3 : اتهام
في قصر الملك، الحاكم أوريون، يجلس ولي العهد على السرير بينما تجلس الآم إلى جانبه والأب يقف متسمرًا، ينظرون إلى ابنهم الذي يبتسم قاطب الحاجبين مضطربًا:
"إنه شيء أقرب لحقيقة كل شيء"
صمت الوالدين قليلًا في قلة حيلة وضيقٍ للصدر، أردفت الأم بتوجس "لكن يا بني، الحقائق لا تظهر كلها، حتى المختارون تظهر لهم بعض الحقائق، وليس الحقيقة كاملة"
"هل تشككين بكلامي يا أمي؟" زمجر بانعدام رضى، ثم التفت معطيًا ظهره وأمسك باللحاف مدعيًا رغبة النوم
"بني، أنا أسفة.."
أجاب دون أن يلتفت "لا بأس، لطالما نادى الافراد بالمختارون، متناسيين أن الإله قد يساعد حتى غيرهم على رؤية البعيد"
تنفس أوريون بعمق، ثم تقدّم ليضع كفه على كتف ابنه "بني، أنت ولي العهد، أنت ستساعد الأثيريين على تسهيل حياتهم، إذا كان المختارون يساعدونهم على التفسير، فأنت تساعدهم بالحكمة والرحمة"
اكتسح الصمت ولم يجب الابن بشيء، فإذا بالأب المتأسي على هذه الحال يخرج من الغرفة، وقف أمام الباب قليلًا عاقدًا حاجبيه، ثم ذهب إلى عمله
•••
ثلاث سنوات مرت على موت ميستريون، و إيليون كان يترقب مصيره
في وسط منطقة سيلاريس، أبناء النجوم الأقدم والأبعد، انتشرت صيحات وهتافات وتهديد بالقتل، مطالب تحصل لأول مرة في أرض إيثيريا
بات آل سيلاريس يراقبون من النوافذ العالية، مضطربين مما يحصل، فخرج من باب قصر لوسيا الفتى الأصغر لهذه العشيرة، ينسدل شعره الفضي على ظهره مغطيا عينيه من الجانب، نظر بحدة نحو الحشود
لاحظ أحدهم وجود الجائزة الأكبر، ليصرخ في الجموع "انظروا، إنه ابن الدم، إنه المنافق الأعظم"
نظر إليه البقية، فاحتدت نظراتهم وعلت وجوههم ابتسامة انتصار، صرخ أحد من الشرفة "إيليون، لا تقترب منهم يا إيليون!"
بات إيليون ثابتا في مكانه، ناظرا نظرة تكاد تثقب من أمامه، اقترب من قاد هذا الجمع ليركض نحو إيليون مشددا قبضته، فأمسك إيليون يده ثم ضرب رقبته بمرفقه متمتما بكلمة لم يسمعها أحد، فسقط المعتدي أرضا
صاح أحدهم "أ رأيتم! لقد بان على حقيقته، إنه عدو الاثيريين!"
غضب الحشد وكشروا وجوههم، بينما يراقب آل سيلاريس بخوف، أما والدة إيليون فكانت في الشرفة كأنها تراقب مسرحًا بتمعن
"إن عليكم الخروج من لعنتكم هذه" شدد إيليون على حروفه، فزمجر أحد المعادين "أي لعنة؟ نحن الوحيدون الذين نعرف الحقيقة"
صمت المجيب قليلا، ثم صاح ينذر من حوله "إن هذا الشخص سيدعي أنه مختار! إنه ليس مختارا، إنه عدو الإله، يا أخوتي، سيلعب بعقولكم"
قطب إيليون حاجبيه، فأجاب "فليشفيكم الرب، ليس هناك أثيري يصدق إدعاءات إلا بدليل، وأنتم يجب أن تعالجوا أنفسكم قبل أن تقحموا أخوتكم في مزيد من المشاكل والفوضى"
صمت قليلا متمعنا وجوههم المنكرة، ثم أكمل "ربما المختار القادم سيأتي بعلاج لكم، لابد أن مجيئه قريب"
ساد الصمت في المكان، ليلتفت إيليون، وما إن التفت حتى ركض الحشد محاولون مهاجمته
توهجت عيناه، وجوهرته الزرقاء على جبينه، فخرج من وراءه تنينٌ عظيم، لونه كلون الذهب، تحيط به هالة سديمية، ليخيف المعتدين ويسقطوا أرضا بارتعاد
شخصت أبصار آل سيلاريس مما رأوه، لينبس أحدهم "إنه كايليث!"
