الفصل الثالث: فتاة
في قرية فلورافيا، قرية الاخضرار، حيث يعيش الناس على الزراعة وطب الأعشاب، وقف كوخ صغير بهدوء عند أطراف الغابة. سقفه الأخضر المائل يندمج مع أوراق الشجر، جدرانه من حجر وخشب تحمل آثار الزمن بصمت. نوافذ صغيرة تطل بضوء خافت في المساء، كأن نارًا داخلية تحكي قصة ببطء.
داخل هذا الكوخ الهادئ، على سرير من القش مغطى ببطانية سميكة، استلقى رجلان نائمان.
استيقظ كايلاس أولاً. رمش بعينين ثقيلتين، ثم اجتاحته الذكريات: الوحوش، الركض، القفز… ثم لحظة أخيرة – هو وراين ممددان نصفيهما في الماء، رفع رأسه بصعوبة فرأى شخصًا يقترب… ثم الظلام.
انتفض، لكن ألمًا حارقًا في صدره أعاده إلى الفراش بعنف. الجرح ازداد سوءًا بعد السقوط.
نظر يساره: راين نائم، رأسه مضمد، لكنه يتنفس.
«راين… استيقظ… راين…»
ناداه بصوت منخفض.
فتح راين عينيه ببطء. أول ما شعر به رائحة أعشاب مجففة ورطوبة خشب قديم. نظر إلى السقف، ثم عادت الذكرى فانتفض – لكن صداعًا عنيفًا أجبره على الإمساك برأسه.
«تبا… ماذا حدث؟»
«لا تنهض. رأسك مصاب وقد نزف.»
استلقى راين لحظة، ثم تصلب فجأة وسأل بعجلة:
«أين نحن؟! من أحضرنا؟ هل اختطفنا؟!»
«لا أعلم… لكن الذي أحضرنا إما أراد مساعدتنا، أو يعد لنا فخًا مع تلك الوحوش.»
قاطع صوت خطوات خارجية كلامهما.
انتفضا معًا، مستعدين للدفاع.
انفتح الباب.
دخلت فتاة شابة، عيون خضراء، شعر أسود طويل، تحمل صينية طعام. ابتسمت حال رؤيتهما واتجهت نحو الطاولة الصغيرة.
«صباح الخير. سعيدة أنكما استيقظتما. نمتما ثلاثة أيام متواصلة، ظننتكما في غيبوبة.»
لم يرفع كايلاس عينيه عن يديها – كل عضلة في جسده مستعدة للانقضاض إن تحركت نحو سلاح.
راين، في المقابل، كان يدرس ملابسها العادية، يحاول استنتاج من تكون. تقدمت الفتاة لتعطي لكل واحد طبقا من الطعام، ترددا في اخذه، و في اكله، لكنهما في النهاية استسلما. صفقت الفتاة بيديها بحماس تنتظر تقييمهما:
«كيف هو؟ هل هو لذيذ؟»
اجاب كايلاس ببرود:
«لا بأس به..»
عكس راين الذي التهم الطعام كأنه لم يأكل في حياته:
«لذيذ جدا!»
اشرق وجه الفتاة فرحا لتعليقه:
«شهية طيبة! سعدت انه اعجبك!»
بعد ان انتهيا من الاكل، غادرت مع الاطباق تاركة اياهما وحدهما. استلقى راين مربعا يديه خلف رأسه، بينما اتكأ كايلاس على الوسادة طارحا سؤاله:
«ما تقييمك؟»
رمقه راين بعين واحدة ثم وجه نظره الى السقف:
« اظن اننا حكمنا عليها مسبقا، ليست شخصا مؤذيا، انها فتاة لطيفة و جميلة ايضا» انهى جملته بإبتسامة غامزا للاخر الذي تنهد و اجاب:
«ليس لديها طاقة مشبوهة، و وجهها بريء، آمل ان يكون قلبها مثله»
............... ♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡............ مع غروب الشمس، عادت إيلارا تحمل دواء وكوب ماء.
«مساء الخير. هذا يخفف الألم.»
تناولاه بحذر.
عندما اقتربت من راين لتغيير الضمادة، زمجر كايلاس محذرًا.
«مهلاً! أنا فقط أبدل الضمادات لتجنب العدوى.»
«لا بأس يا كايل، هي مجرد ضمادات.» قال راين محاولًا تهدئته.
بدأت إيلارا في عملها بهدوء.
«إذن اسمك كايل؟»
«كايلاس.» صحح ببرود.
قطع راين الكلام بحماس: «وأنا راين! تشرفت! وبالمناسبة، أخي لا يحب أن يناديه أحد غيري بكايل.»
توقفت إيلارا فجأة. «أخوك؟!»
«نعم، أخي الأكبر، بالمناسبة، ما إسمك؟»
«إيلارا»
«إيلارا… اسم جميل.»
ثم بدأ الجحيم. اغمي على راين و سقط على السرير.
ففزع كايلاس وهم بالنهوض، لكنه انهار بدوره.
