تحذير المحتوى

هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.

العودة
وضع القراءة:

3

الفصل الثالث
حلَّ المساء، والساعة تقترب من الخامسة. جلست إيلينا أمام المرآة كطائرٍ حبيسٍ؛ حاجباها معقودان، ويداها ترتجفان من القلق، تضغط أصابعها على بعضها كأنها تحاول احتواء توترها المتصاعد.
لم يكن في رأسها سوى فكرة واحدة: أن تكون جاهزة قبل السادسة. فاليوم ليس يومًا عاديًا؛ اليوم تودّع، مع زملائها، سنواتٍ كاملة من الأحلام والذكريات الجامعية.
نطقت بارتباكٍ وحيرة، وصوتها متقطّع:
– متى ستنتهين من تصفيف شعري؟ لم يبقَ وقتٌ لأرتدي الفستان.
ابتسمت مصففة الشعر ابتسامةً مطمئنة، وقالت بهدوءٍ يشبه دفءَ كفٍّ على جبينٍ محموم:
– لا تقلقي يا إيلينا، ما زال أمامك ساعة كاملة.
زفرت إيلينا بضيق، وبدت الكلمات تنفلت من فمها متلاحقةً بقلقٍ يشبه ارتجاف جناح:
– لا أعلم لماذا يخفق قلبي بهذه السرعة… أشعر وكأن شيئًا سيئًا سيحدث. ماذا لو تأخرت، واجتمعت كل تلك الفتيات حول جونغ سو؟ ذلك الغبي بابتسامته الجميلة… تبًّا له.
ابتسمت مصففة الشعر بخفّة وهي تسرّح خصلةً متمرّدة، وطمأنتها بنبرةٍ خافتة دافئة:
– لا تقلقي بشأنه كثيرًا. صدّقيني، مهما اجتمعت النساء حوله، فهو لا يرى غيرك.
تساقطت كلماتها في روح إيلينا كالمطر على أرضٍ عطشى، فهدأ ارتجافها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة، فيما تلألأت عيناها البندقيتان بصفاءٍ يشبه اكتمال القمر بعد ليلٍ طويل.
في الجهة الأخرى، كان جونغ سو يقتلع الوقت اقتلاعًا، لا يقلّ توتره عمّا تعيشه حبيبته.
– أسرِع!
صرخ في وجه هان، محاولًا عبثًا عقد ربطة العنق. كانت أمه دائمًا من تتولّى هذه المهمة، أمّا الآن فهي غائبة، وهو غارق في فوضى مظهره؛ أي ربطة تناسبه؟ أي ساعة يختار؟ وأي عطر سيكون الأنسب؟
حين اقترب هان ليشدّ ربطة العنق، كتم جونغ سو تأوهًا خفيًا وهو يعتدل؛ فالحركة شدّت موضع الإصابة في بطنه، مذكّرةً إياه بأن أناقته الليلة ليست سوى قناع فوق جسدٍ منهك. وهذا لم يكن مخفيًا على هان، الذي أردف بابتسامةٍ مترددة بينما جونغ سو يهرب من النظر في وجهه:
– سيدي، لقد عقدتُها لك.
نظر جونغ سو إلى المرآة متأمّلًا نفسه؛ بدأت علامات الرضا تتشكّل على وجهه، وهو يدير رأسه يمينًا ويسارًا كمن يبحث عن عيبٍ يختبئ بين خيوط أناقته.
تمتم بإعجابٍ لنفسه وهو يعتدل:
– ما هذه الوسامة؟
ابتسم هان بسخرية من اغترار جونغ سو بنفسه، وقد التقط جونغ سو تلك الابتسامة بنظرةٍ حادة كالسيف:
– ممَّ تضحك أيها البعوضة؟
تغيّرت ملامحه في لحظة؛ اختفت منها خفّته السابقة، وحلّ محلها برودٌ حاد. غلظ صوته، وخلت نبرته من أي دفء. اقترب من هان وأمسك كتفه بقوة، وعلى شفتيه ابتسامة مصطنعة، بينما كانت عيناه تقولان شيئًا آخر:
– لا تعبث معي. إن فعلت… سترى الوجه الذي أُخفيه. هل فهمت؟
خفض هان بصره مخفيًا ابتسامته، وأومأ بطاعةٍ مصطنعة:
– نعم، سيدي. فهمت.