توهجت عينا التنين كأنها تخاطب الذين أمامها، لتتعلق أنظار الحشد بعينيه، ليدفع كل واحدٍ منهم الأخر، يتدافعون كأنهم رأوا الموت
تبدد توهج كلا من الجوهرة وعيني إيليون، ليختفي التنين عن الأنظار بعد إن اغمض عينيه
ونظرات آل سيلاريس كانت مثبتة نحو إيليون الذي دخل قصره كأن شيئا لم يكن
بينما يقف شخصٌ منهم في أعلى شرفة، ضيّق عينيه التي كانت كلون النار، مستندًا على مرفقه ويضع يده على خده، وهو ينظر إلى أم إيليون التي أقدمت على الدخول لغرفتها
•••
فُتح الباب بقوة، ليفزع من بداخل الغرفة، أمام الباب كان باراكليتوس، يقف مضطربًا، التفتت إليه كالينيكوس في وجل "ماذا هناك يا كليتوس؟"
أشاح بامتعاض، ناظرًا إلى الأرض بعينين ضيقتين، لتقلق أخته أكثر، سألت مركزة"أ هو شيء يخص إيليون؟"
نظر إليها، ليدخل إلى الغرفة ويرتمي جالسًا على السرير، شابكًا يديه أمامه ومرفقيه على ركبتيه
"إنهم يأخذون إيليون للتحقيق"
"تحقيق؟! ما سبب هذا!" نطقت متحججة، وهي تقترب لتقف أمام أخيها، ليرفع رأسه إليها صامتًا قبل أن يجيب "إن إيليون، مُختارٌ يا لينيكوس"
تفاجأت حتى فقدت توازنها ليمسك بها باراكليتوس قبل أن تسقط، نطق "لينيكوس، يجب أن نسانده، لا أن نبكي عليه"
صمت قليلًا ثم اكمل "إنه مُختار، إنه في عناية الرب، يجب أن تفرحي"
"أعلم، لكني أشعر بأنه يتعرض إلى اختبار منذ هذه اللحظة، لماذا حققوا معه!"
نظراته متأسية، وقلبه وجل، لكنه ضمّ أخته وكانت إجابته الصمت
•••
"إيليون سيلاريس، لقد أخبرنا أخوتنا أنك ادعيت الاختيار من السماء، وأنك جسدت هيئة أحد الأرواح بطريقة محرمة كما ورد في المخطوطة الثانية"
قال القاضي في القاعة الضخمة ذات الستائر الزرقاء القاتمة والجدار الأبيض المطفي
بينما يجلس إيليون على كرسيٍ بلونٍ ذهبي، متوسطًا قاعة المحاكمة
ردّ بيقين "إن كنتُ قد أدعيت فنفذ على حكمًا يؤدبني، لقد جاءوني معادين، وأما التنين، فاقرأ المخطوطة الأولى"
ألقى بكلماته ليرد القاضي "التنين مخلوقٌ عظيم لا يُنهب، لكنّ السحر بهيئته وارد"
"أ يعقل أن يتشكل السحر على هيئة التنين؟ يجب أن تراجع المخطوطة الثالثة"
"ليس هناك تفسير للمفسرين بأنه لا يتشكل"
"بلى، هناك، الأب الأول الشاهد على التنين، في كتابه؛ قال أن التنين خُلق ليشهد على التاريخ، وأن التاريخ لا يزور إلا في زمانٍ تقترب فيه المهالك، فيأتي التنين منقذًا الحقيقة، و قد ورد بعدها أن التنين هو المخلوق الشمسي والنجم الأكبر، والشمس كما أورد المفسرون أنها الحقيقة التي لا إخفاء فيها، لكن لم يرد نصٌ واضح بأنه لا يتشكل، لكنّ المعنى واضح... لم يقل أبونا هذا إلا ليجعلنا نربط المعاني"
صمت القضاة لبرهة، ثم أجابوا "هذا تفسير غير قابل للتأكيد، إنما هو تأويل للمعاني"
خلال هذه الأثناء، فُتح باب القاعة ببطء "إيليون سيلاريس، يجب أن تذهب للعزل"
أمام الباب وقف التوأمان، جُحظت عيناهم، وقلوبهم نبضت بصوت سمعوه في لحظة واحدة، ارتفع ذقن كالينيكوس، بينما يقف كليتوس مشدوهًا
"لا.. " نطقت بإنكار "لا يمكن، عليكم أن تصدقوه!"
صاحت بغضب طالبةً منهم الاستماع
أردف باراكليتوس "بأي عقلٍ تحاكمون؟ لم تدعوه يعين حتى مساند!"
حدّق القاضي به مستهجنًا، ليجيب "إن كان سيعين فإنه سيعين من آله، لن تكون محاكمة ذات منطق"
أمسك رجالٌ يرتدون عباءات زرقاء بذراعي إيليون، يجرونه إلى خارج القاعة
يُجر إلى مصيره، بينما يتبسم في وجه كل شيء، نظر لصديقه قبل أن يقترب من الباب، يقابله صديقه بحدقتين مرتعشتين، وبصدمة تعتري فؤاده وتظهر على وجهه
خرج من تلك القاعة، وأُقفل الباب وراءه، محاكمة في وضح النهار، وضعت أمامه أكبالًا ضخامًا، لا تُرى أين نهايتها
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!