تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
2
الفصل الثاني
ارتجف جونغ سو من قسوة البرد الذي نخر عظامه بعد ساعاتٍ قضاها فوق الأرض الرطبة. ومع ثقلٍ باغت جسده، فتح عينيه ببطء؛ سماءٌ صافية امتدت فوقه، يتوسّطها قمرٌ يسكب ضوءه الفضيّ على سكون الليل. ظلّ يحدّق إليه طويلًا، كأن ذلك النور كان يتحسّس شقوق روحه واحدةً واحدة، ويمنح قلبه المنهك لحظة سلامٍ لم يكن ينتظرها.
لكن سلامه الروحي تبخّر مع رنين هاتفه المحمول. سحبه من جيبه وزفر بضيق وهو يحدّق في الاسم الظاهر على الشاشة. رفع جسده بصعوبة، مستندًا على ذراعه، يضغط على فكّه بينما يفكّر: هل يرد… أم يتجاهل؟
همس لنفسه وهو يمرّر أصابعه في شعره بتوتّر:
– لماذا أخاف؟ لم أفعل ما يسيء إليه. لقد أنقذتُ امرأةً مسكينة من الموت… وحفظتُ سمعة العمل.
وما إن ضغط زرّ الإجابة بتردّد، حتى باغته صوت والده ينفجر بلا تحية:
– لماذا لا ترد، أيها الأحمق المدلّل؟ سأقتلك يا عديم المسؤولية!
تأتأ صوته وهو يحاول إخفاء توتّره:
– أبي… إن كنتَ غاضبًا لأنني ضربتُ ذلك الرجل…
لكن والده قطع عليه الكلام بصرامة لا تسمح بجدال:
– تعال إلى غرفة الشخصيات المهمّة. الآن.
وأغلق الهاتف في وجهه بلا تردّد. بقي جونغ سو يحدّق في الشاشة لحظة، قبل أن ينهض ببطء، يلومه في داخله بمرارة:
«سئمتُ من صراخك… مهما حاولت إرضاءك، لا أحصل منك إلا على غضب جديد.»
بخطوات متثاقلة، شقّ طريقه نحو طابق كبار الشخصيات.
كلما اقترب، تصارعت أنفاسه مع نبضات قلبه.
لم يكن يخشى على نفسه، بقدر ما كان يخشى على صورته أمام الآخرين؛ أن يُنقص والده من قدره، أو أن يهدم المكانة التي طالما حرص على الحفاظ عليها.
توقّف لحظةً أمام الباب يجمع شتات نفسه، ثم دخل بوجهٍ خالٍ من أي انفعال، على عكس الضجيج المحتدم في عقله. فتّش بعينيه عن والده في القاعة المزدحمة بالبذلات الرسمية، وهناك، في المنتصف، وجده أخيرًا؛ يقف بقرب رجلٍ صلب الملامح طويل القامة، كان واقفًا بثبات واضعًا يديه في جيوب بنطاله، بينما كان والده يحني رأسه ويتذلّل له، كما لو أن الآخر هو مالك المكان لا هو.
أمّا الرجل، فقد تعرّف عليه جونغ سو جيّدًا؛ إنّه السيّد «كيم وانغ»، رجل أعمال نافذ ووزير الزراعة السابق، اعتاد التردّد على مُجمّع «ليل ونهار» لعقد اجتماعاته مع أقرانه، وبنى مع والده علاقةً وطيدة، وكان وجوده الدائم يعود على المجمع بمنافع كبيرة.
قطع والد جونغ سو تبادل النظرات بين جونغ سو وكيم وانغ حين ناداه بصوتٍ يحمل الكثير من الإنذار والوعيد. تقدّم جونغ سو نحوهما بخطوات رصينة حذرة، غير أنّ النار اشتعلت في صدره ما إن لمح هيو وان يجلس على كرسي السيد جيون، يلفّ ساقًا فوق ساق، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة نصر مستفزّة.