عاد جونغ سو إلى المرآة ليضع لمساته الأخيرة، ثم لمعت في ذاكرته صورة الفتاة التي أنقذها من بين يدي هيو وان:
– هل عرفت شيئًا عن حال تلك المرأة؟
– في غيبوبة.
حدّق جونغ سو بوجهه في المرآة مجددًا، لكن كل ما كان يراه هو وجهها المُدمّى وهي تلاحقه بعينيها المتعبتين. هزّ رأسه ليستيقظ من خيالاته التي تطارده، ثم طلب من هان بحزن:
– تابع وضعها دون أن تُشعر أحدًا، وابحث عن خلفيتها أكثر، ولماذا كانت هناك.
– حاضر.
لكن سرعان ما عادت نبرة جونغ سو إلى برودها وتسلّطها:
– هذه الليلة، لا أريد أي إزعاج. إذا اتصل أبي، أخبره أنني نسيت هاتفي عندك، واطلب من الخادمات تجهيز غرفتي ثم المغادرة قبل أن تذهب لعملك.
تفاجأ هان الذي حاول قمع ضحكته:
– نعم؟… أجل... عُلم.
رمق جونغ سو هان للحظات، مضيّقًا عينيه، بينما كان الأخير ينظر في أرجاء الغرفة هربًا من نظراته الحادة. وبمجرد أن ظهر اسم إيلينا على شاشة هاتف جونغ سو، تبددت ملامحه القاسية، وارتسمت ابتسامة لا إرادية على وجهه.
ردّ عليها بصوتٍ يملؤه الاشتياق، وهو خائف من أن توبخه:
– أنا في المنزل الآن، سأخرج بعد قليل.
بينما كان جونغ سو يتحدث في الهاتف مع محبوبته، ارتفع حاجبا هان فوق عينيه اللتين تلألأتا ببريقٍ خفيّ، وهو يراقب عودة «الطفل العاشق» أمام عينيه.
غامت نظرة هان بحزنٍ على حال سيّده، لكنه في الوقت ذاته استشعر امتنانًا بالغًا لمعرفته العميقة به؛ فوحده هان كان يعرف ما يخفيه جونغ سو عن الآخرين: ذلك العبء الهائل الذي ينوء به كتفاه، والصلابة التي يتدثّر بها كلما اضطر إلى مواجهة العالم من حوله.
أدرك هان، وهو يراه يبتسم للهاتف، أن خلف صلابة جونغ سو قلبًا أكثر هشاشةً مما يسمح لأحد برؤيته، وشعر برغبته في حمايته من الضياع تزداد في داخله.
في قاعة الاحتفال، وقفت إيلينا تترقّب؛ عيناها معلّقتان بباب الدخول، وقلبها يطرق صدرها بقلقٍ وغضبٍ في آنٍ واحد. كانت عقارب الساعة تتحرّك ببطءٍ مستفز، كأنها تتعمّد اختبار صبرها. رفعت كأس العصير إلى شفتيها، وقبل أن تروي عطشها، جاءها صوتُ أحد المتخرجين الذكور ساخر من خلفها:
– إيلينا، أين مرافقكِ؟
قهقه أصدقاؤه باستخفاف، مؤيّدين سخريته، فالتفتت إليهم، وكتمت غضبها بصعوبة:
– هذا ليس من شأنك.
اقترب شاب آخر منها، وأحاط خصرها بذراعه، ثم انحنى وهمس بنبرةٍ وقحة
– لو كنتُ مكان حبيبكِ المدلل، هل كنتِ ستتحدثين معي هكذا؟!
حاولت الإفلات من ذراعه وهي تصرخ:
– هل فقدتَ عقلك؟ ابتعد عني!
لكن قبل أن يتمادى أكثر، انشق الزحام عن جسدٍ غاضب؛ قبض جونغ سو على رداء الشاب بعنف ودفعه بعيدًا عنها، ثم وجّه إليه صفعةً مدوية جعلته يترنّح ويسقط أرضًا.
