وضع القراءة:

الفقد الأول

بعد خمس سنوات
لقد أصبح الجميع يعرف أن العثور على إحداهما يعني العثور على الأخرى، لا يمكن أن يمر يوم واحد دون تشارك طعام ولعب والحديث. كانت الحياة هادئة وبسيطة تملؤها ضحكات ومزاح وكأن الأيام جميلة ستستمر إلى الأبد. لكن أحيانا يوم واحد يكفي أن يغير كل شيء.
عادت شارلوت من المدرسة رفقة كاميليا كعادتهما يهمسان ويتكلمان بسعادة عن مخططتهما لنهاية الأسبوع لكن يقطع كلامهما سماع صراخ وبكاء صادر من بيت شارلوت، أصوات لم يعتادا على سماعها داخل المنزل، أسرعتا إلى المنزل برعب لكن لم تعلما أن هذه لحظات ستغير مجرى حياتهما وسيكون هذا أسوأ يوم في حياة شارلوت.
دخلتا المنزل التي بدت أجواؤه ثقيلة وكئيبة على نحو غريب. لقد اختفت تلك الضحكات التي اعتادت شارلوت على سماعها وحل مكانها بكاء ونحيب كأن الحزن حط رحاله في هذا البيت.
ذهبت شارلوت تبحث عن والديها بخوف وتوتر لكنها لم تجد لهما أثرا كأن الأرض ابتلعتهما، كلما بحثت بدا المنزل أكبر وأوسع حتى وصلت إلى إحدى الغرف يصدر منها صوت بكاء متقطع وهمسات. دخلت بسرعة فوجدت عمها وزوجته يبكيان بحرقة.
لم تفهم شارلوت سبب بكائهما وزيارتهما من الأساس في مثل هذا الوقت لأنه نادر ما يزورونهما بسبب إقامتهما في مكان بعيد عنهم. تقدمت شارلوت ببطء نحوهما تنوي أن تسألهما عن سبب بكائهما وعن سبب الزيارة ولماذا الناس مجتمعون في المنزل لكن لسانها أخذ منعطفا آخر وقرر سؤالا عن والديها.
شارلوت: عمي هنري أين أمي وأبي؟
كانت تسأل وخوف يسيطر عليها تأمل أن تسمع خيرا مفرحا يثلج صدرها لأن والديها لا يخرجان إلا وأعلماها قبل ذلك فمن الغريب جدا غيابهما.
تصمر العم هنري في مكانه وارتجفت شفتاه حاول التكلم لكن الكلمات خانته فنطقت شارلوت بصراخ:
شارلوت: أين هما؟ هل حدث لهما شيء يا عمي؟ أخبرني رجاء.
وقف العم فجأة وعانقها بقوة مغمضا عينيه وانهمرت دموعه بلا توقف وتحدث قائلا:
العم هنري: شارلوت عزيزتي والداك قد رحلا إلى مكان جميل.
شارلوت: إلى أين يا عمي؟ إلى أين هما؟ لن يتركاني لوحدي.
أخفض رأسه بحزن لا يعرف بماذا يرد، ماذا يقول، كيف ستواجه هذه طفلة صغيرة حقيقة مؤلمة. نطق بعد صراع طويل مع نفسه بصوت مكسور وكأنه عاجز عن قولها ومصارحتها:
العم هنري: لللللقد........ توفيا.
تجمدت وجف الدم في عروقها شعرت ببرودة في أطرافها وثقل هائل حط على صدرها كأن جبلا استقر عليه وتردد في رأسها فقط كلمة "توفيا". بينما خيم الصمت الثقيل على الغرفة شعرت بالإنكار ووخز مؤلم في قلبها كأن روحها تتمزق. عادت إلى ذكرياتها آخر لقاء معهما في هذا الصباح أحست كأنهما كانا يعلمان أنهما لن يعودا.
في الجهة الأخرى كاميليا التي بدا عليها صدمة من كلمات العم هنري، فلطالما كان والدا شارلوت محبوبين في الحي فهما ودودان مع الجميع، وكل من في الحي يحترمهما ويقدرهما بسبب طيبتهما، لقد عاملاها بلطف ولم يفرقا بينها وبين شارلوت واعتبراها كابنتهما تماما، وتعلم أن شارلوت مقربة جدا من والديها وتحبهم وتقدرهم وتخشى فراقهم فهي متعلقة بهم جدا.
شعرت كاميليا بغصة في حلقها وعيونها ممتلئة بدموع، أحست بالأسى على صديقة عمرها وبأحاسيس اجتاحتها لأول مرة.
نظرت إلى شارلوت التي تصنمت كصخرة في مكانها، تقدمت نحوها واحتضنتها كأنها تريد أن تخبئها من هذه الحقيقة.
