وضع القراءة:

الفصل الخامس: دمار

.............. قبل دقائق...............
كانت ايلارا تمسح جبين مهرالا المتعرق بقطعة قماش، بينما خرج دارموس لجلب الحطب. نظرت ايلارا الى ليوريا التي كانت ترسم في محاولة لتبديد قلقها، آملة ان يعود راين و كايلاس رفقة الوردة. ما هي الا لحظات حتى فتحت مهرالا عينيها بفزع، انتفظت ايلارا و اعادت انظارها اليها، اما ليوريا فأسرعت الى جانبها تمسك يدها، و قالت بصوت فرح مملوء بالخوف:
-«خالتي! انت بخير!؟»
لاحظت ايلارا ان مهرالا تنظر للسقف دون ان تنبس بكلمة، فأمسكت يدها و قالت بصوت هادئ:
«خالتي، ما الأمر؟ هل هو كابوس؟»
ابعدت مهرالا عينيها عن السقف لتنظر للفتاة التي امامها، و ابتسمت رغم ضربات قلبها التي تدق كطبول الحرب. ارتمت ليوريا في حضنها بينما همت مهرالا لتبديد قلقها. ما هي الا لحظات حتى غفت الصغيرة بين ذراعي خالتها، فإبتسمت و نظرت اليها تمسد شعرها. ما ان تأكدت من نومها العميق، وجهت نظرها الى ايلارا التي لا تزال ممسكة يدها، و قالت بصوت هادئ متعب:
«آسفة لإقلاقك، اعرف انك لست مجبورة للإعتناء بي-»
قاطعتها إيلارا و الدموع ترسم طريقها على وجنتيها لتسقط على يد الاخيرة:
«بل انا مجبورة، هل نسيتي يا خالتي من عوضني عن حنان الأم؟ مهما فعلت فلن أتمكن من رد دينك انت و خالي دارموس، لذلك ارجوك، لا تتأسفي و ركزي على التعافي»
ما ان انتهت من كلامها، حتى شعرت بذراعين تلتفان حولها في عناق دافئ، فبادلتها العناق تستنشق رائحة الأم التي لم تحظى بها، لكن خالتها كانت العوض. و اخذت تتسائل: هل ستشعر بنفس الشعور لو ان امها على قيد الحياة؟ هل سيكون حضنها دافئ هكذا ام ادفأ؟ الكثير من الأسئلة اجتاحتها، لكن سمحت لنفسها بنسيانها في هذه اللحظة.
♡♡♡♡♡♡♡في الغابة ♡♡♡♡♡♡
لا يسمع في تلك الغابة الفسيحة سوى اصوات تكسر الخشب و سقوط الاشجار، كأن الغابة استسلمت له. كان دارموس يرتدي قميصا بلا اكمام، سامحا للشمس بلمس بشرته مشكلة طبقة عرق على كتفيه. كان يقطع الاشجار بقوة كأنه كان يقطع رؤوس الأعداء،تمنى في هذه اللحظة لو انه يقطع مرض زوجته بهذه القوة فتعود مشرقة كما عرفها دائما. اسقط فأسه حالما رآى سلة الخشب ممتلئة، فحملها على كتفيه و سار عائدا الى المنزل. كان يسير ببطء، مستمتعا بالنسيم الذي يلفح وجهه كأنه يشكره على جهده. رفع عينيه الزرقاء اللتين تظاهيان عمق المحيط ليرى دخانا اسودا قادما من القرية البعيدة. لم يعر الأمر اهتماما لظنه ان اطفال القرية يشعلون نار التخييم كالعادة، لكن صدره انقبض حين سمعت اذناه صراخ القرويين من بعيد ليزيد من سرعة خطواته. توقف على حدود القرية ليرى مشهدا مروعا، كانت المنازل تجتاحها النيران، بينما يصرخ الناس و يهربون خوفا من خسارة حياتهم. امسك دارموس احد الهاربين ليسأله. فأجابه الآخر بأن قبيلة «الفارغول» و يعرفون ب«أسياد الخراب» قد هاجموا القرية، و اخذوا في سفك الدماء. قبيلة «الفارغول» هي مجموعة من الناس البدائيين المتوحشين الذين يكنون العداء للبشر، فلا يفرقون بين صغير و كبير و بين رجل و امرأة او عجوز و طفل، يقتلون كل من وصلت اليه سيوفهم. المحظوظ يموت بالسيف، اما ذو الحظ السيء، فيموت بأبشع الطرق. لم يفكر دارموس في اي شيء آخر عدا عائلته، فأخذ يجري حاملا الفأس معه ليقتل كل متوحش يقف في طريقه. بعد قرابة العشر دقائق من الجري، وصل الى المنزل الذي يقبع في الجبل ليفتح الباب بعنف، لتنتفض الثلاثة.
-«إيلارا! استعدي لمغادرة المكان، فقد هاجمت قبيلة الفارغول القرية، ليس لدينا وقت!»
