وضع القراءة:

الفصل الاول

في أعماق مملكة البسرين
في أعمق حتة في الأرض، في مكان ظلام وسري ما يعرفهوش إنسي، كانت بتقع مملكة "البسرين".
المملكة دي مش أي مملكة، دي أرض الجان الناري، واللي بيحكمها بقبضة من حديد هو الملك "قرون".
في قاعة العرش الكبيرة، كان الملك قرون واقف مدي ضهره لـ "برهوم"، وعينيه بتبص لبرة النافذة الضخمة اللي بتطل على وادي من النار الللهيب.
ملامح الملك كانت قالبة تماماً، والغضب كان بيغلي في عروقه.
التفت فجأة وبص لبرهوم بنظرة تزلزل الجبال، وقال بصوت خشن ومبحوح، يرعب أي حد يسمعه:
- أنت لسه بتقابل بنت الملك "كرهوف"؟ لسه بتعصى أوامري يا برهوم؟
برهوم ما اتهزش، وقف بكل جمود وبرود، ملامحه النارية كانت هادية بشكل يستفز، ورد وعينيه في عين الملك:
- أيوه يا ملك قرون، لسه بقابلها.. أنا بحبها ومش هسيبها ولا هقفل الباب ده أبداً، مفيش قوة على الأرض أو تحت الأرض تخليني أتخلي عنها.
الملك قرون ضرب الأرض برجله، فالقاعة كلها اتهزت، وزعق بغضب أعمى:
- بس إحنا مفيش بينا وبينهم جواز! الجان الناري والجان المائي عمرهم ما يتجمعوا، ده قانون الطبيعة وقانون مملكتنا! أنت عارف كويس إن الجواز ده ممنوع وغير مسموح بيه لينا نهائي، ولو المحكمة العليا للجان عرفت باللي بتعمله ده.. العقاب هيكون دمارك، هيعاقبوك على الجريمة دي بأبشع الطرق!
برهوم ابتسم سخرية، ومرفش له جفن وهو بيقول بكل تحدي:
- وأنا مش بركع لأي قانون، ومفيش قوانين هتمشيني.
لقاء في عالم البشر
ساب برهوم الملك واقف بيغلي، وانسحب من القاعة بكل هدوء.
راح للمكان اللي دايماً بيحب يقف فيه لوحده عشان يصفّي ذهنه.
وهو واقف وسرحان، حس بحركة وراه.. أنفاس هادية ولطيفة عرفها من أول لحظة.
التفت وراه، ولقاها هي.. حبيبة قلبه "سيروز".
سيروز كانت خطافة للعين، ملامحها غريبة بس ساحرة؛ شعرها أحمر غامق وقصير، طولها كان متوسط ومتناسق جداً، وعينيها واسعة وفوقيها شق طولي بيميز شكلها كجنية مائية، أما مناخيرها فكانت مدببة ورقيقة.
برهوم قرب منها بخطوات بطيئة، مد إيده ولمس كتفها بحنان، ونظراته كلها حب وعشق، وقال بصوت واطي:
- عامله إيه يا سيروز؟ وحشتيني.
سيروز بصت حواليها بخوف وقلق، وقربت منه أكتر وهي بتبلع ريقها:
- برهوم، مش وقته خالص.. خلينا نمشي من هنا بسرعة، أي جن معدي ممكن يشوفنا ويبلغ الملك، والموضوع مش ناقص.
أخدها برهوم واختفوا في ثواني، وظهروا في عالم تاني خالص.. عالم الإنس.
مشيوا وسط شوارع وأزقة كتيرة وضيقة، لحد ما وقفوا في حارة ضلمة شوية ومفيش فيها رجل رايحة ولا جاية.
وقفت سيروز قدامه وبصت في عينيه بدلع وعتاب:
- قولي بقى.. لحقت أوحشك في الشوية دول؟
برهوم ابتسم وقال:
- أكيد طبعاً وحشتيني، بس يا سيروز.. إحنا لازم نفترق، الموضوع مابقاش سهل، وبقى شبه مستحيل نكمل في العناد ده.
