عدة درجات، فناداها بأعلى صوته:
– آنسة إيلينا!
ابتلعت الموسيقى الصاخبة صوته قبل أن يصل إليها، ولم تلتفت.
حاول التقدم مجددًا، إلا أن الرجال أغلقوا الطريق أمامه بإصرار أكبر. قبض هان يده بعصبية؛ كان يستطيع الدخول معهم في عراك، لكنه أدرك أن ذلك لن يضمن وصوله إليها. فهو لا يعرف حتى إلى أي غرفة يقودها النادل، والحرس ينفذون أوامر كيونغ ولن يسمحوا له بالعبور بسهولة، وأي وقت يضيعه في محاولة اقتحام الطابق بالقوة قد يكون أثمن مما يحتمل.
تراجع خطوة وأخرج هاتفه على عجل، ثم اتصل بجونغ سو.
كان هاتفه مغلقًا.
لعن هان تحت أنفاسه، وانتقل فورًا إلى رقم المنزل. ترك الهاتف يرن طويلًا، لكن أحدًا لم يُجب. أنهى الاتصال وأعاده مرةً ثانية، وظل يصغي إلى الرنين المتواصل بقلقٍ متصاعد، إلا أن المنزل بقي صامتًا.
هبط قلبه إلى جوفه.
لم يضيّع لحظةً أخرى؛ استدار واندفع نحو المخرج، ثم هرع إلى سيارته وانطلق بها باتجاه منزل جونغ سو بأقصى سرعةٍ تسمح بها الطريق. لم يكن يعرف ما الذي يحدث في الطابق الخاص، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط: وجود إيلينا هناك، في ذلك الوقت، تحت أنظار كيونغ ورجاله، لا يمكن أن يكون مصادفة.
9 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.