أمسكتها شارلوت بقوة ونطقت ضاحكة:
شارلوت: هم فقط يمزحون، إنه مقلب فقط أليس كذلك يا كاميليا؟ تعرفين أبي يحب المقالب والمزاح كثيرا.
انهمرت دموع كاميليا واحتضنتها بقوة أكثر. رغم صغر سنها أدركت أن صديقتها تلقت صدمة كبيرة وأن أصعب شيء هو أن تتخطى هذا الفقد.
فقدت شارلوت وعيها بين أحضان كاميليا.
الفصل الثالث
بعد انتهاء مراسم العزاء بعدة أيام جلس العم هنري والسيدة سيلفي يناقشان أمر شارلوت. كانت شارلوت جالسة على إحدى الأرائك مسندة رأسها على كتف كاميليا وممسكة بيدها كأنها خائفة أن تخسرها هي الأخرى.
نطقت السيدة سيلفي موضحة الموضوع للسيد هنري:
السيدة سيلفي: كما ترى يا سيد هنري أن شارلوت متعلقة كثيرا بكاميليا ولم تمر إلا أيام على فراقها لأبويها وهي لم تتخط ذلك بعد، فلا يجب أن نضغط عليها أو نجبرها على فراق آخر. وأنا أعدك أنني سأهتم بها مثل كاميليا لن أجعلها تحس بأي نقص أو اختلاف. أنا لن أقوم بدور والديها فكما تعلم لا يمكن لأحد أن يأخذ دورهما لكن سأسعى لراحتها وسعادتها. وأتمنى منك أن تتفهم الوضع.
نظر السيد هنري ناحية شارلوت شاردة الذهن كأنه يقرر ماذا يفعل ثم نطق مجيبا السيدة سيلفي:
السيد هنري: أنا أرى وضعها وأتفق معك. وأنا لا أريد الضغط عليها أريد فقط أن تكون مرتاحة. وأعرف أنك ستستقبلينها كابنتك تماما وأنا أود أن أقدم لك خالص شكري وتقديري على هذا المعروف.
أومأت السيدة سيلفي برأسها منهية الكلام.
نهض السيد هنري متقدما نحو شارلوت ثم نزل إلى مستواها ونطق قائلا:
السيد هنري: عزيزتي شارلوت، أتريدين أن تذهبي إلى بيتك وتلقي عليه نظرة أخيرة قبل أن يأتي صاحبه الجديد؟
أومأت برأسها ثم أخذت بيد كاميليا متوجهة ناحية البيت.
دفعت الباب ببطء ثم دخلت إلى البيت التي لم تطأه قدماها منذ أيام. لقد تغير كثيرا، أصبح مساحة صامتة تضج بذكريات وغياب الأمان. كأن البيت فقد روحه ونوره وبات موحشا، تقدمت مترددة لداخل وعيونها تجوب أرجاء منزلها بدا لها غريبا.
كأنها لم تسكنه قط، هذه المرة لم تسمع صوت أمها وهي تغني في المطبخ ولم تقع في مقالب والدها المعتادة، راودها شعور بالفراغ الذي لا يملؤه شيء. أزاحت بنظرها إلى صورة معلقة وسط البيت تأملتها بعيونها الخضراء التي اختفى بريقهما من الحزن. وقفت في حلقها غصة منعتها من أخذ الهواء.
أخيراً اعترفت لقد رحل الشخصان اللذان كانا مستعدين للتضحية بحياتهما من أجلها، شخصان اللذان أحباها واعتنيا بها وخافا عليها بصدق، وها هي الآن تبقى فقط صورهم وذكرياتهم التي تعود إلى البال لتؤنس الروح بعد اشتياق طويل.
أكملت طريقها متوجهة إلى غرفتها التي لم يبق منها سوى أغراضها وألعابها وصور طفولتها مع والديها. توجهت إلى دميتها الموضوعة على الأرض التي كانت أثمن ما عندها، فهي من صنع والدتها. نظرت باشتياق، فهي آخر ما تبقى من والدتها. انهمرت دموعها أخيراً وهي تتذكر لحظاتها السعيدة مع عائلتها صغيرة، أدركت الآن أنها فارقت السند والملجأ في هذه الحياة.
تقدمت كاميليا واحتضنتها بحنان كأنها تقول: أنا معك.
تمسكت بها شارلوت بقوة ناطقة بتلعثم:
شارلوت: ككككييي...... ككيفف سأعيش من دون..... هما
زادت الأخرى من عناقها. وعلمت الاثنتان أن هذا الرحيل لم يكن عادياً، بل كان رحيل الدفء والسند والحنان والملجأ في هذا العالم.
نقول لكم إن شارلوت كبرت وعاشت وهي الآن تسعى نحو حلمها وتخطت، ولكن ما زال ذاك الجرح الذي خلفه الفراق.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.