وضع القراءة:

1 : نجم إليثيا

في قاعة عظيمة، بيضاء، تزينها الشموع في ليلةِ الطقس المقدس للرابطة، يقف الرجل الذي تلى كلماته بين الزوجين، بينما يترقب الزوجان حضور قطعة منهما
"يا إلهي، نوره يكاد ينير الليل كاملًا"
قالت إحداهن وهي تنظر للطفل الذي وُلد للتو، بأجنحة فضية تحيط جسده، جسده جاثٍ ويديه تلامس الأرض الرخامية الباردة، رفع رأسه لينظر للحظور باستغراب طفل
"ماما.. بابا" التفت لكلٍ منهما، ليبكي الحضور ويصفقوا بحرارة محيين الزوجين اللذين ارتبطا لتوهما برابطة مقدسة، لينجبا هذا الطفل من نجمهما البعيد
رفعه الأب واضعًا ابنه على يده اليمنى حاملًا له، ثم قال وقد لوح للحضور بالأخرى :
"انظروا إلى ابني، قد وُلد من نورٍ بعيد، ليحييكم في هذه الليلة المباركة وينيرها بقدومه"
بدى على تعابير الطفل ملامح الرضى، فتحرك بلطافة جليّة، وهو يحيي الحضور بيديه الصغيرتين مبتسمًا ابتسامة طهورة
رفع الأب ابنه عاليًا و قد انعكس على عينيه نوره، ثم قال متاملًا :
"ساسميك إيليون، إيليون سيلاريس، حامل العائلة من بعدي"
ابتسمت الأم ناظرةً لمستقبلٍ تراه دافئًا ونيّرًا، بينما الحضور سعداء من قلوبهم لهذه العائلة
جاء من بعيد، رجلٌ كان من أطول الرجال عمرًا، ليلقي التحية على -أبانتيس- والد الطفل
اقترب وبيده زهرةٌ بيضاء، وضعها على إذن الفتى الذي كان يحدق إليه بتعجب
أشار للأب بأن يأتي معه إلى الخارج هامسًا : "أبانتيس.. يجب أن نتحدث"
لقد عرف أبانتيس أن صديقه لن يقاطع هذه اللحظات الشاعرية إلا لمطلبٍ مهمٍ لم يعرفه
ليسمع كلامه وقد أعطى الابن لأمه، مخلفًا تساؤلات وعلامات استفهام تبدو على وجوه الحضور والأم أيضًا
•••
أمام دار الرابطة والزفاف، تحت نجوم الكون البعيدة، وقف الرجلان وأحدهما مستندٌ على الجدار، وهو أبانتيس، يضم ذراعيه إلى صدره ويضع قدمه على الجدار، والأخر جلس على المقعد الأبيض
"أبانتيس، أنت تعلم أنني.."
" أعلم يا ميستريون، هات ما عندك"
ابتسم لرده بجفاء، ثم ألقى بما لديه لصديقه الصغير :
"أبانتيس، إن ابنك سيحمل عبءًا كبيرًا، يجب أن تعلم هذا"
"كيف عرفت يا ميستريون؟"
"لقد ظهر هذا في رأسه الذي شعّ بجوهرةٍ زرقاء، كان هذا نجم إليثيا"
"أ قلت نجم إليثيا؟! كيف لم ألحظه"
"أجل، لهذا أخبرتك، تتذكر ألغوس.. ذلك الفتى الذي ذُكر في المخطوطة السابعة عشر"
عندما ذكر صديقه آلغوس، اعتصر فؤاده وتثاقل صدره، لكنه سرعان ما استدرك نفسه
"هذا يعني أن ابني سيخدم الإله، وأنا مستعد لأفديه بروحي"
ألقى مافي قلبه، ليفرح صديقه ميستريون بكلامه ويثلج صدره، حتى قال
"هذا ما عهدتك عليه يا أبانتيس"
ابتسم أبانتيس ابتسامة جانبية، ثم أردف "عن إذنك، يجب أن أدخل" ليومأ له المقابل
•••
في غرفتهما الواسعة، جلسا فوق السرير الريشي الأبيض، تحت السقف العالي، وبينهما النوافذ الطويلة التي تجلب النور
كان الطفل يلعب ويلاحق طيرًا صغيرًا أزرقًا، بينما الأبوين يحملان ثقلاً داخلهم، همس أبانتيس "لوسيا، عاهديني ألا تخبري أحدًا"
"مستحيل، أقسم لك بأنني لن أفعل" أجزمت زوجه بنيتها
كان الابن يحدق بالطير الذي حطّ على المنضدة، والأبوان يراقبانه بلطف
•••
بين الثلوج، أمسك يد ابنه بحنان، يمشيان وكانت أرجلهما تترك أثرًا على الثلج "إيليون، أنا أحبك يا بني"
ابتسم الابن ابتسامةً واسعة، لبجيب "أنا أيضًا يا أبي."
لمحت حدقتاه الفضيتان تنينًا ذهبيًا نائمًا حول شجرة كريستالية بعيدة قليلًا، تأمله للحظات 'كايليث..'
