وضع القراءة:

Chapter 2

عندما هوى في قاع الكهف السحيق، وبعد سماعه الأخير لصوت الجرذان، غاب عن الوعي تماماً من شدة الصدمة. وعندما استيقظ، أحس بثقلٍ غريب وجامد يغطي جسده.. فتح عينيه بصعوبة ليرى كابوساً حياً؛ كانت الجرذان تحيط به بكثافة، وتتجمع فوق ساقه المكسورة وهي تقضم من لحمه وتقتات على دمائه النازفة! الانتفاضة المفاجئة لجسده الخائف جعلت جيوش الجرذان تهرب وتتفرق في الزوايا المظلمة.نهض مستنداً على يده، ثم أطلق صرخة دوت في أرجاء المكان؛ صرخة لم تعبر عن الألم الجسدي القاتل فحسب، بل عن الوحدة القاتلة وعن كل ما آل إليه مصيره بسبب تلك الخطيئة القديمة. جلس وحيداً يتأمل هذا الكهف المظلم، حيث كان الضوء الوحيد المتاح هو ضوء القمر الساقط من الحفرة التي وقع بها. تفقد محيطه البسيط، فوجد الأغصان التي سقطت معه من الأعلى، فجمع بعضاً منها وجعل منها موقداً للنار، لكنه واجه معضلة كبرى: لا يوجد لديه أي شيء يوقد به هذه النار!استجمع شجاعته وقرر التحرك، زاحفاً من مكان ضوء القمر نحو ظلام الكهف الدامس بحثاً عن صخرتين صلبتين لـقدح الشرار. بدأ يتلمس الأرض والحجارة بـأصابع مرتجفة؛ فالرؤية كانت معدومة تماماً، وعيناه لم تستطع التعود على هذه العتمة الخانقة. وبعد دقائق من الخوف والبحث الأعمى، عثر على الصخرتين وعاد زاحفاً نحو مكان ضوء القمر. أخذ يضرب الحجرين ببعضهما بكل ما أوتي من عزم، حتى انطلقت الشرارة الأولى وتوهجت النار بالحطب. ومع الضوء المفاجئ، تجمد في مكانه؛ كان أمامه جيشٌ من مئات العيون الحمراء المشعة التي تراقبه بدقة.. إنها عيون الجرذان! وبسبب خوفها الغريزي من وهج اللهب، تراجعت ولم تجرؤ على الاقتراب من دائرة الضوء.استغل البطل هذا الأمان المؤقت، فأخذ المواد والألياف وصنع الجبيرة الطبية لساقه المكسورة وثبتها بإحكام. ثم التقط غصناً طويلاً وقوياً، وجلس يشحذه ويبريه بالحجر الصوان حتى تحول الخشب إلى سلاح فتاك.. رمحٍ بدائي مدبب. في تلك اللحظة، تقدم جرذٌ ضخم بجرأة نحو الدائرة المنيرة كأنه لم يخف من النار.. لكنه كان يجدر به الخوف؛ فالشخص الجالس بجانب النار الآن أصبح أرعب من النار نفسها! وبحركة خاطفة، غرس البطل رمحه في جسد الجرذ، ثم سحبه وسلخه واقتات على لحمه ليسد جوعه القاتل. وبعد امتلاء معدته، لم ترحب أمعاؤه بهذا الطعام المقزز وكادت تتقيأه، لكن الجوع الشديد يجعلك تفعل كل شيء قذر من أجل أن تعيش!قبل أن يستسلم للنوم، استغل الأغصان المتبقية وصنع منها قفصاً صغيراً ومحكماً، وصاد بداخله أربعة جرذان حية وتركها جانباً. أمن نفسه بجانب النار، ثم نام بعمق بسبب الإرهاق الشديد والنزيف والألم الذي أصاب جسده.وعندما استيقظ، وجد نور الشمس يتدفق بغزارة كاشفاً عن الكهف كله؛ ما كان مستحيلاً رؤيته بالليلة الماضية أصبح الآن مرئياً بوضوح، واختفت الجرذان الحرة إلى جحورها خوفاً من الضوء. سحب البطل القفص الصغير، وأخرج النباتات الأربعة التي جمعها في طريقه قبل السقوط لِيختبر تأثيرها على الجرذان المحبوسة. كانت النباتات كالتالي:
النوع الأول: أوراق عريضة لونها أخضر فاحم، تخترقها عروق حمراء قانية كأنها شرايين تنبض بالدم، وتفرز مادة حليبية لزجة بمجرد قطعها.
النوع الثاني: نبات ذو أوراق طويلة ومدببة، لونها أخضر باهت ومغطاة بشعيرات ناعمة كأنها مخمل، وتفوح منها رائحة نفاذة تشبه النعناع البري.
النوع الثالث: عشبة زاحفة بأوراق مروحية صغيرة، تتوسطها زهور بنفسجية ناعمة تفوح برائحة برية سكرية.
النوع الرابع: جذور ليفية متشابكة ومتفرعة، متصلة بأوراق صفراء ذات حواف منشارية حادة.أطعم الجرذ الأول من النبات ذي العروق الدموية (النوع الأول)، وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى تشنج الجرذ ومات في مكانه! غمس البطل رأس رمحه الخشبي بتلك العصارة السامة ليتحول رمحه إلى سلاح قاتل وفتاك. ثم استخدم الأنواع الثاني والثالث والرابع مع الجرذان المتبقية، فلم تمت، وعرف أنها غير سامة؛ فاستفاد من معرفة ثلاثة أنواع صالحة للاستهلاك الآمن وواحدة سامة.
بعد معرفة السام والغير سام من النباتات، وتأمين سلاحه وطعامه، نظر البطل وجال بعينيه في أركان المغارة المنيرة.. لقد حان الوقت ليجد طريقة يخرج بها من هذا الكهف السحيق نحو المجهول!
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.