وضع القراءة:

الفصل الثاني لما العفريت يترجل!

الفصل الثاني: لما العفريت يترجل!
حقد في الضلمة وتهديد ناري
كان الليل طويل وتقيل، والنسيم البارد في عالم البشر كان بيمر زي الهمس الدافي مقارنة برياح النار المشتعلة في عالم الجان.
في الضلمة الكحل فوق السطوح القريبة من بيت سارة، كانت "سيروز" واقفة عينيها المائية بتبرق بشرّ مكتوم.
عينيها الضيقة والشق الطولي الممتد فوقيها كانوا بيلمعوا بتوتر شديد وهي متبعة حركة برهوم ببطء وهو سرحان في الإنسية من ورا الإزاز.
قرب برهوم منها بخطوات متزنة وثابتة، تسبقها هيبة نارية بتولّع الهوا حواليهم.
وقف قدامها، ونبرة صوته كانت مستغربة ومستنكرة وجودها في المكان ده بالذات:
- بتعملي إيه هنا يا سيروز؟ ومتبعاني ليه من عالمنا لحد أراضي الإنس؟
قربت سيروز منه خطوة، وشفايفها اترسمت عليها ابتسامة كلها سخرية وعتاب مسموم، ورفعت حاجبها وهي بتقول بصوت فيه نبرة تريقة:
- واقفة بتفرج على حبيبي وعشيقي.. بشوفه بيعمل إيه عند الست الإنسية دي نص الليل! واقف يسرح في ملامحها كأنه نسي هو مين وهي مين!
برهوم هز رأسه ببرود شديد، وشاور بعينيه ناحية شباك سارة المقفل، وقال بثقة وثبات:
- أكيد كنت بحاول أعاقبها على اللي عملته معايا.. القلم اللي ضربتهولي ده جريمة وما ينفعش يعدي بالساهل على جن من سلالة نارية.
سيروز بصت له بنظرة متفحصة، بتحاول تقرأ اللي استخبى ورا عينيه النارية، وارتسمت على شفايفها ابتسامة استهزاء وهي بتسأله:
- وهل عاقبتها فعلاً يا سمو الملك؟ ولا السحر والإنسية أخدوك ونسيت نفسك؟
برهوم ضحك بصوت واطي وخفيف وهو بيهز رأسه ونظراته رايحة لبعيد:
- أولاً، أنا لسه مابقتش ملك على البسرين.. وثانياً، لأ.. لسه ماعاقبتهاش.
في أقل من ثانية، ملامح سيروز اتقلبت تماماً، والهدوء المائي اللي كان على وشها تحول لغضب حاد، ونبرة صوتها بقت شريرة وبتملاها الغيرة وهي بتقول بتحدي صريح:
- طالما أنت ماعاقبتهاش ومتردد.. يبقى أنا اللي هقوم بالواجب ده فوراً، وهوريها مقامها صح وأعرفها إزاي تمد إيدها على سيد من أسياد الجان!
أول ما نطقت سيروز كلامها، وقفة برهوم اتعدلت في لحظة، وجسمه اتفرد بكل هيبة وصارمة.
طاقة نارية دافية اتفتحت من حواليه، وعينيه لمعت ببريق أحمر يخوف.
قرب منها خطوة واثقة وبص لها بجمود تام، وطلع منه صوت وحشي عميق يرعب الإنس والجان مع بعض، صوت يخلي الجبال تتزلزل والأرض تهتز تحت الرجلين:
- لأ يا سيروز.. إياكي تمسيها أو تعمليلها أي حاجة!
ولو عرفت إنك قربتِ منها أو لمستِ شعرة واحدة منها.. هكون لكِ بالمرصاد، وهتشوفي مني وش عمرك ما شفتيه ولا تتمنيه!
سيروز اتصدمت من رد فعله الصارم، وعينيها المائية احمرت من كتر الغيرة والقهر.
ما نطقتش ولا كلمة، ورجعت خطوة لورا واختفت من المكان في ثانية كأنها ما كانتش موجودة اصلاً، وهي بتغلي من جواها زي البركان.