للحظةٍ خاطفة، اندفعت في رأس جونغ سو رغبة عمياء بأن يمحو تلك الابتسامة عن وجهه، لكنه كبحها سريعًا، مقيّدًا بأغلال طمع والده، فلم يكن أمامه سوى تجاهله بصمتٍ محسوب.
– أخبرني ما الذي حدث منذ ساعات؟
سأله والده وهو يتقدّم نحوه. رأى جونغ سو في السؤال فرصة أخيرة لإنقاذ نفسه من الإذلال، فبدأ:
– سمعت صراخ امرأة…
لم يُتح له إكمال جملته؛ إذ انهال والده على وجهه بصفعة مدوّية، تركت حرارتها تشتعل على خده كلسعة نار.
للحظةٍ خاطفة، تخيّل نفسه يصرخ في وجه والده، أن يعلن براءته أمام الجميع، لكن صوته ظلّ حبيس صدره، كطائرٍ مكسور الجناحين يعجز عن الطيران.
ثم كرّر والده السؤال بحدّة، بينما توجّهت أنظار الجميع في القاعة إليهما:
– ماذا سمعت؟
تمتم جونغ سو بصوتٍ متكسّر، محاولًا التماسك:
– كانت تطلب النجدة…
لكن والده لم يمنحه الفرصة لقول المزيد. رفع عكازه الحديدي، ثم غرس طرفه الحاد في بطنه بقسوة، فانطبق جونغ سو على نفسه تحت وطأة الألم. وفي تلك اللحظة، لم يشعر بوجع الضربة وحده، بل شعر بأنفاسه تضيق، وكأن الهواء في القاعة قد نفد فجأة.
لم يكن الألم جسديًا فحسب، بل كان اختناقًا أيضًا؛ اختناقًا من رائحة النفاق والذل التي تفوح من ثياب والده، ومن أولئك الذين يحيطون به.
بينما يبتلع أنينه بعناد، رفع بصره ليجد نظرات هيو وان متسمّرة عليه، يستمتع بمشهد إذلاله بعد أن تبادلت أدوارهما فجأة.
كتم أنفاسه المتقطّعة، واستقام مجددًا، متمسّكًا بفكرة واحدة فقط: أن هذا لن يدوم، وأن الصبر هو الشيء الوحيد المتاح له الآن.
سأله والده مرة أخرى بغضب صارخ:
– تكلم أيها الأحمق، ما الذي حدث؟
اعتدل جونغ سو، وهو يكوّر قبضتيه المتشنّجتين. كان قد أدرك منذ حديث والده الأول معه أنه لم يستدعه ليسمعه، بل ليتلقّى العقاب فحسب.
ابتلع خيبته، وتحدّث ببرودٍ رسمي لا يشبه علاقة أب بابنه:
– لا شيء يا سيدي… مجرد مزاح بين شابين يافعين. أنا أعتذر عمّا فعلته بصدق. لقد كنتُ مخطئًا.
– لستُ أنا من يجب أن تعتذر إليه، اعتذر للسيد كيم وانغ، ولابنه السيد كيم هيو وان.
صدر أمر والده حادًّا، وهو يشير برأسه نحو المدعو «هيو وان». لم يجد جونغ سو مفرًّا، فانصاع وهو يقاتل شياطينه كي لا يدمّر كل ما حوله. التفت إلى هيو وان، يجرّ خلفه كرامته المثقوبة، وقال بصوتٍ مشدود:
– لقد أثقلتُ عليك بالمزاح قليلًا، وأرجو أن تغفر لي خطئي.
صفّق هيو وان ثلاث مرات بسخريةٍ فجّة، ثم قال بنبرة يملؤها الازدراء:
– فاجأني رد فعلك بصراحة، لكنني أتمنى ألّا تحمل الضغينة لاحقًا… فأنت تعلم أن لكل فعلٍ ردَّ فعل.