تجمّد جميع من في القاعة حين زمجر جونغ سو بصوتٍ حاد:
– قالت لكَ أن تبتعد عنها.
تحسّس الشاب أنفه، يتحقّق من الدم الذي يسيل، ثم اندفع بوحشية نحو جونغ سو وأسقطه أرضًا. في تلك اللحظة، شعر جونغ سو بتمزقٍ حارق في بطنه؛ فأثر عكاز والده بالأمس استيقظ بعنف مع الارتطام، كأن الجرح قد فُتح من جديد. لكن رؤية إيلينا وهي ترتجف جعلت غضبه يتفوّق على ألمه.
سرعان ما تحوّل الشجار إلى معركة عاصفة؛ ضربات متبادلة وصدى الصراخ يملأ القاعة. وحين حاول الشاب النهوض، أمسك جونغ سو بساقه وطرحه أرضًا، ثم اعتلاه سريعًا وانهال عليه بالضرب بلا رحمة. وبينما كان الشاب يحاول الوصول إلى قطعة زجاج مكسورة لكي يطعنه بها، ثبّت جونغ سو ذراع الشاب على الأرض بقوة حالت دون حركته، ووجّه له لكمة أخيرة في معدته جعلته يتكوّر على نفسه أنينًا.
فاندفعت إيلينا واحتضنت ذراع جونغ سو بكل ما تبقّى لها من قوة، ودفنت رأسها في ظهره وهي ترتجف، ناهرةً إياه بصوتٍ يتكسّر من الخوف:
– أرجوك… لا تفعل هذا!
تصلّب جسد جونغ سو حين شعر بلمستها وحرارة أنفاسها المرتجفة على ظهره. وحين لمح دموعها، خمد شيء من غضبه؛ فرمق خصمه بعينين متقدتين، ثم نهض ببطء، ليلتفت إليها ويسحبها إلى حضنه، هامسًا بصوت مبحوح:
– أنا آسف… لا تبكي.
وسط صخب الأنفاس اللاهثة والحشود المترقبة، اخترق المكان صوتٌ صارم كحدّ السيف، يحمل سلطةً لا تُخطئها الأذن ولا يجرؤ أحد على تجاهلها. وخلف جونغ سو، كانت أصابع خصمه الملقى أرضًا قد انطبقت خلسةً على شظية زجاجٍ أخرى، قبل أن يجمّده الصوت الصارم في مكانه:
– ما هذه الفوضى؟ هل هذا حفل تخرّج أم حلبة مصارعة؟
انتفضت إيلينا مبتعدةً عن حبيبها فور وقوع صاعقة صوت العميد في أرجاء القاعة. أخذت تتنفس بعمقٍ مضطرب، محاولةً مواراة نبضات قلبها التي كادت تخترق ضلوعها من الهلع. أمّا جونغ سو، فالتفت إلى ما حوله، وعندها فقط أدرك حجم الكارثة؛ كانت طاولة المشروبات الفاخرة مقلوبةً كجثةٍ هامدة، والزجاج المهشّم يتلألأ تحت الأضواء كشظايا من فرحتهم الضائعة، بينما كانت وجوه الحاضرين مشحونةً باستياءٍ صامتٍ يثقل كاهله.
سلّط العميد نظراته على مجموعة محدثي الشغب، وكأن عينيه تخترقان جلودهم، وقد خيّم عليهم صمتٌ متوتر. أخذ نفسًا عميقًا، يصارع به أعصابَه التي كادت تنفلت، ثم انفجر فيهم بحدّةٍ مزلزلة:
– ماذا أفعل بكم؟! لقد أفسدتم فرحةَ زملائكم وأحلتم المكان حطامًا!
رفع الشابُّ الذي تجرّأ على إيلينا إصبعَه المرتجفَ مشيرًا نحو جونغ سو، بينما كان يلملم أشلاءَ كبريائه وهو يمسك وجهه المتورّم من قسوة الضربات، وصرخَ بصوتٍ يملؤه الزيف:
– هو... هو من بدأ هذا! أنا لا علاقة لي بالأمر، لقد هاجمني فجأة كالمجنون!
