العد التنازلي
عادت الأيام كسرعة الضوء، ومرت الأيام والشهور والسنوات التي كانت مليئة بالفرح تارة والحزن تارة أخرى، لكن رغم ذلك كانت الصديقتان تظلان مع بعضهما وتخففان عن بعضهما وتسندان بعضهما. كبرت تلك الصداقة وتطورت إلى أن أصبحت أخوة، كل واحدة تكمل الأخرى. كان انسجام بينهما غريبًا حيث إنهما يفهمان بعضهما بلا حروف أو حركات، كأن قلوبهما مربوطة ببعض. ولمعرفة مصير هذه الصداقة وما سيحدث لهما وكيف ستتطور الأحداث يجب أن نعود للحاضر لتكملة حكايتنا.
غمرت أشعة الشمس الدافئة أرجاء قرية كاسل كومب، حل الصيف بأيامه المشرقة، امتلأت الحقول بمناظرها الخضراء الزاهية، وتمايلت الأزهار بألوانها العديدة مع نسمات الرياح الباردة بينما تتبعها الأشجار بأوراقها الكثيفة، وبدت أن القرية التي عرفت بجمالها وسحرها الجذاب وأهلها الطيبين والنشيطين، قد ازدادت تألقًا تحت السماء الصافية والشمس الذهبية التي تشع بنورها الدافئ في كل مكان.
كانت شارلوت جالسة بمكتبة كاميليا مع الأوراق والكتب مبعثرة أمامها. لملمت تلك الأوراق وأغلقت الكتب بتعب وهي تمدد أطرافها. لم يتبقَّ إلا أسابيع قليلة على امتحان القبول، التوتر بدأ يعتليها وخوف سكن قلبها، هي تخشى أن لا تنجح. تحاول أن توقف تلك الأفكار المزعجة التي تدور في رأسها، تقنع نفسها أن كل شيء سيكون على ما يرام، لكن الخوف تملكها. لقد قل تركيزها مؤخرًا، أصبحت شاردة الذهن كثيرًا وتقلب أوراقًا بلا هدف، ودائمًا ما تنظر إلى موعد الامتحان الموضوع أمامها. تقدمت نحوها كاميليا قائلة بمزاحها المعتاد:
كاميليا: كيف حال فأرة الكتب مع المذاكرة؟
شارلوت (ضاحكة): تنجحين في جعلي أضحك دائمًا، أما عن الدراسة فجيدة لكنني متوترة جدًا وخائفة.
ردت كاميليا تحاول طمأنتها:
كاميليا: ثقي بي، كل شيء سيكون بخير وما زال أمامك الوقت للمراجعة وقضاء الوقت معي قبل أن ترحلي، أنسيتِ؟
ابتسمت ابتسامة مطمئنة وهي تحاول أن تخفي خوفها وحزنها من اقتراب موعد الرحيل ثم ردت وهي تعد بأصابعها:
شارلوت: لا، لم أنسَ. نزهة إلى نهر باي بروك، الذهاب معًا إلى التسوق، زيارة ويليام، الذهاب إلى المكتبة الرئيسية من أجل شراء بعض الكتب، وأيضًا حفلة مبيت.
ابتسمت كاميليا برضى وربتت على ظهر شارلوت مطمئنة إياها ثم نطقت:
كاميليا: علينا الذهاب، لقد أمرتنا أمي بالمرور عند الجدة إليانور لإحضار بعض المستلزمات.
أومأت شارلوت برأسها ثم جمعت كتبها في حقيبتها وذهبتا الصديقتان إلى الجدة وهما تتكلمان عن الامتحان وعن دراسة شارلوت ومخططاتهما القادمة.
في المساء:
كانت السيدة سيلفي والسيد آلبرت في المطبخ يعدان وجبة العشاء بينما كاميليا وشارلوت تجلسان جانب بعض في غرفة المعيشة وتشاهدان التلفاز إلى أن قاطعهما صوت السيد آلبرت:
السيد آلبرت: هيا أيتها الكسولتان، العشاء جاهز.
نهضتا متوجهتين إلى مائدة العشاء، جلستا في مقعديهما، فنطقت السيدة سيلفي:
السيدة سيلفي: شارلوت، كيف حالك يا عزيزتي مع المذاكرة؟
شارلوت: جيدة بل وممتازة، لكن أشعر ببعض التوتر.
السيدة سيلفي: كل شيء سيكون على ما يرام، لا تقلقي.
نطق السيد آلبرت مازحًا:
السيد آلبرت: شارلوت خاصتنا مجتهدة، لقد كانت تحصل على أعلى النقاط منذ طفولتها.
أكملت كاميليا قائلة:
كاميليا: نعم، إنها ذكية بل وأذكى من ويليام، أختي رائعة.
ارتفع صوت الضحكات في المنزل، هز السيد آلبرت رأسه ضاحكًا وهو يضع المزيد من الطعام في طبق شارلوت.
السيد آلبرت: مهما كانت نتيجة الامتحان نحن فخورون بك وسنكون دائمًا معك.
ابتسمت شارلوت بخجل وشعرت براحة تحط في قلبها من كلماتهم المشجعة لكنها لم تقوَ على طرد ذلك الخوف والتوتر منه. لكنها أدركت أنها قد حصلت على عائلة حقيقية بعد والديها. كانت تخشى أن تكون مجرد عبء، لكن في مثل هذه اللحظات كانت تدرك أنها أصبحت فردًا منها.
غدرتنا الأيام بسرعة لم ندركها حيث أن شارلوت تجلس بساعات تذاكر من أجل امتحانها وتستعد له فهو الذي أثقل قلبها وشتت أفكارها، أما عن ما تبقى من يومها فهي تمضيه مع كاميليا تنجزان مخططتهما. أما كاميليا لقد كانت منشغلة بمكتبتها الصغيرة تدير أمورها وتهتم بزبائنها، وكلما أتيحت لها الفرصة تساعد شارلوت إن احتاجت شيئًا وتدعمها وترمي لها ببعض الكلام الإيجابي كي تطمئنها أو تلقي بعض نكاتها المضحكة لتزيل عنها بعض التوتر وتعب المذاكرة، وكانت دائمًا تنجح في هذا.
مر شهر كامل وها نحن وصلنا إلى اليوم المعلوم، يوم الامتحان الذي سبقته ليالٍ طويلة من السهر ودموع كثيرة من العجز وأفكار مزعجة تؤرق البال وتذهب النوم وكثير من الجهد المبذول. تجهزت شارلوت وشحنت طاقتها ثم توجهت رفقة عائلتها الصغيرة التي كانت تتمنى لها التوفيق في كل خطوة تخطوها، فهم يعلمون كم هي مولوعة بالقانون وتحلم أن تكون محامية مشهورة في البلاد والجميع يعرفها. وكانت هذه فرصتها للالتحاق بكلية القانون.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!