صمت للحظة:
– كان لا بدّ أن تدفع الثمن، وإلّا…
هزّ جونغ سو رأسه متظاهرًا بالتفهم في بداية كلام هيو وان، لكنه سرعان ما رفع نظره إليه، وسأل بصوتٍ مشدود:
– وإلّا… ماذا؟
شعر والده بالخوف من تصاعد الموقف، فرفع يده وصفع مؤخرة رأسه بعنف:
– أيها الغبي! كيف تجرؤ على الحديث؟
صرخ جونغ سو، مبهوت العينين، يبحث في وجه والده عن أي ذرة رفض لما يحدث:
– ألم تسمعه يهددني أمامك؟!
فجذبه والده من ردائه ودفعه بقسوة، كأنه يطرده قبل أن يرتكب مصيبة أخرى. تراجع جونغ سو خطوة، يشتعل صمتًا؛ عيناه شاخصتان، ومئات اللعنات تتفجّر في رأسه على كيم هيو وان ووالده كيم وانغ.
لم يكن هيو وان راضيًا هو الآخر، لكنه اضطرّ إلى الصمت حين نهره والده رافعًا كفّه في الهواء. ابتلع ما كان يودّ قوله، وأذعن على مضض. غير أن النظرة في عينيه بقيت، ثقيلةً بما لا يُقال.
عدّل كيم وانغ بذلته الرسمية، ثم رسم على شفتيه ابتسامة ساخرة وهو ينظر إلى والد جونغ سو:
– يبدو أن ابنك لم يتعلّم بعد كيف يحترم السادة، أم أنه يظن أننا هنا للزينة فقط، يا سيد جيون؟
انفلتت من فم السيد جيون ضحكة قصيرة، بدت كمحاولة بائسة لستر الارتجاف الذي خان صوته أمام سطوة كيم وانغ:
– لا تشغل بالك به، يا سيد كيم… ابني فتى جاهل وأحمق، وأرجو أن تتفهم الأمر بسعة صدرك.
حملت ملامح السيد كيم وانغ تعاليًا باردًا، وقد اكتفى بما قيل؛ مدّ يده وعدّل سترة السيد جيون، وعلى وجهه سخرية لاذعة:
– حسنًا، بما أنه غبي… سأعفو عنه هذه المرة. لكن اعتبره تحذيري الأول والأخير. سيطر على ابنك، وإلا جعلت حياتك جحيمًا لا يُطاق.
مسح السيد جيون العرق المتصبّب عن جبينه:
– سآخذ أوامرك بعين الاعتبار… والآن، دعنا من هذا قبل أن أنسى. أتعلَم ماذا أحضرت لك من تايلاند؟
ما إن سمع السيد كيم وانغ اسم تايلاند، اتسعت عيناه بدهشة، وتنحنح بخشونة، محاولًا كبح الحماس في كلامه:
– هل أحضرت ما أوصيتك عليه؟
– أجل، والبضاعة من النوع الذي تفضّله، لكن مشكلة ابني الأحمق شتّتت انتباهي… إن كنت مستعدًا للمضي قدمًا، فسأقدّم لك ما تختاره كهدية تضمن رضاك.
كلمة «بضاعة» جذبت انتباه جونغ سو، الذي ضيّق عينيه، وحاجباه معقودان، متسائلًا في نفسه عن ماهيتها. قبل أن يجد جوابًا، لفّ السيد كيم وانغ ذراعه حول كتفي جونغ سو، وهمس له بازدراء:
– انظر إلى والدك، وتعلّم كيف يُرضي أسياده بدل أن تعكّر مزاجهم بأمور تافهة.
لم يجب جونغ سو، وبقي متسمّرًا كقطعة أثاث صُمّمت للاتكاء. في المقابل، ارتسمت على وجه والده ابتسامة متوترة وهو يراقبهما؛ كان يدرك أن استمرار المواجهة قد يكلّفه مكان عمله بسبب ابنه الوحيد.