حول ناظره إلى ابنه، وتضيقت مقلتيه
"إيليون، أ ترى ذلك التنين؟" نظر إيليون إلى حيث يشير، والتمعت عيناه واعتراه الحماس ما إن رأه، ليمسك بثياب أبيه وهو يرتجيه أن يذهبوا إليه، ابتسم الأب بفتور، لينحني على ركبته، ويضع كفه على كتف ابنه "إيليون، أريدك أن تتذكر، بعد العودة، اطلب من أمك أن تقرأ لك المخطوطة الأولى"
سُته إيليون، وبدى عليه التعجب، ينعكس على عينيه وجه أبيه المتبسم
"وداعًا.. إيليون"
فتح التنين عينيه ببطء، بينما يقف الابن متسمرًا لا يفهم شيئًا من وداع أبيه، خرج نورٌ من صدر أبانتيس، لترتسم على وجهه ابتسامة نيّرة، وتغفو عينيه، حتى يسقط على الأرض، بينما يقف إيليون مرتعش الأطراف، منحبس الدموع، ثم يجثو إلى أبيه
"أبي! لماذا تودعني! انهض يا أبي!" أجهش بالبكاء بينما يهز أبيه محاولًا أن يسترجع الأب الذي ما عامله بسوءٍ قط، تعالت شهقاته وأمسك به ودفن رأسه في حضنه
•••
نظر الحشود حيث يقبع جسده، فوق رخامٍ أبيض صمم ليوضع فوقه الموتى، وسط قاعة الوداع
بكى الكثير منهم، يحضن البعض منهم الأخر في عزاءٍ للقلوب، وكان بينهم رجلٌ قد ظهر في وجهه الحسرة والألم، كان هذا الرجل هو ميستريون
تقدّم إلى حيث تقف لوسيا زوج صديقه، وابنها ذو التسعة أعوام، نظر إلى إيليون أولًا بأسى، ثم قال للوسيا :
"صبّركِ الله يا لوسيا"
ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة ظهرت مع تعب عينيها، بينما تلمس خاتمها الذهبي "لا بأس، مؤكد هو في الجنة"
انحنى ميستريون على ركبته نازلًا لمستوى إيليون
"بني.. إيليون، كما قالت أمك، أبوك في الجنة"
كانت عينا إيليون جاحظتين، ليستغرب ميستريون ويأسى أكثر على حال الطفل
بدت تعابير المتوفى متجمدةً على شاكلتها، ابتسامة راضية، ونورٌ بادٍ على وجهه
تحته كان هناك حريرٌ شفافٌ أبيض، وفوقه تكرمت الشمس بنورها الذهبي من فتحة السقف
"لقد كان أبانتيس خادمًا للرب، لن ننسى ذكراه، سيبقى في أذهاننا إلى أن نموت، ليطول عمره بذكرياتنا" قال القدّيس مودعًا هذا الكيان الخالد في القلوب
كان هناك طفلان أخٌ وأخت، شعرهما كنور الشمس المنعكسة على هذه القاعة، ينظران إلى إيليون بأسى، ليستأذنا أبويهما ويتقدما إليه
بينما كان إيليون شاحب الوجه مشدوهًا، تنبه لمن قدم له يقدم تعازيه "تعازي الحارة" لتقلده توأمه بصوتها الطفولي
نظرت الأم للطفلين مبتسمة، ثم دفعت إيليون برفق ليذهب معهما "إيليون، تعرّف على أبناء عائلة كسانثوس"
حدّق إيليون بأمه مستغربًا، ثم ليرضى بما اقترحت و قد سعد الطفلين كثيرًا لاقتراحها هذا
•••
كان جالسًا تحت الشجرة الذهبية ذات الأوراق الزمردية، بينما يقف أمامه التوأمان اللذان بنفس عمره، قطعت الفتاة الصمت:
"اسمي كالينيكوس، وأخي يدعى باراكليتوس، نادهِ كليتوس فقط، وأنا فنادني لينيكوس"
قالت هذا بينما إيليون لايزال مغيبًا في الواقعة التي حلت، لتأسى الفتاة عليه أكثر، ويلاحظ أخوها ما لاحظت، لينحني لإيليون قائلًا:
"اسمع يا صديقي، لطالما قالت لي أمي أن الموتى ينعمون بحياة رغيدة، إن الآخرة نعيم، ألا تريد لأبيك أن يحيا دون تكاليف؟"
القى بكلماته التي جعلت قشعريرة تسري في جسد إيليون كاملًا، اتسعت جفناه بشكلٍ خفيف وهو يحدّق بوجه كليتوس، ليبتسم بنعومة الأطفال:
"بلى، أريد لأبي أن يحيا حياة مريحة"
"إذًا لا تثقل صدرك بالهم، مؤكد أن أباك يشعر بك ويريدك سعيدًا" قال هذا مبتسمًا ابتسامة مشرقة تُظهر جمال روح الطفولة
"اعاهدكما على عدم الحزن بعد الأن" ردّ مبادلًا إياه الابتسامة، لتسعد لينيكوس بهذا، ويقول كليتوس بينما يمد يده "عهد الأصدقاء"
ليردد إيليون الجملة عازم النية
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.