سيروز قربت منه خطوة كمان، ولزقت فيه وهي بتبص لشفايفه بتحدي:
- مفيش حاجة اسمها مستحيل بيننا يا برهوم، طول ما أنا معاك وأنت معايا مفيش قوة هتفرقنا.
وقبل ما يملي عينيه منها، قربت أكتر عشان تبوسه.. لكن فجأة، حصلت حاجة برة الحسابات تماماً!
من العدم، وبدون أي مقدمات، ظهرت بنت إنسية تلطم على وشها وبصت لهم بصوت عالي ومسموع ومصدوم:
- إيه قلة الأدب دي؟! أنت يا أستاذ يا محترم، إزاي تسمح لنفسك تبوسها في الشارع وقدام الناس كده؟ وأنتي يا هانم يا أمورة، مش خايفة على سمعتك ولا على أهلك اللي سايبينك في الشوارع بالليل؟ وبتبوسيه في وسط الحارة عادي كده؟!
الحارة كانت كحل والإضاءة خافتة جداً، فالبنت مش قادرة تشوف ملامحهم بوضوح، فاكراهم شاب وبنت من البشر مقضيينها في الضلمة.
برهوم وقف مبرق ومش فاهم حاجة.. إزاي الإنسية دي شايفانا؟! إحنا في حالة خفاء!
أما سيروز فجمدت مكانها، وبقت تبص لبرهوم وهي محتارة ومش عارفة تتصرف إزاي، المفروض إنهم مش مرئيين لأي حد من البشر!
برهوم هز رأسه وقال لنفسه: "أكيد مش شايفانا، دي بتخرف أو بيتهيألها".. وقرر يستعبط وقرب من سيروز تاني عشان يكمل اللي كان هيعمله، على أساس إن البنت الإنسية دي أعمى ومش شيفاهم بجد.
بس يا دوب بيقرب، ولقى كف خماسي نزل على وشه! طاخ!
الصفعة كانت ضعيفة جداً بالنسبة لقوته كجن، بس كانت كفيلة تصدمه وتجرح كبريائه.
برهوم وقف مكانه، وعينيه بدأت تتحول للون الأحمر الدموي، والشرار بدأ يتطاير منها، وجسمه كله بدأ يطلع منه نار حقيقية ولهب بيحرق الهوا حواليه من كتر الغضب.
البنت الإنسية لما شافت المنظر ده، وعينيها جت على النار اللي طالعة من جسمه وشكله اللي اتقلب في ثانية، وشها جاب ألوان، وفتحت بقها على الآخر وصوتت بأعلى صوت عندها:
- يا ماماتييييي! الحقيني يا ماماااا! أنا ضربت جن يا ماماااا! يا لهوييييي!
طلعت تجري بأقصى سرعة عندها في الشارع، وهي بتبكي وتصرخ وبتخبط في الحيطان من الرعب وتعيط وتناد على أمهما.
برهوم فضل واقف مكانه، والنار بدأت تهدأ، وبدل الغضب، مات على نفسه من الضحك.. قعد يضحك بصوت عالي على غبائها ومنظرها وهي بتجري زي الفراخ المذعورة.
إزاي إنسية بالغباء ده تضرب جن وتجري تشتكي لمامتها؟!
بيت سارة الصاخب
في الناحية التانية، كانت البنت دي -واللي اسمها "سارة"- وصلت بيتها وهي بتقطع النفس.
دخلت تجري، قفلت الباب وراها بالمفتاح والترباس، وفضلت ساندة ضهرها على الباب وهي بتنهج وصدرها بيعلو ويهبط من الرعب.
أول ما أبوها وأمها شافوا منظرها ده، قلبوا عينيهم بملل وزهق، وقالوا في صوت واحد:
- أكيد كتلة الغباء المتحركة عملت مصيبة خرا شبهها برة وجاية تجري!
