مِـنْ أَعْـلَى الـنُّـورِ.. إِلَـى أَسْـفَـلِ الـظَّـلَامِ
كان إنساناً طبيعياً يعيش حياة عادية، لكن الحياة نفسها كان لها قرار آخر. في أحد الأيام، ارتكب خطأً كبيراً كانت عواقبه وخيمة. سحبه أبناء عشيرته ليواجه موته من أعلى شلال شاهق. صرخ مستعطفاً: 'أرجوكم لا تقتلوني، أعلم أنني أخطأت!'. فرد عليه الناس: 'خطأ تقول؟ لقد فعلت شيئاً لا يمكننا غفرانه، وحتى الله لن يغفر لك!'. (لقد كانوا متعصبين دينياً ولا يعرفون مدى سعة مغفرة الله). صرخوا به: 'أيها الخاطئ الزاني!' ثم دفعوه من أعلى الشلال.وأثناء سقوطه، كان يصيح: 'يا الله ارحمني واغفر لي، لا أريد أن أموت، ما زال لدي الكثير لأراه، أرجوك أعطني فرصة أخرى!'. سقط في الماء من ذلك الارتفاع الشاهق. تحطمت ساقه اليمنى، وكان يكافح للخروج من الماء، لكن التيار كان أقوى منه. وبعد دقيقتين من الصراع لأجل البقاء، غاب عن الوعي.استيقظ من ذلك المصير وجسده يملأه الألم. وقف بصعوبة على قدميه وأخذ يتلفت حوله، يتفحص المكان الذي وصل إليه. وحيثما وقعت عيناه، كانت هناك مساحات خضراء شاسعة تمتد الأفق. وقبل أن يفعل أي شيء، شكر الله على الفرصة الثانية التي وهبها له. وكان أول ما فعله هو البحث عن شيء يستند إليه بسبب ساقه المكسورة، محاولاً مداواتها. بينما كان يعرج متفقداً الأرجاء، عثر على غصن شجرة كبير فاتكأ عليه. صار لديه ما يستند إليه الآن، لكنه لا يعلم أين هو، وماهية هذا المكان الذي سقط فيه. كان معروفاً في قبيلته بشجاعته وبراعته في البقاء؛ فبالرغمِ مِنْ أنَّ قَبِيلَتَهُ كَانَتْ نَائِيَةً وَبِدَائِيَّةً ، إلا أنه كان شغوفاً بالتعلم، مما مكنه من معرفة بعض أساسيات الطب البدائي.بدأ بالبحث عن العناصر اللازمة لصنع جبيرة لساقه. ولم يتعب كثيراً في العثور عليها بفضل الأشجار والنباتات المتشابكة التي تحيط به منذ استيقاظه، فوجد أغصاناً قوية وأليافاً لنباتات متسلقة. كانت المواد بين يديه، لكنه يعلم أن عليه تحمل ألم لا يطاق قبل ربطها؛ وهو إعادة عظمه المكسور إلى مكانه! وبسبب هذا الألم، والمكان المجهول، والجو الرطب الخانق، والحشرات التي تملأ الأفق، أدرك أن عليه إيجاد مأوى آمن أولاً قبل البدء بالعلاج.استمر في البحث والوقت يمر سريعاً متوغلاً في المجهول. ومع بداية غروب الشمس، كان يجمع بعض النباتات في طريقه، مستنداً على غريزته التي تحذره من الوثوق بأي شيء يراه حتى لو كان جميلاً، فما هو جذاب قد يكون ساماً وقاتلاً. لم يكن يبحث عن مأوى فحسب، بل كان عقله يعتصره بالتفكير: كيف سيأكل؟ كيف سيعيش؟ وما هي الوحوش التي تختبئ هنا؟ خطرت بباله فكرة خطيرة، لكنها في عقله كانت السبيل الوحيد لتمييز النباتات السامة من غيرها.وفجأة، بعدما غربت الشمس تماماً، سمع صوت خطوات فوق رأسه! تجمدت الدماء في عروقه. واصل المشهد والصوت يلاحقه، ومع اشتداد الظلمة أصبح الصوت أسرع، فبدأ يهرول، والصدى يتسارع معه كأنه نابع من أنفاسه ورعبه. في تلك اللحظة الرهيبة، تذكر أسطورة متوارثة في قبيلته منذ قرون؛ تقول الأسطورة: 'بعد غروب الشمس، يخرج شيطان يُدعى الظل.. لا تراه، بل تسمع خطواته فقط، وأينما تذهب يكون خلفك مباشرة، وإذا رأيته.. فالموت لك لا محالة!'.أخبرته غريزته أن 'الظَّل' خلفه الآن. التفت بسرعة فلم يجد شيئاً، لكن عندما نظر أمامه مباشرة، شلّ الرعب حركته! رأى كائناً على أربع أرجل، جسده أسود فاحم كـسواد الليل، وعيناه تشعان بـخضار متوهج كأوراق الأشجار. صرخت كل خلية في جسده: (اهرب!). ركض بكل ما أوتي من قوة، لكن ساقه المكسورة جعلت وتيرته بطيئة وقاتلة. لم تكن تفصله عن مخالب الكائن التي اندفعت نحو وجهه سوى أجزاء من الثانية!وفي تلك الأجزاء التي مرت كالتصوير البطيء، كان ينظر إلى عينّي 'الظل' الذي يتربص بفريسته، قبل أن يهوي البطل فجأة ويسقط داخل كهف مظلم سحيق، ليتلاشى الوحش فوقه، ولا يسمع في الأسفل سوى صوت وطء الجرذان.."
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!