أسقطت إيلارا ما في يدها وركضت نحوهما. راين مصاب بحمى شديدة… كايلاس متسمم.
....... ♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡.................
لمسة دافئة، قماش بارد، وجه ساخن. كان كل ما يتذكره راين هو وجه امه القلق و هي تمسح جبينه المحترق بقطعة قماش باردة. انفرجت شفتاه بصعوبة، و استعمل كل قوته في نطق كلمة لم يكن يظن انه سينطقها مرة اخرى:
«أمي......»
تردد الصوت الخافت في الغرفة.
«راين… أنت بخير؟» سألت إيلارا بقلق.
فأدرك راين أن اليد ليست يد أمه.و استغرق لحظات لينقض عليها بغضب، ضاغطًا على عنقها بكلتا يديه.
«أنتِ… ماذا فعلتِ بنا؟»جاء صوته باردًا كالثلج. و كان على وشك قتلها.تفاجأت من فعلته وصفعت ذراعه بقوة، لكنه لم يتركها بل خفف الضغط قليلاً لتتنفس بعنف، ثم تلكمه في وجهه وتتحرر.
«أي مجنون أنت؟! لماذا تحاول خنقي؟!» قالت بذعر و خوف، ممسكة برقبتها
«تستحقين الموت، خاصة إنك حاولتِ تسميم كايل—»
لم يكمل، اذ رأى كايلاس ينقض كذئب، ووضع خنجره على رقبتها:
«لماذا؟ لديك خمس ثوانٍ.»قال بصوت بارد و عيناه تخترقانها كالسهم.
بلعت إيلارا ريقها بصعوبة، و حاولت شرح الموقف:
«أنتما مخطئان… لم أحاول قتلكما. حمى راين من سقوطه في الماء، وتسممك من السم الذي دخل جرح صدرك عبر السيف. لو أردت موتكما… لما كنتُ أعالجكما؟ فكرا منطقيًا.» شرحت بتوتر، آملة ان يتركها.
......... ♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡................
في صباح اليوم التالي، خرجت إيلارا إلى المزرعة المجاورة.كان المكان مليئًا بالدجاج والأرانب والخراف، لكنها توجهت مباشرة إلى الإسطبل.
وقفت أمام حجرة "لجينة"، الفرس البيضاء التي تضاهي الثلج.حمحمت الفرس فرحًا، فقفزت إيلارا إليها وضمّتها بحنان.
فجأة، تحولت الحمحمة إلى نخرة تحذيرية.استدارت إيلارا فرأت كايلاس وراين يقتربان، فربتت على لجينة مهدئة: «لا بأس… لن يؤذياني.»
اقترب راين بتردد، بينما وقف كايلاس يراقب.
امتطت إيلارا لجينة وغادرت الإسطبل. صاح راين خلفها، ثم امتطى حصانًا وتبعها. لعن كايلاس تحت أنفاسه وفعل الشيء نفسه.
وصلوا إلى شجرة عملاقة فارتجلت إيلارا وجلست تحت ظلها و لحقها الاثنان.
عمّ الصمت للحظات، ثم قال راين بتوتر:
«آسف… على اتهامك… وعلى محاولة خنقك.»
رفعت إيلارا حاجبها بسخرية:«ولماذا أقبل اعتذارك؟»
تنهد كايلاس:«ليس خطأنا أننا نشك في كل شيء. فقد استيقظنا في مكان لا نعرفه.»
شردت إيلارا تنظر إلى الخيول، ثم سألت فجأة:
«من أنتما؟ ما هي هويتكما؟»
تصلب الاثنان.
«هويتنا لا تفيدك.» أجاب كايلاس ببرود.
«توقعت ذلك.» قالت إيلارا وهمّت بالنهوض.
فجأة سمعوا ركضًا سريعًا.
امسك كل منهما خنجره. لكن الذي ظهر كان طفلة ذات شعر برتقالي وعيون رمادية — ليوريا.
ارتمت في حضن إيلارا وهي تبكي.
«عمتي… عمتي مهرالا… أغمي عليها!»
تسارعت نبضات إيلارا، فامتطت لجينة مسرعة نحو بيت العمة.
حزن راين للخبر مع انه لا يعرفهما، لكن احساسه يقول انهما مهمان بالنسبة لإيلارا، فجثى على ركبة واحدة و مد يده الى خد الطفلة يمسح دموعها بإبهامه. قال بإبتسامة حزينة، محاولا مواساتها:
«لا تقلقي ليوريا، ستكون عمتك بخير، انا متأكد»
شهقت و توقفت عن البكاء، نظرت اليه بعيون دامعة فيها لمحة أمل:
«هل... هل هذا صحيح؟»
اتسعت ابتسامته، و رد ببهجة:
«نعم صحيح! أليس كذلك يا كايل؟»
أومأ كايلاس بالموافقة مما بدد الحزن عليها قليلا، فرفعها راين و بدأ يمسح على شعرها:
«كفاك بكاء يا ليوريا، فعمتك لن تكون سعيدة برؤيتك حزينة»
«صحيح» قال كايلاس مقتربا منها ثمن اكمل:
«امسحي دموعك و كوني قوية، عمتك تحتاج قوتك لا دموعك»
أمام دعمهما، مسحت ليوريا دموعها و اردفت بعزيمة:
«سأكون قوية! لنذهب!»