بس في سرها، كانت الخطة أكبر وأعمق؛ فسيروز مش هي اللي تتراجع قدام تهديد، ولن تسمح لإنسية بسيطة إنها تتجرأ وتتعدى حدودها أو تاخد منها اللي اتكتب له يكون ملك وهي ملكته!
بعد ما سيروز مشيت، فضيل برهوم واقف لوحده على السطح بيتأمل الهدوء اللي ساد المكان.
التفت تاني ناحية شباك أوضة سارة، مطرح ما نايمة البنت الخمرية دي في نوم عميق من غير ما تحس بحجم الصراع اللي بدأ حواليها.
شاور برهوم بإيده في الهوا، وطلع همس خفيف بلغة الجان القديمة.. طاقة سحرية لطيفة دخلت من بين خشب الشباك واستقرت في عقل سارة النايمة.
كان عارف كويس إن عقل البشر الضعيف مش هيتحمل صدمة إنه يعرف بوجود الجن أو يفتكر تفاصيل اللي حصل في الضلمة؛ عشان كده قرر يمسح تفاصيل الليلة دي من ذاكرتها خالص، ويخليها تعيش يومها الطبيعي وهو بيراقب خطواتها عن قرب ويحدد عقابها المظبوط في الوقت اللي يعجبه.
بعد برهوم بخطوات هادية واختفى في الضلمة، يلفه الغموض والانتظار.
صباح يوم جديد في بيت سارة
مع طلعت الشمس والدفء اللي اتسلل من بين أطراف الستائر، صحيت سارة -البنت المنحوسة وردة البيت الجميل- وهي حاسة بكسل فظيع في جسمها وكأنها كانت بتجري طول الليل.
فتحت عينيها بالعافية، واتتأبت بصوت عالي وهي بتمسح وشها بإيدها.
الغريب إن سارة صحيت ناسية تماماً كل الأحداث المرعبة اللي مرت بيها امبارح! موضوع الجني والنار اللي طالعة من جسمه والكف اللي خبطتهوله، كل ده اتمسح من دماغها تماماً وكأنه كان مجرد حلم طائر وراح مع النور.
قامت بالعافية من على السرير، وجرّت رجليها بتكاسل وهي لابسة الشبشب بتسحب، وخرجت رايحة على المطبخ عشان تعمل لنفسها فطار.
هناك، لقت أبوها وأمها قاعدين على الطاولة بيفطروا ويتكلموا.
دخلت سارة بابتسامتها العفوية وهبلها الصباحي المعتاد:
- صباح الخير يا بابا.. صباح الخير يا أحلى ماما في الدنيا!
فرح (أمها) رفعت رأسها وبصت لها بحنان متغلف بالتعود على حركاتها:
- صباح الخير يا حبيبتي.. ها، نمتي كويس بالليل؟ ولا قمتِ مفزوعة كالعادة؟
سارة قعدت على الكرسي بثقة عالية وهي بتمد إيدها تاخد حتة جبنة:
- أنا؟ وأنا من إمتى يعني بنام مش مرتاحة؟ أنا بنام زي الفل دائماً، ونومي هادي زي الأطفال!
فرح بصت لها، وشقلبت عينيها بقلة صبر وقالت بصوت واطي:
- أنتِ بتقلبي على نفسك وتنقّي كده ليه؟ ده ناس كتير في المنطقة قالوا إن عينك وحشة وحسودة وما بتسميش!
سارة كانت في اللحظة دي حاطة لقمة كبيرة في بقها، وأول ما سمعت الكلمة شرقَت وفضلت تكح بشكل هستيري.