رمى الكلمات التي زادت من شحوب وجه مهرالا اكثر لتشد على حضن ليوريا التي بدأت عيناها تمتلآن بالدموع، بينما اخذ كل من دارموس و ايلارا بحزم الاغراض الاساسية من معدات الاسعاف و الادوية و وضعوهم في حقيبة. حملت ايلارا ليوريا بين يديها، بينما تكفل دارموس بحمل مهرالا ليسرعوا للهرب. كانوا يركضون بين الحشود الى ان سمعوا امرأة تصرخ لأن ابنها داخل منزل محترق، كاد دارموس يتجاهلها لولا اصرار مهرالا على انقاذه. تردد بين انقاذ زوجته و ابنتيه او انقاذ روح بريئة، لكن مهرالا طمأنته انها ستكون بخير لينزلها على الأرض و وصى إيلارا ان تهتم بها و يبتعدن عن القرية قدر المستطاع ريثما يعود، و ركض بين الناس حتى اختفى. كانت مهرالا تحاول الاسراع في خطواتها، غير ان المرض تمكن منها لتسقط على ركبتيها، حاولت إيلارا مساعدتها على الوقوف ممسكة بيدها بقوة، بينما دفنت ليوريا وجهها في عنق إيلارا. ما ان نهظت مهرالا حتى اخترق سهم عشوائي جسدها لتسقط على الأرض و بركة من الدماء تتشكل حولها. اتسعت عيون إيلارا و انحنت تتفقدها بينما ليوريا ابتعدت عنها و راحت تبكي بشدة، و كفيها الصغيرين امتلآ بالدماء. حاولت مهرالا الكلام لكن الحروف خرجت على شكل أنات متألمة. نزعت إيلارا سترتها و وضعتها حول السهم تحاول ايقاف تدفق الدماء.
-«خالتي، ارجوك تماسكي، ستكونين بخير»
حاول إيلارا إشعال شعلة أمل رغم الفوضى، سترتها ملطخة بالدماء لا تدري ما تفعل. كسر اللحظة تصريح ليوريا:
-«سأذهب للبحث عن ابي!»
لم تستطع إيلارا ايقافها لإنشغال يديها، لكن مهرالا استطاعت الهمس، فقربت إيلارا رأسها لتسمع آخر جملة أرادت سماعها:
-«اذهبي..... ليوريا... امانة عندك...»
رفعت إيلارا رأسها لتلتقي خضرة عينيها بعيني مهرالا الذهبيتين، كان عليها الاختيار ما بين ترك خالتها التي اعتبرتها والدتها على حافة الموت و اللحاق بليوريا، او البقاء يجانبها و تجاهل ليوريا. كيف للمرأ ان يختار بين الأم و الأخت؟ بدا الأمر مستحيلا. اوقف افكارها نظرات مهرالا المتوسلة لتتخذ قرارها، طبعت قبلة على جبين مهرالا و وضعت يد الأخيرة مكان يديها على القماش، و نطقت بصوت مخنوق:
-«سامحني يا خالتي، اعدك انني سأعيد ليوريا سالمة، لكن ارجوك قاومي و لا تيأسي، سيعود خالي دارموس و سننجو..»
اعطتها مهرالا إبتسامة لتستدير و تركض، باحثة عن اثر لليوريا.
كان دارموس قد اخرج الطفل و اعاده لوالدته ليعود ركضا آملا انهن قد ابتعدن، لكن رؤية جسد زوجته على الارض و السهم يستقر في صدرها قد حطم كل آماله. ركض نحوها و جلس بجانبها يمسك القميص بشدة و الدموع تنهمر من عينيه. فتحت مهرالا عينيها لترى ذلك المحيط الذي لطالما غرقت فيه فإستجمعت قوتها لرفع يدها و وضعتها على وجهه تمسح دموعه. امسك دارموس يدها بيده الحرة و اخذ في تقبيل باطن كفها بينما تمتم بكلمات اعتذار:
-«آسف.. آسف يا حبيبة روحي»
حاولت مهرالا الكلام لكن الحروف أبت الخروج، فاكتفت بمشاهدة حبيب روحها يلوم نفسه على شيء لم يفعله. على حين غرة، ظهر من بين الدخان شخص من قبيلة الفارغول حاملا في يده سيفا. ارتعش قلب مهرالا فحاولت دفع دارموس للتحرك و الهروب لكنه أبى التحرك، بل استلقى فوقها محاصرا اياها بين الارض و صدره، كان يبني درعا لجسدها سامحا لظهره ان يكون قربانا للوحش القادم نحوهما. ترددت ضحكات الشخص بينما كان يجر سيفه، و قال بسخرية:
-«اوووه، ارى عاشقا يحاول حماية محبوبته، كم هذا رومنسي!... لكن اسمح لي ان اخبركي حقيقة مؤلمة: ليس هناك حب يدوم للأبد، و مع الأسف، ستكتشفين الأمر في هذه اللحظة حين يفر هاربا!»