سارة سابت الباب وجريت عليهم، ومسكت في إيد أمها وإيد أبوها وهي بتبكي بدموع وتترعش:
- بابا.. ماما.. أرجوكم اسمعوني وصدقوني.. أنا ضربت جني برة في الحارة! والله ضربت جني بالقلم!
فرح (أم سارة) بصت لها ببرود وابتسمت بسخرية:
- بجد يا حبيبتي؟ طب والله كويس، إن شاء الله يرجع ياخدك عندهم ونخلص منك، ويبقى عمل فينا وفي البيت ده أكبر خير!
سارة صرخت بقلة حيلة وقهر:
- يا ماماااا! يا بابا اسمعوني بقاااا! أنا بكلمكم بجد، أنا فعلاً ضربت جني حقيقي وشفت النار بتطلع من جسمه!
ماجد (أبو سارة) هز رأسه وهو بيضحك ومستهزئ بالموضوع:
- طب خلاص يا ستي، مش أنتِ ضربتيه؟ يبقى أكيد اتعلم من غلطه ومش هييجي في سكتك تاني، تلاقيه تلبس وتاب دلوقتي ومش هيعدي من حارتنا خالص.. متخافيش هههههه.
سارة بصت لهم بدموع وصدمة من برودهم:
- أنتوا مش أسرة لطيفة خالص ولا حنينة! أنا أصلاً غلطانة وغلطانه إني جيت أحكيلكم على اللي حصل وأدور على الأمان في البيت ده! طالعة أنام!
سابتهم سارة ودخلت أوضتها وهي بتعيط وزعلانة، وقفلت الباب وراها. كانت حاسة بشوية خوف وتوتر من المنظر اللي شافته، بس فكرت وقالت لنفسها: "أنا لو قفلت شباك الأوضة بالترباس، مفيش أي حاجة وحشة هتحصل، وهكون في أمان وكل حاجة هتبقى تمام".
(قال يعني الشباك الإزاز هو اللي هيحميها من الجن! هيهات هيهات يا سارة 😂)
جوا الأوضة، كانت سارة غطت نفسها باللحاف وبتحاول تنام وتنسى الرعب اللي عاشته.
لكن برة الأوضة، وعلى الشباك بالظبط.. كان "برهوم" واقف!
برهوم كان واقف على حافة النافذة اللي سارة نايمة وراها، باصص عليها من ورا الزجاج بكل هدوء.
قرب وشه من الإزاز أكتر، وبدأ يتأمل ملامحها بدقة عشان يشوف البنت اللي تجرأت وضربته عن قرب، وكان ناوي يعاقبها أشد عقاب على اللي عملته معاه.
بس لما ركز في ملامحها، سكت تماماً..
سارة كانت بتمتلك شعر أسود طويل وناعم ومفرود على المخدة، وبشرتها خمرية مصرية أصيلة وجميلة، وشفايفها الوردية المرسومة بطريقة غريبة ومثيرة، وعينيها المقفولة برموشها الطويلة الكثيفة
برهوم فضل باصص ومبلم، ودار في عقله فكرة واحدة: "دي جميلة جداً!". بالنسبة له كجن، ملامحها البشرية دي كانت ساحرة ولها جاذبية خاصة ومختلفة تماماً عن أي حاجة شافها قبل كده.
فضل واقف يتأملها لوقت طويل وهو سرحان في تفاصيل وشها، وبعد فترة انسحب ورجع لورا وهو بيفكر في خطوته الجاية.
وهو بيلف عشان يمشي، اتفاجأ بـ "سيروز" واقفة وراه على السطوح القريبة.. سيروز كانت متابعة كل حاجة، وكانت واقفت بتبص لبرهوم بنظرات كلها شر، غيرة، وتكبر.. نظرة بتقول إن اللي جاي مش هيعدي على خير أبداً.
# يتبع...
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.