«هيا!» صرخ راين بحماس و هو يمتطي حصانه واضعا ليوريا امامه، بينما علا على وجه كايلاس شبح ابتسامه اخفاه بتعبير بارد و لحق بهما.
.............................................
على سفح جبل، وُجد بيت. كان الباب العتيق منغرسًا في صدر الصخر كسرٍ قديم لم يندمل، تحرسه شجرة هرِمة تميل بجذعها فوقه كأنها تُصغي لأسراره منذ قرون. أوراقها تهمس مع النسيم الخفيف، بينما يتسلل ضوء خافت دافئ من حول قوس حجري.
يمتد طريق حجري متعرج نحوه، وكأنه خُطّ على عجل بأقدام عابرة لم تعد موجودة، تحفّه أزهار برية نمت بلا إذن. وفي الأفق، يبتلع الضباب كل شيء، فلا يبقى سوى هذا الباب. توقفوا امام الباب و طرقوه، ففتح لهم رجل بدا في عقده الاربعين، شعره الاسود تخلله بعض الشيب، عيونه رمادية حادة، و له ندبة تمتد على طول عينه اليسرى. بدا حزينا، لكنه حاول التماسك امام ليوريا التي سارعت اليه و ارتمت في حضنه. رحب بهم الرجل و ادخلهم بيته. في الداخل، كان الجو دافئا، و في الزاوية، على سرير خشبي، استلقت امرأة ذات وجه شاحب اثر المرض، لكنه لم يمنع جمالها من الظهور. سارعت ليوريا اليها و عانقتها، ففتحت المرأة عينيها الذهبيتين و ابتسمت لها قائلة:
«لا تخافي يا صغيرتي، كالعادة، حمى شديدة و ستزول، ستعطيني خالتك إفكار العشبة و سأشفى»
وقف دارموس بجانب زوجته و مسّد على شعرها البرتقالي المموج، راقبهم مل من ايلارا و راين و كايلاس بهدوء، آملين في قلوبهم ان تتحسن حالتها.
قطعت ايلارا الصمت موجهة كلامها الى ليوريا:
«حسنا ليوريا، لا ترهقي عمتك اكثر، اذهبي برفقة راين الى الخالة إفكار، و اجلبي العشبة معك لأصنع الدواء لها»
أومأت ليوريا و ابتعدت ممسكة بيد راين تقوده الى الباب نحو السوق، بينما خرج دارموس لجلب المزيد من الحطب، و بقي كايلاس في ترقب من اي خطر، و غطت مهرالا في نوم آخر، و بقيت ايلارا تمسح وجهها المحترق بقطعة قماش مبلل.
............... في السوق........................
كانت ليوريا تجري بين الشوارع بينما تجذب راين من يده، حتى وصلا الى محل إفكار للأعشاب، فدخلا و بدأت ليوريا في مناداة إفكار، متجاهلة الرائحة القوية للأعشاب. بدت المرأة كأنها خرجت من صفحات حكاية قديمة، بهدوءٍ يسبق الكلمات. شعرها الأشقر الطويل ينساب على كتفيها مثل خيوط ذهبٍ باهت تحت ضوءٍ ناعم، وعيناها تنخفضان بتأملٍ رقيق نحو ما بين يديها، أمامها وعاءٌ خشبي بسيط. كانت أصابعها تتحرك ببطء وطمأنينة. رفعت رأسها لتنظر من الزائر، فأشرق وجهها في ابتسامة عريضة و راحت تحضن ليوريا و تقبل خدها القطني قائلة:
«ما الذي جاء بك ايتها القزمة؟» رفعت نظرها لترى راين الذي حياها بإبتسامة فأكملت:«و من هذا الوسيم؟»
ضحكت ليوريا رغم حزنها السابق و اجابت:
«انه صديق ايلارا، و قد جاء معي ليرافقني، اريد ان تعطيني تلك العشبة التي تشفي مرض عمتي»
قالت إفكار بقلق:
«اوه، هل اشتد المرض مجددا؟ لا تقلقي! سأعطيك الدواء و سيجعل مهرالا كالحصان!»
اخذت تقلب بين الرفوف الاعشاب، و مع كل رف تنهي تفتيشه، تغادر ابتسامتها شيئا فشيئا، لتلتفت في الاخير بوجه محبط حزين، و تجثو امام ليوريا قائلة بصوت حزين:
«آسفة ايتها القزمة، فلقد نفذت العشبة»
انطفأ وجه ليوريا المشع بالأمل، و حل مكانه وجه كئيب، كأنها فقدت آخر أمل لها. لم تتحمل إفكار تعبيرها فحضنتها معبرة عن أسفها، بينما اشاح راين نظره عنها، يراقب الأرض دون حيلة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!