انهى كلامه بضربة من سيفه على ظهر دارموس لتشق قميصه و جلده سامحا للدماء بالتدفق بحرية. تمزق قلب مهرالا حين رأت ألم زوجها، كأن السيف اخترق قلبها لا جلده. ضربة بعد ضربة، شق بعد شق، كل موجة ألم اقوى من سابقتها لكنه رفض الإستسلام، رفض ان يترك محبوبته بين ايدي هذا الوحش. مع كل ضربة و تأوه اطلقه، انسابت دموعها كشلال و اختلطت بدمائهما التي شكلت بركة حولهما. حاولت دفعه لكنه لم يتحرك، لعنت في نفسها قوة جسده، تلك القوة التي اعجبت بها يوما تمنت لو تختفي فيتركها و ينجو بروحه. أعادت نظراتها اليه حالما سقطت قطرة عرق من جبينه لتستقر فوق خاصتها، نظرت مليا لوجهه كأنها تحاول حفظه، تحاول حفظ عينيه الزرقاء العميقة، و انفه المستقيم و فكه الحاد، اما هو فقد نسي ألمه ما ان نظر في وجهها، وجهها الذي لطالما كان كالشمس في وسط ظلامه، وجودها كان نورا يضيء حياته، و هو لن يسمح له بالإنطفاء.
تمتمت بحزن:
-«ارجوك.... اتركني..... سنموت معا.... ارجوك...»
وضع دارموس جبهته على جبهتها لتختلط انفاسهما، و قال و هو يكتم دموعه:
-«محال ان اتركك حتى و لو كنت على حافة الموت»
-«ليوريا.....»
-«ليوريا ستكون بخير، انسيت من هي إيلارا؟»
-«لكن-»
-«لا تحاولي، انا لن اتركك»
نطقت بالكلمات بصعوبة:
-«ستموت....»
خرجت من شفتيه ضحكة خفيفة رغم آلامه، و اجاب بألم:
-«ان كان موتي سبب عيشك، فسأقبل الموت ألف مرة، افضل ان اموت بين يديك على ان أموت بعيدا عنك»
كان الرجل يلهث و هو ينظر الى ظهر دارموس الدامي، فقرر انهاء الأمر ليرفع سيفه عاليا، في تلك اللحظة تكلم دارموس بحب شديد:
-«مهرالا، زوجتي الغالية، اريدك ان تعلمي انني احبك حبا اكبر من حبي لحياتي، سامحيني ان قصرت معك بشيء»
اجابت مهرالا بخنق و الدموع تأبى التوقف:
-«احبك يا دارموس، احبك كثيرا»
في تلك اللحظة، سقط سيف الشخص لينغرز في جسد دارموس مخترقا صدره من الخلف، و لم يتوقف حتى اخترق جسد مهرالا ايضا. سحب سيفه ليهوي جسد دارموس بكل ثقله على جسدها، و كانت تلك نهاية قصة حب لم تكتمل.
♡♡♡في الطرف الآخر من القرية ♡♡♡♡
كانت إيلارا تصرخ بإسم ليوريا، محاولة ايجادها بين النيران. امتدت يد من الدخان لتمسك ذراعها و تجرها نحو المجهول. و في لمح البصر، كانت تقف في منتصف ساحة لترى ما لم تتمنى رؤيته من قبل. كان هناك جسد في الهواء يحيط برقبته حبل سميك، بينما يتوسط الساحة قدر كبير فيه زيت مغلي. ظنت انها النهاية، و ان جسدها سينتهي الأمر به داخل هذا القدر، لكن ظنونها تكسرت حين رأت احد الاشخاص من قبيلة الفارغول يحمل طفلة تتخبط و تبكي بين ذراعيها.
-«ليوريا!»
صرخت إيلارا برعب، و ما إن حاولت الوقوف و التقدم حتى امسكتها يد قوية من كتفها لتعيدها لمكانها، استدارت بسرعة محاولة ضرب الشخص لكن الدم تجمد في عروقها حين رأته. كان جسد انسان اسود بالكامل، لا ملامح و لا ملابس، فقط عيونه الحمراء تشع. نظرت اليه بعيون متوسعة، و قطرات العرق تنساب منها لتشيح نظرها عنه فيقابلها مشهد اقسى حيث طارت ليوريا في الهواء لتسقط داخل القدر. تلاشت صرختها مع تلاشي اللون من وجه إيلارا، و ما هي إلا لحظات حتى طافت عظامها مسببة ضحكات القبيلة. انزل الصمت على عقلها، و استرجعت ذكريات من طفولتها حين كانت طفلة خرقاء تركض نحو خالتها لترتمي في حضنها، او حين كان دارموس يحملها على ظهرها، او أول مرة رأت ليوريا حديثة الولادة، ثم اختفت الذكريات الجميلة لتحل محلها الواقع المؤلم. وجدت الدموع طريقا على خديها، لم تعرف سبب البكاء، هل بسبب جسد مهرالا الدامي، ام عدم تنفيذها لوصيتها، ام المشهد التي رأته أمامها، ام ان كل شيء اختلط عليها. في تلك اللحظة، لم تشعر بنفسها الا و هي تسقط على الأرض الباردة، غارقة في ظلام دامس، آملة ان تستيقظ فتجده مجرد كابوس.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.