قامت وقفت على الكرسي بسرعة، ولقمة الأكل لسه مالية بقها، وتكلمت بصوت عالي ومفضوح وهي بتشاور بإيدها:
- مين دي اللي عينها وحشة؟! أنا؟! أنا عينيا وحشة يا ماما؟! ده أنا بلسم! بلسم والله ونية صافية! أكيد البت سها المعفنة هي اللي قالت عليا كده وطلعت عليا الشائعة دي! طب ما أنتِ عارفة كويس إنها مش بتحبني وبتقر عليا في الطالع والنازل.. بعدين أنتِ عارفة يعني اللي حصل مع جسمها وخطيبها ده كان بسببي ولا بسبب أفعالها؟ ها؟
ماجد (أبوها) هز رأسه بملل واستهزاء وهو بيفرك الفول بالمعلقة:
- خير ياختي.. كان بسببك إيه يا ترى؟ سمعينا عبقريتك الصباحية وطلعينا غلطانين!
سارة بصت لأبوها بغضب طفولي، واشتدت في كلامها بحماس وصوت عالي:
- عشان لما اتخطبت للظابط اللي أنا طول عمري بتمنى بس أسلم عليه في الشارع مش حتى أتجوزه.. نزلت استوري على الفيس بوك ليها وهو ماسك إيدها وهي لابسة الدبلة وبترقص ومشرقطة.. دخلت أنا عندها على الاستوري طبعاً 😏، وباركت لها في الكومنتات بكل طيبة خاطر وكتبت لها: "ما شاء الله أظافرك حلوة أوي ورقيقة!".. أوم إيه؟ أظافرها كلها اتقصفت واتكسرت تاني يوم في الحنة! ذنبي أنا بقى في الموضوع ده؟! هي اللي أظافرها ضعيفة ومحتاجة فيتامينات!
فرح ضحكت وقالت وهي بتحاول تلطف الجو:
- لا طبعاً مش شرط يكون بسبب عينك يعني.. المانيكير هو اللي بيضعف الضوافر!
ماجد مابقاش قادر يمسك نفسه من الضحك، وقعد يضحك بهستيريا وقال وهو بيضرب كف بكف:
- أيوه.. وايه كمان؟ سمعي أمك باقي المصايب اللي بتعمليها في خلق الله بعينك البلسم دي!
سارة حست بالحرج الشديد، وشها احمر ونزلت من على الكرسي، وبدأت تلعب بأظافرها وتبص في الأرض وقالت بصوت واطي ومحرج:
- و.. وكتبت لها كمان في نفس الاستوري إن خطيبها قمر بصراحة ولابس طقم شيك..
ماجد فطس على نفسه من الضحك وزعق بصوت عالي:
- اه! وايه اللي حصل لخطيبها القمر بعدها قولي؟ متتكسفيش مننا!!
سارة بكسوف وقهر طفولي:
- وقع على وشه في جردل الحنة الحمرا الكبيرة برة القاعة.. وشعره ووشه والبدلة بقوا لونهم أحمر ناري، والظابط بقا شبه العفريت!
أول ما قالت سارة الجملة دي، ماجد ما قدرش يستحمل ووقع من على الكرسي على الأرض من كثرة الضحك ومسح دموعه، وفرح مسكت بطنها وهي بتعيط وتضحك بصوت عالي على طريقة بنتها وهبلها العفوي.
سارة وقفت وبوزت بشفايفها بغضب طفولي، وضربت رجلها في الأرض بقوة وقالت:
- دي مش عيشة دي خالص! أنا غلطانة أصلاً إني جيت اتكلمت معاكم وحكيت لكم حاجة من قلبي! ها!
سابتهم سارة وجريت على أوضتها وهي بتدبدب برجليها على الأرض زي الأطفال الصغار، ودخلت ورزعت الباب وراها بصوت عالي.
ومع إنها قعدت على السرير وفتحت تليفونها، افتكرت شكل العريس والظابط الشديد وهو مغطى بالحنة الحمراء من رأسه لقدميه، وما قدرش تمسك نفسها هي كمان ووقعت في موجة ضحك هستيرية جوة الأوضة، ناسية إن فيه عيون نارية بتبص عليها من ورا الخفاء وترتب لأيام غير متوقعة خالص!
# يتبع..
# بقلم: ندى عمرو
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.