مال قليلًا نحو السيد كيم وانغ، محاولًا صرف نظره، وقال:
– فلنذهب، صديقي العزيز… فقد تفقد الفتيات حماسهن ونحن ما زلنا هنا.
قبل أن يتقدّم كيم وانغ نحو السيد جيون، توقّف لحظة وكأنه تذوّق العبارة، ثم رمق جونغ سو بنظرة أخيرة متعالية وقال:
– لا، ليس الحماس… فبدونه ستكون الليلة مملّة.
بضاعة… فتيات.
علقت هاتان الكلمتان في ذهن جونغ سو كشوكتين، بينما تلاشى من حوله كل شيء. كان يظنّ أنه يعرف كل شيء عن عمل عائلته… حتى جاء هذا اليوم ليهشم ذلك الوهم.
تملّكه قرفٌ ثقيل، وشعر للمرة الأولى بأن خلف الخدمة الرفيعة في الجزء المخصّص لكبار الشخصيات شيئًا مريبًا لا يعرف حقيقته.
وللمرة الأولى، لم يشعر أن الصمت الذي اعتاده كان حكمة… بل كأنه مشاركة غير معلنة فيما يحدث من حوله.
ضغط على جبهته، محاولًا طرد الأفكار التي تثقل رأسه.
لكن لحظة السكون لم تدم طويلًا. كالعادة، ظهر عمه بعد انتهاء المواجهة، يقترب منه بضحكته الماكرة المتقطعة، كأنها جاءت لتدوس على ما تبقّى من تماسكه.
التقت عينا جونغ سو بعيني عمه المليئتين بالسخرية؛ كان عمه يعرف بالضبط أين يضرب.
فبادره جونغ سو بالسؤال، مجعّدًا حاجبيه:
– ما الذي يضحكك؟
قهقه الآخر وهو يرفع كأسه أمام وجهه:
– غباؤك.
أومأ جونغ سو بهدوء مصطنع:
– الغباء خير لي من أن أكون قذرًا.
تصلّبت ملامح عمه كيونغ، واحمرّ وجهه بغضبٍ مكتوم. كادت الكلمات القاسية تنفلت من فمه، لولا صوت إحدى مرافقاته الذي قطع عليه ما كان سيقوله. استدار مغادرًا، قبل أن يتمتم بحنق:
– فتى أحمق… عديم الفائدة.
ومع انسحاب عمه، جرّ جونغ سو قدميه المتثاقلتين خارج القاعة، تاركًا خلفه ضجيج النفاق وضحكات السخرية المكتومة. انزلق إلى العتمة المألوفة في الطابق السفلي، حيث لم يكن هناك سوى صدى خطواته المضطربة.
عند زاوية الممر المظلم، توقّف جونغ سو فجأة، وانحنى بجسده وهو يضغط بيده بقوة على جانب بطنه تحت وطأة الألم.
لمح هان الواقف في الظلال، وابتسم بفتور؛ كان المشهد نفسه يتكرر كلما خرج من معركة مع أبيه، وكان هان دائمًا يقف هكذا بانتظاره.
اقترب هان بخطوات قلقة، ولم يكتفِ بالنظر إلى وجه جونغ سو المصفوع، بل لاحظ يده المرتجفة التي تضغط على بطنه فوق قميصه داخل سترته. وبحركة حذرة، مدّ هان يده ورفع طرف سترة جونغ سو الرسمية قليلًا… فاتسعت عينا هان بصدمة؛ لقد بدأت بقعة دمٍ حمراء تتسلل ببطء عبر نسيج القميص الأبيض الناصع.
أطبق هان فكه بغضبٍ مكتوم، لكنه كبح أسئلته واستعاد هدوءه ليحتوي الموقف، ثم همس بصوتٍ مخنوق:
– سيدي… القميص… لا بد أن نعالج هذا الجرح قبل أن يراك أحد.
نظر إليه جونغ سو بعينين مُنهكتين، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة:
– لالا تقلق، هذا الجرح الذي تراه… هو أرحم بكثير من الكلمات التي سمعتها بالداخل.