لم يكد الشاب يُنهي كذبته حتى ارتطم صوته بجدار صمت العميد المطبق. رمقه بنظرةٍ جمّدت الدماء في عروقه، ثم زفر بحدّةٍ ونطق اسمه كأنه يلقي بتهمةٍ لا فرار منها:
– وفّر أكاذيبك لنفسك يا يوبين! لقد رأيتُ كل شيء... رأيتُ تطفلك المقيت وتعدّيك قبل أن يتدخل جونغ سو. حسابك عسيرٌ معي لاحقًا، ولن تمرّ هذه الليلة بسلامٍ عليك.
ثم أشاح العميد بوجهه عنه وكأنه يزيح قذارةً من أمامه، لتستقر أنظاره الصارمة على جونغ سو مباشرة، ويهبط بنبرة صوته لدرجةٍ من العتاب الثقيل:
– وأنت يا جونغ سو... حتى وإن كان الحق معك، فالعنف ليس حلًا في حرمٍ جامعي. قل لي، كيف ستعوّض ما دمّرته؟
ابتلع جونغ سو ريقه، وشعر بثقل الذنب وهو يدرك أن فرحة زملائه قد تحولت إلى حطامٍ بسببه، ومع ذلك لم يندم لحظةً على انتفاضته لأجل إيلينا. مرّ اسم «ليل ونهار» في ذهنه، فتردّد لوهلة؛ لم يكن ما اكتشفه بالأمس قد غادر رأسه بعد. لكن قاعات المناسبات العامة كانت منفصلةً عن الطابق المخصص لكبار الشخصيات. رفع رأسه وقال بصوتٍ ثابت:
– سنُحيي الحفلة في «مبنى ليل ونهار» الخاص بعائلتي... وسأتكفّل شخصيًا بثمن كافة المشروبات والأطعمة ليكون احتفالًا يليق بكم جميعًا.
ظلّ العميد صامتًا للحظات، ثم قال بصرامة:
– حسنًا. أصلح ما أفسدته أولًا، لكن حديثنا عن هذا الشجار لم ينتهِ بعد.
ساد القاعة صمتٌ قصير مشوبٌ بالذهول؛ فاسم «ليل ونهار» وحده كان كفيلًا بإثارة اهتمام الحاضرين، فهو مكان لا يتاح دخوله بسهولة. سرعان ما انتشرت الهمهمات بين الطلاب، وبدأ التوتر الذي خيّم على القاعة يتراجع أمام دهشتهم من العرض غير المتوقع.
تقدّم بعض زملائه إليه شاكرين مبادرته، بين مصافحةٍ سريعة وكلمات امتنان، مما جعل قناعه البارد يرتخي قليلًا وتتشكل على ثغره ابتسامة ودّ حقيقية، بينما انجرفت عيناه رغمًا عنه نحو إيلينا.
رأت إيلينا تلك الابتسامة التي لم تكن إلا لها، فارتسم الخجل والسعادة على وجهها في آنٍ واحد. اقترب منها جونغ سو بخطواتٍ واثقة، وتلمّس خديها بأنامله برقةٍ بالغة، ثم أسند جبينه إلى جبينها، ضاربًا عرض الحائط بكل العيون المحيطة، وقال بنبرةٍ مازحة غمرتها العاطفة:
– وعدتكِ بليلةٍ لا تُنسى… وها أنا أوفي بوعدي.
أجرى جونغ سو اتصالًا سريعًا بإدارة المجمع، طالبًا تجهيز إحدى قاعات المناسبات العامة في «ليل ونهار» لاستقبال دفعته وتوفير الطعام والمشروبات على حسابه، ثم أرسل موقع القاعة إلى مجموعة الدفعة.
بعد ما حدث، لم تعد إيلينا ترغب في الذهاب مع بقية زملائها إلى هناك؛ كل ما أرادته في تلك اللحظة كان الابتعاد عن الضجيج والبقاء معه.
وحين تحرّكت مع جونغ سو نحو المخرج، أبطأ خطاه للحظة وأطفأ هاتفه قبل أن يصطحبها نحو سيارته.
دخلا المنزل وهما يشبكان أصابعهما بقوة. لم يختفِ توتر ما حدث في الحفل تمامًا، لكن ابتعادهما عن الضجيج منح كليهما شيئًا من الهدوء.
توقّفت إيلينا في منتصف الصالة، تتفحّص المكان بذهولٍ طفولي:
– يا إلهي… أحقًا هذا منزلك؟
ابتسم جونغ سو برقة وهو يرى الدهشة في عينيها المتسعتين:
– نعم… وقريبًا سيكون منزلكِ أيضًا.
ابتسمت بخجل، واشتعلت وجنتاها حمرةً؛ لم تكن تلك الفخامة هي ما يسلب لبّها، فما كانت تتمناه حقًا هو قلب جونغ سو وحده. سألت بصوتٍ يملؤه التوجس:
– وهل سيأتي هذا اليوم حقًا؟
اقترب منها ووقف خلفها، ثم همس بصوتٍ هادئ يملؤه اليقين:
– ولِمَ لا؟
تردّدت قليلًا، ثم قالت بنبرةٍ خافتة يغلفها القلق:
– لا أعلم… كنتُ أعرف دائمًا أن هناك فرقًا بين عالمينا، لكن رؤيته أمامي هكذا جعلته يبدو أكبر مما تخيلت. أخشى أحيانًا أن تكون الفوارق بيننا أكبر من أن نتجاهلها.
جعلها جونغ سو تستدير لتواجهه، وحدّق في عينيها بجدية:
– ومن قال إنني سأسمح لهذه الفوارق بأن تقرر عنا؟
عقدت حاجبيها، متجنّبةً حدّة نظرته:
– لا أعلم… ربما هو الخوف من المجهول.
أمسك ذقنها برفق ليرفع وجهها نحوه، والتقت عيناهما للحظات، ثم قال بحزم:
– إما أنتِ… أو لا أحد. هل فهمتِ؟
ترقرقت الدموع في عينيها، واحتضنت كفّه بين يديها، ثم أومأت له بابتسامةٍ مرتجفة.
دخلا الغرفة، فخيّم عليها هدوءٌ عميق، حتى بدا وكأن العالم الخارجي قد بقي خلف الباب. توقفت إيلينا للحظة، وقد عاد شيء من ارتباكها، بينما أغلق جونغ سو الباب خلفهما بهدوء، ثم قال بصوتٍ منخفض مطمئن:
– لا تقلقي… أنتِ بأمان هنا.
أومأت بصمت، بينما جالت عيناها في أرجاء المكان بفضولٍ ممتزج بالرهبة. كانت الغرفة تعكس شخصيته؛ ألوان قاتمة، وأثاث رزين، ونظام صارم لا يكاد يترك شيئًا خارج مكانه.
لكن أكثر ما استوقفها كان عطره.
استنشقت إيلينا الرائحة بعمق دون أن تنتبه إلى ما تفعله؛ ملأ المكان مزيجٌ مألوف من رائحته: خشب الصندل، ولمحة من المسك والتبغ البارد. الرائحة نفسها التي التصقت في ذاكرتها به، والآن هذه الرائحة تحيط بها من كل جانب. وللمرة الأولى منذ بداية تلك الليلة المضطربة، شعرت بشيء من الألفة والسكينة.
اتجه جونغ سو إلى الطاولة بخطوات هادئة، وصبّ لها كوبًا من الماء قبل أن يناوله إليها ويضعه بين يديها برفق. كانت إيلينا قد جلست على حافة الأريكة، تشدّ أصابعها بعضها ببعض، فيما بقي شيء من توتر الليلة عالقًا في ملامحها. قال وهو يراقبها:
– تنفّسي فقط… كل شيء انتهى الآن. نحن بخير.
رفعت نظرها إليه، وهمست بتعب:
– لم أتخيّل يومًا أن ليلة تخرّجنا ستنتهي بهذه الفوضى.
جلس قبالتها، وحين همّ بالانحناء نحوها، اشتد ألم جرحه فتراجع قليلًا واستند إلى ظهر المقعد، حريصًا ألّا يظهر شيء على وجهه.
سكت لحظة، ثم قال بهدوء:
– وأنا أيضًا… ولو عاد بي الوقت، لما تركتكِ وحدكِ في ذلك الموقف.