في اليوم التالي، مدّ جونغ سو يده متثاقلًا نحو هاتفه محاولًا إسكات رنينه المزعج، وهو يهمهم بتذمر. لكن كل حركة كانت تكلّفه شهقة ألم مكتومة؛ فضربة العكاز ما زالت تؤلمه، تاركةً كدمةً وجرحًا صغيرًا تحت ثيابه.
ما إن وقعت عيناه على ثلاث مكالمات فائتة من إيلينا، حتى انتفض من فراشه كالملسوع، فاشتعل الألم في بطنه واضطر إلى التمسك بحافة السرير:
– يا إلهي.
كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا، وموعدهما مع مصمم الأزياء في العاشرة والنصف. حاول الاتصال بها، لكن بلا جدوى؛ فحين يتجاهل مكالماتها، تقابل تجاهله بصمتٍ أطول.
ارتدى ملابسه على عجل، وخرج من غرفته المبعثرة متخبّطًا فيما حوله. وفي منتصف السلالم، اهتز الهاتف في يده برسالة واحدة. عندما فتحها، توقّف في مكانه:
«أخذت فستاني… وعدتُ إلى منزلي.»
ظلّ يحدّق في الشاشة لحظة أطول مما يجب، ثم همس بصوتٍ خافت:
– إنها غاضبة.
– لا ألومها.
التفت جونغ سو على صوت أمه، فلم يكن قد انتبه إلى وجودها. حدّق في يديها وهي تقطع كعكة الكرز المفضلة لديه بحركات متأنية؛ يدان ناعمتان لم تلوثهما قسوة الحياة، تمنحانه شعورًا بأنه ليس وحيدًا في محيط أسرته القاسي. ثم رفع نظره إليها؛ كانت عيناها ثابتتين، لا تحملان عتابًا بقدر ما تحملان فهمًا مُرهقًا.
انقبض صدر جونغ سو قليلًا. لم تحتج إلى قول المزيد؛ جملتها القصيرة أصابت موضعها بدقة. آثر الصمت، عازمًا على ألا يفتح باب الليلة الماضية معها، أو يخبرها أن ابنها «المدلّل»، كما يراه والده، قد عاد بالأمس بقميصٍ ملطخ بالدماء.
اقتطع قطعة كبيرة من الكعكة والتهمها دفعة واحدة. مدّ يده ثانية، لكنها أبعدتها وضربت يده بخفّة اعتادها منذ الطفولة.
تصلّب جسد جونغ سو لثانية؛ فرغم خفة ضربتها، أصابت وترًا مشدودًا في جسده المنهك، فأيقظت الألم الذي كان يحاول مواراته.
– إن أكلت كثيرًا ستنتفخ، ولن تلائمك بذلتك الرسمية.
تخيّل نفسه محشورًا في بذلة ضيّقة، وإيلينا تبتسم خلف الكاميرا. للحظة، خفّ الحمل عن صدره، فانفجر ضاحكًا رغم الألم الذي ينخر بطنه:
– عندها ستقتلني إيلينا فعلًا… هي تنتظر هذا اليوم فقط لتلتقط الصور.
ناولته أمه كأس عصير برتقال طازج. كان سؤالها التالي طبيعيًا، لكنه خرج بنبرة اهتمام صافية:
– متى تبدأ الحفلة؟
– في السادسة مساءً.
لاحظ العلبة بين يديها، وتساءل بعفوية طفل يخاف أن تنفذ حلواه:
– لماذا تضعين الكعكة فيها؟
أغلقت العلبة بهدوء:
– لوالدك. سنسافر إلى أمريكا لزيارة جدك المريض.
ثم أضافت بنبرةٍ لا تترك مجالًا للجدال:
– أنت تعرف أنه لا يأكل إلا طعام البيت.