تسللت ابتسامة رقيقة إلى شفتي إيلينا، وقالت محاولةً تخفيف ثقل الحديث:
– حتى لو سبّب لك ما حدث الليلة مشاكل مع والدك؟
أطلق جونغ سو ضحكةً خافتةً شابها شيء من التوتر:
– العميد كاد يقتلني منذ قليل، فلا تذكّريني بأبي الآن. كنت أتمنى أن يبقى هذا اليوم ذكرى أجمل لكِ… لا أن ينتهي بكل هذه الفوضى.
مدّت إيلينا يدها نحو كفّه، وما إن لامست أصابعها قبضته حتى لاحظت الاحمرار الممتد فوق مفاصله. توقفت عيناها عنده للحظة، ثم رفعت نظرها إليه:
– لا تقل هذا، أرجوك… المهم لدي أنك سالم وأمامي الآن.
ساد بينهما صمتٌ قصير، لكنه لم يكن ثقيلًا. ظلّ جونغ سو مستندًا إلى المقعد، ونظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول بصوتٍ أخفض:
– صوتكِ وحضوركِ يا إيلينا… يخفّفان عني الكثير من الثقل.
احمرّت وجنتاها، وخفضت عينيها بخجل، لكن نظرها عاد دون قصد إلى قبضته. كان الاحمرار قد بدأ يميل إلى الزرقة حول مفاصل يده.
لم تكن هذه المرة الأولى التي ترى فيها أثرًا على يديه. تذكّرت خدوشًا وكدماتٍ متفرقة لاحظتها في أوقات سابقة، وفي كل مرة كان يمنحها تفسيرًا بسيطًا؛ اصطدامًا أثناء العمل، أو تعثّرًا، أو مجرد إصابة لا تستحق كل ذلك القلق، كما كان يقول.
في السابق، كانت كل إجابة تبدو معقولة بما يكفي كي تمرّ. أما الآن، ومع كلماته عن ذلك «الثقل» الذي يحمله، لم تعد تلك الذكريات تبدو منفصلةً تمامًا عن بعضها.
رفعت عينيها إليه، وبقي سؤالٌ واحد عالقًا في ذهنها دون أن تنطق به: كم مرة أخفى عنها شيئًا وهو يبتسم ويقول إنه بخير؟ كادت تسأله، لكنها ابتلعت السؤال؛ لم يكن هذا الوقت مناسبًا، ولم تكن تملك بعد سوى شكوكٍ مبعثرة.
كما أنها لم تُرد أن ينتهي يوم تخرجهما ولا يبقى منه في ذاكرتها سوى الخوف والعراك. رفعت عينيها إليه فجأة، وكأنها اتخذت قرارًا:
– يجب أن نلتقط صورًا لنا معًا... والآن.
عقد جونغ سو حاجبيه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة عابثة:
– وأخيرًا… كنتُ أظنّ أنكِ لن تطلبي هذا أبدًا!
انتقلت إيلينا إلى جواره ورفعت هاتفها، وما إن التقطت الصورة الأولى حتى اعترض جونغ سو على زاويتها، فردّت عليه بسخرية والتقطت أخرى. وسرعان ما تحوّل الأمر إلى سلسلة من الصور والضحكات التي أعادت إلى ليلتهما شيئًا من الخفة التي فقداها في الحفل.
اقتربت منه فجأة واحتضنته من جانبه، ثم التقطت لهما صورة. أربكته حركتها للحظة، قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة واسعة كشفت سعادته بوضوح.
ثم جاءت طرقاتٌ خفيفة على الباب.
توقفت ابتسامتهما في اللحظة نفسها. أنزلت إيلينا الهاتف وابتعدت عنه، وعاد الارتباك إلى وجهها وهي تنظر إلى الباب ثم إلى جونغ سو.
عقد حاجبيه بحيرة وهو يلتفت إلى الباب. كان قد طلب من الخادمات المغادرة، وهان يُفترض أن يكون قد ذهب إلى عمله. فمن الذي يطرق بابه الآن؟
تكررت الطرقات.
اندفع جونغ سو نحو الباب، ومع كل خطوة حلّ الحذر مكان انزعاجه السابق. توقّف أمامه لحظة، ثم مدّ يده ببطء نحو المقبض.
4 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.