حدّق بها، وقد باغته الخبر. الرجل الذي انهال عليه بالعكاز بالأمس، والذي أثارت أحاديثه عن «البضاعة» والفتيات كل تلك الشكوك في رأسه، هو نفسه الرجل الذي تخبز له أمه كعكة الكرز بكل هذا الحب والوفاء.
شعر جونغ سو بقرف مفاجئ؛ لقد أدرك في تلك اللحظة أن والده لا يستحق هذه المرأة.
– الآن فقط تخبرينني؟
اقتربت منه، وطبعت قبلة دافئة على خده، قبلة تحمل اعتذارًا صامتًا وحنانًا:
– لم أشأ أن أثقل عليك، يا صغيري.
ارتخى عبوسه قليلًا:
– بلّغي جدي سلامي.
ابتسمت وهي تبتعد، قبل أن تقول:
– وأنت… بلّغ سلامي لحبيبتك العصبية. البيت لك هذا الأسبوع، استمتع.
تابعها بعينيه حتى اختفت. بهتت ابتسامته تدريجيًا، وحلّ مكانها ثقلٌ لم يعرف له اسمًا، وتسلّل إلى ذهنه سؤالٌ أخافه: ماذا لو صحّت شكوكه يومًا، وعرفت أمه ما قد يُخفى خلف الأبواب المغلقة في ذلك المكان؟
هزّ رأسه بعنف ليطرد الفكرة، ثم أخرج هاتفه واتصل بإيلينا. كان مجرد التفكير بها كافيًا لتخفيف شيءٍ من ضغط صدره.
– ماذا تريد؟
جاء صوتها باردًا. فسأل بحذر:
– ما زلتِ غاضبة؟
– ما رأيك أنت؟
أبعد الهاتف عن أذنه حين ارتفع صوتها، ثم قال مسرعًا، بنبرة صدق لم يحاول تزييفها:
– أعتذر يا حبيبتي، أقسم أنني كنت متعبًا، مناوبتي لم تنتهِ حتى السادسة صباحًا.
ساد صمتٌ قصير وهو ينتظر جوابها، صمتٌ ثقيل كاختبار. توقّع حدّةً أو توبيخًا آخر، لكنها نطقت بهدوءٍ خالف كل ما تهيّأ له:
– لا بأس… لا يجب أن نفسد هذا اليوم، أليس كذلك؟
انفرجت ملامحه، وأطلق زفرةً طويلة، وعادت الحياة تدريجيًا إلى صوته حين قال:
– حسنًا… حبيبتي… هل ما زلتِ على وعدك؟
– أي وعد؟
– أن نقضي الليلة معًا بعد الحفلة؟
انفلتت منها ضحكة خفيفة أزاحت ما بقي من توتر المكالمة:
– تنسى كل شيء… إلا هذا.
قبل أن يردّ عليها بحيلة جديدة، جاءه صوت أحد الخدم من خلفه:
– سيدي، وصلت بذلتك الرسمية.
التفت جونغ سو بضيق، مشيرًا إليه بالصمت، لكن إيلينا التقطت الكلمات فورًا، وسرعان ما تسلّل الحماس إلى صوتها وهي تأمره:
– جرّبها الآن، وأخبرني بالنتيجة بسرعة.
تنفّس باستسلام، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة:
– حسنًا… سأمرّ لأخذك بعدها.
– لا داعي، أبي سيوصلني. أراك هناك.
– لا تنسي… أنني أحبك كثيرًا.
جاءه ردّها بضحكة دافئة:
– وأنا أيضًا.
أغمض عينيه بابتسامةٍ صادقة، وأبقى الهاتف ملاصقًا لخدّه بعد انتهاء المكالمة. معها فقط، تخفت الضوضاء، ويصبح كل شيء آخر أبعد قليلًا. لم تختفِ أحداث الليلة الماضية من رأسه، ولم يخفّ الألم الذي تركته في جسده، لكن صوت إيلينا كان كافيًا ليمنحه هدنةً قصيرة من كل ذلك.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!